ناشر «المصري اليوم» : قضية تسريبات حوار السيسي «فقاقيع لا قيمة لها»

صلاح دياب أكد أنه يقتدي بـ {الشرق الأوسط} في تطوير صحيفته.. ولا يتدخل في أعمال التحرير

ناشر «المصري اليوم» : قضية تسريبات حوار السيسي «فقاقيع لا قيمة لها»
TT

ناشر «المصري اليوم» : قضية تسريبات حوار السيسي «فقاقيع لا قيمة لها»

ناشر «المصري اليوم» : قضية تسريبات حوار السيسي «فقاقيع لا قيمة لها»

قال ناشر صحيفة «المصري اليوم»، المهندس صلاح دياب، وهو يتطلع من شرفة مكتبه المطلة على نيل ضاحية الزمالك بالقاهرة، إن الصحافة الإلكترونية أصبحت تضع أعباء على الصحافة الورقية، لكن يمكن التغلب عليها من خلال برامج وخطط تخص تطوير البوابة الإلكترونية للوسائط المتعددة، وقد أطلقت الصحيفة موقعا لها على الإنترنت أخيرا. وقال دياب، وهو رجل أعمال معروف، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إن «المصري اليوم» تحاول استلهام تجربة صحيفة «الشرق الأوسط» في التطوير والتحديث ومواكبة المتغيرات التي تشهدها الصحافة العالمية في الفترة الأخيرة.
وتحدث أيضا عن تسريبات الحوار الصحافي الذي أجرته صحيفته مع قائد الجيش المصري الفريق أول عبد الفتاح السيسي، وقال إن مضمون تلك التسريبات لم يخرج عن نص الحوار المنشور، وإن ما أثير بشأنها لا يزيد عن كونه «فقاقيع لا قيمة لها».
وتابع دياب قائلا في ما يتعلق بالأنباء التي ترددت عن عزم «المصري اليوم» الاستغناء عن رئيس التحرير، ياسر رزق، عقب تسريبات حوار السيسي، إن رئيس التحرير يحوز ثقة إدارة الصحيفة وثقة الفريق أول السيسي وثقة القارئ، وإن قرار بقائه من عدمه يخص مجلس الأمناء. وأضاف: «أنا لست سلطة عقاب ولا إطاحة ولا تثبيت».
وكشف المهندس دياب عن الضغوط التي تعرض لها كرجل أعمال، عبر أنظمة الحكم المختلفة، بسبب إصدار صحيفته المستقلة قبل تسع سنوات، وهو أمر لم يكن معروفا في الصحافة المصرية منذ عقود. وعما إذا كان قد شعر بالندم بسبب دخوله عالم الصحافة، قال إن لحظة الشعور بالندم «تأتيني آلاف المرات رغم أنني لا أتدخل في التحرير». وإلى أهم ما جاء في الحوار:

* بعد تسع سنوات من تأسيسك لـ«المصري اليوم»، هل أنت قلق من الصحافة الرقمية؟
- لو الصحافة الورقية تراجعت لحساب الصحافة الرقمية فيجب أن نلحق بها نحن أيضا. وهذا مجال نعمل فيه بشكل ممتاز، بحيث أن ما قد نفقده في ناحية سوف نكسبه في الناحية الأخرى. لكن مما لا شك فيه أن الناس سيستمرون في قراءة الصحف سواء ورقية أو رقمية، ولذلك فإن التطوير مهم جدا.. ثم إن «المصري اليوم» ينبغي أن تتحول إلى ميديا متكاملة مثل أن تبدأ بـ«تلفزيون أونلاين (على الإنترنت)»، و«البورتال (البوابة الإلكترونية للوسائط المتعددة)»، وغيرها. ونحن نعطي نظام «البورتال» اهتماما خاصا، ونتقدم في القياسات التي تقيس مدى نجاح «البورتال» بشكل واضح. لكن من ضمن الأشياء التي يهمني أن أقولها إننا ننظر نظرة خاصة إلى صحيفة «الشرق الأوسط» كقدوة، لأن وجودها في لندن، مكان الإصدار، واتصالها الحتمي والضروري بالإصدارات الأخرى الغربية بصفة عامة سواء أميركية أو إنجليزية أو غيرها.. هذا يعطيها نوعا من الرؤية والتفوق، وهذه الرؤية تكون عابرة للحدود المحلية وتعمل على تطوير الصناعة كلها بصفة عامة. نحن ننظر أيضا لصحيفة «الشرق الأوسط» كمطور لصناعة الصحافة العربية كلها، لكن بطبيعة الحال لا يمكن أن نتجاهل المذاق المصري والمذاق الخليجي والمذاق السعودي والمذاق المغربي.. ونحن نحاول أن نخرج صحافة متطورة لكن بمزاج مصري يناسب القارئ المحلي. والتعريف الجديد، أو التعريف الأكثر واقعية، هو أننا نحاول أن نخرج إعلاما جديدا مرتبطا بالمزاج المصري.
* معروف في «بزنس الإعلام» أن المؤسسة التي لا تحقق ربحا يكون مصيرها الزوال، فهل تحقق «المصري اليوم» أرباحا؟
- بورتال «المصري اليوم (أي بوابة الصحيفة الإلكترونية للوسائط المتعددة) تحقق ربحا.
* من الإعلانات وليس الاشتراكات، أليس كذلك؟
- تحقق ربحا من الإعلانات، وبعد ذلك من المفترض - بعد أن تأخذ «البورتال» مكانتها اللازمة وتكون من الخمس الأوائل في الإنترنت بمصر، عالميا، مع «غوغل» ومع غيره، أو حتى من العشر الأوائل - أن تطلب اشتراكا من القارئ للحصول على الخدمة بالطريقة التي أشرت إليها. وبطبيعة الحال ليست هناك صحافة ستستمر من دون تحقيق ربح. أنا لا أنظر إلى مؤسسة «المصري اليوم» على أساس أنها تحقق ربحا.. أنا أريدها أن تحقق ربحا لتطوير نفسها وتطوير أدواتها وتطوير العاملين فيها. هذا ما أتمناه. لكن أنا لا يمكن أن أحقق هذه الخطوة إلا حين تسدد استثمارات وديون «المصري اليوم» كلها.
* يعني يمكن أن نقول إن «المصري اليوم» منذ تأسيسها لم تحقق أرباحا؟
- لا.. «المصري اليوم» عملت استثمارات كبيرة وأصبح لها مطبعة وأصبح لها استثمارات في الـ«سوفت وير» والـ«هارد وير». وكل هذا قيمة مضافة. لكن هذا يستدعي سداد كل هذه «النفقات»، وهذا يتطلب وقتا. «المصري اليوم» أيضا كان لها أخطاء، وهذه الأخطاء كان لها تكاليف، وسبب هذه الأخطاء أنه لم يكن لدينا سوابق في الصحافة الخاصة اليومية في مصر.
* أخطاء مثل ماذا؟ وهل كانت قبل «ثورة» 25 يناير (كانون الثاني) 2011، أم بعدها؟
- هذه الأخطاء كانت قبل 25 يناير 2011 وبعدها. وعلى سبيل المثال توزيعنا وصل في فترة من الفترات إلى 700 ألف نسخة في اليوم. وكانت تكلفة النسخة 130 قرشا، وكنا نبيعها بـ100 قرش فقط، فانظر ما هو مقدار الخسائر اليومية.. وبالتالي اضرب هذا المبلغ في 30 يوما لتعرف قيمة الخسائر الشهرية. هذه الأمور لم نقف عندها في فترة الحماس عند إصدار الجريدة.
* صدرت بعد «المصري اليوم» العديد من الصحف المستقلة اليومية أيضا في السوق المصرية، هل جعلك هذا تشعر بالقلق؟ هل دعاك لإعادة ترتيب الأوراق في واقع المنافسة الجديد؟
- نحن طبعا في منافسة. ولا يمكن أن يكون هناك أي صحيفة في العالم تحتل المركز الأول والثاني والثالث والرابع. نحن حاليا نحتل المركز الأول على مستوى الصحف الورقية في مصر على الإطلاق، لكن هذا لا يعني أن نستكين، بالعكس. في اليوم الذي نشعر فيه بالاطمئنان فإن هذا يكون بداية الهبوط، أي عمل ناجح لا يستمر في النجاح إلا إذا كان يصاحبه الشعور بالقلق.
* هل هناك مشاريع محددة ستقوم بها في الفترة المقبلة لتطوير «المصري اليوم» من أجل الاحتفاظ بالقراء أو زيادة عدد من يشترون الصحيفة، وخاصة أن النسخة الورقية أصبحت متاحة على الإنترنت ويمكن تصفحها مجانا من الحواسب ومن الهواتف وغيرها؟
- شغلنا الشاغل هو التطوير. وهناك قراء ما زالوا يفضلون شراء الصحيفة الورقية لما فيها من «توضيب» معين وإبراز لموضوعات معينة ومتابعة كتّاب أعمدة وغيرها. والمعروف أن قراءة الجريدة عادة وليست مسألة قراءة أخبار فقط.
* هل تتخيل أن المواطن العربي يمكن أن يأتي عليه يوم ويسدد ثمن ما يطالعه من موضوعات صحافية على الإنترنت؟
- القارئ العربي لا يختلف عن أي قارئ في العالم. التكنولوجيا تطال العربي مثلما تطال الأميركي أو غيره، بدليل أنه معك «موبايل» ومعك إنترنت وكلها أدوات غربية.. فلماذا تسأل سؤالا يثبت أنه لا حدود وأنه لا يوجد ما يسمى قارئا عربيا وقارئا هنديا. القارئ قارئ ويتعامل مع الوسائل بشكل واحد تقريبا.
* لكن الإنترنت خلقت هاجسا لصناعة الصحف الورقية.. في الغرب بعض الصحف والمجلات أغلقت، بينما تمكنت صحف ومجلات ورقية أخرى من تطوير نفسها والتغلب على مشكلة الإنترنت، وأعني بسؤالي أنه في كثير من الصحف الغربية من الصعب الوصول إلى مقال لكاتب معين من على موقع الصحيفة الورقية على الإنترنت من دون الاشتراك في الصحيفة أو سداد ثمن المقال، ولذلك لجأت الكثير من الصحف الورقية ومواقعها الإنترنتية إلى تحسين مستوى المحتوى الإعلامي الذي تقدمه حتى تجد مقابلا ماديا لهذا المحتوى، كيف ترى الأمر مصريا أو عربيا؟
- سنصل إلى هذا.. لأن التكنولوجيا هي التي ستفرض هذا الأمر. والثقافة والتعليم المتزايد هما اللذان سيفرضان هذا.
* حسنا، هل أنت راض عن المحتوى الإعلامي الذي تقدمه الصحافة الورقية والإنترنتية في مصر في الفترة الأخيرة؟
- إذا قلت إنني راض فلن يكون هناك تطوير. أنا طبعا عيني على (صحيفة) «إنترناشيونال نيويورك تايمز»، ومعجب بمحتواها وبحجم إعلاناتها وبشكل إعلاناتها وبإخراجها، فنحن لدينا مجال كبير جدا للتطوير.
* المهندس صلاح دياب كقارئ.. حين يكون أمامك الصحف المصرية، هل أنت راض عن المستوى المهني فيها؟
- طبعا يوجد تطور في كل الصحف سواء الخاصة أو التابعة للدولة.
* أنا أسأل عن نظرتك للمحتوى، أي الموضوعات نفسها، هل كان يوجد في الماضي محررون محترفون أكثر من الآن، أم ماذا؟
- هذا الأمر يتسم بالصعود والهبوط.. مثل أي شيء آخر. وأي شركة تنتج منتجا سواء كان منتجا صحافيا أو تجاريا أو استهلاكيا من طعام وشراب، فهذا المنتج قابل للتطوير في المضمون وقابل للتطوير في الشكل الخارجي، وفي كل شيء.
* «المصري اليوم» كمؤسسة مضافة لمؤسساتك الكثيرة، هل تفكر في أن تكون مؤسسة عابرة للحدود، بمعنى أن يكون لها مكاتب كبيرة في عدة عواصم؟
- نحن حاليا نحاول أن نغطي قضايا التسعين مليون مصري، ثم سنبحث بعد ذلك الموضوع الخارجي الذي ليس في أولوياتنا حاليا. كما أعتقد أن صحيفة «الشرق الأوسط» قائمة بهذا الموضوع تماما.. أي بالتغطية والوجود في العديد من العواصم حول العالم. ولا نريد أن ندخل في منافسة مع «الشرق الأوسط».
* هل تلقيت أي اتصالات من نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك حين أصدرت «المصري اليوم»؟ هل جرى جس نبضكم على الأقل في ذلك الوقت؟ هل جرى نصحكم بأمور معينة تخص النشر عن الرئاسة أو الجيش أو القضاء؟
- لم يحدث على الإطلاق.. لكن كان هناك، بطبيعة الحال، مضايقات تعرضنا لها كمستثمرين. مضايقات غير مباشرة على الرغم من أننا خرجنا بـ«المصري اليوم» كجريدة مستقلة وليست جريدة معارضة. الجريدة المستقلة لم يكن لها مكان مفهوم في العالم العربي. كان الحال حينها يقول إما أن تكون معي أو ضدي. وهذا غير صحيح. نحن لدينا انحيازات، وهي للصالح العام. قد نتفق مع بعض الناس بعض الوقت في بعض الأمور، ولا يمكن أن أتفق مع كل الناس كل الوقت في كل الأمور.
* لكن حين كنت تلتقي في المناسبات مع بعض قيادات السلطة السابقة في عهد مبارك، ألم يكن هناك من يتحدث معك بشأن ما كان ينشر في الجريدة، أو يبدي بعض المؤاخذات؟
- طبعا مسألة المؤاخذات هذه مستمرة.. ومستمرة إلى الآن في حالات كثيرة. أريد أن أقول لك شيئا.. لو عملت صحافة مستقلة فلا بد أن تدرك أن هذه العملية لها ثمن، والثمن قد يكون أحيانا ثمنا كبيرا. كان لها ثمن في عهد مبارك، وكان لها ثمن في عهد (الرئيس السابق محمد) مرسي، وأقول لك إنه سيكون لها ثمن في العهد المقبل أيضا، أيا ما كان. ما دمت ستقف مستقلا وتقول إن هذا صح وهذا خطأ، فسيكون هناك ثمن أيضا.
* هل أتت عليك لحظة تمنيت فيها لو أنك لم تكن قد دخلت في عالم الصحافة؟
- هذه اللحظة تأتيني آلاف المرات.. في كل مشكلة، وفي كل حرج مع شخص معين، في كل عتاب عبر الهاتف، رغم أنني لا أتدخل في التحرير، لكن هناك أناسا يتصورون أنني أتدخل في التحرير. كل مرة من هذه المرات كنت أندم، لكن الغاية والقصد هو الصالح العام، فيجب أن نتحمل النتائج المترتبة على سلامة القصد.
* «المصري اليوم» انفردت بحوار مع قائد الجيش، وخرجت تسريبات من الحوار لم تكن قد نشرت في الصحيفة، مما تسبب في لغط عن المسؤول وراءها، ولغط بشأن استمرار رئيس تحرير الصحيفة الذي أجرى الحوار، ما الحقيقة وراء كل هذا؟
ـ لا شيء.. طبعا كان الحوار مميزا، والتسريبات التي جرى تداولها لم تخرج عن نص الحوار ومضمونه، وليس فيها مفاجأة، وكله كان منشورا.. ولا شك أن الحوار يثير بعض الغرائز المهنية لدى الغير. والبعض أراد أن يضخم الموضوع. ياسر رزق كان محل تقدير لإدارة «المصري اليوم»، ومحل تقدير وثقة الفريق أول عبد الفتاح السيسي، ومحل ثقة القارئ. وأعتقد أن ما أثير مما يسمى بـ«تسريبات» من الحوار لا يزيد عن كونه «فقاقيع لا قيمة لها ولا معنى»، ولا سيما أن التسريبات لم تأت بأي شيء جديد ولم تخرج بسر خفي لم يشر إليه الحديث المكتوب والمنشور في الصحيفة.
* دارت تكهنات في سوق الإعلام المصرية أنك ستطيح بياسر رزق من رئاسة التحرير بسبب تلك التسريبات، ما تعليقك؟
- إطلاقا.. أنا لا أتدخل في هذا، ولا أملك هذا. وقرار وجود رئيس تحرير أو ذهاب رئيس تحرير قرار مجلس أمناء «المصري اليوم»، ومجلس أمناء «المصري اليوم» تقليد موجود في كل الصحف العالمية. وحين أخذت صحيفة «الشرق الأوسط» بهذا التقليد قمنا نحن أيضا في «المصري اليوم»، بعد ذلك، بالأخذ بهذا النظام. ونحن لا نعاقب على خطأ غير مقصود إطلاقا. وأنا لست سلطة عقاب ولا إطاحة ولا تثبيت.
* مَن من الكتاب تحب أن تقرأ لهم؟
- كثيرون جدا.. أحب أن أقرأ لصلاح منتصر والشاعر فاروق جويدة وعمرو الشوبكي وسليمان جودة وحمدي رزق، ولكثيرين غيرهم. وأحب أن أقرأ جدا لمحمد المخزنجي. ومبدئيا أحب أن أقرأ لكل كتاب «المصري اليوم».
* ومَن من مذيعي برامج الدردشة التلفزيونية الليلية يستهويك في الفترة الأخيرة؟
- هناك مثلا إبراهيم عيسى ويسري فودة ولميس الحديدي وعمرو أديب.. هناك مذيعون لا تستطيع أن تحول القناة حين تراهم. والإعلام التلفزيوني أثر في المصريين فهو يفتح وجهات النظر، لكن لو تكرر يكون مملا.
* ماذا تفعل حين تجد أحد أفراد أسرتك يداوم على مطالعة صحيفة غير صحيفة «المصري اليوم»؟ هل تشعر بالغضب؟
- بالعكس، زوجتي تقرأ صحيفة غير «المصري اليوم» كل يوم. من هواياتها أن تقرأ صحيفة «الأهرام»، فلماذا أغضب؟! بالعكس.. آخذ منها «الأهرام» وأقرأ ما يستهويني فيها. وهذا لا يمنع أنها تطالع «المصري اليوم» أيضا. معظم الناس لا يكتفون بصحيفة واحدة.



وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
TT

وليد عبّود... علاقة وجدانية مع «تلفزيون لبنان»

وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)
وليد عبود ...يرتبط بعلاقة وجدانية مع "تلفزيون لبنان" (وليد عبود)

وليد عبود، صاحب خبراتٍ متراكمة في عالم الإعلام اللبناني، ويمثّل نموذجاً للمهني المتمرّس. ولقد تنقّل بين صروحٍ عديدة، منذ كان طالباً في كليات الإعلام والأدب والحقوق، حيث كان شغفه الأول الثقافة، إلا أن عالم السياسة سرعان ما جذبه، ليصبح أحد أبرز المحاورين التلفزيونيين في لبنان. وعبود راهناً يشغل منصب رئيس تحرير نشرات الأخبار في قناة «إم تي في» المحلية، ويقدّم 3 برامج حوارية هي: «أبيض وأسود» على منصة «هلا أرابيا»، و«الحكي يوصل» على منصة «صوت كل لبنان»، و«مع وليد عبود» على شاشة «تلفزيون لبنان».

بالنسبة لمسيرته، فإنه استقى خبراته الأولى من عمله في «دار الصياد» عندما كان في الثامنة عشرة من عمره، ويومذاك تولّى مهام التحرير في نشرة دورية كانت تُرسل إلى أصحاب القرار في لبنان والعالم العربي. بعدها تنقّل بين عدد من الصحف اللبنانية والعربية، من بينها «المسيرة» و«الحياة» و«نداء الوطن» و«النهار»، حيث كتب مقالات ثقافية.

وفي «المؤسسة اللبنانية للإرسال» (إل بي سي آي)، شارك في إعداد برامج ثقافية مثل «كبارنا». أما تجاربه السياسية الأولى فانطلقت عبر برنامج «ع صوت عالي» على شاشة «تلفزيون لبنان» خلال مرحلة إدارتها من قِبل فؤاد نعيم.

ومع الراحل جبران تويني، خاض تجربة تلفزيونية جديدة من خلال إعداد برنامج «فخامة الرئيس» على شاشة «إل بي سي آي»، ليتولى بعدها برنامج «رئاسيات». ويعلقّ وليد عبود على تلك الحقبة بالقول: «تعاوني مع الراحل جبران تويني ترك أثره الإيجابي في مشواري المهني. كان قامة سياسية وإعلامية لا يمكن أن تمر مرور الكرام».

في انتقاله إلى «إم تي في» عام 1989، بدأ إعداد برنامج «سجّل موقف». وبقي فيها حتى عام 2001، حين استدعته «إل بي سي آي» للعمل في إدارة تحرير نشرات الأخبار، وهي مرحلة أكسبته خبرة واسعة. ثم عاد مجدداً إلى «إم تي في» لتولّي رئاسة تحرير نشرات الأخبار حتى اليوم، إلى جانب تقديمه برنامج «بموضوعية» حتى عام 2018. ويؤكد أن مجمل هذه المحطات صقل تجربته المهنية، التي تجاوزت اليوم 46 عاماً من العمل الإعلامي.

«تلفزيون لبنان» وعوْدٌ على بدء

على الرغم من التجارب الكثيرة واللامعة التي خاضها عبود في صروح إعلامية عدّة، فإنه لفت متابعيه أخيراً بانضمامه إلى عائلة «تلفزيون لبنان». كانت عودة إلى واحدة من أقدم تجاربه الإعلامية في عام 1994، حيث يقدّم عبره مساء كل أربعاء برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود».

في لقاء مع «الشرق الأوسط»، قال عن هذه الخطوة: «لا شك أن هذه المحطة تسمها العراقة والتاريخ المضيء، وقد تربّينا على شاشتها. ومجرّد أن يُوضع اسمي إلى جانب الرعيل الأول من الإعلاميين أمثال عادل مالك وكميل منسّى وجان خوري، فهذا يشكل حافزاً وفخراً كبيرين لي». وأضاف مستعيداً لحظة دخوله إلى مبنى التلفزيون: «ممرّ طويل يقود إلى الاستوديوهات، وعلى جدرانه صور هؤلاء الإعلاميين، إلى جانب صورة الرئيس الراحل كميل شمعون وهو يضع حجر الأساس لتلفزيون لبنان. هناك اجتاحتني مشاعر الحنين إلى زمن الإعلام اللبناني الذهبي والرائد، حين كان لبنان بين أوائل الدول العربية التي تخطو هذه الخطوة الكبرى في المنطقة. وكذلك استعدت ذكرياتي مع هذه الشاشة المرتبطة بوجداني».

من ناحية ثانية، خيار العودة إلى «تلفزيون لبنان» لم يكن مجرد محطة عابرة في مسيرة عبود، بل جاء نتيجة مجموعة اعتبارات مهنية وواقعية. وهو يوضح أن تعذّر تقديم برنامج تلفزيوني على محطة محلية منافسة دفعه إلى اختيار هذه العودة، بوصفه الخيار الأنسب والأكثر انسجاماً مع المرحلة.

ومن خلال هذا المنبر، قدّم برنامجه الحواري السياسي «مع وليد عبود»، الذي يُعرض مساء كل أربعاء، ويستضيف شخصيات سياسية بارزة. وقد استهلها مع رئيس الجمهورية جوزيف عون ورئيس الحكومة نواف سلام. وأشار إلى أنها كانت أولى إطلالاتهما الإعلامية فشكّلت نقطة تحوّل في مسار البرنامج، إذ أسهمت المقابلتان في تثبيت حضوره وتعزيز انتشاره. وهو يرى أن «تلفزيون لبنان»، في ظل إدارته الجديدة، بدأ يخطو باتجاه رؤية مستقبلية أكثر تنظيماً ووضوحاً، ما انعكس إيجاباً على موقع البرنامج داخل المشهد الإعلامي.

إعلامي متميز... وخبرات متراكمة (إم تي في)

الذاكرة الإعلامية

قال عبود إن تجربة العودة إلى تلفزيون لبنان «أعادت إليَّ شيئاً من الذاكرة الإعلامية الأولى، لكنها في الوقت نفسه أتاحت لي مساحة عمل مختلفة، تجمع بين الخبرة المتراكمة والفرصة المتجددة لإعادة تقديم نفسي ضمن سياق وطني جامع».

وفي سياق كلامه عن تجربته الطويلة مع قناة «إم تي في»، استعاد عبود محطات من إدارة نشرات الأخبار، معتبراً أن العلاقة بين الإعلامي والمحطة تقوم أساساً على الانسجام في الرؤية والخط التحريري. وأردف: «نحن مَن نشبه المحطة وليس العكس»، موضحاً أن نجاح التجربة الإعلامية «يرتبط بمدى التقاطع بين قناعة الإعلامي ونهج المؤسسة، وإلا فإن الخلافات تصبح نتيجة طبيعية».

وعلى الصعيد الشخصي، قال إن «الحروب الإعلامية» ليست من طبعه، فهو يميل إلى تجنّب المواجهات المباشرة. ويفضّل التركيز على العمل والمضمون. ويرى أن بيئة التفاهم داخل أي مؤسسة إعلامية تُسهّل تجاوز التحديات، وتُقلّل من حدّة الإشكالات، في حين أن غياب التفاهم هو ما يخلق الأزمات، ويؤدي إلى المغادرة أو الاختلاف.

النقد ضرورة من أجل التطور

أما في ما يتعلق بالنقد، فيشدّد وليد عبود على أنه «عنصر أساسي في المهنة وليس تهديداً لها، بل لعله أداة تطوير حقيقية». ويضيف أن «كل إعلامي، سواء كان في موقع التحرير أو التقديم، يتعرّض للنقد بشكل دائم، سواء من سياسيين أو جمهور أو زملاء في المهنة، والمهم هو كيفية التعامل معه». وبالنسبة له، النقد لا يُقابل بالانزعاج، بل بالاستفادة؛ لأنه يكشف نقاط الضعف التي قد لا تكون واضحة خلال عمل يومي يستمر 18 ساعة متتالية. ويؤكد أنه بعد كل حلقة من برنامجه يطلب آراء المشاهدين بصدق؛ لأن المديح لا يهمّه بقدر ما يهمّه النقد البنّاء الذي يساعده على التطوير.

ويشرح من ثم أن مسيرته الإعلامية الطويلة علّمته أن كل يوم يحمل تجربة جديدة، وأن العمل المتواصل لساعات قد يرافقه بعض الهفوات، لكن التحدي الحقيقي هو في تقليل الأخطاء وتحاشي تكرارها. ومن ثم، يرى أن المعيار ليس في غياب الخطأ، بل في القدرة على ضبط نسبته مقارنة بمحطات أخرى.

الإعلامي يبقى في الذاكرة

واختتم عبود اللقاء معه بالتأكيد على أن «الإعلام مهنة متعبة»، ولا يعرف كيف انخرط فيها بهذا الشغف الكبير، ثم إنه كان يخطط لمسار أكاديمي في الأدب والفلسفة، لكن الإعلام جذبه بشكل غير متوقع. وتابع أنه يؤمن بأن «الإعلامي الحقيقي يبقى حاضراً في ذاكرة الناس إذا استطاع أن يترك بصمة واضحة، وأن هذه المهنة، رغم صعوبتها، تبقى وفية لصاحبها بقدر وفائه لها». ويعود ليصف الإعلام بأنه «عالم ساحر وجميل، لكن الأهم ألا ينقلب السحر على ساحره في اللحظات المفصلية».


هل يعرقل الذكاء الاصطناعي التواصل بين الصحافيين ومصادر المعلومات؟

الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
TT

هل يعرقل الذكاء الاصطناعي التواصل بين الصحافيين ومصادر المعلومات؟

الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)
الذكاء الاصطناعي... والإعلام (صورة أرشيفية متداولة)

أثار تطوّر تقنيات الذكاء الاصطناعي وقدرتها على استنساخ وانتحال صفة الصحافي، مخاوف من عرقلة التواصل بين الإعلاميين ومصادر المعلومات؛ بسبب «التشكك في وجودهم وإنسانيتهم»، وفي حين رأى خبراء أنَّ الذكاء الاصطناعي يُسهم في تسهيل العمل الإعلامي، فإنَّهم شدَّدوا على «ضرورة التواصل الإنساني المباشر لتقليل التأثيرات السلبية للتكنولوجيا».

تقرير نشره معهد «نيمان لاب» المتخصِّص في دراسات الصحافة، نهاية الشهر الماضي، أفاد بإحجام المصادر عن الرد على رسائل الصحافيين عبر البريد الإلكتروني؛ اعتقاداً منهم أنَّها مرسلة من روبوتات الذكاء الاصطناعي.

واستند التقرير إلى تجربة الصحافي الأميركي، غابي بولارد، الذي ذكر أنَّ بعض مصادر المعلومات باتت تتخوَّف من ورود رسائل احتيال عبر البريد الإلكتروني، ما يدفعهم لتجاهل الردِّ على استفسارات الصحافيين.

أيضاً لفت التقرير إلى أن «المخاوف المتعلقة بتراجع الثقة في الإعلام، وانتشار المعلومات المضللة، أضيفت إليها مخاوف جديدة تتعلق بإمكانية أن تعرقل التكنولوجيا عنصراً أساسياً من العمل الصحافي، وهو التواصل مع المصادر لجمع المعلومات، بحجة التشكك في وجود الصحافي من الأساس». وأشار إلى ما تُسمى «نظرية الإنترنت الميت» التي تفترض أنَّ معظم الموجودين على الإنترنت ليسوا حقيقيين.

الدكتورة سالي حمود، الباحثة الإعلامية اللبنانية في شؤون الإعلام المعاصر والذكاء الاصطناعي، وأستاذة الإعلام والتواصل، قالت في لقاء مع «الشرق الأوسط»: «إن الذكاء الاصطناعي يؤثر في عمل الصحافي سلباً وإيجاباً... ومع تطور النماذج اللغوية الضخمة بات من الصعب التفريق بين ما تنتجه وما ينتجه الإنسان، لا سيما مع قدرة التكنولوجيا على استنساخ وانتحال صفات أشخاص حقيقيين».

وأضافت حمود أن «ما يحدث قد يعرقل قدرة الصحافي على التواصل مع مصادر المعلومات». ولذا فهي تقترح أن «يحرص الصحافي على التواصل الإنساني في محاولة لإثبات وجوده، والحد من مخاوف المصادر، جنباً إلى جنب مع العمل على الترويج الذاتي، ورسم صورة ذهنية لحضوره على منصات التواصل المختلفة».

وتؤكد على «ضرورة إعادة النظر في كيفية التعاطي مع تقنيات الذكاء الاصطناعي، وطريقة العمل والتواصل الصحافي في ضوئها، مع وضع سياسات شاملة لذلك».

في الواقع، تطرَّق تقرير «نيمان لاب» إلى حلول عدة للحدِّ من تأثير الذكاء الاصطناعي على التواصل مع مصادر المعلومات، من بينها «التواصل من بريد إلكتروني مرتبط بالمؤسسة الإعلامية، والحرص على إيجاد فرص للتواصل الإنساني المباشر للحدِّ من تشكك المصادر في وجود الصحافي». بيد أنَّه في الوقت ذاته لفت إلى ما يكتنف ذلك من تحديات ترتبط ببطء عملية التواصل في عصر رقمي لا يمنح رفاهية الوقت.

هنا يرد الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي، محمد فتحي، بالقول: «إن الذكاء الاصطناعي لا يعرقل عمل الصحافي بشكل مباشر، لكنه يفرض تحديات جديدة تُغيِّر طريقة الوصول إلى المعلومات».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «المعلومات أصبحت متاحة جداً وبوفرة؛ لكن يتعذَّر التحقق منها بسهولة، ما أدّى إلى تضخم هائل في المحتوى؛ ما يجعل التحقُّق من دقته أكثر صعوبة، خصوصاً مع انتشار تقنيات التزييف العميق، التي تتيح إنتاج مواد مزيفة يصعب تمييزها».

من ناحية ثانية، يشير فتحي إلى أن «الذكاء الاصطناعي يوفِّر في المقابل أدوات قوية تساعد الصحافي على البحث السريع، وتحليل البيانات، والوصول إلى معلومات من مصادر متعددة خلال وقت قياسي.

وبالتالي، فإنَّ التحدي الحقيقي لم يعد في الوصول إلى المعلومات؛ بل في التحقُّق منها وفهم سياقها الحقيقي... وبالتالي، بات من الضروري تعزيز المهارات المهنية، وعلى رأسها التحقُّق من الأخبار باستخدام أدوات متعددة، وبناء شبكة مصادر موثوقة جداً، وتقديم محتوى إخباري تحليلي وإنساني لا تستطيع الآلة إنتاجه بالعمق البشري نفسه».

ويضيف فتحي: «إن تطوير المهارات الرقمية، والتعامل الذكي مع أدوات الذكاء الاصطناعي، يمنحان الصحافي ميزةً تنافسيةً عن أقرانه؛ لكنهما لا يلغيان وظيفته أو عمله، بل سيظلُّ الصحافي القادر على الجمع بين الدقة والمصداقية والرؤية الإنسانية، هو الأكثر قدرةً على البقاء في المنافسة».


«آي كيوي آي» تشعل معركة الذكاء الاصطناعي في سوق الترفيه

عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
TT

«آي كيوي آي» تشعل معركة الذكاء الاصطناعي في سوق الترفيه

عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)
عالم المستقبل... هنا الآن (آي كيو آي)

في الصين، لا تبدو المعركة في سوق البث التدفّقي مجرد سباق على الاشتراكات أو ساعات المشاهدة، بل هي صراع على شكل الصناعة الثقافية نفسها.

وفي قلب هذا الصراع تقف منصة «آي كيوي آي» (iQIYI)، التي توصف غالباً بـ«نتفليكس الصين»، كونها واحدةً من أكبر منصات الترفيه الرقمي في البلاد، بقاعدة مستخدمين نشطة تجاوزت خمسمائة مليون شخص شهرياً، ونحو مائة مليون مشترك مدفوع. غير أن المنصة باتت الآن في مواجهة مفتوحة مع مشاهديها، إثر إعلانها عن مشروع لبناء قاعدة بيانات فنية مدارة بالذكاء الاصطناعي، ما فجّر جدلاً واسعاً لم تهدأ أصداؤه بعد.

سوق ضخمة ومنصة تبحث عن البقاء

لفهم ما يجري، لا بد من وضع الأرقام في سياقها؛ إذ إن «آي كيوي آي»، التي يرعاها عملاق التكنولوجيا «بايدو»، سجّلت خلال عام 2025 إيرادات سنوية بلغت نحو 27.29 مليار يوان (ما يعادل نحو أربعة مليارات دولار)، وسط تراجع نسبته سبعة في المائة مقارنةً بالعام السابق، وخسائر صافية ناهزت 206 ملايين يوان، وهذا بعدما كانت قد حقّقت ربحاً صافياً بلغ 764 مليون يوان في عام 2024.

للعلم، تعتمد المنصة نموذجاً مختلطاً يجمع بين الاشتراكات المدفوعة والإعلانات وتوزيع المحتوى، ما يجعلها هشّةً في مواجهة أي تراجع في الإنفاق الإعلاني. وفي هذا السياق، يتحوّل الذكاء الاصطناعي إلى أكثر من مجرّد أداة تقنية، أي يغدو محاولة لتقليص الكلفة وتسريع الإنتاج. ولقد أقرّ الرئيس التنفيذي غونغ يو، صراحةً، بقلقه من استدامة النموذج التقليدي العالي الكلفة، مشيداً بإمكانات الذكاء الاصطناعي في فتح آفاق إبداعية جديدة.

قاعدة المواهب الفنية

يوم 20 أبريل (نيسان) 2026، وبمناسبة مؤتمر «آي كيوي آي» المنعقد في العاصمة الصينية بكين، كشف الرئيس التنفيذي غونغ يو النقاب عن مشروع سماه «قاعدة المواهب الفنية بالذكاء الاصطناعي». وذكر أن 117 فناناً صينياً وقّعوا اتفاقيات تُجيز للمنصة استخدام ملامحهم وأصواتهم وبياناتهم الحيوية لبناء شخصيات رقمية، يمكن توظيفها في أعمال درامية وسينمائية مولّدة بالذكاء الاصطناعي، دون أن يطأ الممثل الأصلي أرض التصوير. وكذلك أعلن عن أول فيلم روائي طويل مُولَّد بالكامل بالذكاء الاصطناعي تعتزم المنصة إطلاقه قريباً. وفي تصريح، سرعان ما أثار موجة غضب عارمة، ذهب غونغ يو إلى أن التصوير قد يصبح عن قريب تراثاً ثقافياً ينتمي إلى الماضي.

"آي كيوي آي"... ترفع مستوى المنافسة (آي كيو آي)

اشتعال الجدل

لحظات بعد هذا الإعلان، اشتعلت منصة «ويبو» الصينية بهاشتاغ «آي كيوي آي جنّت» حتى أصبحت القضية في قائمة المواضيع الأكثر تداولاً. وتساءل مستخدمون باستنكار: «لماذا سأدفع اشتراكاً لمشاهدة أشخاص مزيّفين؟»... وكتب آخرون: «إذا تحوّل الممثلون كلهم إلى ذكاء اصطناعي، فما هي القيمة التي ستحملها هذه الأعمال؟».

ومن جهة ثانية، سارعت شخصيات وردت أسماؤها في المشروع، كالممثل الكبير تشانغ روييون، إلى نفي أي صلة لهم بالمشروع. وفي الساعات التالية للعاصفة، سارعت «آي كيوي آي» إلى إصدار توضيحات متتالية. وفي تصريح لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قال نائب الرئيس التنفيذي الأول ليو وِنفِنغ إن المنصة لا تُرخّص صور الممثلين ومظاهرهم، بل تعمل على تمكين صنّاع الأفلام والممثلين من إنشاء تواصل أسرع عبر منصة «ناداو برو». وأردف أن كل لقطة تحتاج إلى تأكيد من الفنانين أنفسهم، وأن «ثمة سوء فهم تاماً» وراء ما حصل. وفي بيانين متتاليين، أكدت المنصة أن الانضمام إلى القاعدة لا يعني سوى إعلان الفنان استعداده للنقاش في مشاريع محتملة، وليس ترخيصاً مُسبقاً لأي عمل بعينه.

إشكاليات قانونية وتقنية جديدة

وبالتوازي، حذّر لي تشِنوو، المحامي في مكتب «شانغهاي ستار لو فيرم»، من أنه بمجرد استخدام بيانات لصورة فنان في تدريب نماذج المنصة، تنشأ مخاطر تقنية جسيمة، من بينها تسريب البيانات والتدريب الثانوي غير المصرّح به، وهي مخاطر يصعب التخلص منها. وتكمن هشاشة الوضع القانوني في أن التشريعات الصينية لم تُحسم بعد فيما يخص ملكية الصورة الرقمية واستنساخها عبر الذكاء الاصطناعي، ما يفتح الباب أمام نزاعات قانونية قد تمتد لسنوات.

بكين تشدّد قبضتها على الذكاء الاصطناعي

في الحقيقة، لا يمكن قراءة هذا الجدل معزولاً عن السياق التنظيمي المتسارع في الصين. فيوم 3 أبريل 2026، نشرت «الإدارة الصينية للفضاء الإلكتروني» مسوّدة قواعد تشمل اشتراطات صارمة للموافقة المسبقة عند استخدام السمات الحيوية، وحظر التحايل على أنظمة المصادقة البيومترية. وأطلقت السلطات حملتها السنوية لمكافحة إساءة استخدام الذكاء الاصطناعي، التي استهدفت الانتحال الرقمي للأشخاص واستحضار المتوفين رقمياً من دون موافقة ذويهم. ومن ثم، قد دخل معيار وضع علامات إلزامية على المحتوى المولَّد بالذكاء الاصطناعي حيّز التنفيذ يوم 1 سبتمبر (أيلول) 2025.

لماذا يهزّ الجدل الصناعة الترفيهية كلها؟

جدير بالذكر أن «آي كيوي آي» ليست منصةً بعيدة عن السياق؛ فهي جزء من البنية الكبرى التي تشكّل الذائقة الرقمية في الصين، جنباً إلى جنب مع «تنسنت فيديو» و«يوكو» و«بيليبيلي» و«مانغو تي في».

وفي مثل هذه السوق، لا يقتصر أثر قرار واحد على مسار منصة بعينها، بل يمتد إلى المعايير نفسها: هل النجاح يكمن في تقليص الكلفة، أم في الحفاظ على العلاقة الإنسانية بين العمل الفني وجمهوره؟ والمفارقة تبرز هنا بجلاء؛ إذ كلّما ازدادت المنصة اعتماداً على الذكاء الاصطناعي، ازدادت قدرتها على السيطرة على الإنتاج والتخصيص، لكنها في المقابل تخاطر بتقليص المساحة التي يمرّ فيها الفن عبر التجربة البشرية الفعلية.

آفاق المستقبل

ما جرى في بكين ليس شأناً صينياً بحتاً، إذ إن البنية التحتية التي تسعى «آي كيوي آي» إلى بنائها انعكاس لمنطق يجتاح صناعة الترفيه العالمية.

ففي الولايات المتحدة، مثلاً، تتسارع استثمارات كبريات المنصات في تقنيات الذكاء الاصطناعي التوليدي. إذ تعتزم «نتفليكس» إنفاق نحو 20 مليار دولار على المحتوى في 2026 مستعينة بالذكاء الاصطناعي في الإنتاج والإعلانات، في حين تعمل «أمازون» على توظيفه في الرسوم المتحركة والدبلجة.

ومع ذلك، تسير المنصات الغربية بخطى أكثر حذراً، إذ يمثّل استنساخ الممثلين بالكامل «خطاً أحمر» في ظل عقود نقابة «ساغ-آفترا» المهنية.

وفي المقابل، يبدو النموذج الصيني أكثر جرأةً وأقل تقييداً، ما يجعل «آي كيوي آي» في موقع الرائد الاضطراري لمسار قد تسلكه منصّات عالمية أخرى في غضون سنوات قليلة.