وزير الخارجية المصري: واشنطن تدرك أن القاهرة لم تعد تقبل بأي إملاءات

شكري تحدث لـ {الشرق الأوسط} عن ملفات سوريا وليبيا والعراق.. وثمن مواقف السعودية والإمارات والكويت والبحرين وحذر من المساس بأمن الخليج

وزير الخارجية المصري، سامح شكري
وزير الخارجية المصري، سامح شكري
TT

وزير الخارجية المصري: واشنطن تدرك أن القاهرة لم تعد تقبل بأي إملاءات

وزير الخارجية المصري، سامح شكري
وزير الخارجية المصري، سامح شكري

أكد وزير الخارجية المصري، سامح شكري، أن بلاده تعمل جاهدة على وقف الاعتداءات على غزة، وقال إن مصر تتحمل «المسؤولية التاريخية» تجاه الشعب الفلسطيني. وتحدث في حوار مع «الشرق الأوسط» عن ملفات سوريا وليبيا والعراق.. وثمن مواقف السعودية والإمارات والكويت والبحرين، وحذر من المساس بأمن الخليج.
وشدد على أن المبادرة التي تقدمت بها بلاده في الاجتماع الوزاري العربي يوم 14 الشهر الحالي، تعبير عن الشعور المصري بحتمية العمل على وقف ما يتعرض له أبناء الشعب الفلسطيني من اعتداءات أسفرت عن وقوع ضحايا وجرحى تتزايد أعدادهم على مدار الساعة، موضحا فيما يتعلق بمدى فرص نجاح المبادرة أن هذا مرهون بمدى القدرة على تنفيذها على أرض الواقع، خاصة ما يتعلق بالوقف الفوري لإطلاق النار.
وقال إن الدول العربية الشقيقة لم تكتف بدعمها المبادرة، «بل عملت على مناقشة الإجراءات الأخرى التي يمكن القيام بها لدعم الشعب الفلسطيني وقيادته للدفاع عن مصالحه على مختلف المستويات». وأكد أن نظيره الأميركي، جون كيري، لم يلغ زيارته للقاهرة للتشاور بشأن المبادرة المصرية، ولكنه أجلها نتيجة لارتباطات تخص جدول أعماله. وأوضح الوزير المصري بشأن تطورات العلاقات مع الولايات المتحدة، بقوله: «لا شك في أن الإدارة الأميركية تدرك أن مصر لم تعد تسمح بأن يجري التدخل في شؤونها أو القبول بأي إملاءات أو شروط».
وفيما يتعلق بالاتصالات المصرية بشأن الأزمة العراقية، قال شكري إن الوضع في العراق «شديد التعقيد»، مشيرا إلى أنه أكد خلال لقاءاته المختلفة في العراق على أن مصر تعي تماما أن هناك من يسعى إلى تأجيج الخلافات في هذا البلد الشقيق وإبعاده عن أي فرصة لتحقيق التوافق الوطني المنشود، معربا عن استعداد مصر الكامل لتقديم العون والدعم اللازمين لمساعدة العراق حكومة وشعبا للخروج من المأزق الراهن.
كما تطرق إلى تطورات الملف السوري، معربا عن اعتقاده وجود توافق عام على أنه «لا يوجد حل عسكري للأزمة».. بينما وصف الوضع المتدهور في ليبيا بأنه «ليس أفضل حالا» من ملفات أخرى، قائلا إن مصر تولي الشأن الليبي اهتماما خاصا، ويوجد حرص على العمل على تمكينها من الخروج من هذه الأزمة. وإلى أهم ما جاء في الحوار..

* جاءت المبادرة المصرية الخاصة بوقف إطلاق النار في غزة في مرحلة بالغة الأهمية، فهل جاءت وليدة اللحظة أم سبقتها اتصالات مع الأطراف المعنية، وتحديدا إسرائيل والفصائل الفلسطينية، وما أبرز عناصر هذه المبادرة؟
- يهمني أن أوضح بداية أن هناك مسؤولية تاريخية تتحملها مصر تجاه الشعب الفلسطيني. وكما تعلمون، فإن مصر قدمت - ولا تزال تقدم - الكثير للقضية الفلسطينية، إيمانا منها بأن للشعب الفلسطيني الحق في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. المبادرة المصرية إذن هي تعبير عن شعورنا بحتمية العمل على وقف ما يتعرض له أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة من اعتداءات أسفرت عن وقوع ضحايا وجرحى تتزايد أعدادهم على مدار الساعة، إذ لا يمكن لمصر أن تقف مكتوفة الأيدي أو أن تدخر جهدا كي لا تنزف قطرة دم واحدة، كان بالإمكان الحيلولة دون إسالتها. والتحرك الذي قمنا به إنما يهدف إلى تدارك هذا الموقف الخطير، بناء على دراسة شاملة للبدائل المتاحة وبعد الإنصات إلى المواقف المختلفة وأخذها في الاعتبار، وإنما أيضا بدافع اتخاذ إجراءات سريعة لوقف الاعتداءات حفاظا على سلامة الشعب الفلسطيني في المقام الأول ولتخفيف المعاناة عن كاهله وتضميد جراحه والحفاظ على كرامته وحقه في العيش الآمن. أما عن مضمون المبادرة المصرية، فأود تأكيد أنها مبادرة متكاملة لا تقتصر على المطالبة بالوقف الفوري لإطلاق النار، رغم أهميته البالغة، بل تتضمن عناصر أخرى لا سيما الجدول الزمني وأسلوب التنفيذ، حيث تطالب بوقف جميع الأعمال العدائية، بما في ذلك تأكيد عدم تنفيذ أي عمليات اجتياح بري لقطاع غزة أو استهداف المدنيين، وتتناول موضوع فتح المعابر وتسهيل حركة عبور الأشخاص والبضائع عبر المعابر الحدودية وتطرح كيفية معالجة باقي القضايا، بما فيها الموضوعات المتعلقة بالأمن بجانب آليات مناقشة هذه القضايا.
* ما مدى فرص نجاح المبادرة؟
- لا شك في أن فرص نجاح المبادرة المصرية مرهونة بمدى القدرة على تنفيذها على أرض الواقع، خاصة ما يتعلق بالوقف الفوري لإطلاق النار، وهو أمر يتوقف في المقام الأول على قبول وتعاون الأطراف المعنية ومدى تقديرها المسؤولية التي تتحملها كلما استمرت العمليات العسكرية التي تحصد المزيد من الضحايا الأبرياء بين أهلنا في فلسطين. ورغم أن الموقف الحالي ينطوي على الكثير من الصعوبات بالغة التعقيد، فإن مصر اختارت المضي قدما بإطلاق مبادرتها دون الالتفات إلى احتمالات عدم نجاح الجهود التي تبذلها، إذ لا نملك إزاء الموقف الراهن ترف الصمت أو الانتظار، لأننا نعي تماما مدى خطورة الوضع وحجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا للحد من وقوع المزيد من الضحايا الأبرياء، خاصة في هذا الشهر الفضيل. ويهمني هنا تأكيد أن المبادرة المصرية ليست وليدة الموقف كما قد يتصور البعض أو مجرد رد فعل لا يأخذ في الاعتبار أبعاد الأزمة والظروف المحيطة، وإنما تأتي المبادرة نتاجا طبيعيا لجهد مصري متكامل يستند إلى إدراك عميق لتطورات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي كافة. وليس من قبيل المبالغة القول إننا كنا نتوقع حدوث مثل هذا التصعيد في ظل حالة التوتر التي كانت سائدة خلال الفترة السابقة على تفاقم الاعتداءات الإسرائيلية، وهو الأمر الذي دفع مصر منذ فترة إلى تحذير الأطراف كلها أكثر من مرة من مغبة حالة الجمود التي أصابت جهود تحقيق السلام، ومن التزايد الملحوظ لحدة التوتر بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي في الفترة الأخيرة، وهي الأمور التي قادت الطرفين في النهاية إلى الانزلاق نحو مواجهة جديدة كانت - وما زالت لها تداعيات سلبية شديدة الخطورة، وهو ما يتطلب منا تكثيف الجهود الإقليمية والدولية وتسريع وتيرتها لتدارك هذا الموقف والعمل على احتوائه. وأريد أن أؤكد في هذا السياق، أن المبادرة المصرية للتوصل إلى تهدئة لا تمثل بأي حال نهاية المطاف بالنسبة للجهود المصرية، إذ لا يمكن أن يكون هدفنا هو التوصل إلى تهدئة تمتد لبضعة أشهر أو أكثر انتظارا لتجدد التوتر ثم العنف من جديد، بل إن غاية جهودنا تتمثل في ضرورة معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة الراهنة والتوصل إلى حل شامل وعادل ينهي الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني من خلال مفاوضات جادة تجرى وفق إطار زمني محدد وعلى أساس المرجعيات والمبادئ الدولية المتفق عليها، وبما يقود إلى تحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وتوفير مقومات الحياة الكريمة للشعب الفلسطيني وتحقيق تطلعاته في الحرية والاستقلال. ولا شك في أن التقدم الحقيقي الملموس نحو تحقيق تسوية عادلة وشاملة ودائمة يمثل في حد ذاته خطوة نحو تغيير الواقع الراهن، الذي لم يعد مقبولا أن يستمر على هذا النحو.
* ما تقييمكم لردود فعل الأطراف العربية والدولية على هذه المبادرة، وماذا دار في كواليس الاجتماع الطارئ لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية يوم 14 يوليو (تموز)؟
- اتسمت مجمل ردود الفعل الدولية والعربية بالترحيب بالمبادرة المصرية، وأبدت الدول العربية تقديرها لهذه المبادرة وحرصها على دعمها، وهو ما ظهر بالفعل من خلال القرار الصادر عن الاجتماع الطارئ لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري من تأكيد الدعم الكامل للمبادرة المصرية لوقف إطلاق النار ومطالبة الأطراف المعنية كافة بإعلان قبولها والتزامها بما نصت عليه، فضلا عن دعوة الأطراف الإقليمية والدولية لقبول المبادرة والعمل على تهيئة المناخ اللازم لضمان التهدئة. كما أود الإشارة إلى أن المجلس قدم أيضا الشكر لمصر على جهودها لوقف العدوان الإسرائيلي وتحركها لمواجهة تداعيات الاعتداءات على غزة، كما أثنى الوزراء على قرار مصر بفتح معبر رفح لاستقبال الجرحى. ولم يقتصر الجهد المصري على مجرد طرح المبادرة فحسب، فقد حرصت قبل الاجتماع على تنسيق المواقف مع عدد من وزراء الخارجية العرب وفي مقدمتهم وزير الخارجية الفلسطيني، سعيا لوقف العمليات الإسرائيلية من خلال شرح وتقديم المبادرة المصرية لتعبئة موقف عربي داعم لها، وكانت هناك قبل الاجتماع مباشرة مشاورات مكثفة مع الأمين العام للجامعة العربية ونائب رئيس الوزراء ووزير خارجية الكويت (الرئيس الحالي للقمة العربية) والوزيرة المنتدبة لدى وزير الشؤون الخارجية للمغرب، التي تتولي بلادها رئاسة الاجتماع الوزاري، وقد هدفت هذه المشاورات إلى تحقيق الهدف ذاته. ولا يفوتني هنا أن أنوه إلى أن ما لمسته من دعم عربي صريح للمبادرة المصرية إنما هو إحدى صور التضامن العربي، الذي يثبت بما لا يدع مجالا للشك قدرة الدول العربية على الدفاع عن قضيتهم الأولى – القضية الفلسطينية – وحرصهم على الحفاظ على حياة ومقومات الشعب الفلسطيني ومحاولة تأمين مستقبل أفضل لأبنائه وبناته، كما أشير هنا إلى أن الدول العربية الشقيقة لم تكتف بدعمها المبادرة المصرية، بل عملت على مناقشة الإجراءات الأخرى التي يمكن القيام بها لدعم الشعب الفلسطيني وقيادته للدفاع عن مصالحه على مختلف المستويات. أما على المستوى الدولي، فقد تلقيت اتصالات هاتفية من وزراء خارجية عدد من الدول لدعم الجهود المصرية، ومن بينهم وزير الخارجية الأميركي، ووزراء خارجية فرنسا وألمانيا واليونان وكندا وأستراليا، بالإضافة إلى زيارتي توني بلير ممثل الرباعية الدولية إلى مصر، فضلا عن البيانات والتصريحات الإيجابية الصادرة عن الكثير من دول العالم.
* إذا انتقلنا إلى ملف إقليمي آخر لا يقل خطورة عن الوضع في غزة وهو الوضع في العراق، تجري مصر اتصالات مكثفة منذ بداية الأزمة العراقية الأخيرة، وقمتم بزيارة أخيرا إلى بغداد، فما نتائج هذه الزيارة، وكيف ترون مستقبل الأوضاع في العراق؟
- الوضع في العراق الشقيق شديد التعقيد، ومصر معنية بأمن واستقرار العراق الذي هو جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي العربي، وفي هذا الإطار جاءت زيارتي إلى هذا البلد العزيز بتكليف من السيد الرئيس كتعبير عملي عن حرص مصر على العلاقات التاريخية بين البلدين وعلى صيانة الأمن العربي. وقد تواصلت خلال الزيارة مع كبار المسؤولين العراقيين وعلى رأسهم السيد نوري المالكي رئيس الوزراء ووزير الخارجية المكلف، وكذا مع وزير الخارجية السابق هوشيار زيباري ومع رئيس البرلمان السابق، وقد حرصت خلال لقاءاتي المختلفة على تأكيد أن مصر تعي تماما أن هناك من يسعى إلى تأجيج الخلافات في العراق وإبعاده عن أي فرصة لتحقيق التوافق الوطني المنشود، وأن التحدي الحقيقي يكمن في أن تنجح القوى الوطنية في التوافق على مشروع وطني يجمع كل أطياف الأشقاء بالعراق، وأن هذا من شأنه تمكين العراق من التصدي بكل حزم للمخططات الهدامة، ومواجهة التطرف والإرهاب، ووأد المحاولات الرامية لتأجيج حالة الانقسام السائدة على الساحة العراقية. كما أكدت خلال اللقاءات كافة التي أجريتها استعداد مصر الكامل لتقديم العون والدعم اللازمين لمساعدة العراق، حكومة وشعبا، للخروج من المأزق الراهن، وأننا نقف بكل قوة مع سيادة العراق ووحدة أراضيه، وأنه إذا كانت هناك أخطاء قد وقعت في إدارة الشأن العراقي على مدى السنوات العشر الماضية، وهي أخطاء ربما ساهمت دون شك فيما وصل العراق إليه اليوم من وضع يهدد بتفكك إحدى أهم الدول العربية، إلا أن ذلك لا يعني أن يترك العراق وحده يواجه مشاكله دون دعم قوي من مصر والدول العربية، وأنه قد آن الأوان أن تسعى القوى الوطنية لتشكيل حكومة وحدة عراقية تجمع أطياف المجتمع بأسره وتكون مقبولة لدى جميع القوى السياسية بحيث يشعر المواطن العراقي بأنه ممثل تمثيلا حقيقيا في هذه الحكومة. وفي هذا الصدد، أود الإشارة إلى أن مصر تتطلع إلى أن ينجح البرلمان العراقي بأسرع ما يمكن في اختيار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء من خلال التوافق الذي يسمح للمؤسسات الدستورية باستكمال دورها في إعادة بناء العراق كدولة مدنية حديثة قادرة على لعب الدور المهم المنوط به على الساحة الإقليمية والدولية. كما أود أن أشير في هذا الصدد إلى زيارتي إلى كل من الأردن والكويت قبل توجهي إلى العراق، التي أكدت وجود توافق عربي حول عدم كفاية الحل الأمني في مواجهة الإرهاب والتطرف في ضوء تضامن عدد من قوى المجتمع العراقي مع الحراك الحاصل ضد الحكومة، وأنه من المهم أن تطرح حلول سياسية تسمح بإعادة اللُحمة بين مختلف مكونات الشعب العراقي، لكي يتسنى توحيد الجهود في مواجهة التطرف وتقوية مفهوم الدولة في العراق على أساس المشاركة ومراعاة مصالح الجميع. وهناك نية لمزيد من التحركات المصرية على صعيد الملف العراقي بغية بلورة موقف عربي واضح حول كيفية حماية الأمن الإقليمي من التطورات في العراق وكيفية حماية العراق نفسه من الصراع المذهبي الذي يهدد تماسكه كدولة ذات سيادة ويهدد أمن منطقة المشرق العربي، وهو أمر خطير يستوجب تضافر القوى العربية في مواجهته.
* وهل أطلقتم مبادرة لدعوة القوى العراقية لعقد اجتماع لتوحيد صفوفها، وما مدى صحة ما تردد حول إبرام صفقات ثنائية للتعاون الاقتصادي والتجاري والنفطي بين البلدين خلال الزيارة؟
- أود توضيح عدم صحة ما تردد إعلاميا فيما يتعلق بطرح مبادرة لعقد القوى العراقية اجتماعا لتوحيد صفوفها أو أن الزيارة استهدفت إبرام صفقات ثنائية للتعاون الاقتصادي والتجاري والنفطي بين مصر والعراق. الجانب العراقي أبدى بالفعل رغبته في تفعيل العلاقات الثنائية مع مصر في مختلف المجالات، إلا أنني أكدت بوضوح في لقاءاتي كافة مع المسؤولين العراقيين على أن موضوع تفعيل العلاقات الثنائية مرجأ حاليا، وأن الأولوية الآن هي لدعم العراق حتى يمكن أن يتغلب على مشاكله الداخلية.
* وماذا عن مستقبل العلاقات مع دول الخليج؟
- علاقة مصر بدول الخليج العربي وثيقة وتاريخية، تزداد قوتها على مدار السنين. مصر تهتم بأمن الخليج وسلامة دوله ولا تسمح بأي حال من الأحوال بالمساس به لأنه جزء من أمننا القومي في مصر. وعلاقات مصر بدول الخليج تمتد إلى مجالات سياسية واقتصادية وتجارية وثقافية وغيرها من المجالات التي تشهد باستمرار تطورا ملموسا وقدرا عاليا من التنسيق المشترك بما يحقق أمن واستقرار المنطقة، خاصة في هذا التوقيت بالغ الدقة الذي تمر به منطقة الشرق الأوسط والتحديات التي تواجه المنطقة العربية بشكل خاص. ولست بحاجة إلى أن أؤكد من جديد تقدير مصر لوقوف دول السعودية والإمارات والكويت والبحرين معها على نحو يجسد بحق روح التضامن العربي الذي ندعو إليه ويستلهم نماذجه البارزة في تاريخ الأمة العربية.
* وماذا عن تطورات الملف السوري؟
- أتصور أن هناك توافقا عاما على أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة في سوريا، وأن الحل السياسي هو السبيل الوحيد الذي سيعود إليه الجميع في نهاية المطاف، ورغم ذلك، فالحلول السياسية التي طرحت من قبل لم تنجح، بما في ذلك عملية جنيف، الأمر الذي أدى إلى استمرار الصراع العسكري على الأرض، حيث يأمل كل طرف مسلح أن يحسم الأمر لصالحه عسكريا وهو أمر نراه مستبعدا. هناك بعض من قوى المعارضة المعتدلة التي لديها الاستعداد للتوصل إلى حل سياسي إذا كان هذا الحل سيعني الانتقال نحو مرحلة جديدة من حكم سوريا تحقق تطلعات السوريين نحو دولة ديمقراطية لا تحكمها الطائفية ولا التطرف، وهو طرح تدعمه مصر وسنعمل على الدفع به. وقد تواصلنا مع قوى معارضة كثيرة للتقريب بين رؤاها والعمل على توحيد مواقفها، وسوف نستمر في التواصل مع «الائتلاف الوطني» الذي نرحب به في مصر وباتخاذه القاهرة مقرا له، كما أننا نتواصل مع أطراف معارضة أخرى للدفع بالحل السلمي بالتنسيق مع الدول العربية والقوى الإقليمية وقوى المجتمع الدولي المؤثرة، وعلى رأسها روسيا والولايات المتحدة.
* يزداد الوضع في ليبيا تدهورا خلال الأيام الأخيرة، وشاركت مصر في اجتماع دول الجوار الليبي في تونس أخيرا، فكيف ترون مستقبل الأوضاع في ليبيا؟
- الوضع في ليبيا للأسف ليس أفضل حالا، فالصراع المسلح الذي تشهده ليبيا حاليا ينم عن ضيق أبناء الشعب الليبي من الأسلوب الذي حكمت به البلاد على مدى السنوات الثلاث الماضية، والذي جنحت فيه بعض القوى إلى الضغط على مؤسسات الدولة الليبية بوسائل وأساليب مختلفة للتأثير في قراراتها وسياساتها على نحو دفع الشعب الليبي لرفض هذه المؤسسات وأدائها في دولة تملك إمكانات هائلة، يفترض أن يستفيد منها شعبها ويحقق التنمية والرخاء بدلا من أن يغرق في صراعات قد تهدد وحدة الأراضي الليبية. ومصر تولي الشأن الليبي اهتماما خاصا، ليس باعتبارها دولة جوار فحسب، وإنما لخصوصية العلاقة مع شعب ليبيا الشقيق، ومن ثم هناك حرص من جانبنا على متابعة الشأن الليبي بدقة وعلى العمل على تمكين ليبيا من الخروج من هذه الأزمة، وفي سبيل ذلك تقوم مصر بجهود مضنية لحث التيارات كافة في ليبيا على التفاهم عبر الحوار فيما بينها حول كيفية العودة إلى المسار السياسي وإلى استكمال عملية بناء المؤسسات، وما من شك أن إجراء الانتخابات البرلمانية في 25 يونيو (حزيران) الماضي كان خطوة مهمة على الطريق الصحيح، ونأمل أن تسفر عن تشكيل حكومة ليبية يمكن للدول الداعمة لليبيا التعامل معها. وقد حرصت مصر منذ البداية على تأكيد أهمية قيام دول الجوار الجغرافي لليبيا على تناول الوضع السياسي والأمني هناك باعتبار أنها الأقرب جغرافيا لليبيا والأكثر تضررا من الأوضاع بها في ضوء الحدود المشتركة التي تجمع بينها وبين ليبيا وما تتضمنه من مخاطر تهدد الأمن القومي لهذه الدول. وفي هذا السياق، شجعت مصر تأسيس آلية عقد اجتماعات وزارية لدول الجوار الجغرافي، حيث جرى بالفعل عقد ثلاثة اجتماعات في الجزائر ومالابو (عاصمة غينيا الاستوائية). كما شاركت مصر أخيرا في الاجتماع الرابع لدول جوار ليبيا الذي عقد في تونس لطرح الحلول على الجانب الليبي، وقد اتفق المشاركون على آليات تسمح بالتنسيق مع المسؤولين الليبيين وبتقديم الدعم والمساعدة لمؤسسات الدولة الليبية وتمكينها من ممارسة دورها في أعقاب تشكيل الحكومة وفقا لنتائج الانتخابات التي تعكس الإرادة الشعبية لليبيين. وقد أكدت مصر خلال الاجتماع استمرار دعمها الآلية الجديدة لدول الجوار من أجل التعامل مع التحديات التي تواجه مستقبل ليبيا وأمن دول المنطقة. وقد تقرر أن تستضيف مصر الدورة التالية لاجتماع وزراء خارجية دول الجوار في النصف الأول من أغسطس (آب) المقبل، كما اتفق خلال الاجتماع على رئاسة مصر لجنة العمل السياسي المنبثقة عن آلية دول الجوار للتحرك بشكل عملي في الملف الليبي. كما نستعد لاستضافة مؤتمر أمن الحدود الليبية لدعم أجهزة الأمن الليبية، ومساعدتها في ضبط الحدود.
* ماذا عن قضية سد النهضة، ما التقدم الذي جرى تحقيقه على صعيد هذا الملف؟
- نلمس في الآونة الأخيرة تطورا في هذا الملف نتيجة جهود مكثفة بذلتها الدبلوماسية المصرية، نتج عنها تغير مواقف الكثير من الأطراف المعنية ومؤسسات التمويل الدولية بملف سد النهضة، وذلك بعد تفهمهم مشروعية الشواغل المصرية، فضلا عن التغير الذي طرأ على مواقف بعض دول حوض النيل لمراعاة خصوصية الوضع المصري بالنسبة لنهر النيل، كونها دولة صحراوية ذات كثافة سكانية ضخمة وليس لها أي مصدر آخر للمياه، ولقد جاء التطور الأبرز في الآونة الأخيرة من خلال اللقاء الذي عقد بين السيد رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء الإثيوبي في مالابو والذي أبرز وجود رغبة جادة لدى الطرفين في تعزيز وتطوير العلاقات الثنائية، والتزاما إثيوبيا واضحا بعدم الإضرار بمصالح مصر المائية. وقد جاء البيان المشترك الصادر عن هذا اللقاء ليعبر بوضوح عن كل تلك المعاني، وليدشن مرحلة جديدة تتطلع فيها قيادتا الدولتين إلى نسق من التعاون والتفاهم المشترك من خلال تأكيد الالتزام بمبادئ التعاون والاحترام المتبادل وحسن الجوار واحترام القانون الدولي وتحقيق المكاسب المشتركة والاتفاق على البدء الفوري بالإعداد لانعقاد اللجنة الثنائية المشتركة خلال ثلاثة أشهر، وتأكيد محورية نهر النيل بصفته موردا أساسيا لحياة الشعب المصري ووجوده، وكذلك إدراكهما احتياجات الشعب الإثيوبي التنموية، فضلا عن تأكيد احترام مبادئ الحوار والتعاون كأساس لتحقيق المكاسب المشتركة وتجنب إضرار بعضهما ببعض، كما أعلنت إثيوبيا أخيرا ترحيبها بالحوار الثلاثي بمشاركة السودان للتوصل إلى اتفاق بشأن مشروع سد النهضة. كما أود أن أشير إلى اللقاء المهم الذي عقده السيد رئيس الجمهورية مع رئيس جمهورية تنزانيا الاتحادية، والذي تطرق إلى المقترحات التنزانية المطروحة لإعادة تنشيط الحوار بين دول حوض النيل لإيجاد أرضية مشتركة تسمح بتجاوز النقاط الخلافية في الاتفاقية الإطارية غير المكتملة لمبادرة حوض النيل، وهو جهد محل تقدير من جانب مصر وقيد الدراسة حاليا. وفي النهاية، أود تأكيد أن قضية الأمن المائي تقع على عاتق أجهزة الدولة المختلفة وليس وزارة الخارجية فقط، باعتبار أنها قضية أمن لا تهاون في التعامل معها.
* هل لك أن تطلعنا على تطورات العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية؟
- بشكل عام، العلاقة بين مصر والولايات المتحدة علاقة استراتيجية ذات تاريخ ممتد، يسعى الطرفان من خلالها إلى تحقيق مصالحهما المشتركة، وهناك تفاهم بين الطرفين على أهمية هذه العلاقة، رغم وجود اختلافات في الرؤى حول عدد من القضايا. ولا شك في أن الإدارة الأميركية تدرك أن مصر لم تعد تسمح بأن يجري التدخل في شؤونها أو القبول بأي إملاءات أو شروط في إطار هذه العلاقة، التي يجب أن تظل قائمة على مبادئ الندية في التعامل وحماية المصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والاحترام المتبادل.
* يتردد أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري ألغى زيارته التي كانت مقررة إلى القاهرة لمناقشة تطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، فما مدى صحة هذه المعلومات؟
- هذه المعلومات غير دقيقة على الإطلاق، فالوزير كيري قرر تأجيل الزيارة نتيجة لارتباطات تخص جدول أعماله، بل على العكس فقد كان كيري حريصا على الحضور إلى القاهرة للتشاور بشأن المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار، وذلك في ضوء تقدير الولايات المتحدة لأهمية المبادرة، إلا أن الزيارة تأجلت كما أوضحت لارتباطات تخص الوزير الأميركي، لكنه حرص من جهة أخرى على الإعراب عن دعم الإدارة الأميركية المبادرة المصرية لاحتواء الموقف المتدهور في غزة، وذلك خلال الاتصالات المتتالية التي تلقيتها منه والتي جرت بيننا على مدى الأيام الماضية، والتي تأتي في إطار التشاور المستمر سواء فيما يتعلق بتطورات الموقف في غزة أو القضايا الأخرى في المنطقة.



قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
TT

قوات حفظ السلام المصرية في الصومال... مشاركة مرتقبة تواجه تحديات

لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)
لقطة من مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري الأربعاء بشأن القوات المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال (صفحته على فيسبوك)

دخلت قوات حفظ السلام المصرية، المنتظر أن تشارك في الصومال مرحلة جديدة، بعد اصطفاف عسكري حضره الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود بالقاهرة.

تلك القوات التي أكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أنها أمام مشاركة «مرتقبة» في الصومال، تواجه تحديات عديدة منها، وبحسب خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، رد فعل «حركة الشباب» المتشددة، وإثيوبيا التي وجهت اعتراضات علنية لهذا الوجود المصري على خلفية خلافات البلدين.

وأفاد الجيش المصري، في بيان نقلته «وكالة أنباء الشرق الأوسط» الرسمية، الأربعاء، بأن «رئيس الصومال شهد اصطفاف القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم وحدة الصومال وأمنه وسلامة أراضيه، وذلك في إطار الدور المصري الريادي الداعم للجهود الدولية في حفظ السلام، وتعزيز ركائز الأمن والاستقرار بالقارة الأفريقية».

ووفق البيان، «أتمت القوات المشاركة أعلى درجات الجاهزية من خلال مستوى تدريبي احترافي يُمكّن من تنفيذ المهام الموكلة إليها بكفاءة واقتدار تحت مختلف الظروف».

وكان الرئيس المصري قد قال في مؤتمر صحافي، الأحد، بالقاهرة مع نظيره الصومالي: «تناولت محادثاتنا مشاركة مصر المرتقبة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم والاستقرار في الصومال، حيث أكدتُ أن مصر ماضية في استكمال نشر قواتها ضمن البعثة، في إطار التزامها تجاه القارة الأفريقية، وفي ظل حرصها على تحقيق الأمن والاستقرار في كافة ربوع الصومال».

الخبير العسكري والاستراتيجي والمستشار بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية، اللواء عادل العمدة، قال إن مشاركة مصر المرتقبة تأتي بطلب من الصومال وموافقة الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، لافتاً إلى أن «الاصطفاف» يعني عسكرياً قرب المغادرة، وأن القوات جاهزة لإتمام المهمة المكلفة بها.

القوات المصرية المشاركة في بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ووفقاً للخبير في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، تشير المعطيات المتداولة منذ فترة إلى أن مشاركة القوات المصرية ضمن بعثة حفظ السلام المرتقبة في الصومال «لم تكن فكرة طارئة، بل خياراً مطروحاً بجدية ظل مرهوناً بالحصول على الضوء الأخضر من قيادتي البلدين في القاهرة ومقديشو»، متوقعاً انتشارها قريباً.

ويأتي هذا الاصطفاف بعد نحو شهرين من إعلان إسرائيل في 26 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، الاعتراف بإقليم أرض الصومال «دولة مستقلة ذات سيادة»، وحدوث مواجهات بالصومال، وهجمات من جانب «حركة الشباب».

وكان وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي قد أعلن في ديسمبر 2024 أن بلاده ستشارك في قوة حفظ السلام الجديدة التابعة للاتحاد الأفريقي في الصومال، المعروفة باسم «أوصوم»، التي حلت محل مهمة لمكافحة الإرهاب انتهت أواخر 2024.

وواجهت بعثة مصر منذ إعلان المشاركة تحديات. وفي يوليو (تموز) 2025، دعت الرئاسة المصرية المجتمع الدولي إلى توفير «تمويل كافٍ» لبعثة السلام في الصومال، بما يضمن استدامتها، ويساعدها على تنفيذ ولايتها بفاعلية.

وجاء نداء الرئاسة المصرية بعد دعوة رئيس مفوضية الاتحاد الأفريقي، محمود علي يوسف، في اجتماع للبعثة في أوغندا خلال أبريل (نيسان) 2025، إلى ضرورة «توفير التمويل اللازم لبعثة الاتحاد الأفريقي في الصومال بما يصل إلى 190 مليون دولار».

جانب من القوات المصرية المشاركة ضمن بعثة الاتحاد الأفريقي لدعم الأمن بالصومال الأربعاء (مقطع فيديو للمتحدث العسكري المصري)

ويرى العمدة أن أبرز التحديات تكمن في المهمة الموكلة إليها، وهي مكافحة الإرهاب والعناصر الخارجية على القانون، وتحديداً «حركة الشباب»، مستبعداً أن تكون هناك تحديات من الجانب الإثيوبي تجاه قوات مصر، «خاصة أن مصر دولة قوية وملتزمة بالإجراءات والمهام»، على حد قوله.

ويعتقد كلني أن احتمال وصول القوات المصرية لا يُنظر إليه بمعزل عن التوازنات الإقليمية الدقيقة؛ إذ يُرجَّح أن يثير قلق بعض دول الجوار، وفي مقدمتها إثيوبيا، في ظل استمرار ملفات خلافية عالقة بين القاهرة وأديس أبابا، وعلى رأسها أزمة سدّ النهضة.

ويضيف أن هذا التطور «يتقاطع مع شبكة من الترتيبات الأمنية والعلاقات المتشابكة التي تربط مصر بكلٍّ من إريتريا والسودان والصومال، فضلاً عن شبهات تتعلق بأدوار إسرائيلية غير مباشرة يُعتقد أن لإثيوبيا اطلاعاً عليها، وربما إسهاماً في تسهيل بعض مساراتها».

وعلى الرغم من وضوح دلالات هذا الحراك العسكري والسياسي، فإن تقدير حجم تأثير وصول القوات المصرية إلى الصومال لا يزال سابقاً لأوانه، وفق كلني الذي قال إن ردود فعل بعض دول القرن الأفريقي تبقى مفتوحة على احتمالات متعددة، لا سيما في ظل مخاوف معلنة من تنامي قدرات الجيش الصومالي تدريباً وتسليحاً.


«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

TT

«اتفاق غزة»: مقترح أميركي بشأن نزع تدريجي لسلاح «حماس» ينتظر ضمانات

طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير حاملاً وعاء ماء بعد أن ملأه من خزان مياه متنقل في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

يقترب ملف نزع سلاح حركة «حماس» من تطور جديد يمكن أن يساعد في فك أكثر ملفات اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة تعقيداً، مع تسريبات أميركية عن مقترح جديد يستهدف حلاً تدريجياً يشمل إخراج العتاد الثقيل من الخدمة فوراً.

المقترح الذي لم يخرج إلى إطاره الرسمي بعدُ، ولم يتحدث عنه الوسطاء أو «حماس»، يعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أنه قد يكون حلاً مناسباً شريطة أن تكون هناك ضمانات خاصة أميركية لتنفيذه وعدم انقلاب إسرائيل عليه، مشيرين إلى أنه بخلاف الضمانات الأميركية ستكون الضمانات على أرض الواقع أهم؛ مثل الانسحاب الإسرائيلي وانتشار قوات الاستقرار الدولية وقوات الشرطة الفلسطينية.

وأفادت صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية، الأربعاء، بأن واشنطن تعد مقترحاً جديداً موجهاً لحركة «حماس» يتضمن تسليم الأسلحة الثقيلة القادرة على ضرب إسرائيل، مع السماح لها بالاحتفاظ ببعض الأسلحة الخفيفة في المرحلة الأولى، وسيُقدَّم هذا المقترح خلال أسابيع.

مقاتلون من «كتائب عز الدين القسام» الجناح العسكري لـ«حماس» في خان يونس يوم 20 فبراير 2025 (د.ب.أ)

وحسب «نيويورك تايمز»، تهدف الخطة إلى إخراج الأسلحة الثقيلة من الخدمة فوراً، مع تسجيل الأسلحة الشخصية، ونقل مسؤولية الأمن إلى الإدارة الفلسطينية الجديدة في القطاع، فيما تتمسك إسرائيل بنزع سلاح «حماس» قبل أي انسحاب لقواتها من غزة، وتُصرّ الحركة على عدم التخلي عن أسلحتها دون ضمانات ملموسة تشمل دمج جهاز شرطتها ضمن الهيكل الأمني والإداري للقطاع.

ويأتي المقترح الذي سربته الصحيفة الأميركية بعد يومين من رفض القيادي البارز بـ«حماس»، خالد مشعل، في منتدى بالدوحة، الأحد، نزع السلاح كلياً قائلاً: «شعبنا ما زال تحت الاحتلال، لذلك فالحديث عن نزع السلاح هو محاولة لجعل شعبنا ضحية يسهل القضاء عليه وإبادته، من طرف (إسرائيل) المتسلحة بكل السلاح الدولي».

ودعا مشعل «مجلس السلام»، الذي يرأسه ترمب إلى اعتماد «مقاربة متوازنة» قبيل اجتماعه المرتقب يوم 19 فبراير (شباط) الحالي، فيما أعلنت رئاسة الوزراء الإسرائيلية أن نتنياهو وقَّع، خلال لقائه وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، الأربعاء، على عضوية الانضمام «لمجلس السلام» في غزة قبل لقاء الرئيس دونالد ترمب.

فلسطينيون يركبون على ظهر عربة تجرها سيارة في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي العميد سمير راغب أن هذا المقترح قد يكون مقبولاً فلسطينياً ويعد حلاً واقعياً، لافتاً إلى أن هذا القبول يأتي من منطلق استحالة نزع كل الأسلحة دفعة واحدة، خصوصاً في ظل حالة الفوضى وانتشار السلاح الخفيف بأيدي العامة، ووجود عدائيات ضد «حماس» لا سيما من الجماعات المدعومة من إسرائيل وهو ما يجبرها على الاحتفاظ بسلاح خفيف إلى حين وجود قوات أمنية رسمية ومسيطرة على القطاع بمهنية.

ولفت راغب إلى أن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو استبق هذا المقترح وصرح برغبته في نزع 60 ألف قطعة سلاح خفيف من «حماس»، مما يعني أننا سنكون أمام جولة تتطلب ضغوطاً أميركية على إسرائيل لقبول هذا المقترح.

ونبه إلى أن المقترح قابل للتطبيق خصوصاً أن حركة «حماس» قد فقدت بالفعل الجزء الأكبر من سلاحها الثقيل، سواء بنفاد الذخيرة ببعض الأسلحة الثقيلة أو تدمير منظومة الصواريخ، والمتبقي لديها في الأغلب هو سلاح خفيف.

ويرى المحلل السياسي الفلسطيني، عبد المهدي مطاوع، أن هناك فرصة كبيرة لنجاح مخطط نزع السلاح تدريجياً، لأسباب أبرزها أن الإدارة الأميركية ستنزع أي مبرر لتعطيل المرحلة الثانية، وستعمل على وجود قوات الاستقرار، فضلاً عن أن «حماس» سوف تتمكن من تبرير مبدأ النزع لدى أنصارها الرافضين.

ويعتقد مطاوع أن إسرائيل تعيش عام انتخابات، وبالتالي نتنياهو وغيره سيصدرون تصريحات متشددة، وسيستغل نزع السلاح في هذا الأمر، لكن الموقف الأميركي وضغوطه حاسمة في هذا الاتجاه.

وفي الجانب الآخر، لا تزال إسرائيل تواصل عملياتها، وأعلن الجيش الإسرائيلي الأربعاء مقتل أحمد حسن، قائد كتيبة بيت حانون التابعة لحركة «حماس» في قطاع غزة، خلال عملية عسكرية شمال القطاع.

وفي ظل هذه الخروقات الإسرائيلية، يرى راغب أنه من الطبيعي أن تكون هناك ضمانات أميركية، والمضي في تنفيذ خطة السلام بإعادة الإعمار ونشر قوات الاستقرار الدولية التي من المفترض أن تكون مراقباً فاصلاً بين الطرفين لمدة عامين، لمنع أي اعتداءات إسرائيلية ومنع «حماس» من إحداث هجمات، مع الانسحاب الإسرائيلي الكامل من القطاع دون احتكاك.

وأوضح أن ذلك سيتم تحت رقابة قوات الاستقرار والشرطة الفلسطينية، وبالتالي لن تكون هناك فرصة لإعادة تسلح «حماس»، كما لن تكون هناك أسباب لعودة إسرائيل للحرب، خصوصاً أن كل شيء يمضي وفق خطة ترمب، مشيراً إلى أن تسليم السلاح يمثل بالنسبة لإسرائيل قضية رمزية تعني أنها نفذت أهداف الحرب، سواء كان جزءاً منها تم بالقوة أو آخر عبر التفاوض وتنفيذ مقترح ترمب.

ويعتقد مطاوع أن استمرار القصف شبه اليومي على غزة جزء من الملاحقة الساخنة التي تنتهجها حكومة نتنياهو ضمن سياق الانتخابات، والتأكيد على تنفيذ شروطها وأنها ستتوقف بعد نزع السلاح، لا سيما مع ضمانات مؤكدة من واشنطن في هذا الصدد لتهدئة المنطقة.


الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

TT

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

الزنداني لـ«الشرق الأوسط»: الحكومة إلى عدن قريباً… واحتفظت بـ«الخارجية» لإكمال الإصلاحات

وضع رئيس الوزراء وزير الخارجية اليمني، الدكتور شائع الزنداني، أولى إشارات تحرك حكومته بعد 24 ساعة من أدائها اليمين الدستورية، قائلاً إن وجهتها المقبلة ستكون عدن؛ وفي وقت قريب.

كما علل احتفاظه بحقيبة «الخارجية» بأنه «لاستكمال العمل الذي بدأ»، مؤكداً أن «الانتقال إلى الداخل خطوة ضرورية لتفعيل الأداء»، وأضاف أن «الوجود في عدن يجب أن يرتبط بقدرة فعلية على إدارة الملفات؛ وأن الهدف إعادة انتظام المؤسسات».

جاء ذلك خلال حلقة خاصة من «بودكاست الشرق الأوسط»، سُجلت في استوديوهات قناة «الشرق» بمقر «SRMG» في «مركز الملك عبد الله المالي (KAFD)» بالرياض.

تحدث الزنداني وبلاده في لحظة ضغط اقتصادي وتوقعات سياسية مرتفعة. وقال إن «المرحلة لا تحتمل خطاباً واسعاً، وإنما (تحتاج) عملاً متدرجاً يعيد بناء الثقة»، مشيراً إلى أن «تثبيت الإيقاع المؤسسي يسبق أي توسع في الأهداف».

تساؤلات الحكومة

تطرق الزنداني عن تشكيل حكومته، وأولوياتها، والعلاقة بالشركاء، ومستقبل المسار السياسي، وصولاً إلى قراءته الشخصية لمسار اليمن خلال نصف قرن من العمل العام.

تشكيل الحكومة جاء، حسب رئيسها، وفق معايير مهنية بحتة، مشيراً إلى أن «الاختيار اعتمد على المفاضلة بين الكفاءات والتخصصات والتجربة، بعيداً عن الإملاءات الحزبية». وقال إن الحكومة استقبلت سيراً ذاتية ولم تتلقَّ طلبات محاصصة، مضيفاً: «لم نتعامل مع الخلفيات السياسية بقدر ما ركزنا على القدرة على إدارة الملفات».

وأوضح أن العدد المعلن للوزراء لا يعكس بالضرورة حجم الحقائب الفعلية؛ إذ «الوزارات الحقيقية نحو 26، بينما وزراء الدولة جرى تعيينهم لمهام محددة؛ ولإشراك الشباب». وأشار إلى مراعاة التوازن الجغرافي والوطني، مؤكداً أن التمثيل الجغرافي كان حاضراً؛ «بهدف تنوع الدولة، لا توزيع المكاسب».

يرى الزنداني أن المواطن يمثل نقطة ارتكاز برنامج حكومته، قائلاً إن «الإنسان هو محط اهتمام الحكومة... تحسين المعيشة والخدمات والتعافي الاقتصادي أولوياتنا».

وأشار إلى العمل على إعادة بناء المؤسسات وتعزيز الرقابة، مؤكداً أن ضعف البناء المؤسسي كان سبباً رئيسياً للاختلالات. وتحدث عن تحسن نسبي في بعض الخدمات، خصوصاً الكهرباء؛ بدعم سعودي، مضيفاً أن التحدي يكمن في استمرار الإصلاحات الاقتصادية وإدارة الموارد.

وفي ملف المحاسبة، قال إن توحيد القرار السياسي أتاح فرصة لتطبيق القانون، وزاد بالقول: «عندما تتوحد السلطة يصبح (الثواب والعقاب) ممكناً».

ويمتد حديث رئيس الحكومة إلى ما هو أبعد من توصيف الإجراءات التنفيذية، إذ يضع تشكيل حكومته في سياق أوسع يتعلق بإعادة تعريف علاقة الدولة بمجتمعها بعد سنوات من التآكل المؤسسي. فالحكومة التي تشكلت في ظرف استثنائي تسعى إلى إدارة الملفات اليومية، فضلا عن «إعادة تثبيت فكرة الدولة ذاتها في الوعي العام، من خلال انتظام الأداء، واستعادة الثقة، وفرض معيار الكفاءة في تولي المسؤوليات العامة».

هذه المقاربة تعكس إدراكاً بأن أزمة اليمن لم تكن سياسية أو أمنية فحسب؛ «بل أزمة ثقة ممتدة بين المواطن ومؤسسات الحكم، وهو ما يجعل إعادة بناء تلك الثقة مدخلاً لأي استقرار قابل للاستمرار».

تفعيل الرقابة

في الملف الاقتصادي، يتجنب الزنداني إطلاق وعود سريعة، ويفضل الحديث بلغة إدارة الموارد وإعادة ترتيب الأولويات، مشيراً إلى أن التعافي لا يمكن أن يتحقق عبر قرارات جزئية، بقدر ما يتطلب إعادة هيكلة الإدارة المالية، وتعزيز الشفافية، وتفعيل الرقابة. ويرى أن ضبط الموارد، واستثمارها بفاعلية، هما الخطوة الأولى نحو استعادة الثقة الداخلية واستقطاب الدعم الخارجي، مؤكداً أن الاستقرار المالي يمثل الأساس لأي تحسن ملموس في حياة المواطنين.

ويأتي الانتقال المرتقب للحكومة إلى عدن ضمن هذا السياق بوصفه ضرورة عملية ووطنية، إذ يؤكد أن وجود السلطة التنفيذية داخل البلاد ليس مجرد خيار إداري، وإنما شرط لفاعلية القرار وقدرته على ملامسة الواقع.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن العمل من الداخل يمنح الحكومة قدرة أكبر على فهم أولويات المجتمع والتفاعل معها، كما يعزز حضور الدولة في المجال العام، وهو حضورٌ تراجَع خلال سنوات الصراع. وفي هذا الإطار، يضع أداء اليمين في الرياض ضمن سياق دستوري وأمني فرضته ظروف المرحلة، عادّاً أن التركيز ينبغي أن ينصرف إلى مضمون العمل الحكومي، لا إلى رمزية الموقع.

أما في الشأن الأمني، فيتحدث بنبرة تجمع بين الواقعية والحذر، مشيراً إلى أن تراكمات السنوات الماضية لا يمكن محوها في زمن قصير، لكنه يرى أن التنسيق بين الأجهزة الأمنية، وتوحيد القرار السياسي، أسهما في تحسين نسبي للمشهد. ويقر بأن الاحتجاجات تمثل جزءاً من الحياة العامة في المراحل الانتقالية، لكنه يشدد على أهمية التزامها الإطار القانوني؛ «حفاظاً على الاستقرار ومنع الانزلاق إلى مواجهات تعطل مسار التعافي».

توحد القرار العسكري

بشأن إعادة تنظيم القوات العسكرية، يرى الزنداني أن توحيد القيادة، وإعادة تموضع الوحدات خارج المدن، يمثلان خطوة ضرورية لترسيخ سلطة الدولة وتقليص مظاهر التداخل بين الأدوار الأمنية والعسكرية.

ويرى رئيس الوزراء اليمني أن تعدد الولاءات، الذي طبع المرحلة السابقة، أضعفَ قدرةَ المؤسسات على أداء وظائفها، وأن تجاوزه يشكل أساساً لإعادة بناء الاستقرار وتفعيل الدور التنفيذي للحكومة.

وعلى المستوى الخارجي، يعكس حديث رئيس الوزراء اليمني إدراكاً لأهمية وضوح التمثيل السياسي في تعزيز موقع الدولة دولياً؛ إذ يشير إلى أن وجود حكومة بقرار موحد يُسهِّل التفاعل الدبلوماسي ويمنح اليمن حضوراً قانونياً أقوى تماسكاً. ويبرر احتفاظه بحقيبة الخارجية بالحاجة إلى استكمال عملية إصلاح بدأت بإعادة تنظيم الوزارة والبعثات، مؤكداً أن انتظام العمل الدبلوماسي يمثل امتداداً طبيعياً لإعادة بناء مؤسسات الدولة.

وفي سياق العلاقات الإقليمية، يصف العلاقة بالسعودية بأنها تجاوزت إطار الدعم التقليدي إلى شراكة متعددة الأبعاد، لافتاً إلى أن ما قدمته السعودية خلال السنوات الماضية انعكس على قطاعات حيوية، وأن المرحلة الحالية تتجه نحو توسيع هذا التعاون في مجالات التنمية والاستقرار الاقتصادي. ويرى أن هذه الشراكة تشكل أحد أعمدة الاستقرار، في ظل تعقيدات المشهد الإقليمي.

أما بشأن الحوثيين، فيؤكد أن الحكومة تعاملت مع مسار السلام بقدر من المرونة، لكنها اصطدمت بعدم الالتزام بالاتفاقات، مشيراً إلى أن التطورات العسكرية والاقتصادية الأخيرة أضعفت موقف الجماعة، ويرى أن أي مفاوضات مستقبلية ينبغي أن تستند إلى مرجعيات واضحة، وأن توحيد القوى المناهضة لهم منح الحكومة موقعاً تفاوضياً أقوى تماسكاً في ظل متغيرات إقليمية ودولية متسارعة.

نصف قرن من العمل الحكومي

عندما يستعيد الزنداني مسيرته المهنية، يتحدث عن تجربة تفوق الخمسين عاماً، وبدأت في سن مبكرة داخل التعليم، قبل أن تمتد لعقود في العمل الدبلوماسي.

ويرى أن اليمن مر بتحولات عميقة كشفت عن هشاشة البناء المؤسسي وأثرت في استقرار الدولة.

ومع ذلك، يؤكد أن التجربة التاريخية تفرض قراءة المستقبل بعين تتجاوز الإحباط، وتقوم على التعلم من الماضي، والعمل على تثبيت أسس الاستقرار، مشيراً إلى أن ما يبقى في نهاية المطاف هو مصلحة المواطن وليست المواقع أو المناصب.

ويمضي في حديثه مؤكداً أن التفاؤل في هذه المرحلة ليس خطاباً سياسياً، بل هو خيار عملي في مواجهة التعقيدات، وأن الرهان الحقيقي يكمن في إعادة بناء الثقة بين الدولة ومجتمعها، وتعزيز العمل المشترك مع الشركاء الإقليميين والدوليين، بما يفتح المجال أمام مرحلة تتوازن فيها إدارة التحديات مع استثمار الفرص المتاحة؛ لإعادة وضع اليمن على مسار الاستقرار والتعافي.