تواصل الجدال حول خطر الموجات الكهرومغناطيسية

تأثيراتها تشمل تغيير بعض المهام داخل الخلايا وعمل الموصلات العصبية

تواصل الجدال حول خطر الموجات الكهرومغناطيسية
TT

تواصل الجدال حول خطر الموجات الكهرومغناطيسية

تواصل الجدال حول خطر الموجات الكهرومغناطيسية

كل شيء في هذه الحياة العصرية ينبض بالموجات الكهرومغناطيسية المتولدة عن التيار الكهربائي المتناوب، ابتداء من التلفزيون، مرورا بمصابيح الإضاءة والأسلاك المعلقة بالجدران، ووصولا إلى الخلاطات ومعدات مزج الطعام.
ولكون هذه الموجات بترددات قليلة جدا، 60 هيرتز في أميركا، و50 هيرتز في أغلب مناطق العالم (والهيرتز وحدة تقابل دورة واحدة بالثانية)، فإن هذا النوع من الموجات يعد من النوع المنخفض جدا في التأثير، وكان يعد منذ أمد بعيد غير مؤذ نظرا لضعف شدة مجالاتها الكهرومغناطيسية وعدم قابليتها للتأثير على الإلكترونات وإتلاف جزيئات الجسم الحي مباشرة.

* دراسات علمية
في 11 يوليو (تموز) 1989 أفادت صفحة العلوم في «نيويورك تايمز» بوجود احتمال غير مريح من الموجات التي تحيط بنا من كل الوجوه، لأنها قد تسبب السرطان.
وقد وجدت دراسة وبائية في مدينة دينفر الأميركية قارنت بين الأطفال الذين توفوا بسبب السرطان بين عامي 1950 و1973، ومجموعة من الأطفال الآخرين، أن الذين يعيشون قرب خطوط التوزيع الكهربائية كانوا معرضين بمقدار الضعف للإصابة بالمرض من أولئك البعيدين عنها. وأظهرت دراسة لاحقة أجراها علماء رغبوا في تسليط الضوء على ما عد أخطاء ارتكبت في الدراسة الأولى، نتائج مماثلة تقريبا.
وقدمت التجارب المختبرية أسبابا أكثر للقلق، فقد قامت الموجات الإلكترونية، خصوصا المجالات المغناطيسية المتولدة منها، بتغيير بعض المهام داخل الخلايا، كما غيرت عمل الموصلات العصبية. كذلك، فإن الموجات بتردد 60 هيرتز زادت عدد الأجنة غير الطبيعية في بيض الدجاج.
واقتبس مقال نشر في «نيويورك تايمز» ما ذكره د. ديفيد أو. كاربنتر، الذي كان عميدا لكلية الصحة العامة بجامعة ولاية نيويورك في ألبانيا، بأن «الأمور كلها تثير القلق، فنحن نرى رأس جبل الجليد فقط، من دون معرفة حجمه الحقيقي، وهو مصدر قلق لنا جميعا».
وبعد 25 سنة لا يزال د. كاربنتر في الجامعة ذاتها مديرا لمعهد الصحة والبيئة، ولا يزال يجد في الموجات بترددات 60 هيرتز مصدرا للقلق، «فلم يتغير أي شيء خلال السنوات الـ25 هذه على صعيد الجدال القائم، على الرغم من أن الدليل على التأثيرات البيولوجية للمجالات المغناطيسية لا يزال ينمو ويشتد»، كما كتب عبر مراسلاته على البريد الإلكتروني.

* تأثيرات صحية
ولدى مراجعة البحث الذي قام به، صنفت منظمة الصحة العامة الموجات والترددات المنخفضة جدا بأنها من صنف الموجات التي «قد تكون مسببة لأمراض السرطان»، فثمة دلائل على زيادة الإصابة بمرض سرطان الدم (اللوكيميا) لدى التعرض الطويل للمجالات المغناطيسية التي تكون شدتها أقوى من 0.4 ميكروتيسلا. وللمقارنة، فإن شدة مجال الأرض المغناطيسي أقوى بمائة مرة، لكنه مجال ثابت لا يتذبذب، وهذه ميزة كبرى.
بيد أن قلة من الناس تتعرض لموجات منخفضة التردد، وشديدة جدا، «وهو تعرض ليس طبيعيا جدا»، كما تقول إميلي فان ديفينتر رئيسة مشروع منظمة الصحة العالمية لتقييم التأثيرات الصحية للمجالات الكهرومغناطيسية.
وأحد أسباب عدم اليقين هنا، هو أنه يتوجب على العلماء أيضا، شرح كيفية تأثير الموجات على التسبب بالسرطان، وسرطان الدم (اللوكيميا) مرض نادر نسبيا يصيب أقل من طفل واحد بين كل 5000 في الولايات المتحدة، ومن الصعب دراسة أسبابه، حتى ولو جرى الوصول إلى خيط ذي صلة، وبالتالي فإن أي جهد لوقاية العالم من تأثيرات الموجات التي تسببها الترددات المنخفضة، من شأنه في أفضل الأحوال الحيلولة دون إصابة القليل بالسرطان.
وتقول د. فان ديفينتر: «على صعيد منظور الصحة العامة، وصعيد ما قد نقترحه من أنظمة، بإمكاننا أن نرى أن نسبة المنافع أمام الأخطار، نسبة غير متوازنة، هذا إذا استطعنا الكشف عن عدد الوفيات».
وفي السنوات الأخيرة، يبدو أن مصدر القلق انتقل إلى الترددات التي تتذبذب ليس 60 مرة بالثانية، بل ملايين ومليارات المرات، المستخدمة من قبل الهواتف الجوالة، والهواتف اللاسلكية (كوردليس)، والشبكات اللاسلكية. وترغب د. فان ديفينتر مثلا في إبعاد تقنيات «واي - فاي» اللاسلكية عن المدارس، رغم عدم وجود أدلة قاطعة على الضرر الذي تسببه حتى الآن، ورغم أنه يبث على مستويات طاقة أقل من الهاتف الجوال.
وتصف منظمة الصحة العالمية نطاق الترددات اللاسلكية أيضا، المستخدم في الهواتف الجوالة، و«واي - فاي»، وأجهزة الاتصال الأخرى، بأنها «من المحتمل أن تسبب السرطان»، وهو أمر من الصعب تفسيره للجمهور، كما تقول فان ديفينتر، «لأنهم يرغبون دائما في الحصول على جواب مباشر: أبيض أو أسود». وتضيف: «إذا ما نظرنا إلى الاتجاهات خلال الـ20 أو الـ30 سنة الماضية، فإننا لم نشاهد أي زيادة في عدد الإصابات بالسرطان، لكن أيضا لا نستطيع القول إننا نعرف كل الأمور؛ إذ قد يتطلب الأمر عشر سنوات أخرى قبل رصد وملاحظة ذلك».
ومثل هذه الأخطار المحتملة، كما تقول، لم تردعها عن الحياة العصرية، فهي تستخدم الهاتف الجوال، ولديها موقد ميكروويف، ولديها كل المنتجات، فحياتها لم تتغير، لكنها تستدرك أنه من الناحية المهنية «علينا الإمساك بالزمام بأيدينا، أي أن نكون على رأس الأمور، أي ممسكين بزمامها».
وتعمل منظمة الصحة العالمية حاليا على إعداد تقرير جديد يلخص المخاطر المحتملة في المجالات المتولدة عن موجات الترددات الراديوية، سينشر العام المقبل.

* خدمة «نيويورك تايمز»



«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
TT

«سبيس بايونير» الصينية تعلن فشل أول رحلة لصاروخ قابل لإعادة الاستخدام

عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)
عملية إطلاق صاروخ فضائي صيني (أرشيفية-وسائل إعلام صينية)

أعلنت شركة «سبيس بايونير»، المتخصصة في تطوير الصواريخ ومقرُّها بكين، اليوم الجمعة، أن الرحلة التجريبية الأولى لصاروخها القابل لإعادة الاستخدام «تيانلونغ-3» باءت بالفشل، مما يسلّط الضوء على التحديات التي يواجهها مطوّرو الصواريخ الصينيون في محاولتهم اللحاق بشركة «سبيس إكس» الأميركية، التابعة لإيلون ماسك.

ولم تقدم «سبيس بايونير»، المعروفة أيضاً باسم «بكين تيانبينغ تكنولوجي»، سوى قليل من التفاصيل حول سبب الفشل، واكتفت بإعلان الفشل، في بيان موجَز نشرته على حسابها الرسمي على تطبيق «وي تشات».

والشركة بين مجموعة صغيرة من شركات تطوير الصواريخ في القطاع الخاص، التي تشهد نمواً سريعاً مدفوعاً بجهود بكين لتحويل الصين إلى قوة فضائية كبرى، فضلاً عن الدعم المتعلق بالسياسات الذي يسهّل على هذه الشركات جمع رأس المال وطرح أسهمها للاكتتاب العام، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتتنافس هذه الشركات، الآن، على مَن يصبح المطوّر الصيني الرائد للصواريخ القابلة لإعادة الاستخدام، وهي تقنية لم تتقنها، حتى الآن، سوى شركة «سبيس إكس».

والقدرة على إطلاق المرحلة الرئيسية لصاروخ مَداري واستعادتها وإعادة استخدامها هي عامل أساسي لخفض تكاليف الإطلاق وتسهيل وضع الأقمار الصناعية في المدار حول الأرض لأغراض تتراوح من الاتصالات إلى المراقبة العسكرية.


علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
TT

علماء يكتشفون أدلة على الفناء التام لنجوم عملاقة في الكون

يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)
يحدث انفجار هائل للنجم في نهاية حياته (رويترز)

عندما يحدث الانفجار الهائل لنجم في نهاية حياته، فيما يعرف بظاهرة المستعر الأعظم أو (السوبرنوفا)، فإنه يقذف المادة في الفضاء ويترك عادة بقايا نجمية شديدة الكثافة، مثل الثقب الأسود أو النجم النيتروني.

لكن بعض هذه الانفجارات عندما تحدث لأكبر النجوم في الكون قد تكون قوية للغاية لدرجة أنها لا تترك أي شيء على الإطلاق، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويطرح العلماء منذ ستينات القرن الماضي نظرية حدوث هذه الانفجارات النجمية فائقة القوة، وتوصلوا الآن إلى أدلة على وجودها، وإن كانت غير مباشرة.

ظهرت هذه الأدلة في أبحاث تتعلق بالثقوب السوداء وموجات الجاذبية في نسيج الكون، التي تعرف بتموجات (الزمكان).

وقال هوي تونغ، وهو طالب دكتوراه في الفيزياء الفلكية بجامعة موناش في أستراليا والمعد الرئيسي للدراسة التي نُشرت، الأربعاء، في دورية «نيتشر»، إن التوقعات تشير إلى أن مثل هذه الانفجارات النجمية العظمى تحدث في أضخم النجوم؛ أي تلك التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بما يتراوح بين 140 و260 مرة.

وأضاف تونغ: «على الرغم من كتلتها الهائلة، فإن عمرها قصير نسبياً، نحو بضعة ملايين سنة. وللمقارنة، ستعيش الشمس نحو 10 مليارات سنة، لذا فإن هذه النجوم تحترق أسرع بألف مرة تقريباً، مثل الألعاب النارية الكبيرة التي تشتعل بشدة ولفترة قصيرة قبل أن تنفجر».

«المدى المحظور»

يترك انفجار نجوم كبيرة ذات كتلة معينة وراءه نجماً نيوترونياً، وهو نواة النجم المنهارة والمضغوطة. وعندما تنفجر بعض النجوم الأكبر من ذلك، تترك وراءها ثقباً أسود، وهو جسم شديد الكثافة وله جاذبية قوية لدرجة أن الضوء نفسه لا يستطيع الهرب منها. ويحتفظ الثقب الأسود بجزء من كتلة النجم الأصلي، بينما يُقذف الباقي في الفضاء.

وفي هذه الدراسة، فحص الباحثون بدقة البيانات المجمعة عن 153 زوجاً من الثقوب السوداء، مع معرفة كتلتها بناء على موجات الجاذبية التي أطلقتها، ثم فصلوا الثقوب السوداء التي تشكلت عبر اندماجات سابقة بين ثقبين أسودين أصغر حجماً.

واكتشف الباحثون حينها غياب الثقوب السوداء التي تزيد كتلتها على كتلة الشمس بواقع 44 إلى 116 مرة، وهو ما أطلقوا عليه وصف «المدى المحظور».

وقالوا إن غيابها يمكن تفسيره على أفضل وجه بأنه اندثار النجوم الأكبر، ولكن بدلاً من أن تترك وراءها ثقوباً سوداء في هذا النطاق من الكتلة كما هو متوقع، فإنها تنفجر دون أن تترك أي أثر في نوع نادر من الانفجارات يطلق عليه «سوبرنوفا عدم الاستقرار الزوجي».

أفضل مؤشر حتى الآن

ووصفت عالمة الفيزياء الفلكية المشاركة في إعداد الدراسة مايا فيشباك من المعهد الكندي للفيزياء الفلكية النظرية بجامعة تورونتو هذه الظاهرة بأنها «من أعنف أنواع انفجارات موت النجوم».

وأضافت: «في الغالب، تشكل النجوم الضخمة ثقوباً سوداء. وكلما زادت كتلة النجم، زاد ثقل الثقب الأسود»، إلى أن تصل النجوم إلى عتبة كتلة معينة، تفرض بعدها القواعد الفيزيائية لانفجارها عدم تركها أي بقايا نجمية.

وقال تونغ: «تصبح النواة غير مستقرة، مما يؤدي إلى انهيار جامح ثم انفجار حراري نووي عنيف ينسف النجم».

وفي الوقت الحالي، قد تكون الأدلة المقدمة في هذه الدراسة أفضل مؤشر حتى الآن على حدوث انفجارات عدم الاستقرار الزوجي.

وقال تونغ: «إننا نستخدم في الأساس شيئاً غير مرئي، وهو الثقوب السوداء، باعتباره سجلاً لبعض من أكثر الانفجارات سطوعاً في الكون».


حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
TT

حين تدخل الأخلاقيات قاعة الخوارزميات… من يقرّر في الطب الجديد؟

بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم
بين قرار الإنسان وخوارزمية العالم

لم يكن الاجتماع الذي عقدته «منظمة الصحة العالمية» في الأول من أبريل (نيسان) 2026، مجرد لقاء تقني لمناقشة مستقبل الصحة الرقمية، بل بدا أقرب إلى لحظة مراجعة عالمية لسؤال يتجاوز التكنولوجيا نفسها: مَن يملك القرار عندما تدخل الخوارزميات إلى قلب الطب؟

مشهد عالمي... وسؤال واحد

في تلك المشاورات التي جمعت حكومات، وشركات، وخبراء، وممثلين عن المجتمع المدني، لم يكن النقاش حول أدوات أو منصات، بل حول شيء أعمق بكثير: كيف يمكن تحويل الأخلاق من مبادئ تُكتب إلى شروط تُبرمج داخل الأنظمة؟

وللمرة الأولى، لم تعد الأخلاقيات هامشاً مكمّلاً للتقنية، بل أصبحت في صلبها.

لكن خلف هذا المشهد التوافقي الهادئ، يظل سؤال أكثر إرباكاً يفرض نفسه: هل يمكن فعلاً الاتفاق على أخلاقيات عالمية... في عالم لا يتفق حتى على معنى القرار الطبي نفسه؟

من التقنية إلى الأخلاق: تحوّل في مركز الثقل

ما يلفت الانتباه في هذه الاستراتيجية ليس ما تقوله عن التكنولوجيا، بل ما تكشفه من تحوّل في طريقة التفكير؛ فبعد سنوات كان التركيز فيها منصبّاً على توسيع استخدام الأنظمة الرقمية، تتحول البوصلة اليوم نحو مفاهيم أكثر عمقاً: العدالة، والثقة، والشمول، وحوكمة البيانات. لم يعد السؤال كيف نستخدم التقنية؟ بل: كيف نضبطها؟

الوثيقة تدعو إلى نموذج «متعدد الأطراف»، لا يقتصر فيه القرار على الحكومات، بل يمتد ليشمل القطاع الخاص، والمجتمع المدني، والمؤسسات الأكاديمية، في محاولة لبناء نظام صحي رقمي يعكس تعقيد الواقع العالمي، لا في صورته النظرية المبسطة. لكن هذا الطموح، رغم وجاهته، يكشف مفارقة دقيقة: فإذا شارك الجميع في القرار... فمن يتحمل نتيجته؟

حين يتوقف القراروتبدأ الأسئلة

وهم الإجماع: عندما يصبح الجميع مسؤولاً... ولا أحد مسؤول

في الظاهر، يبدو النموذج التشاركي مثالياً؛ فهو يعزز الشفافية، ويحدّ من الانحياز، ويمنح القرار طابعاً جماعياً مطمئناً. لكن في العمق، يحمل هذا النموذج مفارقة دقيقة؛ حين تتوزع المسؤولية على الجميع... قد تختفي. فالقرار الطبي، بطبيعته، لا يحتمل الغموض. في لحظة التشخيص أو التدخل العلاجي، لا يمكن للطبيب أن يستند إلى «إجماع خوارزمي»، ولا إلى رأي موزّع بين أنظمة متعددة. هناك دائماً لحظة حاسمة يتحمل فيها إنسان واحد مسؤولية الاختيار.

وهنا يظهر التوتر بين عالمين لا يلتقيان بسهولة: عالم الخوارزميات الذي يميل إلى توزيع القرار، وعالم الطب الذي يقوم (في جوهره) على تحمّل مسؤوليته.

حين تتقدم القدرة... ويتأخر الفهم

أصبح الذكاء الاصطناعي قادراً على تحليل البيانات الطبية بدقة غير مسبوقة، واقتراح قرارات قد تتفوق في بعض الحالات على التقدير البشري، خصوصاً في قراءة الصور الطبية أو ربط المؤشرات المعقدة في السجلات الصحية.

لكن هذه القدرة التقنية، رغم أهميتها، لا تعني بالضرورة فهماً كاملاً لما يحدث في الواقع السريري. فالأنظمة الذكية لا تعيش نتائج قراراتها، ولا تتعامل مع المريض بوصفه تجربة إنسانية متكاملة، بل كبيانات قابلة للتحليل. إنها قادرة على الحساب، لكنها لا تدرك السياق. وتستطيع التنبؤ، لكنها لا تتحمل تبعات الخطأ.

وهنا يكمن التحدي الحقيقي في الطب الحديث: أن نمتلك أدوات قادرة على دعم القرار بدرجة عالية من الدقة، دون أن نخلط بين القدرة الحسابية... والفهم السريري الكامل لنتائج هذا القرار.

القرار... وما الذي لا تقوله الوثيقة؟

رغم شمول هذه الاستراتيجية، فإنها تترك عدداً من الأسئلة الجوهرية دون إجابة واضحة، وهي أسئلة تمسّ جوهر القرار الطبي نفسه.

- من يتحمل المسؤولية عند الخطأ؟

- ومن يملك صلاحية إيقاف النظام عندما تنحرف الخوارزمية عن المسار الصحيح؟

- ومتى يجب أن يمتنع الذكاء الاصطناعي عن تقديم التوصية، بدلاً من الاستمرار في إعطاء إجابة قد تكون مضللة؟

هذه الأسئلة لا تتعلق بالتقنية بقدر ما تتعلق بحدودها.

وفي هذا السياق، يبرز مفهوم «الصمت الخوارزمي» بوصفه أحد أهم التحديات المقبلة، وهو اللحظة التي يجب فيها على النظام الذكي أن يتراجع، لأن القرار يتجاوز نطاق البيانات التي بُني عليها، أو لأن درجة عدم اليقين أصبحت أعلى من أن تُترجم إلى توصية موثوقة.

الذكاء الاصطناعي لا يصل إلى الجميع

* نحو 30 في المائة من سكان العالم فقط يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات

التقنية التي تسمح بتطبيق التقنيات الذكية في الممارسة الطبية بشكل فعلي

وهم الشمول: هل العالم متساوٍ رقمياً؟

رغم أن هذه الاستراتيجية تدعو إلى شمول عالمي في تبني الصحة الرقمية والذكاء الاصطناعي، فإن الواقع يكشف مفارقة واضحة؛ فالتقديرات تشير إلى أن نحو 30 في المائة فقط من سكان العالم يمتلكون البنية التحتية الرقمية والقدرات التقنية التي تسمح بتطبيق هذه التقنيات في الممارسة الطبية بشكل فعلي.

وهنا يبرز سؤال لا يقل أهمية عن الأخلاقيات نفسها: كيف يمكن تحقيق «عدالة رقمية» في عالم غير متكافئ رقمياً من الأساس؟ فالدعوة إلى الشمول، رغم عدالتها النظرية، قد تحمل نتيجة معاكسة؛ إذ قد تؤدي عملياً إلى توسيع الفجوة بين أنظمة صحية متقدمة قادرة على توظيف الذكاء الاصطناعي لتحسين جودة الرعاية، وأخرى لا تزال تكافح لتوفير الحد الأدنى من الخدمات الطبية.

وفي هذا السياق، لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة للتطوير، بل قد يتحول (من حيث لا يُقصد) إلى عامل جديد يعيد رسم خريطة العدالة الصحية على مستوى العالم.

بين العدالة... والحياة

من أكثر التحديات تعقيداً في الطب أن القرار «الأخلاقي» لا يكون دائماً «عادلاً» بالمعنى النظري أو الإحصائي؛ ففي الممارسة السريرية، قد يضطر الطبيب إلى اتخاذ قرار لا يحقق التوازن بين جميع الخيارات، بل يركّز على إنقاذ حالة محددة في لحظة حرجة، حتى لو جاء ذلك على حساب اعتبارات أخرى. وهذا النوع من القرارات يعتمد على السياق، وعلى تقدير المخاطر، وعلى فهم الحالة الفردية للمريض.

في المقابل، تميل الخوارزميات بطبيعتها إلى البحث عن التوازن، وإلى تقديم توصيات تستند إلى الأنماط العامة والنتائج الأكثر ترجيحاً على مستوى المجموعات. وهنا يظهر التحدي الحقيقي: الفارق بين قرار يُبنى على حساب الاحتمالات... وقرار يُتخذ في مواجهة حالة إنسانية فردية.

الخاتمة: من يعرّف الأخلاق؟

قد تضع الاجتماعات العالمية أطراً عامة، وقد ترسم الاستراتيجيات مسارات للتطوير، لكن القرار الطبي سيبقى (في جوهره) لحظة إنسانية لا يمكن اختزالها بالكامل في نموذج حسابي. فالذكاء الاصطناعي قادر على دعم القرار وتحسين دقته، لكنه لا يستطيع أن يحدد بمفرده ما هو القرار الصحيح في كل سياق سريري.

وفي الوقت الذي تدخل فيه الأخلاقيات إلى تصميم الخوارزميات، لا يعود التحدي تقنياً فقط، بل يصبح سؤالاً أعمق يتعلق بالمرجعية ذاتها: من يملك حق تعريف الأخلاق... عندما تتحول إلى جزء من الرموز الكومبيوترية؟