«المصادر المُجهَّلة»... صراع حائر بين الصدق و«الفبركة»

تتكرر في الصحف العربية والدولية وقد تكون المفتاح الوحيد لكشف بعض القصص

من أشهر التحقيقات الصحافية التي اعتمدت على مصادر مُجهّلة  فضيحة «ووتر غيت» التي استقال بسببها الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون
من أشهر التحقيقات الصحافية التي اعتمدت على مصادر مُجهّلة فضيحة «ووتر غيت» التي استقال بسببها الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون
TT

«المصادر المُجهَّلة»... صراع حائر بين الصدق و«الفبركة»

من أشهر التحقيقات الصحافية التي اعتمدت على مصادر مُجهّلة  فضيحة «ووتر غيت» التي استقال بسببها الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون
من أشهر التحقيقات الصحافية التي اعتمدت على مصادر مُجهّلة فضيحة «ووتر غيت» التي استقال بسببها الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون

تعتبر قضية تجهيل المصادر الصحافية من القضايا الشائكة في العمل الإعلامي والصحافي في الصحف العالمية والعربية كافة، ومن آن إلى آخر تطفو على السطح، ولا سيما حينما يتعلق الأمر بمصائر الشعوب، أو في التغطيات المتعلقة بقضايا الفساد والأزمات الكبرى والكوارث. وتعتبر هذه الحقبة التي بدأت منذ اندلاع ما يطلق عليه «ثورات الربيع العربي» تشهد الصحافة العالمية ظاهرة «تجهيل المصادر»، فلن تجد صحيفة أجنبية أو عربية تخلو من عبارات مثل «مصدر مطلع»، أو «قالت مصادر»، أو «صرح مصدر رفض ذكر اسمه»، أو «ذكر مصدر أمني»، وغيرها من طرق نسب المعلومات المهمة والحساسة إلى مصادر من دون ذكر اسمها وهويتها للقارئ.
في مصر، تحديداً هناك مطالبات بسنّ قانون يمنع الصحف من الاستعانة بـ«المصادر المُجهّلة»، حيث أدى ذلك إلى انتشار الشائعات، وإثارة مخاوف المواطنين. وأدى الإفراط في نسب الأخبار لمصادر مجهولة للقراء إلى زعزعة ثقتهم في الصحف المحلية.
«الشرق الأوسط» تتساءل إلى أي مدى يمكن تطبيق ذلك على أرض الواقع؟ وهل هناك مجال لصحافة من دون مصادر مُجهَّلة؟

من الناحية الأكاديمية والنظرية والمهنية والعملية أيضاً، يعتبر «المصدر المجهل» أمراً لا بد منه؛ بل من المبادئ الأساسية للصحافة، حيث ينبغي على الصحافي حماية مصادره، وعدم الإضرار بهم بأي حال من الأحوال؛ لكن الإفراط في نسب المعلومات لمصادر مجهلة يضر بمصداقية الصحف والمؤسسات الإعلامية، إذا ما لم توضع ضوابط شديدة وحازمة لاستخدام «المصدر المجهل».
ومن أبرز الأوقات التي استعانت فيها الصحف الأميركية بـ«مصدر مُجهل» كانت تغطية قضية «بيل كلينتون ومونيكا لوينسكي»، في ذاك الوقت اشترط المحرر التنفيذي في صحيفة «نيويورك تايمز» على الصحافيين ضرورة التأكد من شرطين، وهما: «ما مقدار المعرفة المباشرة لدى المصدر المجهل عن الحدث؟، ما هو دافع المصدر لإخفاء هويته؟».
‏الدكتور خالد عبد الله الحلوة، الأستاذ المساعد في قسم الإعلام في كلية الآداب، جامعة الملك سعود، قال لـ«الشرق الأوسط»: «‏استخدام المصادر المجهلة، ظاهرة قديمة في الصحافة والإعلام، والكثير من المؤسسات الصحافية تعتمد على مصادر مجهلة، أي من دون ذكر اسم الشخص الذي أدلى بالمعلومات؛ وذلك لأسباب كثيرة».
‏ويشير الحلوة إلى أن «قضية المصادر المجهلة لها مزايا وعيوب عدة في الوقت نفسه». مؤكداً «ضرورة أن نعرف لماذا تعتمد بعض الصحف ووكالات الأنباء وغيرها من المؤسسات الإعلامية على المصادر المجهلة»، مضيفاً «يقول العاملون في الصحافة إن الكثير من القضايا الحساسة لا يمكن كشفها إلا بالاعتماد على المصادر المُجهلة... فقد يكون هناك أشخاص لديهم معلومات مهمة جداً، لكنهم لا يريدون الكشف عن هويتهم لحماية أنفسهم من العواقب، مثل خسارة وظائفهم أو مناصبهم أو خسارة سمعتهم».
ويضرب الحلوة أمثلة لتحقيقات صحافية اعتمدت على مصادر مُجهلة في كشف الحقائق. ومن أشهرها فضيحة «ووتر غيت» التي استقال بسببها الرئيس الأميركي ريتشارد نيكسون. وقد نشرت هذه التحقيقات صحيفة «واشنطن بوست»، واعتمدت فيها على مصدر مجهل واحد أساسي، بالإضافة إلى مصادر أخرى. وهناك قضايا فساد أخرى تم نشرها تتعلق بشركات كبرى في أميركا وقضايا مماثلة في بريطانيا وأوروبا، تشمل فساداً في مستشفيات ومصانع أغذية، ومعظمها قضايا تتعلق بأمن وسلامة المواطن، وقد رأت وسائل الإعلام في تلك الحالات، أن من واجبها كشفها كجزء من وظيفتها في خدمة المجتمع.
‏ويلفت الحلوة إلى وجود عامل مؤثر في ظاهرة «المصادر المجهلة»، ألا وهو أن «القانون في أميركا وأوروبا والكثير من دول العالم يعطي حماية للصحافي، في أن يستخدم مصادر مجهلة ويحتفظ بسرية هذه المصادر... ومن واجب الصحافي أن يحتفظ بسرية المصدر حماية لأمن هذا المصدر»، موضحاً، تحرص المؤسسات الإعلامية على الالتزام بهذا المبدأ لضمان استمرار الثقة بين الصحيفة ومصادرها؛ لأنه في حالة إخلال الصحيفة باتفاقية حماية هوية المصدر، فإنها سوف تخسر مصادرها التي تعتمد عليها في الحصول على المعلومات، وتصبح غير قادرة على أداء واجبها في كشف الحقائق التي تهم المجتمع وتمس مصلحته وأمنه».
وحول مزايا وعيوب استخدام المصادر المجهلة، ذكر الدكتور خالد الحلوة «‏من أهم المزايا أن الصحيفة تستطيع الحصول على معلومات مهمة من المصادر التي تثق بها، مع اشتراط هذه المصادر بالحفاظ على السرية لحماية نفسها. وهذا يساعد على حماية المصادر من العقوبات أو التداعيات التي قد تضر بهم، وفي الوقت نفسه تزيد من قوة العلاقة بين الصحيفة ومصدر الخبر وتضمن استمراريتها». ‏مضيفاً «لكن من العيوب، أن استخدام المصادر المجهلة يقلل من مستوى الثقة بالصحيفة ويقلل احتمال تصديق أخبارها؛ لذلك تلجأ معظم الصحف ووكالات الأنباء إلى نشر معلومات من مصادر عدة بعضها مجهول، والبعض الآخر معروف، لتعزيز ودعم مصداقية الخبر».
ويذهب الحلوة أيضاً إلى أنه «من العيوب أن بعض المصادر المجهلة يكون لها دوافع شخصية متحيزة ويكون ذلك غير معروف للقارئ، فيؤثر في توجيه الرأي العام تجاه القضية دون وعي من الصحافي نفسه، إن لم يكن حذراً في التعامل مع مثل هذه المصادر... ومن العيوب أيضاً أن هناك بعض الصحافيين ممن يمكن أن يزوّر معلومات ثم ينسبها إلى مصدر مجهول، وهي ليست معلومة حقيقية إطلاقاً، ولا يوجد لها مصدر فعلي أصلاً. ‏وهذا ما يحدث الآن في عصر الإعلام الرقمي المتعدد والمتنوع، وعصر وسائل التواصل الاجتماعي».
ويستطرد «هذا ما يفسر زيادة نسبة (الأخبار الكاذبة) يوماً بعد يوم. لكن هذا يفرض على الصحافة الجادة والإعلام الملتزم مضاعفة الجهود بنشر الأخبار الموثوقة وتقليص الاعتماد على المصادر المجهلة، ودعم الأخبار بمصادر عدة، ووجهات نظر عدة لدعم وتعزيز مصداقيتها أمام الجمهور».
‏من جانبه، يرى الكاتب الصحافي المصري الدكتور ياسر ثابت، أن تجهيل المصدر في الإعلام قد يكون مبرراً في حالات محددة ووفق ضوابط مهنية، ولاعتبارات تتعلق بظروف المصدر وحساسية موقعه أو طبيعة بلد معين يتعامل بقسوة مع إعلان الحقائق.
وحول الجانب المهني في استخدام «المصادر المجهلة» وعدم استخدامها، يقول ثابت لـ«الشرق الأوسط»: «مهنياً، يمكن الأخذ بالمصدر المجهل إذا كانت المعلومات من المصدر المجهل مهمة وحيوية للغاية للقصة، ولا يمكن الحصول عليها بأي طريقة أخرى، شريطة أن يكون المصدر موثوقاً فيه وفي مركز يمكنه من الاطلاع على المعلومات بدقة».
أما من الناحية الواقعية، فيؤكد ثابت أن «المصادر المجهلة هي المفتاح الوحيد لكشف قصة كبيرة، وكشف الستار عن الفساد وإكمال المهمات الصحافية للمراقبة على الحكومات وإخبار المواطنين، لكن أحياناً المصادر المجهلة هي الطريق إلى سقوط مهني وأخلاقي». ويضرب مثالاً بصحيفة «نيويورك تايمز» التي أصدرت تعليمات تطلب من المحررين الحصول على الموافقة من الإدارة على استخدام «مصدر مجهل» في القصة.
بشكل عام، يرى ثابت أن «الأقوال المنقولة عن مصدر مجهل يجب التقليل من استخدامها، كما أنها تستخدم فقط حينما تكون محورية للقصة، والكشف عن تلك المصادر يضر بالمصدر وموقعه الحالي أو سلامته الشخصية... ومن أهم الشروط المهنية أن يكون المحرر على علم بهوية محددة لأي مصدر مجهل قبل النشر». وهنا يؤكد ثابت على نقطة مفصلية، ألا وهي «قبل ضمان سرية المصدر، يجب أن يكون هناك نقاش مفصّل حول سبب رغبة المصدر في عدم تحمل المسؤولية، وهل يحتاج الصحافي إلى حماية المصدر في هذه القصة أم لا؟».
ويرى ثابت أن «(المصادر المجهلة) كما يفضل تسميتها وليس المجهولة؛ أمر جائز شريطة أن تكون معلومة لدى الصحافي على الأقل ولا يكشف عنها لاعتبارات دقيقة ومقبولة».
من جهته، يؤكد الدكتور عثمان فكري، أستاذ الصحافة بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، أن الاستعانة بالمصادر المجهلة مرتبط بشكل أساسي بحق الصحافي في حماية مصادره في بعض الأحيان. ويرى أن جزءاً أساسياً في هذه القضية الصحافية الشائكة مرتبط بقانون إتاحة المعلومات وحرية الاطلاع عليها، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» «إذا صدر هذا القانون، ولبّى رغبات الإعلاميين والصحافيين في حرية الاطلاع على المعلومات في القضايا كافة بوسائل مشروعة وقانونية، يمكن أن يقلل هذا إلى حد كبير من الاعتماد على المصادر المجهلة».
أما عن قضية المصداقية، فيرى فكري، أنها «قضية أوسع من أن يتم ربطها فقط بمعيار واحد هو طبيعة المصادر، إذا كانت مجهلة أو معروفة، هذه قضية مرتبطة بأبعاد وعناصر كثيرة جداً في العمل الصحافي والإعلامي.
ويخلص فكري، إلى أنه «يمكن أن يكون في مصر صحافة دون (مصادر مجهلة) في حال توافر السبل القانونية لاطلاع الصحافي على المعلومات بحرية، وحمايته قانونياً في هذا الشأن».


مقالات ذات صلة

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

إعلام ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض (الشرق الأوسط)

حسين النجار... الصوت الإذاعي الذي شكّل ذاكرة السعوديين

توّج الدكتور حسين النجار المذيع السعودي بجائزة شخصية العام خلال حفل جوائز «المنتدى السعودي للإعلام 2026» الذي عقد الأربعاء في الرياض تقديراً لتجربته العريضة

عمر البدوي (الرياض)
يوميات الشرق الكاتب محمد الرميحي والمحرر عبد الهادي حبتور يحتفلان بالجائزتين (الشرق الأوسط)

«المنتدى السعودي للإعلام» يتوّج الفائزين بجوائز دورته الخامسة

كرّم «المنتدى السعودي للإعلام»، مساء الأربعاء، الفائزين بجوائز نسخته الخامسة، التي نظمت في الرياض، على مدى 3 أيام، بحضور جمع من الإعلاميين.

عمر البدوي (الرياض)
الولايات المتحدة​ مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

«واشنطن بوست» تعلن تسريح ثلث موظفيها في جميع الأقسام

في ضربة قاسية لإحدى أعرق المؤسسات الصحافية... أعلنت صحيفة «واشنطن بوست» عن تسريح ثلث موظفيها بقسم الأخبار والأقسام الأخرى

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق أكدت الجلسة الحوارية أن المؤسسات الإعلامية تتحمل مسؤولية إيصال الأخبار بشكل احترافي (المنتدى السعودي للإعلام)

خبراء: المنصات الحديثة تفرض على المؤسسات الصحافية مراجعة أدواتها

أكد خبراء إعلاميون أن التحولات الرقمية المتسارعة تفرض على المؤسسات الصحافية إعادة التفكير في أدواتها وأساليبها، مع الحفاظ على القيم المهنية وجودة المحتوى.

غازي الحارثي (الرياض) عمر البدوي (الرياض)

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
TT

«تيك توك» تركز على «دعم الاقتصاد الإبداعي» في المنطقة

"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)
"تيك توك" تأمل في أن تكون منصة اقتصاد إبداعي في منطقة الشرق الأوسط. (الشرق الأوسط)

قالت كِندة إبراهيم، المديرة العامة الإقليمية لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، إن استراتيجية المنصة في المنطقة خلال عامي 2026 و2027 ترتكز على بناء «اقتصاد إبداعي مستدام» يحوّل المحتوى من نشاط رقمي إلى مسار مهني حقيقي، ويمنح المواهب المحلية أدوات النمو والوصول إلى الاقتصاد الرقمي العالمي.

وأوضحت إبراهيم، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط» على هامش حفل جوائز «تيك توك» الذي نُظم أخيراً، أن المنصة «لا تنظر إلى نفسها بوصفها منصة ترفيه فحسب، بل منظومة متكاملة تتحول فيها الإبداعات إلى مهن، والاهتمامات إلى مجتمعات رقمية، والقصص المحلية إلى محتوى قادر على الانتشار عالمياً مع الحفاظ على هويته الثقافية».

وأضافت أن هذه الاستراتيجية «تقوم على الاستثمار في أدوات صناعة المحتوى، وتوسيع فرص تحقيق الدخل المستدام، وتعزيز أنظمة الأمان، وبناء شراكات تمكّن المواهب المحلية من النمو داخل المنطقة وخارجها بثقة». وأردفت أن تركيز المنصة سيظل منصبّاً على أسواق رئيسية مثل المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية ومصر، إلى جانب أسواق واعدة أخرى تشهد زخماً متزايداً في ريادة الأعمال والإبداع الرقمي.

مؤشرات نضج المنظومة

في هذا السياق، رأت كندة إبراهيم أن نتائج حفل جوائز «تيك توك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا لعام 2025 «شكّلت مؤشراً واضحاً على نضج منظومة صناع المحتوى في المنطقة، بعدما شارك أكثر من 5.7 مليون مستخدم في التصويت، مما يعكس تحول الجمهور من مجرد متلقٍّ إلى شريك فاعل في صناعة المشهد الإبداعي».

وأوضحت أن تكريم 33 صانع محتوى ضمن 11 فئة شملت الترفيه والتعليم والتأثير الاجتماعي والرياضة والطعام والأزياء والابتكار، «يعكس اتّساع نطاق الإبداع وعمقه».

وتابعت قائلةً إن صناعة المحتوى في المنطقة «لم تعد مرتبطة بلحظة انتشار عابرة أو بنوع واحد من المحتوى، بل أصبحت منظومة حقيقية تبني مجتمعات رقمية وتسهم في تشكيل الثقافة».

واستطردت بأن «وصول 66 صانع محتوى إلى القوائم النهائية قبل بدء التصويت يؤكد وجود قاعدة واسعة ومتنوعة من المواهب في مختلف أنحاء المنطقة، وهو ما دفع (تيك توك) إلى تطوير برامج دعم جديدة لعام 2026، تشمل استثمارات أكبر في أدوات مثل (تيك توك استديو) و(تيك توك ون)، إلى جانب برامج متخصصة للمعلمين والفنانين وصناع المحتوى الرياضيين ورواة القصص».

كِندة إبراهيم، المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى "تيك توك" في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا.(الشرق الأوسط)

محركات النمو

من جهة ثانية، ذكرت كندة إبراهيم أن نمو «تيك توك» في منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا تقوده ثلاثة عوامل رئيسة تتمثل في: الاكتشاف، والمجتمع، وفرص الدخل المستدام.

ولفتت إلى أن «نظام التوصية القائم على الاهتمامات، وليس على عدد المتابعين، يتيح للأصوات الجديدة الظهور بسرعة، ويسمح للاهتمامات المتخصصة من التعليم والرياضة إلى الطعام والجمال، بأن تتحول إلى حركات ثقافية واسعة تقودها المجتمعات نفسها... وأدوات مثل (تيك توك ون)، والتعاون بين صناع المحتوى، أمور تسهم في تحويل التفاعل إلى علاقات أعمق وفرص دخل حقيقية، مما يدعم بناء منظومة إبداعية أكثر استدامة في المنطقة». ومن ثم، فإن المنصة -وفق كندة ابراهيم- «تقيس هذا النمو عبر مجموعة من المؤشرات، تشمل عدد المستخدمين النشطين، ووقت المشاهدة، والتفاعل المتكرر، ونشاط صناع المحتوى، وتبني أدوات تحقيق الدخل، إضافة إلى عدد الصنّاع الذين ينشرون محتوى بشكل منتظم، وسرعة وصول المواهب الجديدة إلى مجتمعاتها».

التعليم والترفيه

ورداً على سؤال عن طبيعة المحتوى، أكدت أن الترفيه لا يزال عنصراً أساسياً في تجربة «تيك توك»، لكنه لم يعد النوع الوحيد الذي يبحث عنه الجمهور... ذلك أن المحتويين التعليمي والمعرفي، إلى جانب محتوى ريادة الأعمال والتأثير الاجتماعي، قطاعات تشهد نمواً متزايداً، خصوصاً عبر مبادرات مثل «تعلم في تيك توك».

وأوضحت أن التعليم على المنصة لا يأتي بصيغة تقليدية، بل في قالب بسيط وسريع وممتع، يمزج بين الفائدة والترفيه، وهو ما يجعل المحتوى أكثر قرباً من الناس وأكثر قابلية للمشاركة والاستمرار.

منصة متعددة الأجيال

وفيما يتعلق بالفئات العُمرية، شددت المدير العام الإقليمي لشؤون العمليات لدى «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا وجنوب ووسط آسيا، على أن «تيك توك» باتت «منصة متعددة الأجيال بطبيعتها». إذ تعتمد تجربة المستخدم على الاهتمامات لا على العمر، وبالتالي، «فإن كل مستخدم يجد محتوىً يناسبه، سواءً للترفيه أو التعلّم أو التعبير عن الذات، مما يجعل التجربة أكثر شمولاً وإنسانية».

السلامة والذكاء الاصطناعي

أما عن التحديات، فقالت إن «تيك توك» تولي أولوية قصوى لبناء بيئة رقمية آمنة وشفافة، خصوصاً مع الانتشار المتزايد لأدوات الذكاء الاصطناعي. وشرحت كيف أن المنصة كانت أول جهة تطبّق تقنية «بيانات اعتماد المحتوى Content Credentials بالتعاون مع تحالف C2PA لتمييز المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي».

وأضافت أن أكثر من 37 مليون صانع محتوى استخدموا أداة وسم المحتوى المُنشأ بالذكاء الاصطناعي منذ العام الماضي، كما جرى وسم أكثر من 1.3 مليار فيديو بعلامات مائية غير مرئية، في خطوة تهدف إلى تعزيز الشفافية.

كذلك كشفت عن إطلاق صندوق بقيمة مليوني دولار لدعم محو الأمية في مجال الذكاء الاصطناعي، إضافةً إلى الانضمام إلى «Partnership on AI» لتعزيز التعاون على مستوى الصناعة. وشددت على أن هدف «تيك توك» في الشرق الأوسط وأفريقيا هو مواكبة الابتكار، مع الحفاظ على بيئة آمنة ومسؤولة تحترم الخصوصية، وتعزز الثقة، وتدعم الإبداع الحقيقي الذي يعكس ثقافة وقيم مجتمعات المنطقة.

هذا، وتجدر الإشارة إلى أن المنصة كانت قد نظّمت اخيراً حفل جوائزها السنوي لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا احتفاءً بأبرز صنّاع المحتوى في المنطقة الذين كان لهم تأثير متميز خلال عام 2025، وتم تكريم صنّاع المحتوى الذين ساهمت قصصهم وإبداعاتهم وتأثيرهم في رسم ملامح هذا العام على المنصة وخارجها.

تنامي المنصة

للعلم، تُعدّ «تيك توك» من المنصات الرقمية المتنامية العالم. وخلال السنوات الماضية عملت على طرح المحتوى بشكل مختلف من خلال الفيديوهات القصيرة. إذ تقوم فلسفة المنصة على نموذج اكتشاف قائم على الاهتمامات لا على عدد المتابعين، مما يمنح الأصوات الجديدة فرصة الظهور والانتشار السريع، ويتيح للمجتمعات الرقمية أن تتشكل حول متابعات مشتركة، سواءً في التعليم أو الرياضة أو الطعام أو ريادة الأعمال أو الفنون.

وفي منطقة الشرق الأوسط وأفريقيا، تتطلع «تيك توك» لأن تكون لاعباً رئيسياً في تشكيل الثقافة الرقمية، إذ تحوّلت إلى مساحة للتعبير عن الهوية المحلية، ومسرح للأفكار الجديدة، ومنصة لإطلاق المواهب الشابة.


«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

«فيسبوك» يراهن على الذكاء الاصطناعي لمواجهة «تراجع التفاعل»

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

عاد الجدل حول مستقبل التفاعل على منصة «فيسبوك» إلى الواجهة، في ظل مؤشرات أداء حديثة تُظهر استمرار تراجع معدلات التفاعل، مقارنة بمنصات اجتماعية منافسة. وهذا الأمر يدفع الآن شركة «ميتا»، مالكة المنصة، إلى الرهان على الذكاء الاصطناعي بوصفه مساراً لاستعادة التفاعل عبر تحسين أنظمة التوصية وترتيب المحتوى، وتقديم تجربة أكثر تخصيصاً للمستخدمين.

لقد أشار تقرير أجرته «سوشيال إنسايدر» (وهي شركة متخصصة في تحليل بيانات وسائل التواصل الاجتماعي وتقديم تقارير مؤشرات أداء)، خلال الشهر الحالي، إلى أن «متوسط معدلات التفاعل على (فيسبوك) بلغ 0.15 في المائة. وهي نسبة تعكس انخفاضاً تم تسجيله منذ مطلع عام 2025». وتبيّن المؤشرات التي استندت إلى تحليل بيانات نحو 70 مليون منشور عبر منصات «تيك توك» و«إنستغرام» و«فيسبوك» و«إكس» (تويتر سابقاً)، أنه لا يمكن فصل هذا التراجع عن التحولات الأوسع في سلوك المستخدمين، ولا عن المنافسة المحتدمة مع منصات تقدّم أنماطاً أكثر حيوية من المحتوى، وفي مقدمتها الفيديو القصير.

حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، أرجع انخفاض التفاعل على «فيسبوك» إلى عدة عوامل. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك) بات يعاني من هجرة جيلَي زد وألفا، وتحوّل المنصة إلى فئة عُمرية أكبر (في سن 35 سنة)، والسبب في ذلك أساساً وجود منافسين أكثر حيوية ومنصّات تقدّم أنماطاً جديدة من المحتوى مثل (تيك توك) و(إنستغرام)، حتى إن (فيسبوك) باتت منصة الآباء والأجداد».

الشولي يشير إلى «تحول (فيسبوك) لإحراق المحتوى؛ إذ تتعرّض الحسابات العادية لنحو 1500 منشور محتمل خلال أقل من 8 ساعات، ما أدى إلى مفهوم انهيار السياق والاتجاه نحو التلوث في الكم مع إغفال النوع». ويضيف: «هو بالأساس يدخل في إطار فلسفة الاقتصاد، بتحويل انتباه المستخدمين وجعلها عملية نادرة، تتنافس عليها الشركات المعلنة، الأمر الذي أدى لتحول المنصة لسوق من الإعلانات، مع انعدام المحتوى». ويلفت إلى أن «الكمية الهائلة من المنشورات ولّدت فقراً في الانتباه، كما يقول هربرت سايمون، الذي أسس لفكرة اقتصاد الانتباه».

جدير بالذكر أن مارك زوكربيرغ، الرئيس التنفيذي لـ«ميتا»، كان قد ألمح إلى نية الشركة الدفع باتجاه مزيد من الأدوات والاستخدامات المعززة بالذكاء الاصطناعي، وهو ما عدّه خبراء «رهاناً لتعويض تراجع التفاعل». وكشفت «ميتا» عقب إعلانها أحدث تحديثات الأداء عن دور أنظمتها المتقدمة المدعومة بالذكاء الاصطناعي في تحسين ترتيب المحتوى وزيادة الصلة داخل الخلاصات.

عودة إلى الشولي، فإنه يرى صعوبة في إيجاد تغيير ملموس بشكل كامل على «فيسبوك»؛ إذ يقول: «المنصة بحاجة لإعادة نظر في شكلها الحالي وطبيعة عملها... والأهم من ذلك استقطابها لجمهور الشباب؛ إذ لدى (فيسبوك) نحو 3 مليارات مستخدم نشط شهرياً، منهم 2 مليار ناشطون بشكل يومي، ولكن معدل الأعمار الأكثر نشاطاً هم الأكبر بالعمر، وهذه مشكلة عنق الزجاجة التي تعاني منه (فيسبوك) طوال السنوات العشر الماضية».

ويضيف أن «الذكاء الاصطناعي قد يؤثر في استهلاك المحتوى من قبل المستخدمين؛ لكن داخل حيز الحسابات النشطة فقط». وهو لا يعتقد بارتفاع أعداد الحسابات النشطة أكثر مما عليه الآن.

من جهة ثانية، وفق البيانات الرسمية لـ«ميتا»، أسهمت تحسينات ترتيب الخلاصات والفيديو على «فيسبوك» خلال الربع الرابع من عام 2025 في زيادة مشاهدات منشورات الخلاصة والفيديو العضوية بنسبة 7 في المائة، مع تسجيل نمو في وقت مشاهدة الفيديو على أساس سنوي داخل الولايات المتحدة. كذلك زادت المنصة من عرض المقاطع القصيرة المنشورة في اليوم نفسه بنسبة تجاوزت 25 في المائة مقارنة بالربع الثالث من العام ذاته.

وهنا ذكرت دعاء عمار، الصحافية المتخصصة في الذكاء الاصطناعي وصناعة المحتوى، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «فيسبوك» لم تنجح في جذب الشرائح الأصغر سناً. ولفتت إلى التغيّر في تفضيلات الخوارزمية، قائلة: «في السابق كانت خوارزمية (فيسبوك) تعرض ما ينشره أصدقاؤك وأقاربك، أما الآن فتحاول (فيسبوك) استنساخ (تيك توك)». وأردفت دعاء عمار أن «الخوارزمية المدعومة بالذكاء الاصطناعي ما تشاهده على أساس اهتمامك الحالي، وليس بناء على مَن تتابعهم»، معتبرة أن هذا قلّل «الحميمية» التي كانت قبل ذلك دافعاً أساسياً للتفاعل بالتعليقات والمشاركة.

وبالنسبة لرهان «فيسبوك» على الذكاء الاصطناعي، رأت دعاء عمار أن «المشكلة تكمن في أن خوارزميات الذكاء الاصطناعي مصممة لزيادة التفاعل بأي ثمن، ما قد يؤدي على سبيل المثال إلى انتشار الأخبار المضللة أو حبس المستخدم في فقاعة من المحتوى الذي يوافق مزاجه فقط؛ ما قد يخلق استقطاباً مجتمعياً حاداً». ومن ثم «التفاعل يجب أن يكون هدفاً مقيداً وليس الهدف الوحيد... والحد الفاصل هو عندما يتحوّل الذكاء الاصطناعي من أداة لتحسين التفاعل، إلى محرّك غير خاضع للمساءلة لزيادة هذا التفاعل».


«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
TT

«واشنطن بوست» تعلن تنحي رئيسها التنفيذي بعد عمليات تسريح جماعية

ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)
ويل لويس الرئيس التنفيذي لصحيفة «واشنطن بوست» (ا.ب)

أعلنت صحيفة «واشنطن بوست»، السبت، تنحي رئيسها التنفيذي ويل لويس من منصبه، بعد أيام من بدء تنفيذ خطة واسعة النطاق لخفض عدد الموظفين في هذه المؤسسة الصحافية الأميركية التي يملكها جيف بيزوس.

مقر صحيفة «واشنطن بوست» (إ.ب.أ)

وتسبب إعلان الخطة الأربعاء لتسريح قرابة 300 صحافي من أصل 800 بصدمة، في ظل تنامي التحالف بين مؤسس «أمازون» والرئيس الأميركي دونالد ترمب الذي يشنّ باستمرار حملات على وسائل الإعلام التقليدية منذ عودته إلى السلطة.

وفي رسالة إلكترونية أُرسلت إلى الموظفين وكشفها أحد صحافيي «واشنطن بوست» على وسائل التواصل الاجتماعي، قال ويل لويس إنه «بعد عامين من العمل على تطوير صحيفة واشنطن بوست، حان الوقت المناسب للتنحي عن منصبه».

وسيتم استبداله بجيف دونوفريو الذي يشغل منصب المدير المالي لواشنطن بوست منذ العام الماضي، بحسب الصحيفة.

قراء صحيفة واشنطن بوست شاركوا في وقفة احتجاجية أمام مبنى الصحيفة الخميس الماضي (ا.ف.ب)

وتعاني «واشنطن بوست»، المعروفة بكشفها فضيحة «ووترغيت ووثائق البنتاغون، والحائزة 76 جائزة بوليتزر منذ العام 1936، أزمة مستمرة منذ سنوات.

وخلال ولاية ترمب الأولى، حققت الصحيفة أداء جيدا نسبيا بفضل أسلوبها الصريح في تغطية الأحداث. وبعد مغادرة الملياردير الجمهوري البيت الأبيض، تراجع اهتمام القراء بها وبدأت نتائجها بالانخفاض الحاد.

وخسرت الصحيفة 100 مليون دولار في عام 2024، وفق صحيفة «وول ستريت جورنال».

في خريف عام 2024، امتنعت «واشنطن بوست» عن نشر افتتاحية تدعم كامالا هاريس في الحملة الرئاسية ضد دونالد ترمب، رغم أنها أيدت المرشحين الديموقراطيين في انتخابات أعوام 2008 و2012 و2016 و2020. واعتبر كثر ذلك محاولة من جيف بيزوس للتقرب من ترمب.

واستحوذ بيزوس الذي تُقدّر ثروته حاليا بـ 245 مليار دولار وفقا لمجلة فوربس، على صحيفة واشنطن بوست عام 2013.

وقال لويس في رسالته «خلال فترة إدارتي، اتُخذت قرارات صعبة لضمان مستقبل مستدام للصحيفة، حتى تتمكن من الاستمرار في نشر أخبار عالية الجودة وغير متحيزة لملايين القراء يوميا».

ونقل بيان «واشنطن بوست» عن بيزوس قوله إن الصحيفة لديها «فرصة استثنائية. ففي كل يوم، يزوّدنا قراؤنا بخريطة طريق نحو النجاح. تقول لنا البيانات ما هو قيّم وأين يجب أن نركز جهودنا».

وجرى الاستغناء عن عدد كبير من المراسلين الأجانب، بمن فيهم جميع من يغطون أخبار الشرق الأوسط والأحداث في روسيا وأوكرانيا.

كما طالت عمليات الصرف الجماعي أقسام الرياضة والكتب والبودكاست والأخبار المحلية والرسوم البيانية، حتى أن بعضها أُلغي في شكل شبه كامل.