من مداخلات مؤتمر «قصيدة النثر المصرية» في دورته الخامسة

من مداخلات مؤتمر «قصيدة النثر المصرية» في دورته الخامسة
TT

من مداخلات مؤتمر «قصيدة النثر المصرية» في دورته الخامسة

من مداخلات مؤتمر «قصيدة النثر المصرية» في دورته الخامسة

مؤتمر «قصية النثر المصرية» في دورته الخامسة، الذي اختتم أعماله أخيراً في القاهرة، شهد مشاركة كبيرة من شعراء ونقاد من أجيال مختلفة، كان لبعضهم تعقيبات ومداخلات مهمة بالمؤتمر، وشارك في ندواته وأمسياته شعراء ونقاد ليبيون، لفتوا الأنظار بفاعليتهم وحيوية نصوصهم الشعرية.
وهنا استعراض لبعض المداخلات:
استهل الدكتور محمد بدوي محور الأبحاث النقدية بدراسة عنوانها «هل يمكن اعتبار قصيدة النثر نوعا شعرياً جديداً» استعرض فيها التطورات التي تعرضت لها القصيدة العربية، ودور ذات الشاعر وحضورها فيما حدث من تغيير في بنيتها، وخصائصها، ووظائفها الجمالية والآيديولوجية.
وقال بدوي، إن قصيدة النثر نشأت بعيداً عن مفهوم الأغراض التقليدية، لكن بعض شعرائها مثل محمد الماغوط تبرز في إنتاجهم السمة الإنشادية؛ لأنهم كتبوا قصيدتهم تحت وطأة التعريف الأساسي للشعر العربي، بغنائيته وتقليديته، وهناك اتجاه آخر مثّله أنسي الحاج، وقدم من خلاله قصيدة بلا تأثير موسيقي، عبر جمل مقطعة، جعلته بلا غنائية ولا يصلح للإلقاء، وهذا ما بدا واضحاً في كتابه «ماذا صنعت بالذهب ماذا فعلت بالوردة»، لكن الغريب أنه عاد لسمة الإنشاد بعد ذلك في ديوانه «الرسولة بشعرها الطويل حتى الينابيع»، وما جاء بعده من إصدارة شعرية له.
وذكر بدوي، أن النثر الذي كان في الهامش، صار متناً، واحتلت قصيدته المشهد الأساسي؛ ما يعني وجود قيم جديدة رافعة لها، كما أنه بعد مرحلة عبور بعض شعراء قصيدة التفعيلة في اتجاه النثرية، تجلى الشعر النثري كما لو كان لا يعرف التعريف الأساسي القديم، ومع انفتاحه على أنواع أخرى معظمها سردي، أصبح السرد يهيمن على معظم القصائد، وهو ليس مجرد شفرة لغوية، لكنه جعل الشعر يصلح للترجمة والتحاور مع لغات أخرى، وقد جاء انتقال السرد إلى القصيدة حاملاً خاتم الشعر وهو التكثيف الشديد، وصار إنسانياً بفعل الترجمة؛ ما كان محلياً ومغلقاً، واستعصى على التسليع، مثلما نرى في الرواية.
وفي ورقة بحثية بعنوان «قصيدة النثر... تقنيات النص المفتوح وجمالياته» قال الدكتور يسري عبد الله، إن «رهانات الفعل الشعري تطمح أن تكون مصبوغة بطابع البحث عن خصوصية جمالية عربية تنتقل بالقصيدة من تبعيتها الذهنية، واستلابها الجمالي صوب أفق يخصها، هذه الخصوصية التي بدأت قصيدة النثر في تلمس ملامحها، يمكن النفاذ إلى بعض منها حال استقراء بعض نصوصنا العربية الجديدة».
وذكر عبد الله «أن النص بوصفه إدراكاً جمالياً للعالم بالأساس، سيبدو حاملاً داخله إمكانات لا نهائية تتعدد بتعدد جمهرة المتلقين له، من جهة، وبفعل القراءة نفسه بوصفه استجابة جمالية بالأساس، وتعبيراً عن جملة من الحاجات النفسية والاجتماعية، هنا وعبر هذا الفهم يصبح الأثر المفتوح أثراً متجدداً على الدوام ليس بتجدد الدلالة وحدها، ولا بتجدد التأويل ذاته، لكن بتجدد الفعل القرائي، بوصفه مجلياً لمشاركة فاعلة من المتلقي في إنتاج المعنى الذي يحويه النص الشعري، وربما تتماس مع هذه الفكرة أيضاً فكرة الأثر النفسي الذي يحققه الأسلوب الذي ليس هنا زخرفاً بلاغياً، ولا حتى هو كل شيء في عمومية تغفل الجوهر، لكنه يبدو هنا بمثابة قوة تملك حساسية ضاغطة على سيكولوجية المتلقي».
وفي إطار هذه الرؤية، قدم عبد الله قراءة للتجربة الشعرية للشاعر المصري جمال القصاص، مشيراً إلى أنها بدت منفتحة على أسئلة مختلفة، تخص الشعر والحياة معاً، تسد الفراغ المصطنع للحد الفاصل بينهما، فتحمل معها وعيها الجمالي ابن التجربة الحياتية المحضة، والمجاز الآسر، وتتمركز في بنية الشعر العربي بوصفها تعبيراً عن نفس مختلف، وصوت بدا طليعياً منذ ديوانه الأول «خصام الوردة» (1984)، فخلق بصمته الأسلوبية الخاصة منذ البداية، وصيغه الرائقة، وحسه الجمالي الذي لا يعرف صخباً زائفاً، وإن حوى توترات داخلية مكتومة تحيل النص إلى حال من السؤال المتجدد والمفتوح على قسوة الحياة وألمها وأشواقها المكسوة بالأسى والانكسار.
ولفت إلى أن القصاص يكتب نصاً ممتداً، يستقي عوالمه من الحياة ذاتها، ويجعل مادته الخام من حكايات ناسه وشخوصه، وذواته المختلفين، والتي ترتبط دوماً بجدل خلاق مع الذات الشاعرة، فتصبح ونسها وألفتها، وإخفاقاتها وعذاباتها اليومية أيضاً، ومجلاها العصي على الموت - العصي على النسيان.
ليس إذن ثمة سمات خارقة يسبغها القصاص، حسب عبد الله، على الذات الشاعرة، ومن ثم يتخلص من حمولات المجانية، غير أنه يقدم عالماً مدهشاً تختلط فيه الأسطورة بالواقع، وتبدو الذات الشاعرة الممسوسة بعقدة الفيضان، مسكونة في الأساس بروح مصرية خالصة، توظف المجاز جيداً وبلا افتعال.
وذكر عبد الله، أن القصاص يصنع صوراً بصرية متواترة، تعتمد في جانب منها على حكمة مكتنزة، وهي ليست الحكمة بمعناها الكلاسيكي، بل هناك نسق تتجادل فيه الخبرتان الجمالية والمعرفية فتنتجان القصيدة التي تصبح استجابة جمالية ومعرفية لذات تقاوم القبح بالجمال، والكراهية بالمحبة، وترى في الجسد درجاً للروح، وفي الروح خلاصاً وارتقاءً. إنها ذات شعرية يمكن تلمس ملامحها السيكولوجية، حيث تنشد عالماً بلا حروب، بلا ادعاءات، أما معجمها الشعري فتتواتر فيه مفردات دالة وكاشفة عن روح تحتفي بما هو إنساني وحر ونبيل.
وفي حديثه عن الشاعر المصري عاطف عبد العزيز، قال عبد الله، إن النص لديه يستحضر الزمن، ويبحث عن المصير الذي ينتظر اللحظات الفائتة، بوصفها ظلالاً مهشمة لعالم معقد وغريب، تبدو فيه الغربة ظلاً للروح، وعنواناً للشعر، ولمأزقه المتجدد. ومن رحم السؤال تتولد شعرية نص مفتوح على الزمن، ليس بوصفه صدى للفقد والنوستالجيا فحسب، لكن بوصفه أيضاً مجلياً للخيبات اللانهائية، وللوجع الذي يطارد الذات الشاعرة.
وأشار عبد الله إلى أن نص عاطف عبد العزيز تؤرقه الأسئلة أكثر من أي شيء آخر، بحيث يتوجه الشاعر نحو أشياء العالم، لا لكي يُكوّن أفكاراً عنها، بل ليكشفها، ويكتشف نفسه.
وفي دراسة له بعنوان «قصيدة النثر في ليبيا»، تحدث الشاعر رامز رمضان النويصري، قائلاً «لم تكن قصيدة النثر في ليبيا منهجاً يصنع ذاته، بقدر ما كانت تأثراً وانعكاساً لما يحدث في الشرق؛ فالعملية الثقافية في ليبيا تعتمد الشرق رافداً مهمّاً من روافد المعرفة، دون الاتجاه المباشر لهذه الروافد، بل إنها اعتمدت على ما يقدمه الشرق من أفكار ومناهج قام بترجمتها وبشرحها»، مشيراً إلى أن ثقافة الآخر (الثقافة الغربية) وصلتنا بعد أن هضمتها عقول المشرق، ومن ثم أعيد تصديرها إلينا... وهذا يعني أننا نقرأ آراء الشرق وشروحه أكثر مما نقرأ الإبداع ذاته، وهي عملية حقيقة مربكة ومعقدة؛ كونها لا تضع المثقف في مواجهة مباشرة مع الثقافة الغربية أو ثقافة الآخر الموازي لنا في التجربة.
ولفت النويصري إلى أنه «في فترة الستينات كانت قصيدة التفعيلة هي الشكل الجديد الذي سيطر على القصيدة في ليبيا، ولم تجد المعارضة التي لقيتها في الشرق، وبخاصة العراق ومصر». وذكر النويصري، أن المجموعات الشعرية التي تنتمي إلى قصيدة النثر، ظهرت في الثمانينات، وهو البداية الفعلية أو التاريخ الرسمي لقصيدة النثر في ليبيا، لو أردنا أن نختار تاريخاً لها، وكانت مجموعة الشاعر عبد اللطيف المسلاتي «سفر الجنون-1» هي أولى المجموعات التي قدمت قصيدة النثر. وذكر النويصري، أن فترة الثمانينات كانت إحدى أخصب المراحل إنتاجاً، وشهدت نشر 40 مجموعة شعرية، بينها 15 مجموعة شعرية قصيدة نثر قدمها محمد الكيش ومحفوظ أبو حميدة، وعبد الرحمن الجعيدي وفوزية شلابي وآخرون، وقد شهدت التسعينات تقدم مجموعة أخرى من الشاعرات، تميزت قصائدهن بالانشغال بالتفاصيل والاشتغال عليها، وقول الذات صراحة، وقد استفدن من منجز الحداثة أكثر من الرجال ليكنَّ أكثر معايشة لليومي والواقعي بحق، رغم نبرة الحزن.



«فرقة رضا» تسدل الستار على احتفالات ليالي رمضان بمصر

عروض متنوعة قدمتها فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)
عروض متنوعة قدمتها فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)
TT

«فرقة رضا» تسدل الستار على احتفالات ليالي رمضان بمصر

عروض متنوعة قدمتها فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)
عروض متنوعة قدمتها فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)

بعروضها الشهيرة مثل «الأقصر بلدنا» و«الحجالة» و«الكرنبة» و«النوبة» ورقصة التنورة، اختتمت فرقة رضا للفنون الشعبية ليالي «هل هلالك» التي نظَّمها قطاع المسرح بوزارة الثقافة المصرية على مدى أسبوعين، الخميس، وسط حضور جماهيري حاشد وتفاعل لافت مع التابلوهات الراقصة والاستعراضات والأغاني.

ونظَّمت وزارة الثقافة المصرية برنامج الاحتفالات الرمضاني «هل هلالك» للسنة العاشرة على التوالي بساحة الهناجر في دار الأوبرا المصرية خلال الفترة من 28 فبراير (شباط) الماضي إلى 13 مارس (آذار) الحالي، متضمناً كثيراً من الفقرات وفرق الغناء والموسيقى والفنون الشعبية، بالإضافة إلى عرض العرائس «الليلة الكبيرة».

وأحيت حفل الليلة الختامية، الجمعة، فرقة «رضا للفنون الشعبية»، التي تعدُّ من أعرق الفرق الفنية التابعة للبيت الفني للفنون الشعبية والاستعراضية، وقدَّمت مجموعةً من أشهر استعراضاتها التي اشتهرت بها طوال تاريخها الفني، من روائع رائد الفن الشعبي في مصر، الفنان محمود رضا، وأنغام الموسيقار علي إسماعيل.

جانب من عروض فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)

وتأسَّست فرقة رضا للفنون الشعبية في نهاية الخمسينات من القرن الماضي على يد مصمم الرقصات محمود رضا وشقيقه المؤلف الموسيقي علي رضا، والفنانة الاستعراضية فريدة فهمي بعد رحيل الفنانة نعيمة عاكف التي كانت ضمن الفرقة في البداية. وفي عام 1961 تمَّ ضم الفرقة إلى وزارة الثقافة، وقام على إدارتها محمود وعلي رضا، وشاركت في كثير من المهرجانات حول العالم. واستوحى محمود رضا رقصات واستعراضات الفرقة من فنون الريف والساحل والصعيد والفنون المصرية القديمة ليقدِّم مدرسةً خاصةً في الرقص الشعبي نالت شهرةً لافتةً في مصر والوطن العربي.

كما شاركت الفرقة في أكثر من عمل سينمائي بالتمثيل والرقصات والأغاني منذ الستينات وحتى نهاية السبعينات، من بينها أفلام «وا إسلاماه» و«المراهق الكبير» و«أجازة نص السنة» و«غرام في الكرنك» و«حرامي الورقة».

رقصة التنورة ضمن عروض فرقة رضا (وزارة الثقافة المصرية)

ويرى الناقد الفني المصري أحمد سعد الدين أن «اختيار فرقة رضا للفنون الشعبية لختام حفلات (هل هلالك) الرمضانية موفق للغاية، لما تتمتع به الفرقة من شهرة اكتسبتها أساساً من قربها من الناس ونقل الفنون الشعبية من الدلتا والصعيد وكل أنحاء مصر إلى خشبة المسرح».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «أوبريت (الأقصر بلدنا) واحد من أهم أعمال فرقة رضا على مدار 65 سنة، وهو أيقونة في كلماته وألحانه واستعراضاته، وحتى اليوم حين نرى هذا الاستعراض في التلفزيون ينتبه له الجميع، ودائماً يطلبه الجمهور من فرقة رضا، فهو عاشق لهذا الأوبريت تحديداً».

وشهد ختام برنامج «هل هلالك» حضوراً جماهيرياً حاشداً لأوبريت «الليلة الكبيرة» الذي عُرض يومياً على مدى أسبوعين، من أشعار صلاح جاهين وألحان سيد مكاوي، ويعدّ أيقونة لمسرح العرائس بالبيت الفني للمسرح.

وكانت احتفاليات رمضان ضمن برنامج «هل هلالك» استضافت كثيراً من الفرق الفنية ونجوم الطرب، مثل الفنانين ماهر محمود والدكتور أحمد الكحلاوي «مداح الرسول»، وفرقة «راحة الأرواح»، و«الفرقة القومية للفنون الشعبية»، وفرقة «أنغام الشباب»، كما تغنَّت شعبة الإنشاد الديني بالفرقة القومية للموسيقى الشعبية بأشهر الأغاني الدينية يوم الأربعاء11 مارس.

وشارك في الفعاليات أيضاً عدد من الفرق الفنية التي حقَّقت نجاحاً لافتاً فى الفترة الماضية، مثل فرقة «التنورة التراثية» وفرقة «طبلة الست» وفرقة «هنغني»، وفرقة «بورسعيد للفنون الشعبية».


مسلسلات رمضان... ملاذ اللبنانيين للهروب من كوابيس الحرب

تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
TT

مسلسلات رمضان... ملاذ اللبنانيين للهروب من كوابيس الحرب

تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)
تيم حسن يسرق انتباه المُشاهد في «مولانا» (إنستغرام)

في ظلّ حرب قاسية تلفّ لبنان، يبحث المرء عمّا يُنسيه شبحها الذي يلاحقه. فنشرات الأخبار من جهة، والتقارير الصحافية من جهة أخرى، تفرض متابعتها. وإذا ما حاول الإفلات من الشاشة الصغيرة، فإن الإشعارات القصيرة التي يتلقّاها عبر هاتفه تُعيده إلى الأمر الواقع.

فئة لا يُستهان بها من اللبنانيين تجد في الدراما الرمضانية ملاذها للهروب من تداعيات الحرب وأخبارها، فتلجأ إليها في لحظات التوتّر لتخفيف ضغط إنذارات القصف المُتتابعة.

يُحلّق المُتفرّج مع قصي خولي وكاريس بشار في مسلسل «بخمس أرواح» إلى عالم من الإثارة، وينتقل عبر «مولانا» إلى فضاء درامي مشوّق بقيادة المخرج سامر البرقاوي وبطولة تيم حسن. ومع مسلسلات مثل: «المحافظة 15»، و«بالحرام»، و«لوبي الغرام»، و«الست موناليزا»، و«على قد الحبّ» وغيرها، يجد المُشاهد برّ أمان ولو لساعات قليلة.

«المحافظة 15» من المسلسلات التي يتشوّق لبنانيون لمتابعتها (إنستغرام)

أحاديث اللبنانيين في زمن الحرب يطغى عليها الخوف والتحليلات السياسية. والجملة التي يردّدونها كثيراً، «شو بعرّفني؟»، تُشكّل بداية هذه الأحاديث ونهايتها؛ إذ لا يجدون بصيص أمل يتّكئون عليه لاستحضار طاقة رجاء، فلا حلول تلوح في الأفق.

من هنا، وجد المُتفرّج في الأعمال الرمضانية فسحة أمل. فهي، على عكس الحرب، تحمل نهايات واضحة. فالحلقات التي يتابعونها على مدى 30 يوماً تصل في النهاية إلى نقطة مُنتظرة. لذلك يشاهدونها صباحاً أو بعد الإفطار والسحور، آملين في لحظات راحة تبعد عنهم أجواء الحرب.

تقول لمياء، المقيمة في مدينة طرابلس، إنّ الأعمال الرمضانية أنقذتها من حالة اكتئاب حادّة كانت ستصيبها. وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «في بداية الحرب كنتُ أتابع الأخبار دقيقة بعد أخرى، ثم لاحظتُ أنّ حالتي النفسية تتدهور بسرعة. قرّرتُ النأي بنفسي والتحوّل إلى متابعة الدراما الرمضانية. معها أجد استراحة بين جولة قصف وأخرى. فإذا انتهيتُ من حلقة من (مولانا) وكانت وتيرة الحرب لا تزال مرتفعة، أبحثُ عن دقائق راحة أخرى مع (بخمس أرواح). وعندما يشتدّ الأمر ويصبح هدير الطيران الحربي مسموعاً أكثر، أشاهد مسلسلاً آخر، حتى لو لم أكن قد تابعته منذ البداية».

«بخمس أرواح» ومتعة متابعة الثنائي قصي خولي وكاريس بشار (إنستغرام)

وما تقوله السيدة الطرابلسية ينطبق أيضاً على نايلة التي تسكن في منطقة بصاليم. وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «لا أدري كيف كنتُ سأواجه هذه الأيام الثقيلة من دون مسلسلات. أجدها العلاج الوحيد للتوتّر والأرق اللذَين يصيبانني إثر قصف منطقة أو أخرى. أجلس في صالة الجلوس، أقرمش رقائق البطاطا وأتابع مسلسلاً». وتضيف: «أحياناً، عندما ننعم بساعات هدوء حذر، ألهي نفسي بأعمال المطبخ. لكن المسلسلات وحدها قادرة على أخذي في رحلة حالمة أنسى معها كلّ ما يحيط بي».

لغز اكتشاف ابنة «جود» في «بالحرام» يُحيّر متابعيه (إنستغرام)

ويلجأ بعض اللبنانيين إلى الزيارات القصيرة للجيران لتسجيل نزهة خاطفة خارج المنزل. وفي أحيان أخرى، يتجمّعون في غرف آمنة ليتسلّوا بورق اللعب. لكن منى معيقل، من منطقة الأشرفية، تقول لـ«الشرق الأوسط»: «الحرب تشلّ حركتي وتجعلني أتسمّر أمام الشاشة الصغيرة. هذه المرة، وبفضل الشهر الكريم، حظينا بنعمة الدراما الرمضانية. فهي تُسلّينا وتُنسينا أجواء الحرب، لا سيما أنّ غالبيتها تحمل موضوعات جميلة. وبصراحة لم أعد أهتمّ بموعد انتهاء هذه الحرب الشعواء ومَن سيربح أو يخسر فيها. أشغلُ نفسي بفكّ ألغاز تطرحها مسلسلات عدة، بينها اكتشاف من ستكون ابنة (جود) في مسلسل (بالحرام)».

وتختم: «أحياناً أتعمَّد تفويت بعض الحلقات لأجمعها معاً. وعندما أشاهد 3 حلقات أو أكثر دفعة واحدة، أشعر كأنني حجزت لنفسي موعداً طويلاً يبعدني عن أخبار الحرب لساعات. كأنني أتناول طبق حلوى يسيل له اللعاب كلّما فكّرت به».


سيباستيان براميشوبر: الرحلات الطويلة مع الغرباء ألهمتني فكرة «لندن»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
TT

سيباستيان براميشوبر: الرحلات الطويلة مع الغرباء ألهمتني فكرة «لندن»

عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)
عرض الفيلم للمرة الأولى في مهرجان برلين السينمائي (الشركة المنتجة)

قال المخرج النمساوي سيباستيان براميشوبر إن فكرة فيلمه «لندن» لم تبدأ من قصة تقليدية بقدر ما نشأت من ملاحظة بسيطة عاشها بنفسه خلال رحلات طويلة بالسيارة، موضحاً أن «السفر مع غرباء في مساحة ضيقة مثل السيارة يخلق نوعاً خاصاً من الحوار لا يحدث في أي مكان آخر، لأن الإنسان في هذه اللحظات يكون في حالة مغايرة، فهو في طريقه إلى مكان ما، لكنه في الوقت نفسه يعيش زمناً معلقاً يسمح للأفكار والذكريات بأن تتدفق بحرية».

وأضاف، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن هذه الحالة تحديداً هي ما جذبه إلى صناعة الفيلم، لأن الحوار داخل السيارة يختلف عن أي شكل آخر من أشكال اللقاءات الإنسانية. «فعادةً ما يجلس الشخصان إلى جوار بعضهما وهما ينظران إلى الطريق أمامهما بدلاً من نظر بعضهما إلى بعض، وهو ما يخلق نوعاً من الصراحة غير المتوقعة، وهذا الوضع يجعل الحديث يتحرك ببطء، يتخلله صمت أحياناً، ثم يعود ليتحول فجأة إلى اعترافات شخصية عميقة»، على حد تعبيره.

تدور أحداث فيلم «لندن» الذي عُرض للمرة الأولى عالمياً في النسخة الماضية من مهرجان «برلين السينمائي» حول رجل يُدعى «بوبي» يقضي معظم وقته خلف مقود سيارته، يقود ذهاباً وإياباً على الطريق السريع الذي يربط بين مدينتي فيينا وسالزبورغ، وخلال هذه الرحلات الطويلة يلتقط ركاباً غرباء يسافرون في الاتجاه نفسه لتقاسم تكاليف الوقود، لتتحول السيارة تدريجياً إلى مساحة صغيرة للقاءات إنسانية عابرة.

المخرج النمساوي استلهم فيلمه من رحلاته (الشركة المنتجة)

وبينما تتغير الوجوه والقصص في المقعد المجاور له، يبقى الطريق الثابت الوحيد في حياة «بوبي»، الذي يبدو وكأنه يبحث عن شيء ما يتجاوز مجرد الوصول إلى وجهة محددة، ومع كل راكب جديد، ينفتح الفيلم على حكاية مختلفة، فهناك الشاب الذي يطرح أسئلة أخلاقية حول الخدمة العسكرية، والموظف الصغير الذي يسافر لزيارة عائلته، والباحث الذي يهتم بتاريخ الطريق الذي يسلكونه، وامرأة تستعد لبداية مرحلة جديدة في حياتها.

هذه اللقاءات العابرة تتحول إلى سلسلة من الحوارات التي يتداخل فيها الحديث اليومي البسيط والاعترافات الشخصية العميقة، بحيث تكشف تدريجياً عن صورة متعددة الوجوه للحياة المعاصرة في أوروبا، لكن خلف هذه الرحلات المتكررة يكمن سبب شخصي يدفع «بوبي» إلى الاستمرار في القيادة.

وأشار براميشوبر إلى أن «بطل الفيلم ليس مجرد سائق ينقل ركاباً عابرين، بل شخصية تبحث عن شيء مفقود في حياتها، فهو يقود في الظاهر إلى المستشفى حيث يرقد صديق قديم في غيبوبة، لكن الرحلة في حقيقتها رحلة داخل الذاكرة، ومحاولة لفهم ما تبقى من العلاقات القديمة، وكل راكب يصعد إلى السيارة يفتح نافذة مختلفة على الحياة، وهذه اللقاءات المتفرقة تتحول تدريجياً إلى صورة أوسع عن الإنسان الأوروبي المعاصر».

ولفت إلى أن تنوع الركاب كان جزءاً أساسياً من فكرة الفيلم، فما يهمه في هذه الشخصيات ليس تفاصيل حياتهم فقط، بل الطريقة التي تتقاطع بها حكاياتهم مع حياة «بوبي»، بحيث يصبح كل لقاء بمثابة مرآة تعكس احتمالاً مختلفاً لحياة كان يمكن أن يعيشها.

وأضاف أن الطريق السريع الذي تدور عليه الأحداث لم يُختر بشكل عشوائي، موضحاً أن طريق «ويست أوتوبان» بين فيينا وسالزبورغ يحمل تاريخاً معقداً يمتد إلى عقود طويلة، ورغم كونه يبدو في الظاهر مجرد ممر للسيارات، فإنه في الحقيقة يحمل طبقات من التاريخ السياسي والاجتماعي، بعضها يعود إلى زمن الحرب العالمية الثانية، وكان هذا البعد التاريخي كان مهماً بالنسبة إليه، لأنه يربط بين حياة الأفراد اليومية وما يسميه «التاريخ الكبير» في الذاكرة الأوروبية الذي يترك أثره في تفاصيل الحياة العادية.

وتحدث براميشوبر عن اختياره للممثل بوبي سومر في الدور الرئيسي، مؤكداً أن العلاقة بينهما بدأت قبل سنوات طويلة عندما التقيا خلال عمل سابق، وشعر منذ البداية أن سومر يمتلك حضوراً إنسانياً خاصاً وقدرة على الإصغاء للآخرين، وهي صفات عدّها أساسية للشخصية.

ركز الفيلم على جوانب إنسانية بشكل كبير (الشركة المنتجة)

وأضاف أن الفيلم لم يكن مكتوباً على شكل حوار تقليدي، بل اعتمد إلى حد كبير على تفاعلات حقيقية بين بوبي والركاب، ما منح المشاهد إحساساً بالصدق والعفوية، لافتاً إلى أن عملية اختيار الركاب كانت دقيقة؛ إذ كان يبحث عن أشخاص قادرين على الحديث عن حياتهم بصدق، لكن مع احتفاظهم بشيء من الغموض.

وقال إن «الكاميرا لا تحب الأشخاص الذين يكشفون كل شيء بسهولة، بل أولئك الذين يتركون مساحة للتأويل، ومن ثم جاءت بعض الشخصيات في الفيلم مستوحاة من تجارب حقيقية مرتبطة بقضايا مثل الحرب والهجرة، لكن الفيلم يتناول هذه الموضوعات من زاوية شخصية وإنسانية أكثر من كونه طرحاً سياسياً مباشراً».

وأشار إلى أن الفيلم صُوِّر في استوديو رغم أن أحداثه تدور في سيارة تسير على الطريق، وهو قرار جاء لأسباب فنية. فقد تم أولاً تصوير الطريق والمناظر الطبيعية بكاميرات عدة، ثم عُرضت هذه اللقطات لاحقاً على شاشات حول السيارة في أثناء التصوير، مؤكداً أن هذه الطريقة سمحت بخلق بيئة هادئة تساعد الممثلين على التركيز في الحوار، لأن الضجيج الطبيعي للطريق كان سيجعل تسجيل الصوت وإدارة الحوار أمراً أكثر صعوبة.

وأضاف أن «هذه البيئة المغلقة ساعدت أيضاً على منح الفيلم طابعاً يشبه المسرح الحميمي، حيث تتركز الكاميرا على الوجوه والتفاصيل الصغيرة في الحديث»؛ لأن ما يهمه في هذه اللحظات ليس الحدث الكبير، بل تلك الفجوات الصامتة بين الجمل، لكون الصمت أحياناً يكشف عن مشاعر أعمق من الكلمات.

وأشار إلى أن عنوان الفيلم «لندن» قد يبدو غريباً لأن الأحداث لا تدور هناك، لكنه يحمل معنى رمزياً مرتبطاً بماضي الشخصية الرئيسية، فلندن تمثل بالنسبة إلى «بوبي» مرحلة من حياته كان يشعر فيها بالحرية والانفتاح، ولذلك تتحول في الفيلم إلى رمز لمكان ذهني أكثر منها مدينة حقيقية.

وأضاف أن العنوان يفتح فضاءً أوسع خارج السيارة، وكأن الرحلة القصيرة على الطريق تتصل بخرائط أبعد من الجغرافيا المباشرة، مؤكداً أنه أراد من خلال الفيلم تقديم لحظة إنسانية بسيطة لأشخاص لا يعرفون بعضهم بعضاً يجلسون معاً لبعض الوقت، يتبادلون القصص ثم يفترقون، لكن أثر هذا اللقاء يبقى معهم لفترة أطول مما يتوقعون.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended