الإعلام والسياسة... علاقة تضليل وتخدير وجس للنبض

أدوات احتكرها هتلر في الحرب العالمية الثانية ثم وظفها السادات ونتنياهو وبوتين

الرئيس المصري الراحل أنور السادات يراجع الخطة الحربية ضد إسرائيل برفقة القائد العسكري سعد الدين الشاذلي  ووزير الحرب إسماعيل علي عام 1973 (غيتي)
الرئيس المصري الراحل أنور السادات يراجع الخطة الحربية ضد إسرائيل برفقة القائد العسكري سعد الدين الشاذلي ووزير الحرب إسماعيل علي عام 1973 (غيتي)
TT

الإعلام والسياسة... علاقة تضليل وتخدير وجس للنبض

الرئيس المصري الراحل أنور السادات يراجع الخطة الحربية ضد إسرائيل برفقة القائد العسكري سعد الدين الشاذلي  ووزير الحرب إسماعيل علي عام 1973 (غيتي)
الرئيس المصري الراحل أنور السادات يراجع الخطة الحربية ضد إسرائيل برفقة القائد العسكري سعد الدين الشاذلي ووزير الحرب إسماعيل علي عام 1973 (غيتي)

لم يخترع أدولف هتلر كلمة بروباغاندا؛ فهي كانت شائعة في أيامه واستخدمت كثيراً قبله خصوصاً منذ القدم، وليس بعيداً، خلال الحرب العالمية الأولى. لكنه كان الوحيد الذي طبَّقها من دون حدود، واستخدمها على نطاق واسع. في كتابه «كفاحي» الذي أنتجه وهو في السجن، قبل أن يصل إلى السلطة، يفضح هتلر كثيراً من آرائه حول الحاجة لـ«السيطرة على العقول» بهدف النجاح، عن طريق السيطرة على الإعلام. وتتعدد الأدوار التي يمكن أن تلعبها وسائل الإعلام، وتختلف تبعاً لطبيعة الظروف الاجتماعية والسياسية المحيطة بها. منذ نشأتها كان لوسائل الإعلام دور سياسي، واستخدمها رجال الدولة للترويج لسياساتهم، خصوصاً في أوقات الصراعات والحروب، وأحياناً كانت تُستخدَم في التضليل ونشر الإشاعات. تختلف الاستخدامات ويختلف المستخدم؛ فهناك الرئيس المصري الراحل أنور السادات الذي استخدم «التضليل» لينتصر على إسرائيل في حرب «يوم الغفران»، ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الذي طوّع تغريداته ليكسب الانتخابات. وقد يكون الأكثر تفوقاً في هذه «الرياضة» الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، وتدخُّل روسيا في سوريا. وتغطية الإعلام له، المثال الأكبر.

يختصر المؤرخ البريطاني روبرت أنسور الذي عايش فترة النازية، استخدام هتلر للبروباغندا بالقول: «هتلر لا يضع حدوداً على كيفية استخدام البروباغندا. (فهو مقتنع بأن) الناس يصدقون أي شيء إذا تم تكراره لهم وبشكل قاطع».
عندما وصل هتلر إلى السلطة في يناير (كانون الثاني) 1933، حرص فوراً على استحداث وزارة للبروباغندا وسلَّمها لجوزيف غوبلز الذي عمل صحافياً، وبرهن لاحقاً على أنه كان من أوفى المحيطين بالزعيم النازي وبقي معه حتى النهاية.

هتلر وغوبلز... غسل الأدمغة بالآيديولوجيا النازية
من خلال وزارة البروباغندا نجح غوبلز بالسيطرة على كل مصادر المعلومات في أنحاء البلاد وأبعد، بدءاً من الصحافة بكل أشكالها، مروراً بالأفلام والمسارح والإعلانات، وصولاً إلى الكتب، من بينها كتب المدارس.
عمل غوبلز بهدفين: الأول محو أي معارضة لهتلر من خلال بث أخبار موجهة وتثبيت فكرة تمجيد القائد. والثانية إقناع الألمان بـ«برامج» وأفكار النازيين التي بدأت بـ«تفوق» العرق الآري وانتقلت إلى ضرورة التخلص ممن يشكلون عقبة أمام «نقاوة» هذا العرق، أي مَن يعانون من إعاقات جسدية وعقلية، وصولاً إلى تصوير اليهود على أنهم أقل من البشر تبريراً للمحرقة لاحقاً.
رغم أن غوبلز نفسه كان يعاني من إعاقة جسدية ويمشي أعرج، وكان يرتدي قوسا معدنيا حول رجله الأقصر من الثانية، فإن ذلك لم يمنعه من المشاركة في هندسة واحدة من أبشع الجرائم في التاريخ من خلال العمل على إقناع الألمان ببرنامج «T4» الذي يستهدف من كان يعاني من إعاقات أحياناً أقل من تلك التي كان يعاني منها غوبلز نفسه.
البرنامج قتل عبره النازيون ما يقارب الـ300 ألف شخص خلال 6 أعوام انتهت بسقوطهم عام 1945، قابلته حملات ترويجية كثيرة قادها غوبلز نفسه. من أمثلة هذه الحملات منشورات عملاقة تظهر تكلفة الاعتناء بشخص لديه إعاقة مقابل ملذات يمكن صرف تلك الأموال عليها في حال لم يكن هذا الشخص موجوداً.
وعام 1941 أمر غوبلز بإنتاج فيلم «أنا أتهم» يبرر «القتل الرحيم» من خلال تصوير رجل يسعى لإقناع مسؤولين بالسماح له بإعطاء حقنة قاتلة لزوجته التي تعاني من التصلب المتعدد، لـ«تخليصها من العذاب». وفي الفيلم يواجه الرجل المسؤولين في المحاكم ويبرر أسباب القتل ويتهمهم بالقسوة والشر.
أولى غوبلز أهمية كبيرة للسينما وبقوة تأثيرها على الرأي العام وكان يقول إنها بمثابة «المقدمة للعمليات العسكرية» للنازيين.
وبالإضافة إلى قوة تأثير السينما، عرف غوبلز أيضاً قوة تأثير الإذاعة في ذلك الحين لنشر رسالة النازيين. فأمر بشراء ملايين أجهزة البث (الراديو) وبيعها بأسعار بخسة. وهكذا مع بداية الحرب العالمية الثانية، كان 70 في المائة من المنازل في ألمانيا النازية يمتلكون جهاز راديو تُبَثّ عليه خطابات هتلر.
وبعد أن بدأ المستمعون يشعرون بالممل من سماع الخطابات على مدار الساعة، اضطر النازيون لإدخال برامج ترفيهية موسيقية للحفاظ عليهم. لاحقاً اعترف غوبلز بأهمية «الراديو»، وكتب في يومياته: «ما كان بإمكاننا الوصول للسلطة أو استخدامها بالشكل الذي فعلنا من دون الراديو… الراديو أوصلنا إلى كل الأمة بغضِّ النظر عن المستوى الاجتماعي أو المرتبة أو الدين».
الكتب المدرسية والتعليم المبكر كانت أيضاً من أسس البروباغندا النازية. فغوبلز وهتلر حرصا على «تربية» أجيال على الأفكار النازية منذ البداية، وكانوا يرسلون أوامر وإرشادات للمعلمين تتعلق خاصة بمواد «البيولوجيا» التي حاولوا عبرها إقناع الأطفال بقوانين نورمبيرغ، التي تهدف للحفاظ على «الدم الألماني» وتمنع الاختلاط باليهود.

التسريبات... سبب انتصار السادات وجسَّ بها مبارك نبض الشارع
عدة أمثلة حية وتاريخية تؤكد ارتباط الإعلام بالسياسة، ولعل أبرز الأدوار السياسية التي لعبها الإعلام في مصر كانت قبيل حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، حيث استخدم الرئيس الأسبق الراحل أنور السادات الإعلام في تضليل إسرائيل، وخداعها، لإخفاء موعد الحرب. وكتب الدكتور محمد عبد القادر حاتم، وزير الإعلام المصري الأسبق، الذي كان مسؤولاً عن الإعلام وقت الحرب، في شهادته، أن «الإعلام نجح في إخفاء قدرتنا على الحرب وحققنا المفاجأة الاستراتيجية».
نجاح هذه الخطة أكدته نتائج الحرب، وكذلك شهادة قادة إسرائيل أنفسهم، حيث قال الجنرال الإسرائيلي إيلي زعيرا، رئيس الاستخبارات العسكرية الإسرائيلية خلال الحرب، في كتابه «حرب يوم الغفران»، إن كل موضوعات الإعلام المصري كانت حملة خداع من جانب السادات، أو من شخص ما بجواره، وذلك ليعتبر أكبر نجاح لمصر في حرب «يوم الغفران»، ناقلاً عن الكاتب الصحافي المصري محمد حسنين هيكل، قوله إن «هناك تعليمات صدرت للجهاز الإعلامي والسياسي المصري لتضليل العدو حول موعد الحرب، وتم التنسيق بين وزارات الإعلام والخارجية والمخابرات الحربية قبل الحرب بـ6 أشهر».
وفي كتابه «دور الإعلام في تحقيق المفاجأة الاستراتيجية»، قال حاتم: «عندما كلفني السادات قبل حرب أكتوبر بأن أكون مسؤولاً عن الحكومة، وأن أنوب عنه في رئاسة مجلس الوزراء، كان قراري الأول هو عدم الإدلاء بأي تصريح مباشر أو تلميح عن الأداء أو الاستعداد للحرب، وانطبق ذلك على العسكريين والسياسيين أيضاً». وأشار إلى أن الخطة الإعلامية «ركَّزَت على الإيحاء بأن مصر تتجه نحو العمل والنضال السياسي، وتم تسريب أخبار بأن مصر تؤمن بالتسوية السلمية في الشرق الأوسط... كما سُرّبت أخبار بأن مصر أعلنت حالة الطوارئ، ونُشِر الخبر في لبنان ووسائل الإعلام العالمية، لتعلن إسرائيل التعبئة، ثم يتضح عدم صدق الخبر، الذي تكرر تسريبه أكثر من مرة، حتى اقتنعت إسرائيل أن أخبار مصر عن الحرب هي للاستهلاك المحلي». مضيفاً: «من ضمن سياسة الخداع والتمويه الإعلامي كنا نضخِّم أخباراً معينة ونقلل من أهمية أخرى»، مؤكداً «كان هدفنا إيهام إسرائيل بأن مصر جثة هامدة وهي لا تقوى على الحرب».
الكاتب الصحافي المصري، محمد علي إبراهيم، رئيس تحرير صحيفة «الجمهورية» الرسمية الأسبق، كان محرراً لشؤون الرئاسة المصرية خلال حرب 1973، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك نوعين من التضليل في العمل الإعلامي، إيجابي وسلبي»، مشيراً إلى أن «سياسة التضليل الإعلامي التي اتُّبعت خلال الحرب، كانت تضليلاً إيجابياً، حيث تم نشر أخبار بأن ضباط الجيش يستعدون للسفر لأداء مناسك الحج، وأخبار أخرى عن فتح باب حجز وحدات سكنية للضباط»، مضيفاً: «هذه الخطة نجحت بدرجة كبيرة، وتمكَّنَت مصر من مفاجأة إسرائيل، حتى إننا عندما دخلنا المواقع العسكرية الإسرائيلية في اليوم الرابع من الحرب وجدناهم نائمين».
وتواصل الاستخدام السياسي لوسائل الإعلام في الفترات التالية، ففي عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك، استخدم الإعلام لتوجيه رسائل معينة للغرب، أو لتسريب معلومات معينة لجس نبض الشعب بشأن قرارات مهمة، سواء كان ذلك بشكل متعمد أو غير متعمَّد. وقال الدكتور معتز بالله عبد الفتاح، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «تسريب الأخبار قبل اتخاذ قرارات مهمة كرفع الأسعار مثلاً، كان متبعاً في فترات حكم سابقة في مصر، لكن مصر الآن لا تستخدم سياسة جس النبض».
وأوضح إبراهيم، أن «وزير الإعلام المصري الأسبق صفوت الشريف كان رجل مخابرات، واستخدم الإعلام لخدمة أغراض الدولة السياسية، فكانت تصدر تعليمات لنا بالهجوم على دولة معينة أو كتابة مقالات في اتجاه معين، وفي فترات محددة»... ومن بين الأمثلة على ذلك «قيام الشريف بتسريب أخبار للإعلام الخاص بأن مبارك لن يحضر القمة العربية في بيروت عام 2002».
بينما أشار الدكتور صفوت العالم، أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة إلى أن «الإعلام يقوم بمجموعة من الوظائف، بعضها وظائف مطلوبة، وبعضها وظائف كامنة»، وقال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الدولة استخدمت الإعلام في بعض الفترات بهدف تخدير وإلهاء الشعب عن المشكلات الحقيقية، عبر التركيز على برامج التسلية والترفيه والرياضة، وهو ما استمرَّ في صور مختلفة إلى الآن، حيث يتم فتح قنوات رياضية وإغلاق القنوات الإخبارية».
وتعاني مصر خلال الفترة الأخيرة من انتشار الإشاعات، حتى إن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قال في أحد المؤتمرات، إن «الدولة رصدت 21 ألف شائعة في 3 شهور»، وبناء على ذلك أنشأت الحكومة المصرية مركزاً إعلامياً هدفه الرد على الإشاعات، في الوقت الذي تشهد فيه الساحة الإعلامية ممارسات احتكارية لصالح أجهزة الدولة المصرية».
وقال عبد الفتاح إن «الإشاعات هي نتيجة لحرب بين طرفين كل طرف لديه مصالح يريد تحقيقها على حساب الآخر، ولها 3 أهداف؛ إما الاستكشاف، أي قياس رد فعل طرف ما على قرار أو تصرف معين، أو الاستنزاف من خلال خلق حالة من التوتر والشوشرة وعدم اليقين للتشكيك في أداء الدولة والحكومة، أو التوجيه نحو سلوك معين»، مشيراً إلى أن «نشر شائعة تقول إن ثروة مبارك تجاوزت 70 مليار دولار، كان هدفه تحريك الجماهير للمشاركة في انتفاضة 25 يناير».

«فيك نيوز» على طريقة نتنياهو... انتخابات وجولة لاتينية
خسرت إسرائيل حرب «يوم الغفران» نتيجة لحنكة السادات في تسييس الإعلام، إلا أن حاضرها اختلف، حيث أصبحت الحكومة الإسرائيلية متمكنة من التلاعب الإعلامي، تستغله لمصلحتها، ضد العرب. ففي مثل هذه الفترة من العام الماضي (2017)، كان رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، يقوم بزيارة وصفت بأنها تاريخية، إلى ثلاث دول في أميركا اللاتينية، هي: الأرجنتين وكولومبيا والمكسيك. تاريخية لأنه أول رئيس وزراء إسرائيلي يصل إلى هذه البلدان البعيدة.
قبل أن يخلد إلى النوم، غرد على صفحته في «تويتر»، التي يتابعها مليون شخص، وصفحته في «فيسبوك»، التي يتابعها أكثر من مليوني شخص، بالكلمات التالية: «انتبهوا! إنهم لا يريدونكم أن تعرفوا. فأنا في زيارة تاريخية لأميركا اللاتينية. نحو ربع مليار شخص يتابعون أخبار زيارتي من خلال وسائل الإعلام هناك، قسم كبير منها بالبث المباشر. أما الإعلام عندنا، فلا يهتمون بالزيارة، لا يوجد عندنا بث حي لزيارة رئيس الحكومة».
وكما كان متوقعاً، راحت الشبكات الاجتماعية باللغة العبرية تغلي كالمرجل. أنصار نتنياهو راحوا يهاجمون وسائل الإعلام الإسرائيلية ويشتمونها ويحرِّضون عليها وعلى مراسليها، من خلال ذكر عدد من أسماء «الخونة» ويتهمونهم بأنهم ينشرون أخبار الرئيس الفلسطيني، محمود عباس، أكثر من أخبار نتنياهو... إلخ.
لم تكن هذه المرة الأولى التي ينشر فيها نتنياهو الأكاذيب، بهذه الطريقة التحريضية. فقد سبق له أن فعلها كثيراً في الماضي. أشهرها في يوم مشهود، هو يوم الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية بتاريخ 17 مارس (آذار) 2015، عندما أجرى مساعدوه استطلاع رأي بين الناخبين ووجدوا أن الاتجاه يسير نحو تقارب شديد بين عدد الأصوات التي سيحصل عليها حزبه الليكود وبين الأصوات التي سيحصل عليها منافسه، تكتل المعسكر الصهيوني. وحسب نتائج الاستطلاع سيفوز كل منهما بـ24 مقعداً مع تفضيل ما لمنافسيه. فاستلَّ من كُمّه آخر سلاح، كان قد أعده له مستشاره الاستراتيجي القادم من أميركا. وهو: «التحريض على الناخبين العرب».
وهكذا كتب في تغريدته، التي غيرت مجرى الانتخابات وربما التاريخ: «حكم اليمين في خطر. الناخبون العرب يتدفقون بكميات هائلة على صناديق الاقتراع. يجلبونهم بالباصات التي موَّلتها عناصر يسارية من أوروبا». وقد كان لهذه التغريدة تأثير مباشر على ناخبي اليمين المتطرف. فقد شاهدها 145 ألف شخص وأعجب بها 10 آلاف شخص وعملوا لها «لايك». وعلَّق عليها أكثر من ألف شخص. وقد صدقوا أن حُكمه في خطر. وأولئك الذين كانوا ينوون التصويت لأحزاب اليمين المتطرف، عدلوا رأيهم وصوَّتوا لحزب نتنياهو. وفي النتيجة ارتفع الليكود إلى 30 مقعداً وبقي منافسه بـ24 مقعداً، وهكذا عاد إلى كرسي الحكم لأربع سنوات أخرى عجاف. فقد سحب من شركائه في اليمين المتطرف 6 مقاعد (حزب المستوطنين «البيت اليهودي» خسر أربعة مقاعد وحزب ليبرمان مقعداً وحزب شاس مقعداً آخر).
وهكذا، التزييف الذي استخدمه نتنياهو أكسبه الحكم. لكن الأمر لم يُقلِق المجتمع الإسرائيلي كثيراً. كتبوا عنه وانتقدوه ولكنه، ولأنه يتعلق بالعرب، لم يتحول إلى موضوع مقلق. إلا أن تحريض نتنياهو على وسائل الإعلام وهو في أميركا اللاتينية أقلق الإسرائيليين جداً. فما بدأه بالعرب، وصل إلى صدور اليهود وعصَبِهم الحساس. فقررت وسائل الإعلام فَحْص نفسها، إن كانت فعلاً مقصِّرة بحق رئيس الحكومة وزيارته لأميركا اللاتينية، فوجدوا أنه وعلى الرغم من فارق التوقيت (إذ إن زياراته واجتماعاته في دول أميركا اللاتينية، كانت تتم في حين كان الإسرائيليون نائمين، إذ إن فارق السعات يصل إلى 10 ساعات مع الشرق الأوسط)، فإن أهم 20 وسيلة إعلام إسرائيلية نشرت 270 تقريراً عنها. وفي بقية وسائل الإعلام الإسرائيلية تم نشر 770 تقريراً عن هذه الزيارة.
وقد فضحته وسائل الإعلام ونشرت المعطيات للرأي العام، وراحت تتساءل: هل نتنياهو يكذب هكذا في جلسات الحكومة وفي لقاءاته مع قادة العالم؟ لكن الأمر لم يوقف التحريض الجماهيري على الصحافة والصحافيين. ونتنياهو، ليس فقط لم يعتذر، بل انتقل ليعدَّ وجبة أخرى من هذا التحريض. فهو واثق من أن الجمهور الذي يهمه، أي اليمين واليمين المتطرف، يسير وراءه ولا يصدق الإعلام.
اتبع نتنياهو هذا الأسلوب لأنه يعرف أن المتطرفين والعنصريين من الجمهور اليميني يقبضون هذه البضاعة ويتصرفون من خلالها. وهو يحرص على تغذيتها بهذا النوع من الأخبار الكاذبة والتعليقات التحريضية التي يغذيها بها. وكان نتنياهو قد حرص على أن يتولى وزارة الاتصالات بنفسه، إضافة إلى كونه رئيساً للحكومة ووزيراً للخارجية، إلى أن أجبرته المحكمة على التخلي عن حقيبة الاتصالات.
ومنذ سنة 2017، توجد تحت يديه صحيفة يومية مجانية تدعى «يسرائيل هيوم»، أسسها رجل الأعمال اليهودي الأميركي وصاحب شبكة الكازينوهات، شلدون إدلسون. وهو يصرف على هذه الصفحة مبلغ 22 مليون شيقل في الشهر (6 ملايين دولار). وقد اشترى لها موقع صحيفة «معاريف» في الإنترنت بثلاثة ملايين شيقل في سنة 2011. وهما صحيفتان حزبيتان لصالحه.
وأصبحت «يسرائيل هيوم» الأوسع انتشاراً في إسرائيل. وأصبحت تشكل ضائقة للصحف الأخرى. وحاول نتنياهو إبرام صفقة مع صاحب صحيفة «يديعوت أحرونوت»، نواح موزيس، بأن يخفض أعداد صحيفة «يسرائيل هيوم»، مقابل تعهد موزيس بأن يخفف من انتقادات صحيفته لنتنياهو. ولأن هذا الأمر يعتبر محظوراً في إسرائيل فقد تم فتح ملف تحقيق مع الرجلين بتهمة الرشى، وهو ما يُعرف في الشرطة باسم «الملف 2000»، الذي يضاف إلى ثلاثة ملفات فساد أخرى يتم التحقيق فيها مع نتنياهو وزوجته.

انتصارات روسيا في سوريا... بوتين يتفاخر
نتنياهو ليس الوحيد الذي أتقن اللعبة. إنما قد يتفوق عليه سياسي آخر... الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بخطاباته وتصريحاته... وظهوره الإعلامي. ولم تكن «الانتصارات» التي حققتها روسيا في الفضاء الإعلامي حول سوريا بحجم ما حققته الآلة العسكرية الروسية من «انتصارات» ميدانية لصالح النظام السوري، إذ لا تزال وسائل الإعلام الغربية تعرض وتنشر تقارير تتناول فيها ما تراه «تضليلاً إعلامياً روسياً»، وذلك رغم الكمِّ الهائل من الضخ الإعلامي الذي ترافق مع العملية العسكرية الروسية في سوريا منذ بدايتها قبل ثلاث سنوات وحتى الآن، الذي حرص خلاله «المتحدثون الرسميون» باسم المؤسسات الروسية، تدعمهم «ماكينة البروباغاندا» الرسمية العملاقة، على تصوير ما يبثونه من معلومات وتقارير على أنها «الحقيقة المطلقة القائمة على وقائع وأدلة»، وأن ما يطرحونه من أفكار تحمل «الخلاص» لسوريا والسوريين من المعاناة.
وفي جولة جديدة، وليست الأخيرة، من المواجهة الإعلامية حول سوريا، يجري التركيز حالياً بصورة خاصة على الوضع في إدلب، وذلك على خلفية مزاعم روسية بأن «مجموعات إرهابية» تقوم بتصوير وفبركة «مسرحية» هجوم كيماوي لتحميل النظام السوري المسؤولية عنه، واستغلاله من جانب الغرب ذريعة لتوجيه ضربة ضد قوات النظام.
توقفت صحيفة «نوي تسيرخر تسيتُنغ» (NZZ) السويسرية عند المزاعم الروسية بهذا الصدد، وفي تقرير عنوانه «روسيا تمدح نفسها في سوريا»، قالت إن «جميع وسائل الإعلام الروسية تبث منذ نهاية الأسبوع الماضي رسالة مفادها أن الغرب يستعد لضربات جوية استفزازية جديدة في سوريا»، ولَمّحت إلى أن مثل تلك المزاعم ربما تشكِّل مقدمة لاستخدام النظام السوري السلاح الكيماوي في إدلب، وقالت إن الأميركيين والشركة العسكرية البريطانية، التي يزعم الروس أن عناصر منها يشاركون في تصوير «مسرحية الكيماوي»، سارعوا إلى نفي الاتهامات الروسية، بينما أثارت تلك المزاعم قلق «الخوذ البيضاء» ومراقبين غربيين، ذلك أنه «بعد تحذيرات روسية مماثلة في السابق، وفق ما ترى الدول الغربية، يتم دوماً استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين، لكن من جانب النظام السوري».
من ثم أشارت الصحيفة إلى أنه مع منتصف شهر سبتمبر (أيلول)، تكون ثلاث سنوات قد مضت على التدخل العسكري في سوريا، وتتوقف بعد ذلك عن تصريحات الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حول تلك العملية، وتقول إن «بوتين أعلن بعد ذلك أكثر من مرة عن انتهاء تلك العملية في سوريا. إلا أنه في كل مرة يكون الكلام موجهاً للمشاهدين داخل البلاد، الذين لا يظهرون حماسة للمشاركة في حرب بعيداً خارج البلاد».
في السياق ذاته تشير (NZZ) السويسرية إلى شريط فيديو نشرته وزارة الدفاع الروسية على «يوتيوب» حول «النجاح» في سوريا، وتقول إن «الفيديو ومدته عشر دقائق، يعرض سلسلة غير منتهية من البيانات حول نجاحات العملية في سوريا منذ منتصف سبتمبر 2015 لغاية منتصف أغسطس (آب) الماضي»، إلا أن «مقطع الفيديو تجاهل المعلومات حول حجم الخسائر الروسية، كما تجاهل مشاركة شركات عسكرية روسية خاصة في القتال في سوريا. بينما يتم فيه التركيز على اكتساب العسكريين الروس الخبرة القتالية في تلك الحرب، التي شكلت فرصة لاختبار الأسلحة الروسية في ظروف حرب حقيقية». وترى الصحيفة السويسرية أن التركيز على هذا النوع من المعلومات، ومعلومات أخرى مثل «القضاء على قادة الإرهابيين» إنما هي «وسيلة لمنح المشاركة الروسية في الحرب السورية صفة شرعية».

فيليس المقدونية... هندسة الإشاعات «حرفة» أهلها

لندن: «الشرق الأوسط»

حصل جوفان على زوج من أحذية نايكي وذهب إلى عطلة في اليونان مكافأة له على المساعدة في تحويل بلدة فيليس المقدونية الصغيرة إلى مركز من مراكز الأخبار المزيفة ونشر الشائعات خلال سباق الرئاسة الأميركي لعام 2016.
قال الشاب البالغ من العمر 20 عاماً، والذي طلب عدم الكشف عن هويته الحقيقية: «هذا ما كسبته من مواقع الأخبار المزيفة. كنت أحصل على نحو 200 يورو (230 دولاراً) في الشهر... والقليلون يحصلون على هذا المبلغ في البلاد»، في حديثه إلى وكالة الصحافة الفرنسية الإخبارية في بلدة فيليس التي تضم نحو 50 ألف نسمة فقط.
تعاني بلدة فيليس، التي كانت في يوم من الأيام مركزا صناعيا مقدونيا مزدهرا، من الهبوط الحاد منذ انهيار الاتحاد اليوغوسلافي السابق، وهي تكافح الآن مثل بقية أنحاء البلاد في مواجهة البطالة وانتشار موجة الهجرة الجماعية بين الشباب.
لكن قبل عامين ماضيين، ظهر مصدر جديد للدخل في تلك البلدة على نحو غير متوقع عندما عرض المستثمرون المال على السكان المحليين في مقابل إنتاج القصص الإخبارية لدعم دونالد ترمب الذي كان يخوض حملة انتخابية كي يصبح الرئيس الخامس والأربعين للولايات المتحدة الأميركية، وفق ما نشر موقع «ستار» الإخباري مؤخرا.
وظهرت إثر ذلك المئات من المواقع الإلكترونية وصفحات «فيسبوك» المختلفة المنطلقة من خوادم بلدة فيليس المقدونية بهدف وحيد وهو تشويه معارضي دونالد ترمب من الحزب الديمقراطي مثل هيلاري كلينتون أو سلفه باراك أوباما.


مقالات ذات صلة

«مانجا العربية» تفتح «نافذة» للمبدعين العرب للوصول إلى جمهور عالمي

يوميات الشرق منصة «نافذة» تتيح للكتّاب والرسامين وصنّاع القصص المصورة نشر أعمالهم والوصول بها إلى جمهور واسع (الشرق الأوسط)

«مانجا العربية» تفتح «نافذة» للمبدعين العرب للوصول إلى جمهور عالمي

أطلقت شركة «مانجا العربية»، التابعة لـ«المجموعة السعودية للأبحاث والإعلام - SRMG»، منصة «نافذة»، التي تتيح للكتّاب والرسامين وصنّاع القصص المصورة نشر أعمالهم.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
أوروبا دخان يتصاعد في مدينة كييف الأوكرانية خلال غارة روسية بطائرة مسيّرة في خضم الهجوم الروسي على أوكرانيا... 8 سبتمبر 2026 (رويترز)

هجوم بمسيّرة روسية يلحق أضراراً بقناة تلفزيونية أوكرانية

قال الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي إن ضربة روسية بطائرة مسيّرة ألحقت أضراراً بمبنى قناة «ماي أوكرانيا» التلفزيونية الأوكرانية في كييف اليوم الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (كييف)
أوروبا الإعلامية اللبنانية آمال خليل (إكس)

حفظ شكوى في باريس ضد جنرال بتهمة تمجيد «جريمة حرب» بقضية مقتل صحافية لبنانية

حفظت النيابة العامة في باريس شكوى صحيفة «الأخبار» اللبنانية ضد جنرال فرنسي اتهمته بتمجيد جريمة حرب على خلفية مقتل الصحافية آمال خليل في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
إعلام مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)

ترمب والإعلام... معركة تتمدّد داخل الإدارة

أن يقاضي ناشر صحيفة عسكرية ورئيس تحريرها ومراسلة فيها الوزارة التي تمولها، ليس نزاعاً وظيفياً مألوفاً في واشنطن.

إيلي يوسف (واشنطن)
شمال افريقيا المعارض أحمد نجيب الشابي المسجون بتهمة التآمر على أمن تونس في لقاء صحافي سابق قبل اعتقاله مع السياسية مايا الجريدي (أ.ب)

«نقابة الصحفيين التونسيين» تحذر من استمرار ترهيب الإعلاميين

حذرت «نقابة الصحفيين التونسيين»، اليوم السبت، من استمرار ترهيب الصحافيين في تونس بعد إيقاف رئيس تحرير موقع «الكتيبة» المتخصص في التحقيقات الاستقصائية.

«الشرق الأوسط» (تونس)

ما هي تداعيات زيادة الإنفاق على شراء ناشرين لـ«الترافيك»؟

رسم بياني يظهر حجم الإنفاق على شراء الترافيك (Similarweb)
رسم بياني يظهر حجم الإنفاق على شراء الترافيك (Similarweb)
TT

ما هي تداعيات زيادة الإنفاق على شراء ناشرين لـ«الترافيك»؟

رسم بياني يظهر حجم الإنفاق على شراء الترافيك (Similarweb)
رسم بياني يظهر حجم الإنفاق على شراء الترافيك (Similarweb)

أثار اتجاه ناشرين لإنفاق ملايين الدولارات شهرياً على شراء الزيارات، تساؤلات بشأن تداعيات ذلك على مستقبل الإعلام، وبينما تباينت آراء الخبراء بشأن استمرار «شراء الترافيك» في السنوات المقبلة، أكدوا أن هذا الاتجاه ليس سلبياً في المطلق في ظل تراجع الزيارات، إذا ما استخدم بطريقة جيدة.

تقرير نشره موقع «أدويك» الأسبوع الماضي، رصد ارتفاع إنفاق الناشرين على «شراء الترافيك» بنسبة وصلت إلى 274 في المائة خلال السنوات الثلاث الماضية، إثر تراجع الزيارات القادمة بصورة طبيعية من محركات البحث». وبحسب «أدويك» أنفق ناشرون في 100 مؤسسة إعلامية نحو 113 مليون دولار على شراء الزيارات خلال يوليو (تموز) 2026 وحده. بزيادة قدرها 41 في المائة مقارنة بالعام السابق، وارتفاعاً بنحو 274 في المائة مقارنة بما كان عليه الإنفاق قبل ثلاث سنوات.

شعار «غوغل» (رويترز)

وفي الوقت نفسه ارتفع عدد الزيارات الناتجة عن البحث المدفوع بنسبة 39 في المائة على أساس سنوي إلى 23.7 مليون زيارة في يوليو، وبنسبة 148 في المائة خلال ثلاث سنوات، استناداً إلى إحصاء نشرته «سيميلرويب» Similarweb.

ونقل «أدويك» عن ديفيد كار، المسؤول عن أبحاث الأخبار في «سيميلرويب» قوله إن «البيانات أظهرت قفزة واضحة في الإنفاق بنظام الدفع مقابل النقرة PPC منذ أبريل (نيسان) 2026». في حين عدّ الباحث الإعلامي الأميركي، رئيس ومؤسس «مركز الإعلام ومبادرات السلام» في نيويورك يوشنا إكو «زيادة الإنفاق على البحث المدفوع، واحدة من الوسائل التي تلجأ إليها المؤسسات الإعلامية لمواجهة التراجع العام في الزيارات»، مشيراً إلى أن «هذه الوسيلة ليست سلبية بشكل مطلق إذا ما أحسن استخدامها مع وسائل أخرى لتوطيد العلاقة بالجمهور».

إكو قال في مقابلة مع «الشرق الأوسط» إن «الزيارات المدفوعة يمكن أن تصبح جزءاً طبيعياً من تكلفة اكتساب الجمهور، شريطة الحفاظ على ذلك الجمهور وإشراكه في الخدمات التي تقدمها المؤسسة الإعلامية»، لافتاً إلى أن «شراء الترويح بات وسيلة متبعة لدى غالبية المؤسسات الإعلامية».

لكن إكو نبه إلى «مخاطر الاعتماد الكبير على الزيارات المدفوعة»، موضحاً أنه «قد يهدد مستوى الثقة في المؤسسة الإعلامية»، داعياً بالتالي إلى «اعتماد وسائل أخرى في جذب الجمهور وبناء علاقة قوية معه»، ومحاولة العمل لزيادة الزيارات المجانية.

وفق بيانات «سيميلرويب» واصلت الزيارات المجانية القادمة من محركات البحث الهبوط، وتراجعت الزيارات العضوية إلى «فوربس» بنسبة 26.7 في المائة على أساس سنوي، وإلى «سي إن إن» بنسبة 28.9 في المائة، وإلى «يو إس إيه توداي» بنسبة 24.1 في المائة، بحسب «سيميلرويب».

من جهة ثانية، أرجع المدرب والباحث المتخصص في الذكاء الاصطناعي التوليدي رائف الغوري السبب في اتجاه الناشرين لشراء لترافيك إلى «تراجع الزيارات المجانية الناتجة عن تزايد الإجابات المولدة بالذكاء الاصطناعي (AI Overviews)، وسياسات محركات البحث التي تجيب عن أسئلة المستخدمين دون الحاجة للنقر»، مشيراً إلى «اتجاه المؤسسات إلى تحسين نتائجها للظهور في الذكاء الاصطناعي، وهو ما يعرف اصطلاحياً بـ(GEO)، ومن ثم العمل على تحسين ظهورها كإجابات عند طرح أسئلة نوعية وهو ما يعرف بمصطلح (AEO)».

وأضاف الغوري في حوار مع «الشرق الأوسط» أن «الناشرين يعمدون إلى تعويض الانهيار في الزيارات المجانية بعدما انخفضت الزيارات الناتجة من عمليات البحث لبعض كبرى المؤسسات الإعلامية مثل الـ(سي إن إن) و(فوربس) بنسب تتراوح بين 24 في المائة و29 في المائة، ما أجبر المؤسسات على إعادة شراء جمهورها لتغطية هذا النقص». ثم أشار إلى «ظاهرة البحث بدون نقر مع انتشار إجابات الذكاء الاصطناعي، ما أدى إلى تراجع نسب النقر بشكل حاد، بحيث تظهر الإجابة مباشرة للمستخدم في صفحة البحث، إضافة إلى اعتماد المؤسسات الإعلامية على حجم زيارات معين للوفاء بعقود الإعلانات والتسويق بالعمولة، مما يجعل انخفاض الزيارات تهديداً مباشراً للسيولة المالية».

وبحسب رائف الغوري، فإن «شراء الترافيك ليس حلاً سحرياً مستداماً، بل هو أداة تكتيكية قصيرة المدى»، موضحاً أنه الاستفادة منها تكمن في «تحويل الزائر إلى مشترك في النشرة البريدية أو اشتراك مدفوع بالخدمات، وبذلك تكون تكلفة الاستحواذ مبررة ومربحة على المدى الطويل»، وشدد على أهمية «سد الفجوة في الإعلانات المباشرة من خلال تحقيق حد أدنى من المشاهدات لإرضاء المعلنين المباشرين».

وبالتوازي لفت الباحث والمدرب في الذكاء الاصطناعي إلى «وجود حلقة مفرغة إذ تقتطع المؤسسات جزءاً من إيراداتها لتدفعه مجدداً للشركات التقنية نفسها التي تسببت في تراجع زياراتها الأصيلة مثل (غوغل) و(ميتا)... وثمة تفاوت القدرات التنافسية، بين المنصات الكبرى التي تمتلك سيولة مالية تمكنها من الاستمرار في المزايدات لشراء الزيارات، والمنصات الإعلامية الصغيرة والمتوسطة غير القادرة على ذلك».

ومن ثم توقع الغوري «عدم الاستمرار في شراء الترافيك كنموذج عمل أساسي مع التطور المتسارع واستمرار ارتفاع تكلفة الإعلانات المدفوعة... ذلك أن وسائل الإعلام ستتجه إلى حلول وبدائل أكثر استقلالية، ومنها؛ السعي إلى التملك المباشر للجمهور، مع التركيز على النشرات البريدية، والتطبيقات الخاصة، والتنبيهات المباشرة من دون الاعتماد على الوسطاء».

ثم أشار إلى «إمكانية توفير نماذج للاشتراكات والعضويات والاعتماد على القارئ الداعم بدلاً من النموذج الإعلاني القائم على كثافة الزيارات، إضافة إلى إبرام اتفاقيات ترخيص مع شركات الذكاء الاصطناعي للحصول على مقابل مالي مباشر منها مقابل استخدام محتوى الناشر في تدريب النماذج والردود»، وأخيراً، قال إن «الفترة المقبلة ستشهد توسعاً في البث الصوتي (البودكاست) والتلفزيون الرقمي، واللقاءات التفاعلية المباشرة التي تبني مجتمعات مخلصة».

يذكر أن شراء الزيارات ليس ظاهرة جديدة تماماً؛ فالناشرون يستخدمون الإعلانات المدفوعة وعمليات «شراء الترافيك» منذ سنوات، لكن الجديد هو القدر الهائل الذي وصل إليه حجم الإنفاق على شراء الترافيك في ظل تراجع الزيارات. فوفق بيانات «سيميلرويب» أنفقت «فوربس» نحو 72.2 مليون دولار على البحث المدفوع في يوليو الماضي وحده، بزيادة 34 في المائة عن العام السابق، وأكثر من ثمانية أمثال ما كانت تنفقه قبل ثلاث سنوات. كذلك ضاعفت الـ«نيويورك تايمز» إنفاقها على البحث المدفوع بأكثر من الضعف خلال عام ليصل إلى 11.3 مليون دولار».

وفي رأي الصحافي المصري المتخصص في الإعلام الرقمي معتز نادي فإن «اتجاه بعض المؤسسات الإعلامية إلى شراء الترافيك يرتبط أساساً بتغير قواعد التوزيع الرقمي»، موضحاً في مقابلة مع «الشرق الأوسط» أن «الزيارات المجانية من محركات البحث ومنصات التواصل باتت غير مضمونة كما كانت، والخوارزميات أصبحت أكثر تقلباً، بينما يستهلك الجمهور الأخبار داخل المنصات نفسها أو عبر الفيديو ومحركات الإجابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي».

وأشار نادي إلى أنه «حتى لو أعلنت (غوغل) عن تحديثات تساعد الناشرين في ظهور نتائجهم دون ملخصات تؤثر على الزيارات يظل الأمر مرتبطاً بسلوك القارئ الذي قد يفضل الخبر في وجبة سريعة ملخصة بسطور معدودة دون النقر على رابط يخص موقعاً بعينه لزيارته».

ثم شرح إن «الناشر يحاول تعويض جزء من التراجع عبر الوصول المدفوع لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من زيارات... لكن في الوقت نفسه، فإن شراء الترافيك لا يعني بالضرورة شراء جمهور حقيقي، ذلك أن الفارق كبير بين أن تدفع مقابل زيارة لرفع الأرقام، وأن تستثمر في مستخدم يمكن أن يعود مجدداً، ويسجل في النشرة البريدية، أو يحمل التطبيق، أو يشترك في خدمة مدفوعة باشتراك مناسب القيمة».

وأضاف معتز نادي أنه «لو كان الإنفاق لصالح هذا المستخدم الذي سيعود باستمرار بالزيارة، فيمكن أن يتحول الإنفاق إلى استثمار، لأن المؤسسة تقيس تكلفة اكتساب هذا المستخدم مقابل ما يحققه من قيمة وإيرادات على المدى الأطول ببقائه المستمر مع الوسيلة المفضلة له».

ارتفع عدد الزيارات الناتجة عن البحث المدفوع بنسبة 39 % على أساس سنوي إلى 23.7 مليون زيارة في يوليو

ومن الناحية الاقتصادية قال نادي: «الترافيك المدفوع يمكن أن يرفع الدخل إذا ارتبط الأمر بعائد إعلانات في مقابل تلك الأرقام من زيارات ومشاهدات، بينما شراء زيارات رخيصة فقط لرفع أرقام المشاهدة، قد يصنع رقماً جيداً في التقارير، لكنه لا يبني مؤسسة قوية، وقد يتحول إلى خسارة مستمرة... وذلك الأثر يمكن قياسه بزيادة عدد المتابعين بالآلاف، بينما مشاهدة الفيديوهات لا تتجاوز المئات».

ثم أوضح أن «تأثير الظاهرة على الإعلام مزدوج، فربما تساعد المؤسسات على الوصول إلى جمهور جديد، غير أنها قد تزيد أيضاً الفجوة بين الناشرين القادرين على الإنفاق وغيرهم من محدودي الموارد، وتدفع بعض غرف الأخبار إلى تفضيل المحتوى الأسرع والأكثر جذباً للنقر على حساب الصحافة الأعمق، والاكتفاء بمطاردة الترندات».

واختتم نادي كلامه متوقعاً أن «يستمر شراء الترافيك بصيغة أكثر ذكاءً ما يعني شراء المستخدم الصحيح لا الوهمي، مع إدخال المستخدم/ المتابع الحقيقي في علاقة مباشرة مع المؤسسة عبر التطبيقات والنشرات والاشتراكات والمجتمعات الرقمية كما هو الحال في (واتساب) حالياً... ثم أن الناشر الأقوى لن يكون من يشتري أكبر عدد من الزيارات، فهو يتمتع بهذه القوة من خلال تحويل الزيارة المدفوعة إلى جمهور يعود من تلقاء نفسه، مما يتطلب العودة، وبيانات دقيقة عن سلوك المستخدم، واستراتيجية توزيع لا تترك مستقبل المؤسسة رهينة لمنصة واحدة أو حملة إعلانية مؤقتة».


إتاحة التحكم بالخوارزميات لمستخدمي «التواصل» تفتح باب التساؤلات

جامعة التكنولوجيا في سيدني (جامعة التكنولوجيا في سيدني)
جامعة التكنولوجيا في سيدني (جامعة التكنولوجيا في سيدني)
TT

إتاحة التحكم بالخوارزميات لمستخدمي «التواصل» تفتح باب التساؤلات

جامعة التكنولوجيا في سيدني (جامعة التكنولوجيا في سيدني)
جامعة التكنولوجيا في سيدني (جامعة التكنولوجيا في سيدني)

طرحت الحكومة الأسترالية خطة لجعل خوارزميات مواقع التواصل الاجتماعي خياراً اختيارياً، وهو ما قد يمنح المستخدمين تحكماً أكبر في المحتوى الذي يظهر أمامهم في صفحاتهم الرئيسية، وسط تساؤلات بشأن هذا الإجراء. ومن جهة أخرى، رهن خبراء نجاح هذا الاتجاه في تقليص حجم المحتوى المثير للقلق، الذي يواجهه مستخدمو مواقع التواصل، بمدى إقبال المستخدمين فعلياً على تفعيل هذا الخيار الجديد.

الحكومة الأسترالية قدمت في 8 سبتمبر (أيلول) الحالي مشروع قانون «تُلزم بموجبه منصات التواصل الاجتماعي بإخطار المستخدمين ومنحهم خياراً بشأن التغذية الافتراضية لصفحاتهم». ومعه يُمكن للمستخدم اختيار الانضمام إلى تغذية مخصّصة تحددها الخوارزمية، أو الانسحاب منها والاكتفاء برؤية منشورات الأصدقاء والمبدعين الذين يتابعهم فقط.

شركات التكنولوجيا الكبرى، مثل «ميتا» المالكة لـ«فيسبوك» و«إنستغرام» و«واتساب»، و«غوغل» التابعة لشركة «ألفابت»، لم تعلق بعد على مشروع القانون.

غير أن مراقبين يرون أن الاتجاه إلى الترتيب الزمني، وليس الخوارزمي، قد يكون سيئاً بالنسبة لمنصات التواصل الاجتماعي التي تجني أرباحها من زيادة التفاعل داخل تطبيقاتها. ولكن من منظور المصلحة المجتمعية قد يكون الأمر إيجابياً في مجمله، إذ يدفع إلى قضاء وقت أقل في التصفح المستمر لمواقع التواصل.

الخبير التقني السعودي خالد أبو إبراهيم توقع أن غالبية المستخدمين لن يُفعّلوا الترتيب الزمني للمنشورات، وسيفضلون البقاء تحت سيطرة الخوارزميات. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الخوارزمية أصبحت جزءاً من الإدمان نفسه». ودلل على ذلك بقوله إن «التجربة موجودة، وليست نظرية، فـ(فيسبوك) و(إنستغرام) أضافا خيار (الأحدث/ المتابعون) في أوروبا بعد تطبيق قانون الخدمات الرقمية الأوروبي (DSA)، ونسبة من فعّلوا هذا الخيار أقل من 5 - 10 في المائة»، حسب تقديرات باحثين من جامعة التكنولوجيا في سيدني (UTS) بأستراليا.

وأرجع أبو إبراهيم السبب إلى «الاحتكاك والفراغ». وشرح أن «الخلاصة الزمنية مملة. فإذا كنت تتابع 700 شخص، فسترى منشورات كثيرة غير مهمة، وستفوتك المنشورات المهمة، لأنها نُشرت قبل 8 ساعات... بينما الخوارزمية تمنحك دوباميناً فورياً، فكل سحب للشاشة يعطي شيئاً يعجب المستخدم».

غير أن الخبير التقني السعودي يرى أن أهمية القانون الأسترالي لا تكمن في نسب تفعيل الخدمة، بل «هذا هو أول مقياس لتجربة إنترنت من دون خوارزميات على مستوى دولة كاملة، حتى النسب المحدودة التي يُتوقع أن تتبع الترتيب الزمني، هم عينة ثمينة لمعرفة الأثر النفسي الحقيقي». ثم أشار إلى دور هذا الاتجاه في الحدّ من المنشورات المثيرة والجدلية، فقال: «أتوقع أن يقل هذا النوع من المنشورات بشكل كبير، ليس لأنه سيختفي، بل لأنه لن يجد من يضخمه، فالخوارزمية لا تصنع المحتوى المُحرض، بل هي مُكبر صوت له»، بحسب رأيه.

هذا، وجرى تطبيق الترتيب الخوارزمي في البداية لمعالجة مشكلة إغراق المحتوى داخل التغذية الإخبارية. ووفق بيان سابق لشركة «فيسبوك» عام 2014، فإنها احتاجت إلى تطبيق الاختيار الخوارزمي لأن المستخدمين كانوا يتابعون عدداً كبيراً جداً من الأشخاص والصفحات داخل التطبيق.

وذكرت «فيسبوك» حينها أنه «في كل مرة يزور فيها أحدهم صفحة الأخبار الرئيسية، يكون أمامه في المتوسط 1500 منشور محتمل من الأصدقاء والأشخاص الذين يتابعهم والصفحات، ومعظم الناس لا يملكون الوقت الكافي لرؤيتها جميعاً».

وتابعت أن هذه الخطوة نجحت بالفعل، ففي السابق كان المستخدمون يقرأون 57 في المائة فقط من القصص بصفحاتهم الإخبارية في المتوسط، ولم يكونوا يمررون الصفحة بما يكفي لرؤية النسبة المتبقية، البالغة 43 في المائة. وعندما أُعيد إظهار القصص غير المقروءة ارتفعت نسبة القصص المقروءة إلى 70 في المائة.

الحسيني موسى، خبير تحليلات الإعلام الرقمي وقياس الأداء، رأى في لقاء مع «الشرق الأوسط» أن «الخوارزمية ليست السبب الوحيد في انتشار المحتوى المثير والاستقطابي... لأن المحتوى المستقطب موجود بالفعل، لاعتبارات السياسة وسلوكيات المستخدمين ورغبة بعض صُناع المحتوى في جذب الانتباه، لكن أنظمة التوصية تقوم باختيار المحتوى وتصفيته وتخصيصه لكل مستخدم ومنح أولوية الظهور على حسب التفاعل وحجمه».

وعن تفضيل منصات التواصل الاجتماعي للترتيب الخوارزمي، أرجع موسى ذلك «لكون السيطرة على الخوارزمية تمسّ جوهر نموذج عمل المنصات وربحها». وأضاف: «الخلاصة الخوارزمية ليست مجرد ترتيب للمحتوى، هي أداة لإطالة وقت بقاء المستخدم وزيادة التفاعل وتحسين استهداف الإعلانات، في حين يتم منح المستخدم خياراً واضحاً وسهلاً لتقليل التوصيات أو العودة لترتيب زمني قد يقلل حجم التفاعل الذي تعتمد عليه المنصة تجارياً».

ثم لفت إلى أن الجهات التنظيمية، مثل «مفوض السلامة الإلكترونية الأسترالي»، تطالب بأن تكون سلامة المستخدم ومصالحه وحقوقه أولوية في تصميم أنظمة التوصية، وأن يحصل المستخدم على تحكم أكبر وشفافية أوضح، بينما تميل المنصات إلى الحفاظ على النموذج الذي يحقق أعلى وقت استخدام وأعلى عائد إعلاني.


ترمب والإعلام... معركة تتمدّد داخل الإدارة

مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)
مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)
TT

ترمب والإعلام... معركة تتمدّد داخل الإدارة

مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)
مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)

أن يقاضي ناشر صحيفة عسكرية ورئيس تحريرها ومراسلة فيها الوزارة التي تمولها، ليس نزاعاً وظيفياً مألوفاً في واشنطن. لكن إقالة مسؤولي «ستارز آند سترايبس»، بعد دفاعهم عن استقلالها التحريري، وضعت البنتاغون (وزارة الحرب الأميركية) أمام سؤال يتجاوز مصير ثلاثة موظفين: أين تنتهي سلطة الوزارة في إدارة الصحيفة، وأين يبدأ تدخلها في مضمونها؟

تزداد دلالة القضية لدى تزامنها مع قيود على حركة مراسلي الدفاع، واستبعاد صحافيين من اجتماعات لوزارة الخزانة، وتجدد دعاوى الرئيس دونالد ترمب على مؤسسات إعلامية، فضلاً عن تغييرات واسعة في قيادة المؤسسة العسكرية. بالتالي، بين تأكيد الإدارة أنها تحمي المعلومات الحساسة وتفرض الانضباط، وتحذير منتقديها من إخضاع الإعلام والمؤسسات لاختبارات الولاء، بات الخلاف يدور حول الجهة التي ترسم حدود الخبر المستقل عندما تكون الحكومة مموّلاً للصحيفة، ومصدراً للمعلومة، وموضوعاً للتغطية في الوقت نفسه.

إريك سلافين (ستارز آند سترايبس)

استقلال على المحك

بدأت القضية عندما أخطرت وزارة الحرب ناشر «ستارز آند سترايبس» ماكس ليديرر، ورئيس تحريرها إريك سلافين، والمراسلة لارا كورتي، بإنهاء خدماتهم في 21 أغسطس (آب) المنصرم، عازية القرار إلى «العصيان».

وذكرت تقارير صحافية أن كورتي وسلافين كانا قد دافعا في مقابلة مع شبكة «سي بي إس» عن استقلال الصحيفة، ورفض ليديرر طلباً بإقالتهما. وردّ الثلاثة برفع دعوى اتحادية اتهموا فيها الوزارة بالانتقام منهم بسبب كلامهم، وبسبب تغطية أوضاع البحارة على حاملة الطائرات «يو إس إس أبراهام لنكولن» إبّان مهمتها الطويلة المرتبطة بـ«حرب إيران». أما «البنتاغون» فلم يعلق على الاتهامات التفصيلية، وتمسّك بوصف المخالفة إدارياً.

ومنح تدخل القضاء القضية بعداً يتجاوز نزاعاً وظيفياً. فقد وافقت الوزارة على إبقاء الثلاثة في إجازة إدارية وتأجيل تنفيذ الإقالة حتى جلسة عقدت في 4 سبتمبر (أيلول) الحالي. وقضت المحكمة بالسماح مؤقّتاً بالمضي في الإقالات، ليس بسبب حق «البنتاغون» في الرقابة، بل لأن كلام كورتني وسلافين مع الشبكة جاء ضمن واجباتهما الوظيفية، لا بصفتهما مواطنين يحظون بحماية التعديل الدستوري الأول. ومع ذلك لم يحسم الحكم أصل الدعوى المتعلق باستقلالية الصحيفة.

لارا كورتي (بوليتيكو)

خصوصية النزاع

خصوصية النزاع أن «ستارز آند سترايبس» ليست صحيفة خاصة عادية ولا نشرة علاقات عامة عسكرية. بل هي مموّلة جزئياً من وزارة الحرب، لكن القواعد الناظمة لعملها تشدد على تدفق الأخبار من دون إدارة أو رقابة، وعلى عدم حجب الأخبار السلبية عمداً. ولهذا أثارت خطة «التحديث» التي بدأها «البنتاغون» هذا العام اعتراضات واسعة: فلقد قيّدت استخدام وكالات الأنباء، وربطت المحتوى بمقتضيات «النظام والانضباط»، وأُقيلت أمينة المظالم المكلفة حماية الاستقلال، ثم عُيّن ضابط في الخدمة نائباً للناشر. وتدّعي الوزارة أن على الصحيفة أن تحمي المعلومات المصنّفة (سرّيةً أو شبه سرّية) وتتفادى ما يضرّ بالأمن القومي؛ لكن المُعترضين يخشون أن يتحوّل معيار أمني مشروع إلى باب فضفاض للتدخل في الاختيارات التحريرية.

ماكس ليديرر (ستارز آند سترايبس)

من «البنتاغون»... إلى الخزانة

لا تقف المسألة عند الصحيفة العسكرية. فمنذ الخريف الماضي، فرض «البنتاغون» قواعد اعتماد اعترضت عليها معظم المؤسسات الكبرى، بما فيها وسائل محافظة، لأنها قد تعرّض الصحافي لفقدان بطاقته إذا سعى إلى معلومات لم تجز الوزارة نشرها، حتى عندما لا تكون سرية.

وفي مارس (آذار) قضت محكمة اتحادية بأن أجزاء من السياسة تنتهك التعديلين الأول والخامس، لكن الوزارة أصدرت قواعد بديلة شملت تقييد الحركة واشتراط المرافقة. ثم في يونيو (حزيران)، صُنّف المكتب الصحافي مساحة مخصّصة للتعامل مع معلومات حسّاسة، ومُنع المراسلون من دخوله.

وهكذا انتقل الخلاف من سؤال حول حماية الأسرار إلى سؤال أوسع عن مقدار الوصول اللازم كي تظلّ الرّقابة الصحافية ممكنة. وامتد الجدل إلى وزارة الخزانة التي رفضت اعتماد مراسلين من صحيفتي «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» وقناة «بلومبرغ» لتغطية اجتماعات وزراء مالية «مجموعة العشرين» في مدينة آشفيل بولاية نورث كارولينا. وأفادت الخزانة بأن نحو 300 إعلامي من 12 دولة حصلوا على وصول واسع، وأن التغطية ينبغي أن تلتزم الوقائع لا أن تطارد النقرات والإثارة. كذلك ذكّر الوزير سكوت بيسينت بأن الاستبعاد لا يتعلّق بوجهات النظر، لكن الوزارة لم تقدّم تفسيراً محدداً لاختيار المراسلين المُستبعَدين، ما أبقى الشُّبهة قائمة لدى المؤسّسات الثلاث، لا سيما مع وجود حرب وعقوبات وتضخّم وأسواق سندات على جدول الاجتماع.

من جانب آخر، حدّث ترمب دعوى تشهير يطالب فيها «نيويورك تايمز» ودار «بنغوين راندوم هاوس» للنشر بـ15 مليار دولار، مضيفاً تفاصيل يدّعي أنها تثبت تعمّد الإضرار بسمعته التجارية والسياسية. ويُذكر أنه سبق للمحكمة رفض الصيغة الأولى لإفراطها في الطول والاستطراد، قبل إعادة تقديمها؛ في حين تؤكد الصحيفة دقة عملها، وتقول إن الشكوى لا تثبت «سوء النّية الفعلي» المطلوب قانوناً. وللعلم، الدعاوى حقٌ متاح لأي متضرِّر، لكن كثرتها، مقترنة بقيود الوصول، هي ما يدفع منظّمات الصحافة إلى التحذير من أثر «ترهيبي» حتى عندما تنتهي بعض القضايا بالرفض.

كلّما اتسع إطار الإقالات وضاقت قنوات الصحافة صار أصعب على الجمهور والكونغرس التمييز بين إصلاح مهني وإعادة تشكيل سياسي

اختبار حياد المؤسسة

في أي حال، تكتسب معركة الإعلام هذه حساسيتها الأكبر لأنها تتزامن مع تغيير واسع في قيادة المؤسّسة العسكرية. ووفق إحصاء نشرته قناة «سي بي إس نيوز»، غادر أو أُقيل ما لا يقل عن 20 جنرالاً وأميرالاً ومسؤولاً مدنياً منذ تولّي بيت هيغسيث وزارة الدفاع، أي ما يعادل 10 في المائة من أفراد القيادة. وجاءت استقالة وزير الجيش دان دريسكول يوم 31 أغسطس، بعد إقالة رئيس أركان الجيش الجنرال راندي جورج، لتعمّق الأسئلة حول مسار التحديث والقيادة خلال الحرب.

ويرى منتقدون ديمقراطيون ومسؤولون سابقون أن الإقالات تُضعِف الخبرة وتقرّب المؤسّسة من اختبارات الولاء، بينما يملك الرئيس ووزير الدفاع قانوناً سلطة تغيير كبار القادة، وتقول الوزارة إن الحديث عن الفوضى «لا أساس له»، وإنها تعيد التركيز على الجاهزية و«روح المحارب». أيضاً، لا تثبت التغييرات، بمجرد حدوثها، أن كل قائد أُبعِد لأسباب حزبية، مثلما لا تجعل كل قاعدة أمنية عملاً من أعمال الرقابة. لكن المشكلة تكمن في الأثر التراكمي وفي نقص التفسيرات العلنية. ذلك أنه كلّما اتسع إطار الإقالات وضاقت قنوات الصحافة، صار أصعب على الجمهور والكونغرس التمييز بين إصلاح مهني وإعادة تشكيل سياسي. ثم إن التقارير عن تعيين شخصيات إعلامية مُتماهية مع خطاب «ماغا» السياسي اليميني في وظائف مدنية داخل «البنتاغون»، واستمرارها في الترويج لهيغسيث ومهاجمة منتقديه، تعزّز الانطباع بأن المسألة تتعلّق بإدارة الرواية أيضاً، لا بضبط التسريبات فحسب.

بناءً عليه، يرى المُنتقدون أن القضية لا تدور في جوهرها حول امتيازات المراسلين، بل حول علاقة السلطة بالمعلومة في زمن حرب. فالإدارة تستطيع وضع قواعد لحماية الأسرار ومحاسبة الموظفين، لكن هذه السلطة تُصبح موضِع شكٍ عندما تغيب المعايير المُتساوية والتفسيرات القابلة للفحص. وستحدِّد المحاكم والكونغرس، بقدر ما تحدد قرارات «البنتاغون»، ما إذا كانت «ستارز آند سترايبس» ستبقى نموذجاً لصحافة مستقلّة داخل مؤسّسة عسكرية، أم تتحوّل إلى علامة على أن إعادة تشكيل واشنطن شملت أيضاً تضييق المسافة بين الخبر الرسمي والخبر المستقلّ.