هضبة الجولان... خاتمة المعارك؟

في ضوء المقاطعة الصريحة للانتخابات المحلية الإسرائيلية

هضبة الجولان... خاتمة المعارك؟
TT

هضبة الجولان... خاتمة المعارك؟

هضبة الجولان... خاتمة المعارك؟

في الوقت الذي تحولت سوريا الأم مرتعا لحروب النفوذ بين مراكز القوى المحلية والإقليمية والعالمية، وبات يبدو فيه أن المنقضين على ما تبقى من الشام يزيدون على تعداد أهل الشام، ويتوه فيه المشرّدون السوريون ما بين عطشهم للوطن وخوفهم من الوطن، وصار فيه الركام الهائل رمزا لنفسية الإحباط القاتل، انطلقت صرخة شامية أصيلة من تلك المرتفعات الجنوبية الغربية، المعروفة بهضبة الجولان.
سوريون من المهد إلى اللحد، الوالد والولد، الجدة والجد، صغاراً وشباباً ومسنين، نساءً ورجالاً، هبوا جميعاً منتفضين يقولون «لا» كبيرة للاحتلال، الذي قرّر اختبار مدى انتمائهم... فندم على هذا الاختبار.

المحاولة التي أقدم عليها وزير الداخلية الإسرائيلي آريه درعي، لإجراء انتخابات بلدية في أربع قرى في الجولان السوري المحتل، هي مجدل شمس ومسعدة وعين قنيا وبقعاثا، سوية مع الانتخابات البلدية الإسرائيلية، لم تكن بمثابة «هدية ديمقراطية» للسكان يراد بها «منحهم الحق في إدارة شؤونهم لوحدهم»، كما زعم.
وحتى الاعتقاد بأن هذه الانتخابات هي محاولة لتثبيت الاحتلال الإسرائيلي على هذه الأرض، يكون مجرد حساب تقليدي أقرب إلى الشعار. فإسرائيل عملت وتعمل بشكل حثيث طيلة 51 سنة لجعل الجولان «منطقة إسرائيلية»، كما هو حال مساعيها في القدس الشرقية المحتلة.
الحقيقة أن هذه الانتخابات، جاءت لتكون واحدة من عشرات «بالونات الاختبار» التي أطلقتها إسرائيل نحو القصور في دمشق وموسكو وطهران وأنقرة، في السنوات الثلاث الأخيرة، طلبا لحصة لها في الكعكة السورية. إذ ثمة اعتقاد في تل أبيب بأن الحرب السورية قد انتهت وجاء وقت تقاسم الغنائم. وبما أن تركيا تطلب «حصة» لها في الشمال الغربي، وروسيا تفرض وجوداً راسخاً على الأرض السورية، وإيران تغرس مخالبها عميقاً في الجسد السوري، يحق لإسرائيل – حسب منطق قادتها – أن تحظى بهذه «البقعة الصغيرة». فهي لا تساوي أكثر من 1 في المائة (1800 كيلومتر مربع من مجموع 185 ألفا و180 كيلومترا مربعا) من مساحة سوريا الأصلية.

- حلم «الضم» الإسرائيلي
لقد حاولت الحكومة الإسرائيلية الفوز بهذه البقعة طيلة سنوات الاحتلال، لتجعل منها جزءاً لا يتجزأ من الدولة العبرية، وفشلت.
استهلت هذه المحاولات بالاستيطان اليهودي فيها. صرفت على ذلك أموالا طائلة تقدر بالمليارات. وفي عام 1981. سنّ في الكنيست (البرلمان الإسرائيلي) قانونا يقضي بضم الجولان إلى السيادة الإسرائيلية. وعرضت بيوت السكن بنصف الأسعار الرسمية في إسرائيل. وخفضت الضرائب بنسبة 12 في المائة. وأقامت الحكومة الإسرائيلية المناطق الصناعية والمزارع الحيوانية والمرافق السياحية، بما في ذلك التزلج على الجليد. كذلك أنشأت مدينة «كتسرين» الاستيطانية و32 مستوطنة قروية. وخصّص الجيش الإسرائيلي 60 في المائة من أراضي الجولان قواعد عسكرية توفر الحماية والأمان للسكان. لكن عدد المستوطنين اليهود هناك لم يزد عن 22 ألفاً، ومقابلهم صار عدد العرب في القرى الأربع (مع قرية غجر في رأس منخفض الحولة غرباً) 27 ألفاً.
وفي عام 1992 أبدى رئيس الوزراء الإسرائيلي، إسحاق رابين، استعداده للتنازل عن الجولان مقابل سلام كامل مع سوريا، بشرط أن يتم الانسحاب بالتدريج خلال خمس عشرة سنة. لكن القيادة السورية أضاعت تلك الفرصة، فعاد الإسرائيليون إلى صيغة استئجار الجولان لسنين طويلة (25 سنة قابلة للتجديد 25 سنة أخرى). وتقدّمت المفاوضات خطوات كبيرة بين تل أبيب ودمشق حول هذه الصيغة، خصوصا في فترة حكم إيهود أولمرت، عام 2008. غير أن الإدارة الأميركية أفشلت الاتفاق، يومذاك، بسبب خلافاتها الشديدة مع دمشق.
بعدها تغيرت الظروف. وأحدثت الانتفاضة السورية عام 2011 انعطافاً حاداً في الموقف الإسرائيلي. إذ اختار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو ووزراؤه ومخابراته التفرّج على السوريين، وهم يهشمون بعضهم بعضاً ويستنزفون مقدرات الدولة، والتساؤل علناً «إذا كان النظام السوري يبيد وطنه وبلده وأهله، فهل من المنطق أن تعيد إسرائيل الجولان إليه؟ فلو كانت إسرائيل قد انسحبت من الجولان، لكانت الحرب قد وصلت إلى طبريا وأعالي الجليل، كما كان الوضع عليه قبيل حرب 1967».
وهكذا، راحت إسرائيل تناور ما بين أطراف الصراع، فترضي النظام تارة والمعارضة طوراً. والتقت مع بضعة أوساط معارضة ودخلت في مساومات معها، أسفرت عن الإعلان عن بلورة «تفاهمات» حول استئجار الجولان لفترة طويلة وتحويله إلى «حديقة سلام إقليمية».
وكلما تغوّل السوريون في «حربهم» المدوّلة أكثر، رأت إسرائيل بوضوح أكبر كيف يجري التخطيط لتقسيم سوريا إلى عدة دويلات طائفية، وكيف يطمع جيران سوريا بأجزاء من أراضيها. وبالتالي، بدأت تطالب بالاعتراف الدولي في قرارها ضم الجولان إليها.

- مؤشرات لصفقة إيرانية؟
لقد طرقت حكومة بنيامين نتنياهو، بالفعل، كل الأبواب الممكنة للوصول إلى هذا الهدف، عبر القنوات السرية، بداية، ثم العلنية. وبعدما اعترف الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل السفارة الأميركية إليها من تل أبيب، أعلن نتنياهو صراحة، في مطلع السنة الجارية، أن «إسرائيل ما زالت تأمل أن تعترف الولايات المتحدة بأحقيتها في السيادة على هضبة الجولان».
وفي شهر مايو (أيار) الماضي، قال مسؤول إسرائيلي كبير إن «الاعتراف الأميركي ربما يأتي في غضون شهور، بينما أبدى عدد من المسؤولين الأميركيين تأييدهم لهذه الخطوة بذريعة أن الاعتراف الأميركي بسيادة إسرائيلية على الجولان يساعد على كبح ومواجهة النفوذ الإيراني في سوريا».
الظاهر أن واشنطن لا ترفض الفكرة بالمطلق. فمع أن مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون، قال في مقابلة مع الصحافة الإسرائيلية، أثناء زيارته تل أبيب يوم 20 أغسطس (آب) 2018، إنه «لا يجري بحث أمر الاعتراف بضم إسرائيل للجولان، ولم يُتخذ قرار (بهذا الشأن) داخل الحكومة الأميركية»، فإن ديفيد فريدمان، السفير الأميركي لدى إسرائيل، قال خلال مقابلة مع صحيفة «يسرائيل هيوم» العبرية، يوم 7 سبتمبر (أيلول) 2018 إن «هضبة الجولان ستبقى دائماً تحت السيادة الإسرائيلية ولن تعاد إلى سوريا». وتابع «لا يمكنني تخيّل وضع لا تشكِّل فيه هضبة الجولان جزءاً من إسرائيل إلى الأبد. فالتخلّي عن الجولان كفيل بأن يضع إسرائيل في دوامة أمنيّة كبيرة. لذلك أتوقّع للوضع الراهن أن يبقى».
وحسب مسؤول رفيع في تل أبيب فإن بنيامين نتنياهو، لم يفوّت فرصة في لقاءاته الكثيرة مع المسؤولين في الغرب، إلا وطرح مطلبه حول الاعتراف بضم الجولان. بل، وطرحه مع الروس أيضاً، ضمن صفقة شاملة لتقاسم النفوذ في سوريا. ومن ثم، لم يستبعد خبراء إسرائيليون احتمال أن تكون حكومة نتنياهو في وارد أن تدخل إيران في هذه التفاهمات، على أساس من القبول بوجود إيراني رمزي في سوريا مقابل الموافقة على ضم الجولان لإسرائيل.
ويرى هؤلاء أن نظام طهران بات اليوم أضعف بعدما بدأت العقوبات الأميركية تترك أثرها على الاقتصاد الإيراني المنهار أصلاً. يضاف إلى ذلك التهديدات الحربية الإسرائيلية المتواصلة والضربات الإسرائيلية المباشرة وغير المباشرة للإيرانيين داخل سوريا، والعمليات الاستخبارية الإسرائيلية في إيران نفسها، حيث اغتيل الكثير من علماء الذرّة الإيرانيين، وجرى تدمير برامج الحواسيب في المفاعل النووي، ونجح «كوماندوز» جهاز الاستخبارات الإسرائيلي «الموساد» بالدخول إلى قلب طهران وتحميل أرشيف المشروع النووي الإيراني على حافلة ونقله من هناك إلى إسرائيل من دون أن يُكتشف. كل هذه النشاطات مهينة لطهران ومسيئة لهيبتها في الداخل والخارج، وهي تريد أن لا تتكرّر بالتأكيد.
وحقاً، نشرت تلميحات في الأسابيع الأخيرة بأن نتنياهو شخصياً طرح المسألة في لقاءاته مع عدة شخصيات عربية التقاها أخيراً، بما فيه اللقاءات في سلطنة عُمان، وكذلك فعل يوسي كوهين رئيس جهاز «الموساد» الذي يدير الاتصالات السرية بين إسرائيل وعدة دول أخرى لا تقيم معها علاقات دبلوماسية. وحسب المتخصصين في الشؤون الأمنية في الصحافة الإسرائيلية، فإن الرسائل الموجهة من تل أبيب عبر مختلف الوسطاء إلى إيران أيضاً، طرحت هذا المطلب وتضمنت أحاديث عن «صفقة تفاهمات». وزيارة نتنياهو إلى مسقط لم تقتصر على الموضوع الفلسطيني، بل تطرّقت بالتفصيل إلى الموضوع الإيراني، من خلال إدراك تل أبيب أن سلطنة عُمان تقيم علاقات رتيبة مع إيران، وكانت قد استضافت المحادثات الأولية بين الدول الكبرى الست وإيران حول الاتفاق النووي في عهد إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما.
وهنا يذكر الدكتور يوسي ميلمان، أحد أبرز خبراء الشؤون الأمنية في الصحافة العبرية، أن «إسرائيل كانت قد أجرت اتصالات مع حزب الله اللبناني والحرس الثوري الإيراني بوساطة جهاز مخابرات غربي في العام 2015، من أجل بحث مصير الطيار الإسرائيلي المفقود، رون أراد». وتابع ميلمان أن «الرقابة العسكرية الإسرائيلية سمحت بنشر بعض تفاصيل الاتصالات (بين إسرائيل وأعدائها في المنطقة)، وبضمنها أن حزب الله أبدى (تفاؤله) بنجاح جهوده لمعرفة مصير أراد، في أعقاب ورود معلومات استخباراتيّة جديدة جمعها الحزب في الفترة الأخيرة عن الطيار، الذي سقطت طائرته فوق لبنان قبل نحو 30 سنة، ولا يعرف مصيره حتى اليوم. ولكن، في نهاية الاتصالات، أعرب حزب الله عن فشله في التوصل لنهاية لغز الاختفاء حالياً على الأقل، وادّعى بأن التربة التي دُفِنَ فيها أراد تغيّرت عدّة مرات منذ الفترة التي توفي فيها. كذلك نقل عن الحزب ثقته بأنه يستطيع العثور على مكان دفن أراد». ولفت ميلمان إلى معلومات نشرت عام 2016 عن لقاء إسرائيلي - إيراني مباشر عقد في قبرص في شهر مايو (أيار) من العام 2016 بمشاركة مساعد الرئيس الإيراني الأسبق علي أكبر هاشمي رفسنجاني.
الانتخابات البلدية الأخيرة
عودة إلى الانتخابات المحلية (البلدية) الأخيرة، يجب القول إن إسرائيل اختبرت أهالي الجولان – وجلّهم من المحدين الدروز – مرّات كثيرة في الماضي، وفشلت في زحزحتهم عن موقفهم المتمسك بالانتماء لوطنهم الأم سوريا. لقد جرّبت «العصا»... وجرّبت «الجزرة».
حاولت إغراءهم بإنشاء دولة درزية، تضم أبناء الطائفة المعروفة اللبنانيين والسوريين سوية مع بعض القرى الدرزية في الجليل. وفتحت لهم الطريق لتصدير منتوجهم من التفاح إلى سوريا والأردن. كذلك حاولت قمع القوى الوطنية فيهم واعتقلت المئات منهم بتهمة الإرهاب. ثم حاولت شق صفوفهم وتأليبهم ضد بعضهم البعض... إلا أنها لم تفلح. ولكنها، مع تحوّل انتفاضة 2011 في سوريا إلى حرب لمست لديهم نقطة ضعف.
إذ انقسم سوريو الجولان أيضا ما بين مؤيدين للنظام ومؤيدين للمعارضة. وعلى الأثر، فتحت الطريق أمامهم لتعميق الخلافات وترجمتها إلى صراعات عقائدية وتنظيمية، إلا أن الجولانيين حافظوا على حد أدنى من وحدة الصف، معتبرين «الاحتلال خطا أحمر لا يُسمح بتجاوزه». تناقشوا وتحاورا واختلفوا وتصارعوا حول كل ما يجري في سوريا من نكبات، لكنهم أبقوا على علاقاتهم الاجتماعية الودّية بشكل مثير للإعجاب.
طبعاً، لم تيأس السلطات الإسرائيلية. وجنباً إلى جنب مع تقدمها في رؤية «الحرب السورية فرصة للتقدم في عملية الضم وفرض السيادة»، قرّرت أن تدفع أهالي الجولان إلى «خاتمة المعارك»، فقررت إجراء الانتخابات البلدية فيها سوية مع البلديات الإسرائيلية. وحسب وزير الداخلية آريه درعي، فإن حكومة نتنياهو «قررت إظهار صورة جديدة: مقابل المذابح التي يرتكبها النظام السوري بحق الشعب السوري، فإن إسرائيل تتيح للسوريين في الجولان أن يمارسوا الديمقراطية بمنتهى الحرية. فاقترحت عليهم الترشح لرئاسة المجالس المحلية في القرى الخمس وعضوية هذه المجالس».
الخطة نجحت في البداية بإثارة نقاشات حادة حول الموضوع بين الأهالي، إلا أن القوى الوطنية – المختلفة فيما بينها حول الوضع في سوريا – اتحدت في الموقف الوطني ضد الاحتلال، واختارت رفض هذه الانتخابات. ورغم التصدّعات الناشئة بين العلمانيين ورجال الدين، تمكن الجولانيون من إعادة اللحمة واتخذوا موقفاً موحداً، يقضي ليس فقط برفض الانتخابات بل فرضوا حرماناً دينياً واجتماعياً وسياسيا على كل من يقبل على نفسه أن يترشح أو ينتخب في هذه الانتخابات. وما أن جاء يوم الانتخابات 30 أكتوبر (تشرين الأول)، حتى كان جميع المرشحين في بلدتي مسعدة وبقعاثا قد انسحبوا، ما يعني إلغاء الانتخابات. وبقيت الانتخابات في بلدتي مجدل شمس وعين قنيا، ولكن في الأولى صوّت فقط 2 في المائة من أصحاب حق الاقتراع وفي الثانية صوّت 1 في المائة فقط. وخرج مئات الأهالي في مظاهرة جماهيرية... أطلقوا خلالها هتافات تؤكد على رفض انتخابات السلطات المحلية التي حاولت سلطات الاحتلال فرضها على قرى الجولان المحتل بالقوة، وتعتبر «التعاون مع الاحتلال» في هذا الشأن مساساً بالقضية الوطنية.
لم يتأخر انتقام السلطات الإسرائيلية من أهالي البلدات الأربع، إذ هاجمتهم قوات كبيرة من الشرطة، مستخدمة مختلف أدوات القمع. واندلعت مواجهات واشتباكات عنيفة بين قوات الاحتلال والأهالي، وانتهت بإصابة واعتقال عدد منهم. لكن المتظاهرين قرروا رفض الرضوخ للقمع، ومواصلة الحراك حتى إغلاق صناديق الاقتراع. وفعلاً، شارك في الحراك الشعبي مجموعات من الشباب والكبار والرجال والنساء والفعاليات الشعبية والوطنية، ومعهم مجموعة كبيرة من مشايخ الدين، مؤكدين جميعاً على رفض ومقاطعة الانتخابات الإسرائيلية والتمسك بالهوية العربية السورية.
وفي نهاية المطاف، اعترفت الحكومة الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية بفشل مخططها على أهالي الجولان. واعتبرت نتيجة التجربة الانتخابية ليس فشلاً وحسب، بل «نتيجة مخزية وصفعة مهينة»، كما قال مراسل التلفزيون الإسرائيلي. وهكذا، فمن الناحية الشعبية، أغلق باب «الضم» الاحتلالي، ليعود نتنياهو ورفاقه إلى البحث عن ملاعب أخرى يجرّب فيها تحقيق أحلامه التوسعية.

- قصة الجولان منذ 1967
إسرائيل احتلت هضبة الجولان في أقصى جنوب غربي سوريا عام 1967. في عملية حربية مخططة جيدا. إذ قصفت المنطقة بالمدافع والطائرات طيلة ثلاثة أيام، وفي التاسع من يونيو (حزيران)، اجتاحت المنطقة بقواتها البرّية. وبعد قتال طاحن طال 30 ساعة، انسحب الجيش السوري وهرب معه غالبية السكان، الذين كان يُقدّر عددهم بـ145 ألف نسمة في ذلك الوقت.
رئيس القوى البشرية في الجيش الإسرائيلي، رحبعام زئيفي - الذي أصبح وزيرا في حكومة آرييل شارون عام 2001 واغتالته خلية تابعة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين-، «أوضح» أنه يجب أن تكون الهضبة نظيفة من السكان. وتبين أن نحو 25 ألفا بقوا فيها، فعملوا على ترحيلهم بالقوة أو بالترهيب. وحسب الأوامر، عليهم أن يتركوا فقط الدروز والشركس ويطردوا الباقين.
لكن لم يبق سوى 10 آلاف شخص، وبشكل منهجي هدمت قوات الجيش لا أقل من 110 قرى. وبقيت في حينه خمس بلدات، هي: مجدل شمس وبقعاتا وعين قنيا ومسعدة (كل سكانها من الدروز) وغجر (سكانها علويون). إلا أن الحلم الإسرائيلي بأن يروا في الدروز موالين لها، تبدّد منذ الأيام الأولى للاحتلال، إذ بدأت عمليات فدائية متواصلة ضد الجنود الإسرائيليين.
عام 1981 سنّت إسرائيل قانوناً يضم الجولان إلى حدود إسرائيل، فقاومه أهالي الجولان بقوة، بداية بالإضراب العام طيلة ستة شهور، ثم برفض الجنسية الإسرائيلية وبفرض حرمان ديني واجتماعي على كل من يقبل بها. ومنذ ذلك الحين، تحاول الحكومات الإسرائيلية التعاطي مع الجولان كمنطقة إسرائيلية، وبضمن ذلك إجراء انتخابات بلدية في الهضبة المحتلة. بيد أن المواطنين رفضوا وتصدّوا لكل مشروع ضم. ولم يستجب لإغراءات الاحتلال في الحصول على الهوية الإسرائيلية سوى 13 في المائة من السكان... الذين حافظوا على وحدة صف وطنية كفاحية مدهشة.



ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
TT

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)

في أسواق النفط، كان المشهد أقرب إلى زفير جماعي بعد شهور من الاختناق. الشاشات التي لاحقت أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بدأت تقرأ الاتفاق الأميركي - الإيراني بوصفه وعداً بعودة التدفق، لا مجرد خبر دبلوماسي. وفي عواصم الخليج، خصوصاً التي تعيش جغرافيتها الاقتصادية على رئة هرمز، بدا الارتياح مفهوماً: العراق والكويت وقطر والبحرين، ومعها بقية دول الخليج، لا تريد حرباً مفتوحة في الممرّ الذي يعبر منه جزء حيوي من طاقة العالم. بيد أن الصورة لم تكن وردية في كل مكان. ففي تل أبيب، كان الصمت أقرب إلى الغضب المكتوم. وفي «الكابيتول هيل»، لم يكن السؤال: هل انتهت الحرب بل بأي ثمن؟ ومن يضمن أن هدنة الستين يوماً لن تتحول إلى فخ تفاوضي جديد؟ هكذا دخلت «مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران حيّز السياسة الفعلية: وقف عمليات، إعادة فتح هرمز، إعفاءات نفطية، بحث في الأصول المجمّدة، صندوق إعادة إعمار ضخم، ومفاوضات نووية مؤجلة إلى ستين يوماً قابلة للتمديد. ليست «وثيقة استسلام إيراني»، كما وعد ترمب في ذروة الحرب، ولا نصراً صافياً لطهران. بل الأدق أنها «طريق خروج» أميركي من حرب كادت تتحول إلى كارثة اقتصادية عالمية، وامتحان إيراني قاسٍ: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تبدأ التحول إلى «دولة طبيعية»، أم يعيد «الحرس الثوري» تدوير الاتفاق كهدنة تكتيكية؟

من واشنطن، تُروى القصة على طريقة ترمب: ضغط عسكري هائل، ضربات موجعة، حصار بحري، ثم اتفاق أعاد إيران إلى الطاولة من دون غرق أميركا في حرب شاملة.

هذه الرواية ليست بلا أساس. فالولايات المتحدة دمّرت حقاً أجزاء واسعة من القدرات العسكرية الإيرانية، وألحقت أضراراً بمنشآت دفاعية وصاروخية، وحوّلت الحشد العسكري الأكبر في المنطقة منذ عقود إلى رافعة تفاوضية. لكن المشكلة أن الهدف المعلن كان أكبر بكثير: «استسلام غير مشروط»، وتفكيك نووي وصاروخي كامل، وربما تغيير في بنية النظام... وما تحقق حتى الآن أقل من ذلك بكثير.

براعة... وخطورة

وفق محللين، هنا تكمن براعة الاتفاق وخطورته معاً.

براعة واشنطن أنها وجدت سُلّماً للنزول من حافة الحرب، بعدما اكتشف ترمب أن استمرار المواجهة قد يضرب الاقتصاد الأميركي والعالمي قبل انتخابات التجديد النصفي. وخطورته أن إيران خرجت من تحت الضربات، وقد أثبتت أن بإمكانها تحويل الفوضى الاقتصادية إلى سلاح ردع: إغلاق هرمز، واستهداف منشآت حساسة في الخليج، ورفع كلفة الحرب إلى مستوى لا تتحمله الأسواق طويلاً.

لذلك لا تبدو «مذكرة التفاهم» نصراً إيرانياً بقدر ما هي «بداية مساومة كبرى» على شكل إيران ومكانها. فقد تلقت طهران هزيمة عسكرية قاسية، لكنها لم تُسحق سياسياً. وواشنطن حققت وقفاً للنزيف، لكنها تنازلت عن جزء من الضغط الاقتصادي قبل أن تنتزع الاتفاق النووي النهائي.

وبين هذين الحدين تتشكل المعادلة: ترمب يريد بيع الاتفاق كإنجاز اقتصادي وانتخابي، وطهران تريد بيعه كدليل صمود بوجه القوة الأميركية.

من يربح رواية النصر؟

كل اتفاق مؤقّت يولد بروايتين.

في واشنطن، يقول ترمب إنه أمّن مضيق هرمز، وخفّض أسعار الطاقة، وجنّب العالم كساداً نفطياً، وأجبر إيران على التعهّد بألا تمتلك السلاح النووي. وأضاف أن أي أموال أو استثمارات لن تصل إلى طهران إلا مقابل «سلوك جيد». هذه لغة انتخابية بامتياز: فالنفط يتدفق، والأسواق تهدأ، والرئيس لا يظهر ضعيفاً لأنه يلوّح بالعودة إلى القصف إذا أخلفت إيران.

لكن في طهران، تُروى القصة بعكس ذلك. فإيران «صمدت أمام أقوى جيش في العالم»، وفرضت رفع الحصار، واستعادت القدرة على تصدير النفط، وفتحت الباب أمام أموال مجمّدة واستثمارات بمئات المليارات.

محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وصف المذكرة بأنها «هزيمة للولايات المتحدة»، وهذا جزء من معركة داخلية لا تقل أهمية عن التفاوض مع الأميركيين. فالنظام يحتاج إلى إقناع جمهوره ونخبه بأن الضربات لم تكسر الجمهورية، بل دفعت واشنطن إلى الاعتراف بدور إيران الإقليمي وحقوقها السيادية في هرمز.

لكن بين الروايتين تقف حقيقة ثالثة هي: لا أحد ربح بعد. ترمب اشترى ستين يوماً من الهدوء، وإيران اشترت ستين يوماً من التنفّس الاقتصادي. أما النتيجة النهائية فستتحدد في الملف النووي، وفي لبنان، وفي طريقة إدارة هرمز بعد انتهاء فترة «المرور بلا رسوم».

لماذا غابت عُمان وصعدت باكستان؟

من التحوّلات اللافتة أن الوساطة لم تحمل الختم العُماني التقليدي.

لعقود، لعبت مسقط دور الممرّ الدبلوماسي الهادئ بين واشنطن وطهران. لكن هذه المرة تقدمت باكستان، بدعم إقليمي من الرياض والدوحة وأنقرة، بينما عادت عُمان من باب آخر: إدارة مستقبلية أو تقنية لحركة المرور في مضيق هرمز بالتفاهم مع إيران ودول الساحل.

هذا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل تغيراً في ديناميكيات الوساطة الإقليمية. فباكستان تملك علاقة مركّبة مع إيران، وقنوات أمنية مع واشنطن والخليج، وقدرة على التكلّم بلغة «خفض التصعيد» من دون أن تظهر كجزء من «محور عربي» ضد طهران. أما دول الخليج، التي دفعت ثمن الشلل البحري، فوجدت في الوساطة فرصة لإعادة ضبط المنطقة بلا انهيار شامل في أمن الطاقة.

لكن غياب عُمان عن صدارة المشهد يطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام دبلوماسية خليجية - إسلامية جديدة تتجاوز القنوات التقليدية، أم مجرد ترتيب اضطراري فرضته الحرب؟

الأرجح أن الجواب سيتوقف على بند هرمز. فإذا تحولت «إدارة المضيق» إلى نظام رسوم أو خدمات إيرانية، فستغدو الوساطة نفسها جزءاً من معركة السيادة البحرية.

«عقدة» تل أبيب... في لبنان

في المقابل، أخطر ما في الاتفاق أنه يتكلم عن وقف العمليات «على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان»، بينما لا إسرائيل ولا «حزب الله» طرفان موقعان عليه.

هنا تبدو العقدة: إيران وباكستان تستطيعان القول إن الهدنة تشمل لبنان، لكن بنيامين نتنياهو يقول إن إسرائيل غير ملزمة بنص لم توقعه، وإن قواتها لن تنسحب من الجنوب قبل نزع سلاح «حزب الله» أو ضمان أمن الحدود.

بالنسبة لنتنياهو، الاتفاق ليس مجرد تفاهم أميركي - إيراني، بل إنه تهديد سياسي داخلي. فهو وعد الإسرائيليين بـ«نصر كامل» على إيران ومحورها، لكنه وجد نفسه أمام مذكرة تمنح طهران فرصة للتنفس، وتضغط عليه لوقف حملة يرى أنها ضرورية في لبنان. والأسوأ بالنسبة له أن ترمب، الحليف الذي كان يُفترض أن يكون أكثر رؤساء أميركا «تفهّماً لأولويات إسرائيل»، أخذ ينتقد علناً أساليبها في لبنان، قائلاً إن «إسقاط مسيّرتين في الصحراء لا يبرّر تدمير مبانٍ في بيروت».

لكن قدرة البيت الأبيض على الضغط لها حدود؛ فترمب يحتاج إلى رأس مال سياسي كبير كي يقول لنتنياهو: توقّف الآن!

هذا صعب في عام انتخابي إسرائيلي، وصعب أيضاً في واشنطن حيث يراقب «صقور» الكونغرس الاتفاق بعين الشك. ثم إن بعض الجمهوريين يطالبون بإحاطات سرّية ورقابة تشريعية، وآخرون يرون أن إعفاءات النفط وفتح الأموال المجمّدة يمنحان النظام الإيراني «طوق نجاة». وإذا واصلت إسرائيل عملياتها في لبنان أو غزة، فستتحوّل الهدنة من اتفاق إقليمي إلى اختبار يومي للانضباط الأميركي والإسرائيلي والإيراني معاً.

مصير اليورانيوم... تحت الركام

«الملف النووي» يظل قلب الاتفاق، لكنه أيضاً أكثر أجزائه غموضاً. و«مذكرة التفاهم» تعيد تأكيد أن إيران لن تطور أو تحوز سلاحاً نووياً، لكنها تترك التفاصيل الصعبة للمفاوضات النهائية: مصير المخزون المخصّب، ومستقبل التخصيب، ونظام التفتيش، والمنشآت المتضررة، وجدول رفع العقوبات. في «اتفاق 2015» استغرقت هذه التفاصيل مفاوضات طويلة ومعقّدة شاركت فيها القوى الكبرى. أما الآن، فيُطلب إنجاز ما هو أشدّ تعقيداً خلال ستين يوماً، وبعد حرب وضربات ومنشآت مدمّرة.

المعضلة التقنية ليست نظرية. فجزء من المخزون الإيراني من اليورانيوم العالي التخصيب موجود، بحسب التقديرات، في منشآت تحت الأرض تعرضت لأضرار. والاتفاق يتكلم عن «تخفيف» أو «مزج» المواد المخصبة داخل إيران، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، لكنه لا يفرض منذ البداية إخراج المخزون إلى الخارج.

هذا فارق جوهري عن تجربة 2015، حين أرسلت إيران قسماً هائلاً من مخزونها إلى روسيا. لذا يطرح خبراء الانتشار النووي في واشنطن سؤالاً مباشراً: كيف يمكن التحقّق من المواد تحت الركام؟ ومَن يضمن أن التفتيش لن يتحوّل إلى مفاوضة على كل باب ونفق وكاميرا؟

قد تلعب روسيا مجدّداً دور «المستودع البديل»، لكن إدخال موسكو إلى قلب الاتفاق سيخلق تعقيدات جيوسياسية إضافية في ظل توترها مع الغرب.

أيضاً، «الحرس الثوري»، الذي أشرف تاريخياً على أجزاء حسّاسة من البرنامج، قد يرى في الغموض فرصة للاحتفاظ بـ«عتبة» نووية. وهنا يكمن الرهان الأميركي الحقيقي: ليس فقط تعطيل القنبلة، بل دفع إيران إلى التخلي عن منطق «الاقتراب من السلاح من دون امتلاكه»؛ فالحرب أظهرت أن قدرة «العتبة» لم تردع الضربات، لكنها قد تدفع بعض المتشدّدين إلى استنتاج معاكس: أن النموذج الكوري الشمالي، لا النموذج الإيراني، هو ما يمنع القصف.

أيضاً، حصر الاختبار المقبل في مصير اليورانيوم وحده سيكون خطأً استراتيجياً. فواشنطن مطالبة بالموازنة بين الخطر النووي المتبقي، وتهديدات أخرى لا تقلّ حساسية: برنامج الصواريخ الباليستية، وتطوير الطائرات المسيّرة، وشبكة الأذرع. لذلك لا تبدو المفاوضات المقبلة نووية فقط، بل محاولة أوسع لإعادة تعريف «حدود» القوة الإيرانية في المنطقة. ومع ذلك، تدخل واشنطن هذه الجولة من موقع أكثر تماسكاً إذا نجحت الهدنة في إعادة الملاحة البحرية في الخليج إلى طبيعتها؛ فعودة السفن إلى هرمز لا تهدئ الأسواق فقط، بل تمنح واشنطن هامشاً أوسع للضغط من دون أن تبدو رهينة ابتزاز النفط والممرات البحرية.

وهنا، لا ينفصل الملف النووي عن معادلة هرمز؛ فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل صار ورقة تفاوض على مستقبل إيران ودورها وحدود سيادتها الإقليمية.

هرمز مقابل الأصول

اقتصادياً، أعاد الاتفاق هرمز إلى قلب الجغرافيا السياسية العالمية. فالنص يمنح السفن التجارية مروراً آمناً «بلا رسوم» لمدة ستين يوماً فقط، ثم يفتح الباب أمام ترتيبات إيرانية - عُمانية لإدارة الحركة البحرية.

هذه العبارة الصغيرة قد تكون من أكثر بنود الاتفاق قابلية للانفجار. فقبل الحرب، كانت القاعدة الغربية واضحة: حرية مرور لا رسوم عليها. أما الآن، فتقول طهران إن المضيق «لن يعود إلى ما كان عليه»، وإن لها حقاً سيادياً في جباية رسوم مقابل خدمات.

وبالنسبة إلى الخليج، فالأولوية الآن هي عودة السفن لا الجدل القانوني. لكن على المدى الأبعد، أي نظام رسوم إيراني سيبدو تحويلاً لأزمة عسكرية إلى دخل سيادي دائم. وهذا ما يقلق لندن وباريس ودوائر التفكير في واشنطن التي ترى أن إيران اكتشفت قدرتها عبر الحرب على ابتزاز الاقتصاد العالمي، ليس بإغلاق المضيق فقط، بل بجعله أيضاً ممراً مشروطاً.

مع ذلك، حذّر علي لاريجاني - الذي قتل خلال الحرب - من أن طهران لا تستطيع استخدام ورقة هرمز سوى مرة واحدة، دفاعاً عن بقاء النظام. والغرب والعالم لن يبقيا مكتوفي الأيدي وسيقفان صفاً واحداً ضد إيران إذا كرّرت إغلاقه.

ثم تأتي الأموال... أصول مجمدة بمليارات الدولارات، وإعفاءات نفطية، و«صندوق إعادة إعمار» لا يقل عن 300 مليار دولار، تقول واشنطن إنها لن تموله مباشرة، بل عبر شركاء واستثمارات.

هذا البند يضع ترمب أمام مفارقة سياسية حادة؛ فهو هاجم لسنوات اتفاق أوباما؛ لأنه منح إيران أموالاً مقابل قيود نووية، لكنه الآن يقبل مبدأ الحوافز الاقتصادية قبل حسم التفاصيل النهائية. لهذا يندفع «صقور» مراكز الأبحاث، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» إلى كتّاب الرأي المحافظين، إلى التحذير من أن واشنطن تتخلّى عن أقوى أوراقها قبل انتزاع التنازلات النووية.

«دولة طبيعية»... أم «قضية ثورية»؟

جوهر الاتفاق، حقاً، ليس في بنوده الـ14 فقط، بل في السؤال الذي يحاول البيت الأبيض دفع إيران إلى الإجابة عنه: هل تريد أن تكون دولة أم ثورة دائمة؟

نائب الرئيس جي دي فانس صاغ ذلك بوضوح بالقول: إذا تصرّفت إيران كدولة طبيعية، يمكن التعامل معها كدولة طبيعية وإدخالها إلى الاقتصاد العالمي. لكن هنا المجازفة الكبرى. فأنصار الاتفاق يرون أن الهزيمة العسكرية، والأزمة الاقتصادية، وتعب المجتمع، وتراجع قدرة المحور الإقليمي، كلها قد تدفع طهران إلى خيار «الدولة» على حساب «الحرس الثوري».

المشككون يردون بأن النظام، منذ 1979، استخدم كل انفراج اقتصادي لتقوية أدوات النفوذ لا لتطبيع سلوكه. وبين التفاؤل والتشاؤم توجد حقيقة صلبة: الـ60 يوماً المقبلة لن تختبر فقط نيات إيران، بل ستختبر أيضاً قدرة ترمب على إدارة التناقضات التي فتحها بنفسه.

بناءً عليه، لا تبدو مذكرة التفاهم نهاية للحرب بقدر ما تبدو بداية امتحان أصعب من الحرب نفسها؛ فإيران خرجت مكسورة عسكرياً لكنها لم تُهزم سياسياً، وترمب خرج منتصراً في الخطاب لكنه لم ينتزع بعد اتفاقاً نهائياً يمكن التحقّق منه. وبين هرمز واليورانيوم ولبنان والكونغرس، ستقرر الأسابيع الستة المقبلة ما إذا كان الاتفاق «بوابة» إلى «شرق أوسط جديد»، أم مجرد هدنة قصيرة تعيد الجميع، بعد انقضاء الوقت، إلى شفير الهاوية. بين روايتي واشنطن وطهران حقيقة ثالثة هي أنه لا أحد ربح النزاع بعد


عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
TT

عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة

كان باستطاعة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، رئيس إقليم «أرض الصومال/صومالي لاند» الانفصالي، ذي الموقع الاستراتيجي في القرن الأفريقي، أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه حال دخل في مفاوضات لالتئام الجسد الصومالي، وينال ترحيباً عربياً واسعاً، إلا أن الرجل سلك طريقاً آخر، فاقم به عواقب انفصاله، وجلب له الإدانات العربية والإسلامية المتوالية منذ تأسيسه العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وصولاً لزيارة تل أبيب في يونيو (حزيران) 2026 وفتحه سفارة مزعومة بالقدس المحتلة.

ولد عبد الرحمن عبد الله «عرّو» في مدينة هرجيسا، عاصمة الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» (الصومال البريطاني إبان الحقبة الاستعمارية) وكبرى مدنه، يوم 29 أبريل (نيسان) 1955، في عائلة مكوّنة من 7 فتيات و3 أولاد، وبينما هو طفل في الخامسة من عمره تحرّرت بلاده من الاستعمار البريطاني. وحقّاً، طيلة شبابه وصعوده كان لسلطة الصومال المركزية في مقديشو فضل كبير عليه، إذ التحق بأروقتها الرسمية قبل أن يتحوّل إلى خصم لدود لها، ويفتح الأبواب لإسرائيل بترؤسه الإقليم الانفصالي طمعاً في اعتراف تعتبره دوائر عربية معارضة «عاراً».

البداية والمسيرة

بدأ عبد الرحمن عبد الله «عرّو» تعليمه الابتدائي في مدينة بربرة، ثاني كبرى مدن الإقليم -الواقع شمال الصومال- وأهم موانئه. وتابع تعليمه الثانوي في هرجيسا، منتقلاً إلى المدرسة الثانوية عام 1977، وبعد ذلك، انتقل إلى العاصمة الصومالية الفيدرالية مقديشو؛ حيث حصل على درجة البكالوريوس في المحاسبة. وتضم شهاداته أيضاً درجة الماجستير في إدارة الأعمال ودبلوماً في حل النزاعات.

بين عامي 1978 و1981، عمل «عرّو» في منظمة معنية بالتنمية الاجتماعية في مقديشو. وبين عامي 1981 و1988 شغل منصباً دبلوماسياً في وزارة الخارجية الصومالية بإدارة التعاون الاقتصادي، ومن مايو (أيار) 1988 إلى عام 1996، عمل مستشاراً للسفارة الصومالية في موسكو ثم نائب السفير والقائم بالأعمال.

ثم إنه إبّان وجوده في أروقة مقديشو الرسمية انفصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية الصومالية عام 1991، ولم يتضّح على الفور ما إذا كان لـ«عرو» موقف معارض لهذه الخطوة أم لا.

لكن المعروف أن الرجل انتقل عام 1996 إلى فنلندا، التي كانت عائلته تُقيم فيها منذ سنوات عدة وحصل على جنسيتها، وظل مقيماً فيها حتى عام 1999. وخلال عامي 1997 و1998 كان مساعد المنظمة الدولية للهجرة في فنلندا، قبل أن يعود إلى إقليم «أرض الصومال» عام 1999.

أجندات مثيرة للجدل

لقد عاد «عرّو» إلى الإقليم الصومالي قادماً من الخارج، حاملاً رؤية سياسية أثارت لاحقاً انتقادات عربية وإسلامية، واختار منذ عودته الانخراط في صفوف المعارضة. وبعد أقل من عامين، أصبح أحد مؤسسي حزب «العدالة والتنمية (UCID)»، أحد أبرز أحزاب المعارضة، إلى جانب فيصل علي وارابي، وتولى حينها منصب نائب الأمين العام للحزب.

وشهد الإقليم الانفصالي انتخابات لمجلس النواب، المكوّن من 82 نائباً، في 29 سبتمبر (أيلول) 2005. وكانت تلك أول انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب تُنظَّم في الإقليم منذ انفصاله عن جمهورية الصومال. وانتخب «عرّو» نائباً عن منطقة ساحل بربرة، ثم انتُخب لاحقاً رئيساً للبرلمان (مجلس النواب)، وإبّان فترة ولايته سُنّت معظم قوانين الإقليم وتشريعاته.

لكن، بعد نحو 6 سنوات، وإثر خلاف تفجّر مع وارابي، أسس «عرّو»، الذي يتكلم اللغات الإنجليزية والعربية والروسية، «الحزب الوطني»، أو حزب «وداني» (الوطني) المعارض.

ويوم 2 أغسطس (آب) 2017، استقال من رئاسة البرلمان بعدما شغل المنصب لمدة 12 سنة، وهي أطول فترة لرئيس برلمان في تاريخ الإقليم الانفصالي، معلناً أنه يتهيأ لدور أكثر أهمية بوصفه رئيساً لـ«أرض الصومال». غير أن آماله تحطمت على صخرة موسى بيحي عبدي، مرشح حزب «السلام والوحدة والتنمية» في المرة الأولى.

ولكنه حقق مراده لاحقاً، بعدما أعاد الكرَّة وترشح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحصل فيها على 63.92 في المائة من الأصوات، متغلباً على عبدي الذي حل ثانياً بـ34.81 في المائة.

انتخابات عام 2024 كانت الانتخابات المباشرة الرابعة منذ عام 2003، ومع فوز «عرّو» غدا الرئيس الرابع حسب الانتخابات الرئاسية المباشرة لفترة تمتد إلى 5 سنوات، وكذلك أصبح الرئيس السادس في المجمل منذ انفصال الإقليم 18 مايو 1991.

عهود السلطة الانفصالية

جدير بالذكر هنا، أنه عقب إعلان انفصال إقليم «أرض الصومال»، انتخب السفير عبد الرحمن أحمد علي، رئيس الحركة الوطنية بالبلاد حينها، ليكون أول رئيس للإقليم عبر انتخابات غير مباشرة. وعام 1993 انتخب السياسي محمد إبراهيم عقال رئيساً، وفي عام 1997 جدّد له لفترة ثانية.

وبعد وفاة عقال عام 2002، أثناء رحلة علاج في جنوب أفريقيا، انتُخب نائبه طاهر ريالي كاهن رئيساً للبلاد لتكملة الفترة الانتقالية. ثم في عام 2003، أجريت أول انتخابات رئاسية مباشرة في الإقليم، أسفرت عن فوز حزب «اتحاد الأمة» بقيادة الرئيس طاهر ريالي كاهن على السياسي أحمد محمد سيلانيو.

وفي يونيو (حزيران) 2010، أُجريت ثاني انتخابات رئاسية مباشرة، وتمكن سيلانيو من الفوز بالرئاسة لفترة 5 سنوات. وانتهت الانتخابات الثالثة التي أجريت في 13 نوفمبر 2017، بفوز موسى بيحي عبدي، الذي حصل على 55 في المائة من الأصوات.

وكان من المقرر أن تُجرى انتخابات الرئاسة الرابعة في الإقليم عام 2022، لكن لجنة الانتخابات الوطنية أجّلتها إلى 2023، ثم إلى نوفمبر 2024 بعد تمديد نيابي لولاية الرئيس عبدي الذي يتولّى الرئاسة منذ 2017. وأرجعت اللجنة التأجيلات إلى «قيود زمنية وتقنية ومالية»، وسط انتقادات من المعارضة، قبل أن يفوز «عرّو».

لقد كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز، وخرج بعد أشهر من وصوله إلى أعلى سلطة بالإقليم، وقال في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» نهاية مايو 2025، إن الاعتراف بإدارته بات وشيكاً، معتبراً أن الأمر أصبح «مسألة وقت». وبالفعل، لم يمضِ 6 أشهر حتى فاجأت إسرائيل العالم باعترافها بالإقليم الانفصالي وسط ترحيب «عرّو»، واستنكار من الصومال، الذي قال رئيسه حسن شيخ محمود قبل أيام إنه رفض الاستجابة لطلبات من تل أبيب لإقامة علاقات دبلوماسية مع مقديشو.

لقد اختار «عرّو» المُضي في هذا الطريق الذي رسمته إسرائيل، وأغضب مقديشو ودولاً عربية وإسلامية، واستقبل في هرجيسا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يناير (كانون الثاني). وفي فبراير (شباط)، قال لـ«رويترز» إن المنطقة تأمل في تعاون عسكري مُستقبلي مع إسرائيل، لكن مسألة إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية لم تُناقش بعد.

ولم يكتفِ الرئيس الانفصالي بذلك، بل سمّى محمد حاجي سفيراً للإقليم الانفصالي لدى إسرائيل، في فبراير الماضي قبل أن يُعلن بعد شهرين تعيين مايكل لوتم أول سفير إسرائيلي بالإقليم، وسط كلام في مايو الماضي عن قرب تبادل افتتاح السفارات.

زيارة لإسرائيل وسط الإدانات العربية

وعلى الرغم من الإدانات العربية والإسلامية المتواصلة لذلك الموقف، اختار «عرّو» زيارة إسرائيل يوم 14 يونيو الحالي، وهناك التقى الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الأحد، في القدس قبل أن يفتتح سفارة للإقليم في القدس المحتلة، الاثنين.

وحسب بيان صادر عنه وقتها، قال إن بلاده «على مدى السنوات الـ35 الماضية، كانت تتواصل مع قادة العالم، وكان لديها مطلب واحد فقط: أن يرونا. دولة واحدة فقط رغبت في رؤيتنا والاعتراف بأرض الصومال، وهي حكومة إسرائيل وشعبها».

في المقابل، رأى هرتسوغ أن إسرائيل وأرض الصومال «تواجهان معاً تهديد التطرف المتشدد. ونسعى معاً إلى الأمن والاستقرار في المنطقة وفي القرن الأفريقي. وندرك معاً أهمية حماية حرية الملاحة البحرية».

وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الأربعاء، إن إسرائيل أجرت منذ سنوات سلسلة من الأنشطة «السرية» مع «أرض الصومال»، خلال استقباله الأربعاء رئيس الإقليم الانفصالي. وأضاف كاتس في بيان أصدره مكتبه: «نحن عازمون على الارتقاء بتعاوننا الأمني إلى آفاق جديدة، لما فيه مصلحة الشعبين واستقرار المنطقة».

احتمال القواعد العسكرية

أيضاً، أشار «عرّو»، الأربعاء، خلال مقابلة مع قناة «آي نيوز 24» الإسرائيلية إلى أنه لا يستطيع استبعاد احتمال وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضي أرض الصومال في المستقبل، وذلك خلال إعلانه أن الرحلات المباشرة بين إسرائيل والعاصمة هرجيسا ستبدأ «قريباً جداً».

وفي تلك الزيارة التي جاءت بعد أشهر من توقيف «أرض الصومال» مواطنين رفعوا علم فلسطين، طوى «عرّو» خلف ظهره مطالب القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها إقامة دولة مستقلة، ولم يلتفت للتحذيرات العربية من تغول إسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الهشة أمنياً وذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة على البحر الأحمر.


«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
TT

«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)

35 سنة مرّت على إعلان إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند)، انفصاله عن الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو عام 1991، مروراً بالتطبيع مع إسرائيل في نهاية 2025، ووصولاً إلى زيارة رئيسه عبد الرحمن عبد الله «عرّو» لتل أبيب الأسبوع الماضي.

كان الإقليم إبان الحقبة الاستعمارية - أو فترة الحماية - يُعرف بـ«الصومال البريطاني» ويخضع لبريطانيا، بينما خضعت جمهورية الصومال الحالية في حينه للاستعمار الإيطالي وعرفت بـ«الصومال الإيطالي»، وجمهورية جيبوتي للاستعمار الفرنسي وعرفت بـ«الصومال الفرنسي».

من جهة ثانية، يتمتع الإقليم بمقوّمات كبيرة أغرت إسرائيل بأن تغدو أول دولة تعترف به. فهو يتمتع بساحل يبلغ طوله 740 كيلومتراً ويمتد على خليج عدن، وبموقع استراتيجي عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي.

مدينة هرجيسا هي العاصمة وكبرى المدن، بينما تُعد بربرة الميناء الأكبر والأهم في إقليم «أرض الصومال»، الذي يحده كل من إثيوبيا من الجنوب والغرب وجيبوتي من الشمال الغربي و‌خليج عدن من الشمال ومن الشرق ولاية بونتلاند الصومالية. وبينما تبلغ مساحته نحو 177 كيلومتراً مربعاً، يصل عدد سكانه إلى 3.5 مليون وفق تقديرات لعام 2017، وأخرى حديثة بين 5.7 و6 ملايين نسمة ويتكلم سكانه اللغات الصومالية والعربية والإنجليزية.

على صعيد التقسيمات الإدارية الداخلية، يضم الإقليم 6 مناطق إدارية هي: ووكوي جالبيد وتجدير وسول وسناج وأودال والساحل. وبالنسبة لنظام الحكم فيه فإنه جمهوري، ولديه رئيس وحكومة وبرلمان (سلطة تشريعية) بمجلسين؛ هما مجلس نواب (الغرفة الأولى) ومجلس شيوخ (الغرفة الثانية) ويضم كلٌّ منهما 82 عضواً.

استقل الإقليم عن بريطانيا عام 1960 واندمج مع «الصومال الايطالي» ليكوّنا معاً جمهورية الصومال.

ويوم 18 مايو (أيار) 1991 أعلن الإقليم استقلاله عن جمهورية الصومال بعد نحو 3 أشهر من انهيار الحكم المركزي في الجمهورية عقب الإطاحة بالرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري.

وفي أغسطس (آب) 2000، طرحت حكومة «الإقليم» نسخاً من دستور مقترح ينص على الانفصال النهائي عن الصومال، وأقر الانفصال في استفتاء يوم 31 مايو 2001، بعدما صوت لصالحه 97.1 في المائة، وعام 2016 احتُفل بمرور 25 سنة على تلك الخطوة.

لقد انخرطت سلطات مقديشو و«أرض الصومال» بمباحثات للعودة عن الانفصال بدأت في عام 2012، وتواصلت وكان أحدثها في 2020، وأواخر 2023 ولكن من دون اتفاق.

وفي مطلع 2024 سلّطت الأضواء على الإقليم لدى توقيعه «مذكرة تفاهم» مع إثيوبيا تتيح للأخيرة - التي لا تطل على البحر - باستئجار 20 كيلومتراً حول ميناء بربرة لمدة 50 سنة، ما يوفر لها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر ويؤمّن أغراضها البحرية والتجارية، مقابل الاعتراف باستقلال «أرض الصومال». ويومذاك رُفضت المذكّرة عربياً وتدخّلت تركيا بوساطة قادت لتجميد تنفيذ المذكرة حتى الآن.

ولكن في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف باستقلال «أرض الصومال»، بخلاف تسمية سفراء في أبريل (نيسان) الماضي. وعيّنت إسرائيل في الشهر نفسه مايكل لوتم أول سفير لها في الإقليم الانفصالي، وذلك بعدما أعلنت «أرض الصومال»، في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.