ياسين جابر: لبنان لا يتحمل حكومة أكثرية ونحتاج حكومة وحدة وطنية

قال لـ«الشرق الأوسط» إن عرض شركة «سيمنز» لبناء معامل الكهرباء كان حقيقياً وليس شائعة

ياسين جابر
ياسين جابر
TT

ياسين جابر: لبنان لا يتحمل حكومة أكثرية ونحتاج حكومة وحدة وطنية

ياسين جابر
ياسين جابر

دعا النائب ياسين جابر عضو كتلة «التحرير والتنمية» (التي يرأسها رئيس البرلمان نبيه بري)، القيادات اللبنانية، إلى «التواضع وتقديم بعض التنازلات للوصول إلى تسوية تنتج حكومة وحدة وطنية»، معتبراً أن البلد «لا يتحمّل حكومة أكثرية تولّد مزيداً من الشرخ في هذه المرحلة الحساسة»، رافضاً الدعوات إلى «توسيع صلاحيات حكومة تصريف الأعمال لأنها تعطي صورة سلبية للعالم عن عجز اللبنانيين عن تشكيل حكومة شرعية».
وإذ استبعد مواجهة عسكرية مع إسرائيل أقلّه في المرحلة الراهنة، رأى أن «لا أحد يأمن جانب العدو الإسرائيلي الذي قد يدفع بالمنطقة إلى الهاوية». وجدد اعتراضه على إدارة ملف الكهرباء كما يحصل الآن، وطالب بـ«عقد اجتماع للقيادات اللبنانية في القصر الجمهوري لوضع خطة وطنية لحلّ أزمة الكهرباء»، متهماً وزير الاتصالات في حكومة تصريف الأعمال سيزار أبي خليل، بـ«اعتماد الحلّ الواحد عبر شراء الكهرباء من البواخر»، كاشفاً عن «عرض قدّمه البنك الدولي للبنان لدعم الكهرباء بمبلغ 1.5 مليار دولار والمساهمة بإصلاح هذا القطاع، لكنه قوبل بلا مبالاة وزارة الطاقة».
وعبّر النائب جابر في حديث لـ«الشرق الأوسط»، عن أسفه، لأن «كلّ التحديات والتهديدات التي يواجهها لبنان، لا تحمل المسؤولين على تشكيل حكومة، خصوصاً أن النظام اللبناني بعد اتفاق الطائف، وضع السلطة بيد الحكومة مجتمعة، وهذه الحكومة وحدها تتخذ القرارات». وطالب جميع المسؤولين والقيادات بـ«التواضع قليلاً والتنازل للتوصل إلى تسوية تنتج حكومة وحدة وطنية، لأن حكومة الأكثرية غير مقدّر لها أن تولد في ظلّ أوضاع لا تتحمّل مزيداً من الشرخ». وسأل: «هل يعقل أن نذهب إلى مواجهة داخلية، يصبح معها كلّ شيء معطلاً، خصوصاً أن التحديات الخارجية كبيرة وتتطلب أعلى قدر من الوحدة والمسؤولية؟».
ومع تراجع حظوظ ولادة الحكومة اللبنانية الجديدة، ارتفعت الأصوات المطالبة بتوسيع صلاحيات حكومة تصريف الأعمال، ودعوتها للاجتماع واتخاذ القرارات الملحّة، أسوة بجلسات «تشريع الضرورة» التي عقدها مجلس النواب، لكن جابر رفض إعطاء صلاحيات واسعة للحكومة المستقيلة تتعدى إطار تصريف الأعمال، وقال: «الفرق كبير بين حكومة تصريف الأعمال، وما يقوم به مجلس النواب»، مشيراً إلى أنه «في ظلّ الفراغ الحكومي يصبح البرلمان في حالة انعقاد دائمة ويضطر للاجتماع واتخاذ القرارات وإصدار القوانين في غياب الحكومة لتسيير شؤون البلاد، لكن صلاحيات الحكومة المستقيلة واضحة بحسب الدستور، وأي توجه لتوسيع صلاحياتها، يعطي مؤشرات سيئة جداً بفقدان الأمل بتشكيل حكومة شرعية ضمن مهلة معقولة، كما يعطي رسالة سلبية إلى العالم والمستثمرين، مفادها أن اللبنانيين غير مؤهلين لإدارة بلدهم ومؤسساتهم الدستورية».
ولا يقلل النائب جابر من خطورة التهديدات الإسرائيلية تجاه لبنان، لكنه لا يرى أن الأمور ذاهبة إلى حرب أقلّه في وقت قريب. وأضاف: «تكفينا الحرب الاقتصادية والاجتماعية والحرب النفسية التي يواجهها لبنان، حتى تأتيه تهديدات الحرب العسكرية»، لافتاً إلى أن «أغرب ما في الأمر أن الإسرائيلي لم تقنعه كلّ الساحات، ليأتي ويقول إن الصواريخ (حزب الله) مخزّنة قرب مطار بيروت الدولي، وهذا يعني أن إسرائيل غير مرتاحة لرؤية ارتفاع عدد المسافرين عبر هذا المطار بشكل كبير»، مشدداً على أن «لا أحد يأمن جانب العدو الإسرائيلي، وهناك دائماً خطر يأتي من جانبه، وأي مغامرة قد تقدم عليها الدولة العبرية، قد تدفع المنطقة إلى الهاوية، وعلينا أن نتحسّب لكلّ شيء»، مبدياً ارتياحه لـ«الخطوة التي أقدم عليها وزير الخارجية (اللبناني جبران باسيل)، عبر معاينته مع السفراء المعتمدين لدى لبنان، النقاط التي عرضها (رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين) نتنياهو على خريطته، وكشف مزاعمه المضللة، بأن المطار محاط بالصواريخ».
وكان تسجيل صوتي مسرّب منسوب للنائب جابر عن وضع الكهرباء الصعب، يتهم فيه «العهد» بأخذ البلاد إلى انهيار كبير، ويعلن فيه رفض وزير الطاقة المبادرة التي قدمتها شركة «سيمنز» الألمانية لبناء معامل لإنتاج الكهرباء في لبنان بكلفة متدنية جداً، أثار سجالاً واسعاً عبر الإعلام وعلى وسائل التواصل الاجتماعي. ولفت جابر وهو وزير الاقتصاد السابق، إلى أن موقفه من ملف الكهرباء ليس جديداً، لكنه ظهر الآن بسبب الفراغ السياسي، معتبراً أن «سوء إدارة ملف الطاقة مستمرّ منذ أكثر من 8 سنوات، وهناك رفض متعمّد لتطبيق القوانين مرعية الإجراء في هذا الملف». وسأل: «هل يعقل أن مؤسسة كهرباء لبنان تعمل من دون مجلس إدارة منذ 8 سنوات، وعجزها السنوي يبلغ ملياري دولار؟»، مذكراً بأن «وزارة الطاقة هي وزارة وصاية وليست سلطة إدارة أو سلطة مقررة». وشدد على أن «أزمة الكهرباء تمثّل كارثة وطنية، ولا يجوز استمرارها في ظلّ العجز الكبير في مالية الدولة».
وعن اتهامه وزير الطاقة في حكومة تصريف الأعمال سيزار أبي خليل، بإهمال العرض الذي قدمته شركة «سيمنز» الألمانية لبناء معامل لإنتاج الطاقة وتوزيعها في كلّ المناطق اللبنانية، أكد النائب ياسين جابر أن «العرض الذي قدّمه الجانب الألماني حقيقة قائمة وموثّقة وليس شائعة، لدي أصدقاء في القطاعين العام والخاص شاركوا في الاجتماع الذي عقد بين وزير الطاقة ومدير شركة سيمنز أثناء زيارة المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إلى بيروت، وأعلنوا أن اللقاء حصل في إطار الزيارة الرسمية للمستشارة الألمانية، التي تقود دولة لديها ثالث اقتصاد في العالم، وكان معها ممثلون لـ50 شركة ألمانية جاءوا للوقوف إلى جانب لبنان»، مبدياً استغرابه؛ كيف أن «وزير الطاقة أهمل العرض الألماني، ولم يكلّف نفسه عناء إرسال فريق عمل لبحث سبل الدعم الذي يمكن أن تقدمه الشركة الألمانية وتأمين الطاقة بكلفة متدنية جداً؟».
ولم تقتصر محاولات إنقاذ قطاع الكهرباء على المبادرة الألمانية، إذ كشف النائب جابر عن «عرض قدمه البنك الدولي، ويتمثّل في رصد مبلغ مليار ونصف المليار دولار بفوائد متدنية جداً، لإصلاح قطاع الكهرباء في لبنان، لكن هذا العرض لم تأخذ به وزارة الطاقة، ولم ترسل أي وفد للتفاوض حوله، وللأسف هناك وجهة نظر واحدة تسيّر هذا القطاع»، معتبراً أن «وزارة الطاقة ليست ملكاً لأحد، ووضع الكهرباء يحتاج لقرار وطني، ونطالب رئيس الجمهورية (ميشال عون) أن يدعو القيادات إلى اجتماع في القصر الجمهوري بحضور شركات عالمية، لوضع خطة واضحة وشفافة ونهائية لمعالجة أزمة الكهرباء». وقال: «حتى إذا أتت البواخر لتوليد الكهرباء بالقوة، ليست لدينا خطة لنقل الكهرباء وتوزيعها». وختم النائب جابر: «نحن في وضع مالي صعب، ولدينا خسائر كبيرة، ونحتاج إلى حلّ دائم ينهي معاناة اللبنانيين».



مصر والعراق... تنسيق متصاعد في مواجهة توترات المنطقة

رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
TT

مصر والعراق... تنسيق متصاعد في مواجهة توترات المنطقة

رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)

وسط تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد التحديات الأمنية والسياسية التي يواجهها العراق في ظل استمرار الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران منذ فبراير (شباط) الماضي، تكتسب المحادثات المصرية-العراقية أهمية متزايدة، في ضوء مساعي البلدين لتعزيز التعاون والتنسيق في مواجهة تداعيات الأزمات الإقليمية، ودعم الاستقرار في المنطقة.

وتحمل الزيارة التي قام بها رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد إلى بغداد، الخميس، دلالات مهمة بحسب خبراء من مصر والعراق تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»؛ كونها تؤشر إلى زيادة التنسيق الأمني في ضوء التحضيرات لانسحاب قوات التحالف الدولي في 30 سبتمبر (أيلول) المقبل، إلى جانب تدشين مشروعات اقتصادية مشتركة لتوفير بدائل للمنافذ التقليدية لتصدير الطاقة عبر مضيق هرمز.

وأفاد مجلس الوزراء العراقي بأن رئيس المجلس علي الزيدي استقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن محمود رشاد، الذي نقل إليه رسالة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أشاد فيها بعمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، واستعداده الدائم لمساندة جهود تحقيق تطلعات الشعبين الشقيقين في جميع المجالات.

رسالة القاهرة

وتضمنت الرسالة، بحسب البيان العراقي الصادر مساء الخميس، توجيه الدعوة إلى رئيس مجلس الوزراء لزيارة مصر «انطلاقاً من الحرص المشترك للمضي بتعزيز مسار التعاون بين العراق ومصر، والمحافظة على مصالح البلدين وتدعيم السلم والاستقرار الإقليمي والدولي».

كما شهد اللقاء بحث «عدد من القضايا والملفات ذات الاهتمام المشترك، والتأكيد على أهمية تنسيق المواقف وتبادل المعلومات والخبرات، بما يعزز المصالح الثنائية، ولما فيه خير الشعبين الشقيقين والمنفعة المشتركة».

مصر والعراق لمزيد من التعاون والتنسيق الأمني والاقتصادي (مكتب رئيس الوزراء العراقي)

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، يعتقد مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير المصري الأسبق لدى العراق شريف شاهين، أن التقارب المصري-العراقي استراتيجي فرضته التطورات الإقليمية وأهمية العراق المحورية، مشيراً إلى أن زيارة رئيس المخابرات المصرية الأخيرة لبغداد تكتسب أهمية بالغة في إطار بناء علاقات متطورة ترتكز على التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي، وأن القاهرة تنظر للعراق باعتباره دولة محورية في معادلة الأمن العربي.

صناعة غرف أمنية

ويرى المحلل السياسي والأمني «رئيس مركز العراق للدراسات» علي فضل الله، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن زيارة رئيس جهاز المخابرات المصرية للعراق لها أهمية كبيرة بحكم تبادل المعلومات والعمل على صناعة غرف أمنية مشتركة من أجل التعاون ومعالجة كل التحديات، خاصة في ملف الإرهاب في ظل الخبرة المتراكمة لدى الجيش والأجهزة الأمنية المصرية.

زخم تعاون يتصاعد

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد زار بغداد في يونيو (حزيران) 2021، في أول زيارة لرئيس مصري إلى العراق منذ عقود ضمن آلية التعاون الثلاثي التي جمعت مصر والعراق والأردن، واستهدفت تعزيز التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني بين الدول الثلاث.

وانطلق المسار الثلاثي بين مصر والعراق والأردن في 14 مارس (آذار) 2019، عبر أول قمة ثلاثية استضافتها القاهرة، بحضور رئيس وزراء العراق آنذاك عادل المهدي.

وشهدت الفترة الأخيرة زخماً في الزيارات؛ إذ استقبل السيسي في 27 أغسطس (آب) 2024 رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني، في ثالث زيارة له إلى مصر، بعد زيارتين في مارس ويونيو 2023، تناولت بحث تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار وإعادة الإعمار، والاستفادة من خبرات الشركات المصرية في مشروعات البنية التحتية العراقية، إضافة إلى اتصالات على مستوى وزراء الخارجية في البلدين لبحث التهدئة في المنطقة بعد اندلاع حرب إيران، خاصة في ظل قرب بغداد من طهران.

وفي ضوء ذلك أوضح السفير المصري الأسبق لدى العراق شريف شاهين أن المرحلة الراهنة تشهد تحولات رئيسية في مجالات الطاقة عبر مشروعات استراتيجية تجمع بين مصر والعراق والأردن، لإنشاء شبكات لتصدير النفط تعيد توجيه مسارات الطاقة، وتوفير بدائل لمنافذ التصدير التقليدية عبر مضيق هرمز، مشدداً على أن هذه المشروعات الاقتصادية الطموحة تتطلب ترتيبات وتنسيقاً أمنياً على أعلى مستوى لحمايتها.

أولوية الأمن

وأضاف أن الشأن الأمني يحتل أولوية في المباحثات المشتركة، لا سيما في ضوء التحضيرات لانسحاب قوات التحالف الدولي في 30 سبتمبر المقبل، مما يستدعي تعزيز قدرات الجيش العراقي لضبط الحدود ومواجهة مخاطر الجماعات الإرهابية والخلايا النائمة لتنظيم «داعش»، بالإضافة إلى دعم جهود الدولة العراقية لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

وشدد شاهين على أن استقرار بغداد لا يتجزأ من استقرار المنطقة وأمنها القومي العربي، لافتاً إلى أن مصر تمتلك إمكانات وخبرات فنية عالية تُمكّنها من تقديم الدعم والمساندة للجيش العراقي في مجالات متعددة، وفي مقدمتها الدفاع الجوي وتأمين الأجواء والمجال الأمني الإقليمي.

وأشار المحلل السياسي والأمني العراقي علي فضل الله إلى أن التعاون الأمني العراقي-المصري «ليس مستغرباً بحكم التحديات المشتركة التي تعصف بالمنطقة؛ فهناك تهديدات إسرائيلية باتجاه مصر، وباتجاه العراق، وباتجاه دول المنطقة عموماً، كما أن هناك تهديدات باتجاه الدول العربية التي من المفترض أن تشهد تنسيقاً وتعاوناً».


«زيارة شي» للقاهرة... اختبار للتوازن المصري بين الصين وأميركا

احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)
احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

«زيارة شي» للقاهرة... اختبار للتوازن المصري بين الصين وأميركا

احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)
احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)

مع اقتراب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ، إلى مصر، تبرز تساؤلات حول كيفية قدرة القاهرة على المواءمة بين علاقاتها مع بكين وواشنطن في ظل تباين وتجاذبات الطرفين.

ويعتقد دبلوماسيون مصريون سابقون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن مصر تنتهج في مسار علاقاتها الخارجية «الاتزان الاستراتيجي»، بما يسمح لها بموازنة علاقاتها على أساس المصالح المشتركة، من دون الانحياز إلى سياسات تتعارض مع مصالح حلفائها في المنطقة.

و«الاتزان الاستراتيجي»، عده الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال حفل إفطار الأسرة المصرية في شهر أبريل (نيسان) 2014، الإطار الرئيسي الحاكم للسياسة الخارجية المصرية، حتى بات هذا المفهوم كتاباً جديداً لوزارة الخارجية المصرية أصدرته في نهاية 2025، أكد أنه أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الخارجية المصرية، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة.

وتشهد العلاقات المصرية الصينية محطة تاريخية بارزة تعكس عمق الشراكة الاستراتيجية التي تجمع بين القاهرة وبكين، حيث تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر لتتوج مساراً طويلاً من التعاون المتنامي بين البلدين، بحسب ما ذكرته «الهيئة العامة للاستعلامات المصرية» الرسمية، الخميس.

ويتوجه الرئيس الصيني، الأحد، إلى قرغيزستان بدءاً لجولته التي تستمر إلى الثالث من سبتمبر (أيلول)، للمشاركة في قمة «منظمة شنغهاي للتعاون» في العاصمة بيشكيك، حيث يقوم بزيارة دولة، تعقبها زيارة أخرى إلى مصر، وفقاً لما أعلنته وزارة الخارجية الصينية في بيان، الأربعاء.

صون السلام

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، أن المحادثات في مصر تهدف إلى «الإسهام الإيجابي في صون السلام والاستقرار في المنطقة»، لافتاً إلى أن زيارة شي هي «الأولى إلى مصر منذ 10 سنوات، كما تحمل أهمية خاصة لتطوير العلاقات الثنائية».

السيسي والرئيس الصيني في حديث ودي خلال المشاركة في احتفالات عيد النصر بالعاصمة الروسية موسكو يوم 9 مايو 2025 (الخارجية المصرية)

واحتفت وسائل إعلام مصرية مبكراً بالزيارة حيث نشرت صحيفة «الأهرام» الحكومية الخميس، مقالاً للكاتب أحمد ناجي قمحة بشأن الزيارة، قائلاً: «اتجاه مصر شرقاً لا يتعارض مع سياسة الاتزان الاستراتيجي، وإنما يمثل إحدى أدواتها؛ فالاتزان لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من جميع القوى، وإنما امتلاك أكبر قدر ممكن من البدائل والشراكات، بما يزيد قدرة الدولة على الحركة والمناورة، ويحافظ على استقلال قرارها».

وأضاف: «لهذا تتعاون مصر مع الصين في مجالات، ومع الولايات المتحدة وأوروبا في مجالات أخرى، وتنفتح في الوقت نفسه على الهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول آسيا الوسطى، والدلالة الأهم أن التوجه شرقاً أصبح مرتبطاً مباشرة بأولويات التنمية المصرية».

وفي 30 مايو (أيار) 1956، أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين، قبل أن تشهد عام 2014 اتفاق الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني، شي جين بينغ على إقامة «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» بين البلدين، وبعد عامين زار شي القاهرة لأول مرة.

وعام 2024 بلغ حجم التجارة المصرية - الصينية نحو 17.38 مليار دولار، ثم ارتفع في عام 2025 إلى نحو 19.52 مليار دولار، بزيادة تقارب 12.3 في المائة، وتعد الصين من أكبر 5 شركاء استثماريين لمصر، حسب تصريحات وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، حسن الخطيب، في مايو 2025.

اختبار للعلاقات

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، مساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر تأتي في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية، وتتجاوز في دلالاتها حدود العلاقات الثنائية بين القاهرة وبكين، مؤكداً أن مفهوم «الاتزان الاستراتيجي» المدخل الأوضح لفهم الزيارة.

ويمثل هذا المفهوم، وفق حجازي، أحد المرتكزات الأساسية في السياسة الخارجية المصرية، التي تقوم على بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، من دون النظر إلى الشراكة مع الصين بوصفها بديلاً عن العلاقات مع الولايات المتحدة أو غيرها.

وعلى هذا الأساس، يشير حجازي إلى أنه لا ينبغي تفسير الحفاوة المصرية باستقبال الرئيس الصيني بوصفها انحيازاً إلى بكين في مواجهة واشنطن، مؤكداً أن العلاقات المصرية الصينية تطورت على مدى 7 عقود، حتى بلغت مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، بالتوازي مع حرص القاهرة على الحفاظ على علاقاتها وشراكاتها مع الولايات المتحدة وسائر القوى الدولية.

الرئيس الصيني يستقبل نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في بكين يوم 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

ومع ذلك، تفرض الزيارة اختباراً فعلياً لقدرة مصر على الحفاظ على هذا الاتزان، بحسب حجازي، مؤكداً أن المسألة لا تتعلق بالاختيار بين الصين والولايات المتحدة، بقدر ما ترتبط بواقع أن التنافس بين القوتين امتد إلى مجالات الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والأمن الدولي، الأمر الذي يجعل هامش المناورة أكثر تعقيداً وتكلفة.

وأكد أن القاهرة لا تسعى إلى المفاضلة بين شركائها، بل إلى إدارة علاقاتها معهم وفقاً لأولوياتها ومصالحها، مشدداً على أن تعزيز الشراكة المصرية الصينية لا يعني تلقائياً تراجع الشراكة المصرية الأميركية.

بدوره، يرى سفير مصر الأسبق لدى الصين، نائب رئيس «جمعية الصداقة المصرية – الصينية»، السفير علي الحفني، أن الزيارة تحمل تقديرا كبيراً لجهود مصر ومواقفها في إرساء دعائم السلم والأمن الإقليمي والدولي بالتنسيق مع المنظمات الأممية، إلى جانب التقدير لمسيرة التنمية الشاملة التي تشهدها البلاد، مؤكداً أن مصر تتتبع سياسة الانفتاح والشراكة المتوازنة مع مختلف الأطراف الدولية منذ عام 2014، حرصاً منها على توفير أفضل الفرص لدعم أجندة التنمية الوطنية «مصر 2030».

وشدد على أن القاهرة تمتلك علاقات استراتيجية وثيقة وممتدة مع الولايات المتحدة، والاتحاد الروسي، والصين، والاتحاد الأوروبي، مبنية على العمل الجماعي والشراكات التنموية الفاعلة على أرض الواقع بدلاً من الشعارات التقليدية، والاتزان في العلاقات وهو ما يجعل القاهرة تنجح في الاستفادة من زيارة الرئيس الصيني دون أزمات مع دول أخرى.


مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)

أكدت مصر دعمها تدشين «عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية»، بما يُسهم في إنهاء الأزمة الراهنة واستعادة الأمن والاستقرار.

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالَين هاتفيين، الجمعة، مع نظيره السوداني محيي الدين سالم، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، تناولا الأوضاع الجارية في السودان وسبل إنهاء الأزمة، حسب بيانين منفصلين لـ«الخارجية المصرية».

وجاء اتصال عبد العاطي وسالم، في إطار «متابعة تطورات العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، وتطورات الأوضاع الميدانية في السودان»، وجدّد عبد العاطي تأكيد دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية.

وذكر البيان أن وزير الخارجية المصري أكد أهمية «وجود عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية، بما يُسهم في إنهاء الأزمة واستعادة الأمن والاستقرار في السودان».

كما تبادل الوزيران الرؤى بشأن التطورات في منطقة القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر، وأكدا أهمية تعزيز التنسيق بين الدول المشاطئة، وضرورة الحفاظ على أمن وسلامة الملاحة البحرية، فضلاً عن دعم الجهود الرامية إلى ترسيخ السلم والأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، بما يحفظ مصالح دول المنطقة وشعوبها.

بينما تناول اتصال عبد العاطي وبولس «الجهود الإقليمية والدولية المبذولة لدعم الأمن والاستقرار في السودان الشقيق، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود لدعم سيادته، والتوصل إلى حل سياسي يضمن إنهاء معاناة المدنيين ويصون للسودان وحدته وسلامة أراضيه»، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وكان رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، قد وافق على مبادرة تقدمت بها مجموعة من السودانيين لتشكيل آلية وطنية مستقلة تتولى التمهيد لحوار شامل. وتعهد البرهان بعدم تدخل الدولة في تنظيم الحوار، أو تحديد أطرافه، وأجندته، ومخرجاته.