تناقض في البيانات الأميركية حول سيطرة «طالبان»

الحكومة الأفغانية تتحدث عن مقتل عشرات المسلحين في غارات جوية

جنود من الجيش الأفغاني في حفل تخرج من الأكاديمية العسكرية في العاصمة كابل أمس (أ.ب)
جنود من الجيش الأفغاني في حفل تخرج من الأكاديمية العسكرية في العاصمة كابل أمس (أ.ب)
TT

تناقض في البيانات الأميركية حول سيطرة «طالبان»

جنود من الجيش الأفغاني في حفل تخرج من الأكاديمية العسكرية في العاصمة كابل أمس (أ.ب)
جنود من الجيش الأفغاني في حفل تخرج من الأكاديمية العسكرية في العاصمة كابل أمس (أ.ب)

في بيانات أميركية رسمية حول الوضع العسكري في أفغانستان قبل بدء العمل على مفاوضات مباشرة مع طالبان أعطت الجهات الرسمية الأميركية صورة وردية عن تحسن الوضع الأمني وتراجع قوات طالبان عن السيطرة على الكثير من المناطق الأفغانية، لكن مؤسسة أميركية ممولة من وزارة الدفاع ترصد الأحداث في أفغانستان أعطت صورة مخالفة لما قاله مسؤولون أميركيون حول انحسار سيطرة طالبان في أفغانستان».
فقد ذكر تقرير أعده المفتش العام الأميركي الخاص بإعادة إعمار أفغانستان نشر أمس الخميس أن مقاتلي طالبان يخسرون السيطرة على مناطق في أفغانستان، وجاء في التقرير أن طالبان تسيطر على 49 مديرية من بين أكثر من 400 مديرية في أفغانستان وذلك حتى نهاية يوليو (تموز) الماضي، مقارنة بـ59 مديرية كانت تسيطر عليها في منتصف مايو (أيار) الماضي، وأن الحكومة الأفغانية سيطرت على 55.5 في المائة من جميع المديريات، وهو ما يمثل تقدما وتغيرا بنسبة 0.8 في المائة منذ الربع الأخير لهذا العام.
ووضع تقرير المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان صورة وردية للوضع الأمني في أفغانستان بالقول إن عدد المناطق المتنازع عليها زاد عشر مرات منذ الربع الأخير إلى 132 مديرية مما يعني أن 32.4 في المائة من المديريات يتم التنازع عليها في جميع أنحاء أفغانستان. لكن تقرير المفتش العام اعترف بأن سيطرة الحكومة ونفوذها في أفغانستان انخفض بنسبة 16 في المائة، في حين زادت المناطق المتنازع عليها بين القوات الحكومية بنسبة 11 في المائة من مجموع مديريات أفغانستان.
مؤسسة الدفاع والديمقراطية وصاحبة موقع «الحرب الطويلة» الممولة من البنتاغون في الولايات المتحدة أعطت صورة مفصلة أكثر عن مناطق سيطرة طالبان والحكومة الأفغانية في كل المديريات الأفغانية، وجاء في تقرير نشرته المؤسسة على موقعها على الإنترنيت أن عدد المديريات التي تسيطر عليها طالبان بالكامل يبلغ 52 مديرية وأنها تنازع الحكومة السيطرة على 198 مديرية حيث تسيطر طالبان على أنحاء المديرية وتتمركز القوات الحكومية في مركز المديرية فقط، مع خطوط إمداد تتحكم بها قوات طالبان خارج مركز المديرية. كما قالت المؤسسة في تقرير مفصل لها إن الحكومة الأفغانية تسيطر على مراكز 145 مديرية فقط مع سيطرة شبه كاملة على بقية المديرية من قبل قوات طالبان، وأن حركة طالبان هي التي تدير الشؤون اليومية والإدارية لكافة المديريات التي تقع تحت سيطرتها، كما تدير الشؤون اليومية للسكان المحليين في المناطق الريفية في المديريات التي تسيطر الحكومة على مراكز المديرية فيها.
وعزت مؤسسة الدفاع والديمقراطية مصادرها إلى الجداول والمعلومات التي حصلت عليها من قبل المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان التي تعتمد كليا على التقييم الذي تقدمه قوات الناتو وقيادتها في أفغانستان.
ويظهر جليا من البيانات التي يفصح عنها مكتب المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان محاولته التقليل من سيطرة طالبان على المناطق الأفغانية وعدم الاعتراف بسيطرتهم إلا إن كانت تحوي السيطرة الكاملة على مركز المديرية، بينما ينسب السيطرة الكاملة للقوات الحكومية على المديرية في حال كانت تسيطر فقط على مركز المديرية مع بقاء كامل أراضي المديرية وقراها تحت سيطرة طالبان، التي تتحكم بخطوط الإمداد والتموين المفضية إلى مركز المديرية. كما أظهرت الإحصائيات التي اعتمد عليها مكتب المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان أن قرابة نصف السكان في أفغانستان يقطنون المناطق التي تسيطر عليها طالبان بالكامل، وأن الحركة هي التي تدير شؤون المنطقة اليومية والحياتية وتفصل في المنازعات بين السكان المحليين عبر المحاكم الشرعية والقضاة الذين تعينهم الحركة لإدارة المناطق المختلفة.
كما أظهرت البيانات الرسمية للمفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان سيطرة القوات الحكومية ونفوذها فقط على 55.5 في المائة من إجمالي عدد المديريات التي تبلغ 407 مديريات في أنحاء أفغانستان، وعقبت بالقول «إنه أقل مستوى منذ بدأ مكتب المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان رصد السيطرة على المناطق الأفغانية في عام 2015 في وقت تكثف فيه طالبان ضغطها على القوات الحكومية، حيث نقل المكتب عن قوات حلف الأطلسي في أفغانستان أن متوسط أعداد القتلى والجرحى من القوات الحكومية بلغ خلال الفترة من الأول من مايو (أيار) الماضي إلى الأول من أكتوبر (تشرين الأول) «أعلى مستوى على الإطلاق خلال سنوات رصد الأحداث في أفغانستان».
وأشار مكتب المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان جون سوبكو إلى أنه وقت أوشك التقرير على الصدور نجا قائد القوات الأميركية الجديد وقوات حلف الأطلسي في أفغانستان الجنرال سكوت ميلر من هجوم عليه في قندهار، لكن الهجوم أسفر عن مقتل قائد شرطة قندهار الجنرال عبد الرزاق الذي كان يعد من أبرز رموز النظام في مواجهة طالبان في ولاية قندهار، وكذلك مقتل مسؤول الاستخبارات الإقليمي وقائد قوات الجيش في قندهار.
وكتب المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان عن حادثة قندهار بأنها «ذكرته بالعنف الذي لا يزال متفشيا في أفغانستان والصعوبات في وجه إحلال الأمن في أي مكان من هذ البلد الذي يشهد حربا مستمرة منذ وقت طويل».
إلى ذلك قالت الحكومة الأفغانية إن 68 من مسلحي طالبان قتلوا أو أصيبوا في غارات جوية شنتها مقاتلات أميركية وأفغانية وأن بين القتلى والمصابين مقاتلين أجانب كانوا مع قوات حركة طالبان في ولاية غزني جنوب شرقي أفغانستان وكذلك في ولاية بكتيا المجاورة لها. ونقلت وكالة خاما بريس الأفغانية عن الجيش الأفغاني أن ستة عشر من المسلحين بينهم باكستانيان قتلوا في عمليات الجيش في منطقة واغيز في ولاية غزني. وأن القوات الجوية الأفغانية شنت غارات على مناطق ميدانك، بيروجي، شاب، درغي، قلعة كوهنا، نصرت أباد، ملا حسين، ولائق الواقعة على الطريق الدولي 1 في ولاية غزني مما أسفر عن مقتل 39 مسلحا وجرح ثمانية آخرين. وأشار بيان الجيش الأفغاني إلى قيام الطيران الأميركي في أفغانستان بعدة غارات على منطقة تشوني في ضواحي مركز ولاية بكتيا مما أسفر عن مقتل ثلاثة مسلحين، وأن القوات الأفغانية أبطلت مفعول أربعة ألغام أرضية زرعت في بكتيا وغزني.
وشدد قائد القوات الأميركية في أفغانستان الجنرال سكوت ميلر على أن الصراع في أفغانستان لا يمكن حسمه بالقوة وإنما بالحوار والحل السياسي وأن طالبان لا يمكنها السيطرة بالقوة على أفغانستان.
الجنرال الأميركي الذي أصيب في هجوم في مدينة قندهار نفذته طالبان مؤخرا، اعترف في مقابلة أجراها مع محطة تلفزيونية أميركية إلى أنه يدرك جيدا أن الحل في أفغانستان يجب أن يكون سياسيا ويستحيل أن يكون بالقوة المسلحة. وشدد الجنرال سكوت ميلر على أن الوقت قد حان من أجل حل سياسي للصراع في أفغانستان، لكن قال إن القوات الأميركية ما زالت في حالة الهجوم ولا تنتظر حتى تهاجمها قوات طالبان.


مقالات ذات صلة

الكويت تُدرج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمة الإرهاب

الخليج الكويت صنفت 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب (كونا)

الكويت تُدرج 8 مستشفيات لبنانيّة على قائمة الإرهاب

قررت «لجنة تنفيذ قرارات مجلس الأمن الصادرة بموجب الفصل السابع»، في الكويت، الأحد، إدراج 8 مستشفيات لبنانية على قوائم الإرهاب.

«الشرق الأوسط» (الكويت)
شمال افريقيا الزبير البكوش مرتدياً ملابس الكشافة (صورة متداولة على صفحات ليبية)

الليبي «الزبير البكوش»... من حبال الكشافة إلى العنف المسلح

تمثل حياة المتهم الليبي الزبير البكوش الموقوف في الولايات المتحدة للاشتباه بتورطه في الهجوم على القنصلية الأميركية بمدينة بنغازي عام 2012، نموذجاً حياً للتناقض.

علاء حموده (القاهرة)
أوروبا جندي يقف حارساً في قرية وورو بولاية كوارا بعد الهجوم الإرهابي (أ.ب)

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا

الولايات المتحدة قلقة إزاء توسّع الإرهاب في منطقة الساحل وغرب أفريقيا... وفريق عسكري أميركي في نيجيريا لدعمها في مواجهة الإرهاب.

الشيخ محمد (نواكشوط)
آسيا تجمع احتجاجي في كراتشي على الهجوم الذي استهدف مسجداً في إسلام آباد (رويترز)

«داعش» يعلن مسؤوليته عن الهجوم على مسجد شيعي في إسلام آباد

أعلن ​تنظيم «داعش» عبر قناته على «تلغرام» ‌مسؤوليته ‌عن ‌هجوم دموي ‌على مسجد للشيعة في العاصمة الباكستانية إسلام آباد.

«الشرق الأوسط» (إسلام آباد)
آسيا 31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان

31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان

31 قتيلاً وأكثر من 130 جريحاً بتفجير انتحاري استهدف مسجداً شيعياً في باكستان، والشبهات تحوم حول حركة «طالبان» باكستان وتنظيم «داعش».

«الشرق الأوسط» (إسلام أباد)

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».