وزير الخارجية المصري: واشنطن تدرك أن القاهرة لم تعد تقبل بأي إملاءات

شكري تحدث لـ {الشرق الأوسط} عن ملفات سوريا وليبيا والعراق.. وثمن مواقف السعودية والإمارات والكويت والبحرين وحذر من المساس بأمن الخليج

وزير الخارجية المصري، سامح شكري
وزير الخارجية المصري، سامح شكري
TT

وزير الخارجية المصري: واشنطن تدرك أن القاهرة لم تعد تقبل بأي إملاءات

وزير الخارجية المصري، سامح شكري
وزير الخارجية المصري، سامح شكري

أكد وزير الخارجية المصري، سامح شكري، أن بلاده تعمل جاهدة على وقف الاعتداءات على غزة، وقال إن مصر تتحمل «المسؤولية التاريخية» تجاه الشعب الفلسطيني. وتحدث في حوار مع «الشرق الأوسط» عن ملفات سوريا وليبيا والعراق.. وثمن مواقف السعودية والإمارات والكويت والبحرين، وحذر من المساس بأمن الخليج.
وشدد على أن المبادرة التي تقدمت بها بلاده في الاجتماع الوزاري العربي يوم 14 الشهر الحالي، تعبير عن الشعور المصري بحتمية العمل على وقف ما يتعرض له أبناء الشعب الفلسطيني من اعتداءات أسفرت عن وقوع ضحايا وجرحى تتزايد أعدادهم على مدار الساعة، موضحا فيما يتعلق بمدى فرص نجاح المبادرة أن هذا مرهون بمدى القدرة على تنفيذها على أرض الواقع، خاصة ما يتعلق بالوقف الفوري لإطلاق النار.
وقال إن الدول العربية الشقيقة لم تكتف بدعمها المبادرة، «بل عملت على مناقشة الإجراءات الأخرى التي يمكن القيام بها لدعم الشعب الفلسطيني وقيادته للدفاع عن مصالحه على مختلف المستويات». وأكد أن نظيره الأميركي، جون كيري، لم يلغ زيارته للقاهرة للتشاور بشأن المبادرة المصرية، ولكنه أجلها نتيجة لارتباطات تخص جدول أعماله. وأوضح الوزير المصري بشأن تطورات العلاقات مع الولايات المتحدة، بقوله: «لا شك في أن الإدارة الأميركية تدرك أن مصر لم تعد تسمح بأن يجري التدخل في شؤونها أو القبول بأي إملاءات أو شروط».
وفيما يتعلق بالاتصالات المصرية بشأن الأزمة العراقية، قال شكري إن الوضع في العراق «شديد التعقيد»، مشيرا إلى أنه أكد خلال لقاءاته المختلفة في العراق على أن مصر تعي تماما أن هناك من يسعى إلى تأجيج الخلافات في هذا البلد الشقيق وإبعاده عن أي فرصة لتحقيق التوافق الوطني المنشود، معربا عن استعداد مصر الكامل لتقديم العون والدعم اللازمين لمساعدة العراق حكومة وشعبا للخروج من المأزق الراهن.
كما تطرق إلى تطورات الملف السوري، معربا عن اعتقاده وجود توافق عام على أنه «لا يوجد حل عسكري للأزمة».. بينما وصف الوضع المتدهور في ليبيا بأنه «ليس أفضل حالا» من ملفات أخرى، قائلا إن مصر تولي الشأن الليبي اهتماما خاصا، ويوجد حرص على العمل على تمكينها من الخروج من هذه الأزمة. وإلى أهم ما جاء في الحوار..

* جاءت المبادرة المصرية الخاصة بوقف إطلاق النار في غزة في مرحلة بالغة الأهمية، فهل جاءت وليدة اللحظة أم سبقتها اتصالات مع الأطراف المعنية، وتحديدا إسرائيل والفصائل الفلسطينية، وما أبرز عناصر هذه المبادرة؟
- يهمني أن أوضح بداية أن هناك مسؤولية تاريخية تتحملها مصر تجاه الشعب الفلسطيني. وكما تعلمون، فإن مصر قدمت - ولا تزال تقدم - الكثير للقضية الفلسطينية، إيمانا منها بأن للشعب الفلسطيني الحق في إقامة دولته المستقلة ذات السيادة على حدود الرابع من يونيو (حزيران) 1967، وعاصمتها القدس الشرقية. المبادرة المصرية إذن هي تعبير عن شعورنا بحتمية العمل على وقف ما يتعرض له أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة من اعتداءات أسفرت عن وقوع ضحايا وجرحى تتزايد أعدادهم على مدار الساعة، إذ لا يمكن لمصر أن تقف مكتوفة الأيدي أو أن تدخر جهدا كي لا تنزف قطرة دم واحدة، كان بالإمكان الحيلولة دون إسالتها. والتحرك الذي قمنا به إنما يهدف إلى تدارك هذا الموقف الخطير، بناء على دراسة شاملة للبدائل المتاحة وبعد الإنصات إلى المواقف المختلفة وأخذها في الاعتبار، وإنما أيضا بدافع اتخاذ إجراءات سريعة لوقف الاعتداءات حفاظا على سلامة الشعب الفلسطيني في المقام الأول ولتخفيف المعاناة عن كاهله وتضميد جراحه والحفاظ على كرامته وحقه في العيش الآمن. أما عن مضمون المبادرة المصرية، فأود تأكيد أنها مبادرة متكاملة لا تقتصر على المطالبة بالوقف الفوري لإطلاق النار، رغم أهميته البالغة، بل تتضمن عناصر أخرى لا سيما الجدول الزمني وأسلوب التنفيذ، حيث تطالب بوقف جميع الأعمال العدائية، بما في ذلك تأكيد عدم تنفيذ أي عمليات اجتياح بري لقطاع غزة أو استهداف المدنيين، وتتناول موضوع فتح المعابر وتسهيل حركة عبور الأشخاص والبضائع عبر المعابر الحدودية وتطرح كيفية معالجة باقي القضايا، بما فيها الموضوعات المتعلقة بالأمن بجانب آليات مناقشة هذه القضايا.
* ما مدى فرص نجاح المبادرة؟
- لا شك في أن فرص نجاح المبادرة المصرية مرهونة بمدى القدرة على تنفيذها على أرض الواقع، خاصة ما يتعلق بالوقف الفوري لإطلاق النار، وهو أمر يتوقف في المقام الأول على قبول وتعاون الأطراف المعنية ومدى تقديرها المسؤولية التي تتحملها كلما استمرت العمليات العسكرية التي تحصد المزيد من الضحايا الأبرياء بين أهلنا في فلسطين. ورغم أن الموقف الحالي ينطوي على الكثير من الصعوبات بالغة التعقيد، فإن مصر اختارت المضي قدما بإطلاق مبادرتها دون الالتفات إلى احتمالات عدم نجاح الجهود التي تبذلها، إذ لا نملك إزاء الموقف الراهن ترف الصمت أو الانتظار، لأننا نعي تماما مدى خطورة الوضع وحجم المسؤولية الملقاة على عاتقنا للحد من وقوع المزيد من الضحايا الأبرياء، خاصة في هذا الشهر الفضيل. ويهمني هنا تأكيد أن المبادرة المصرية ليست وليدة الموقف كما قد يتصور البعض أو مجرد رد فعل لا يأخذ في الاعتبار أبعاد الأزمة والظروف المحيطة، وإنما تأتي المبادرة نتاجا طبيعيا لجهد مصري متكامل يستند إلى إدراك عميق لتطورات الصراع الفلسطيني – الإسرائيلي كافة. وليس من قبيل المبالغة القول إننا كنا نتوقع حدوث مثل هذا التصعيد في ظل حالة التوتر التي كانت سائدة خلال الفترة السابقة على تفاقم الاعتداءات الإسرائيلية، وهو الأمر الذي دفع مصر منذ فترة إلى تحذير الأطراف كلها أكثر من مرة من مغبة حالة الجمود التي أصابت جهود تحقيق السلام، ومن التزايد الملحوظ لحدة التوتر بين الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي في الفترة الأخيرة، وهي الأمور التي قادت الطرفين في النهاية إلى الانزلاق نحو مواجهة جديدة كانت - وما زالت لها تداعيات سلبية شديدة الخطورة، وهو ما يتطلب منا تكثيف الجهود الإقليمية والدولية وتسريع وتيرتها لتدارك هذا الموقف والعمل على احتوائه. وأريد أن أؤكد في هذا السياق، أن المبادرة المصرية للتوصل إلى تهدئة لا تمثل بأي حال نهاية المطاف بالنسبة للجهود المصرية، إذ لا يمكن أن يكون هدفنا هو التوصل إلى تهدئة تمتد لبضعة أشهر أو أكثر انتظارا لتجدد التوتر ثم العنف من جديد، بل إن غاية جهودنا تتمثل في ضرورة معالجة الأسباب الحقيقية للأزمة الراهنة والتوصل إلى حل شامل وعادل ينهي الصراع الإسرائيلي – الفلسطيني من خلال مفاوضات جادة تجرى وفق إطار زمني محدد وعلى أساس المرجعيات والمبادئ الدولية المتفق عليها، وبما يقود إلى تحقيق تطلعات الشعب الفلسطيني في إقامة دولته المستقلة على حدود عام 1967 وعاصمتها القدس الشرقية، وتوفير مقومات الحياة الكريمة للشعب الفلسطيني وتحقيق تطلعاته في الحرية والاستقلال. ولا شك في أن التقدم الحقيقي الملموس نحو تحقيق تسوية عادلة وشاملة ودائمة يمثل في حد ذاته خطوة نحو تغيير الواقع الراهن، الذي لم يعد مقبولا أن يستمر على هذا النحو.
* ما تقييمكم لردود فعل الأطراف العربية والدولية على هذه المبادرة، وماذا دار في كواليس الاجتماع الطارئ لمجلس جامعة الدول العربية على مستوى وزراء الخارجية يوم 14 يوليو (تموز)؟
- اتسمت مجمل ردود الفعل الدولية والعربية بالترحيب بالمبادرة المصرية، وأبدت الدول العربية تقديرها لهذه المبادرة وحرصها على دعمها، وهو ما ظهر بالفعل من خلال القرار الصادر عن الاجتماع الطارئ لمجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري من تأكيد الدعم الكامل للمبادرة المصرية لوقف إطلاق النار ومطالبة الأطراف المعنية كافة بإعلان قبولها والتزامها بما نصت عليه، فضلا عن دعوة الأطراف الإقليمية والدولية لقبول المبادرة والعمل على تهيئة المناخ اللازم لضمان التهدئة. كما أود الإشارة إلى أن المجلس قدم أيضا الشكر لمصر على جهودها لوقف العدوان الإسرائيلي وتحركها لمواجهة تداعيات الاعتداءات على غزة، كما أثنى الوزراء على قرار مصر بفتح معبر رفح لاستقبال الجرحى. ولم يقتصر الجهد المصري على مجرد طرح المبادرة فحسب، فقد حرصت قبل الاجتماع على تنسيق المواقف مع عدد من وزراء الخارجية العرب وفي مقدمتهم وزير الخارجية الفلسطيني، سعيا لوقف العمليات الإسرائيلية من خلال شرح وتقديم المبادرة المصرية لتعبئة موقف عربي داعم لها، وكانت هناك قبل الاجتماع مباشرة مشاورات مكثفة مع الأمين العام للجامعة العربية ونائب رئيس الوزراء ووزير خارجية الكويت (الرئيس الحالي للقمة العربية) والوزيرة المنتدبة لدى وزير الشؤون الخارجية للمغرب، التي تتولي بلادها رئاسة الاجتماع الوزاري، وقد هدفت هذه المشاورات إلى تحقيق الهدف ذاته. ولا يفوتني هنا أن أنوه إلى أن ما لمسته من دعم عربي صريح للمبادرة المصرية إنما هو إحدى صور التضامن العربي، الذي يثبت بما لا يدع مجالا للشك قدرة الدول العربية على الدفاع عن قضيتهم الأولى – القضية الفلسطينية – وحرصهم على الحفاظ على حياة ومقومات الشعب الفلسطيني ومحاولة تأمين مستقبل أفضل لأبنائه وبناته، كما أشير هنا إلى أن الدول العربية الشقيقة لم تكتف بدعمها المبادرة المصرية، بل عملت على مناقشة الإجراءات الأخرى التي يمكن القيام بها لدعم الشعب الفلسطيني وقيادته للدفاع عن مصالحه على مختلف المستويات. أما على المستوى الدولي، فقد تلقيت اتصالات هاتفية من وزراء خارجية عدد من الدول لدعم الجهود المصرية، ومن بينهم وزير الخارجية الأميركي، ووزراء خارجية فرنسا وألمانيا واليونان وكندا وأستراليا، بالإضافة إلى زيارتي توني بلير ممثل الرباعية الدولية إلى مصر، فضلا عن البيانات والتصريحات الإيجابية الصادرة عن الكثير من دول العالم.
* إذا انتقلنا إلى ملف إقليمي آخر لا يقل خطورة عن الوضع في غزة وهو الوضع في العراق، تجري مصر اتصالات مكثفة منذ بداية الأزمة العراقية الأخيرة، وقمتم بزيارة أخيرا إلى بغداد، فما نتائج هذه الزيارة، وكيف ترون مستقبل الأوضاع في العراق؟
- الوضع في العراق الشقيق شديد التعقيد، ومصر معنية بأمن واستقرار العراق الذي هو جزء لا يتجزأ من منظومة الأمن القومي العربي، وفي هذا الإطار جاءت زيارتي إلى هذا البلد العزيز بتكليف من السيد الرئيس كتعبير عملي عن حرص مصر على العلاقات التاريخية بين البلدين وعلى صيانة الأمن العربي. وقد تواصلت خلال الزيارة مع كبار المسؤولين العراقيين وعلى رأسهم السيد نوري المالكي رئيس الوزراء ووزير الخارجية المكلف، وكذا مع وزير الخارجية السابق هوشيار زيباري ومع رئيس البرلمان السابق، وقد حرصت خلال لقاءاتي المختلفة على تأكيد أن مصر تعي تماما أن هناك من يسعى إلى تأجيج الخلافات في العراق وإبعاده عن أي فرصة لتحقيق التوافق الوطني المنشود، وأن التحدي الحقيقي يكمن في أن تنجح القوى الوطنية في التوافق على مشروع وطني يجمع كل أطياف الأشقاء بالعراق، وأن هذا من شأنه تمكين العراق من التصدي بكل حزم للمخططات الهدامة، ومواجهة التطرف والإرهاب، ووأد المحاولات الرامية لتأجيج حالة الانقسام السائدة على الساحة العراقية. كما أكدت خلال اللقاءات كافة التي أجريتها استعداد مصر الكامل لتقديم العون والدعم اللازمين لمساعدة العراق، حكومة وشعبا، للخروج من المأزق الراهن، وأننا نقف بكل قوة مع سيادة العراق ووحدة أراضيه، وأنه إذا كانت هناك أخطاء قد وقعت في إدارة الشأن العراقي على مدى السنوات العشر الماضية، وهي أخطاء ربما ساهمت دون شك فيما وصل العراق إليه اليوم من وضع يهدد بتفكك إحدى أهم الدول العربية، إلا أن ذلك لا يعني أن يترك العراق وحده يواجه مشاكله دون دعم قوي من مصر والدول العربية، وأنه قد آن الأوان أن تسعى القوى الوطنية لتشكيل حكومة وحدة عراقية تجمع أطياف المجتمع بأسره وتكون مقبولة لدى جميع القوى السياسية بحيث يشعر المواطن العراقي بأنه ممثل تمثيلا حقيقيا في هذه الحكومة. وفي هذا الصدد، أود الإشارة إلى أن مصر تتطلع إلى أن ينجح البرلمان العراقي بأسرع ما يمكن في اختيار رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء من خلال التوافق الذي يسمح للمؤسسات الدستورية باستكمال دورها في إعادة بناء العراق كدولة مدنية حديثة قادرة على لعب الدور المهم المنوط به على الساحة الإقليمية والدولية. كما أود أن أشير في هذا الصدد إلى زيارتي إلى كل من الأردن والكويت قبل توجهي إلى العراق، التي أكدت وجود توافق عربي حول عدم كفاية الحل الأمني في مواجهة الإرهاب والتطرف في ضوء تضامن عدد من قوى المجتمع العراقي مع الحراك الحاصل ضد الحكومة، وأنه من المهم أن تطرح حلول سياسية تسمح بإعادة اللُحمة بين مختلف مكونات الشعب العراقي، لكي يتسنى توحيد الجهود في مواجهة التطرف وتقوية مفهوم الدولة في العراق على أساس المشاركة ومراعاة مصالح الجميع. وهناك نية لمزيد من التحركات المصرية على صعيد الملف العراقي بغية بلورة موقف عربي واضح حول كيفية حماية الأمن الإقليمي من التطورات في العراق وكيفية حماية العراق نفسه من الصراع المذهبي الذي يهدد تماسكه كدولة ذات سيادة ويهدد أمن منطقة المشرق العربي، وهو أمر خطير يستوجب تضافر القوى العربية في مواجهته.
* وهل أطلقتم مبادرة لدعوة القوى العراقية لعقد اجتماع لتوحيد صفوفها، وما مدى صحة ما تردد حول إبرام صفقات ثنائية للتعاون الاقتصادي والتجاري والنفطي بين البلدين خلال الزيارة؟
- أود توضيح عدم صحة ما تردد إعلاميا فيما يتعلق بطرح مبادرة لعقد القوى العراقية اجتماعا لتوحيد صفوفها أو أن الزيارة استهدفت إبرام صفقات ثنائية للتعاون الاقتصادي والتجاري والنفطي بين مصر والعراق. الجانب العراقي أبدى بالفعل رغبته في تفعيل العلاقات الثنائية مع مصر في مختلف المجالات، إلا أنني أكدت بوضوح في لقاءاتي كافة مع المسؤولين العراقيين على أن موضوع تفعيل العلاقات الثنائية مرجأ حاليا، وأن الأولوية الآن هي لدعم العراق حتى يمكن أن يتغلب على مشاكله الداخلية.
* وماذا عن مستقبل العلاقات مع دول الخليج؟
- علاقة مصر بدول الخليج العربي وثيقة وتاريخية، تزداد قوتها على مدار السنين. مصر تهتم بأمن الخليج وسلامة دوله ولا تسمح بأي حال من الأحوال بالمساس به لأنه جزء من أمننا القومي في مصر. وعلاقات مصر بدول الخليج تمتد إلى مجالات سياسية واقتصادية وتجارية وثقافية وغيرها من المجالات التي تشهد باستمرار تطورا ملموسا وقدرا عاليا من التنسيق المشترك بما يحقق أمن واستقرار المنطقة، خاصة في هذا التوقيت بالغ الدقة الذي تمر به منطقة الشرق الأوسط والتحديات التي تواجه المنطقة العربية بشكل خاص. ولست بحاجة إلى أن أؤكد من جديد تقدير مصر لوقوف دول السعودية والإمارات والكويت والبحرين معها على نحو يجسد بحق روح التضامن العربي الذي ندعو إليه ويستلهم نماذجه البارزة في تاريخ الأمة العربية.
* وماذا عن تطورات الملف السوري؟
- أتصور أن هناك توافقا عاما على أنه لا يوجد حل عسكري للأزمة في سوريا، وأن الحل السياسي هو السبيل الوحيد الذي سيعود إليه الجميع في نهاية المطاف، ورغم ذلك، فالحلول السياسية التي طرحت من قبل لم تنجح، بما في ذلك عملية جنيف، الأمر الذي أدى إلى استمرار الصراع العسكري على الأرض، حيث يأمل كل طرف مسلح أن يحسم الأمر لصالحه عسكريا وهو أمر نراه مستبعدا. هناك بعض من قوى المعارضة المعتدلة التي لديها الاستعداد للتوصل إلى حل سياسي إذا كان هذا الحل سيعني الانتقال نحو مرحلة جديدة من حكم سوريا تحقق تطلعات السوريين نحو دولة ديمقراطية لا تحكمها الطائفية ولا التطرف، وهو طرح تدعمه مصر وسنعمل على الدفع به. وقد تواصلنا مع قوى معارضة كثيرة للتقريب بين رؤاها والعمل على توحيد مواقفها، وسوف نستمر في التواصل مع «الائتلاف الوطني» الذي نرحب به في مصر وباتخاذه القاهرة مقرا له، كما أننا نتواصل مع أطراف معارضة أخرى للدفع بالحل السلمي بالتنسيق مع الدول العربية والقوى الإقليمية وقوى المجتمع الدولي المؤثرة، وعلى رأسها روسيا والولايات المتحدة.
* يزداد الوضع في ليبيا تدهورا خلال الأيام الأخيرة، وشاركت مصر في اجتماع دول الجوار الليبي في تونس أخيرا، فكيف ترون مستقبل الأوضاع في ليبيا؟
- الوضع في ليبيا للأسف ليس أفضل حالا، فالصراع المسلح الذي تشهده ليبيا حاليا ينم عن ضيق أبناء الشعب الليبي من الأسلوب الذي حكمت به البلاد على مدى السنوات الثلاث الماضية، والذي جنحت فيه بعض القوى إلى الضغط على مؤسسات الدولة الليبية بوسائل وأساليب مختلفة للتأثير في قراراتها وسياساتها على نحو دفع الشعب الليبي لرفض هذه المؤسسات وأدائها في دولة تملك إمكانات هائلة، يفترض أن يستفيد منها شعبها ويحقق التنمية والرخاء بدلا من أن يغرق في صراعات قد تهدد وحدة الأراضي الليبية. ومصر تولي الشأن الليبي اهتماما خاصا، ليس باعتبارها دولة جوار فحسب، وإنما لخصوصية العلاقة مع شعب ليبيا الشقيق، ومن ثم هناك حرص من جانبنا على متابعة الشأن الليبي بدقة وعلى العمل على تمكين ليبيا من الخروج من هذه الأزمة، وفي سبيل ذلك تقوم مصر بجهود مضنية لحث التيارات كافة في ليبيا على التفاهم عبر الحوار فيما بينها حول كيفية العودة إلى المسار السياسي وإلى استكمال عملية بناء المؤسسات، وما من شك أن إجراء الانتخابات البرلمانية في 25 يونيو (حزيران) الماضي كان خطوة مهمة على الطريق الصحيح، ونأمل أن تسفر عن تشكيل حكومة ليبية يمكن للدول الداعمة لليبيا التعامل معها. وقد حرصت مصر منذ البداية على تأكيد أهمية قيام دول الجوار الجغرافي لليبيا على تناول الوضع السياسي والأمني هناك باعتبار أنها الأقرب جغرافيا لليبيا والأكثر تضررا من الأوضاع بها في ضوء الحدود المشتركة التي تجمع بينها وبين ليبيا وما تتضمنه من مخاطر تهدد الأمن القومي لهذه الدول. وفي هذا السياق، شجعت مصر تأسيس آلية عقد اجتماعات وزارية لدول الجوار الجغرافي، حيث جرى بالفعل عقد ثلاثة اجتماعات في الجزائر ومالابو (عاصمة غينيا الاستوائية). كما شاركت مصر أخيرا في الاجتماع الرابع لدول جوار ليبيا الذي عقد في تونس لطرح الحلول على الجانب الليبي، وقد اتفق المشاركون على آليات تسمح بالتنسيق مع المسؤولين الليبيين وبتقديم الدعم والمساعدة لمؤسسات الدولة الليبية وتمكينها من ممارسة دورها في أعقاب تشكيل الحكومة وفقا لنتائج الانتخابات التي تعكس الإرادة الشعبية لليبيين. وقد أكدت مصر خلال الاجتماع استمرار دعمها الآلية الجديدة لدول الجوار من أجل التعامل مع التحديات التي تواجه مستقبل ليبيا وأمن دول المنطقة. وقد تقرر أن تستضيف مصر الدورة التالية لاجتماع وزراء خارجية دول الجوار في النصف الأول من أغسطس (آب) المقبل، كما اتفق خلال الاجتماع على رئاسة مصر لجنة العمل السياسي المنبثقة عن آلية دول الجوار للتحرك بشكل عملي في الملف الليبي. كما نستعد لاستضافة مؤتمر أمن الحدود الليبية لدعم أجهزة الأمن الليبية، ومساعدتها في ضبط الحدود.
* ماذا عن قضية سد النهضة، ما التقدم الذي جرى تحقيقه على صعيد هذا الملف؟
- نلمس في الآونة الأخيرة تطورا في هذا الملف نتيجة جهود مكثفة بذلتها الدبلوماسية المصرية، نتج عنها تغير مواقف الكثير من الأطراف المعنية ومؤسسات التمويل الدولية بملف سد النهضة، وذلك بعد تفهمهم مشروعية الشواغل المصرية، فضلا عن التغير الذي طرأ على مواقف بعض دول حوض النيل لمراعاة خصوصية الوضع المصري بالنسبة لنهر النيل، كونها دولة صحراوية ذات كثافة سكانية ضخمة وليس لها أي مصدر آخر للمياه، ولقد جاء التطور الأبرز في الآونة الأخيرة من خلال اللقاء الذي عقد بين السيد رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء الإثيوبي في مالابو والذي أبرز وجود رغبة جادة لدى الطرفين في تعزيز وتطوير العلاقات الثنائية، والتزاما إثيوبيا واضحا بعدم الإضرار بمصالح مصر المائية. وقد جاء البيان المشترك الصادر عن هذا اللقاء ليعبر بوضوح عن كل تلك المعاني، وليدشن مرحلة جديدة تتطلع فيها قيادتا الدولتين إلى نسق من التعاون والتفاهم المشترك من خلال تأكيد الالتزام بمبادئ التعاون والاحترام المتبادل وحسن الجوار واحترام القانون الدولي وتحقيق المكاسب المشتركة والاتفاق على البدء الفوري بالإعداد لانعقاد اللجنة الثنائية المشتركة خلال ثلاثة أشهر، وتأكيد محورية نهر النيل بصفته موردا أساسيا لحياة الشعب المصري ووجوده، وكذلك إدراكهما احتياجات الشعب الإثيوبي التنموية، فضلا عن تأكيد احترام مبادئ الحوار والتعاون كأساس لتحقيق المكاسب المشتركة وتجنب إضرار بعضهما ببعض، كما أعلنت إثيوبيا أخيرا ترحيبها بالحوار الثلاثي بمشاركة السودان للتوصل إلى اتفاق بشأن مشروع سد النهضة. كما أود أن أشير إلى اللقاء المهم الذي عقده السيد رئيس الجمهورية مع رئيس جمهورية تنزانيا الاتحادية، والذي تطرق إلى المقترحات التنزانية المطروحة لإعادة تنشيط الحوار بين دول حوض النيل لإيجاد أرضية مشتركة تسمح بتجاوز النقاط الخلافية في الاتفاقية الإطارية غير المكتملة لمبادرة حوض النيل، وهو جهد محل تقدير من جانب مصر وقيد الدراسة حاليا. وفي النهاية، أود تأكيد أن قضية الأمن المائي تقع على عاتق أجهزة الدولة المختلفة وليس وزارة الخارجية فقط، باعتبار أنها قضية أمن لا تهاون في التعامل معها.
* هل لك أن تطلعنا على تطورات العلاقات مع الولايات المتحدة الأميركية؟
- بشكل عام، العلاقة بين مصر والولايات المتحدة علاقة استراتيجية ذات تاريخ ممتد، يسعى الطرفان من خلالها إلى تحقيق مصالحهما المشتركة، وهناك تفاهم بين الطرفين على أهمية هذه العلاقة، رغم وجود اختلافات في الرؤى حول عدد من القضايا. ولا شك في أن الإدارة الأميركية تدرك أن مصر لم تعد تسمح بأن يجري التدخل في شؤونها أو القبول بأي إملاءات أو شروط في إطار هذه العلاقة، التي يجب أن تظل قائمة على مبادئ الندية في التعامل وحماية المصالح المشتركة وعدم التدخل في الشؤون الداخلية والاحترام المتبادل.
* يتردد أن وزير الخارجية الأميركي جون كيري ألغى زيارته التي كانت مقررة إلى القاهرة لمناقشة تطورات الأوضاع في الأراضي الفلسطينية، فما مدى صحة هذه المعلومات؟
- هذه المعلومات غير دقيقة على الإطلاق، فالوزير كيري قرر تأجيل الزيارة نتيجة لارتباطات تخص جدول أعماله، بل على العكس فقد كان كيري حريصا على الحضور إلى القاهرة للتشاور بشأن المبادرة المصرية لوقف إطلاق النار، وذلك في ضوء تقدير الولايات المتحدة لأهمية المبادرة، إلا أن الزيارة تأجلت كما أوضحت لارتباطات تخص الوزير الأميركي، لكنه حرص من جهة أخرى على الإعراب عن دعم الإدارة الأميركية المبادرة المصرية لاحتواء الموقف المتدهور في غزة، وذلك خلال الاتصالات المتتالية التي تلقيتها منه والتي جرت بيننا على مدى الأيام الماضية، والتي تأتي في إطار التشاور المستمر سواء فيما يتعلق بتطورات الموقف في غزة أو القضايا الأخرى في المنطقة.



الأمم المتحدة ترصد جيوب مجاعة في مناطق شمال اليمن

تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن (الأمم المتحدة)
تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن (الأمم المتحدة)
TT

الأمم المتحدة ترصد جيوب مجاعة في مناطق شمال اليمن

تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن (الأمم المتحدة)
تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية في اليمن (الأمم المتحدة)

كشفت بيانات أممية حديثة عن بدء ظهور جيوب مجاعة في مناطق سيطرة الحوثيين شمال اليمن، في ظل تدهور غير مسبوق للأوضاع المعيشية والاقتصادية، وتراجع حاد في التمويل الإنساني، ما يهدد بانزلاق ملايين اليمنيين إلى مستويات كارثية من انعدام الأمن الغذائي.

وأكدت منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة (الفاو) أن اليمن لا يزال يسجل أعلى معدل عالمي للسكان الواقعين في المرحلة الرابعة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي (حالة الطوارئ)، وسط تحذيرات من اتساع نطاق المجاعة إذا استمرت أزمة التمويل وتعثر وصول المساعدات الإنسانية.

وذكرت المنظمة في تقرير حديث أن وضع الأمن الغذائي في اليمن لا يزال «مقلقاً للغاية»، متوقعة أن يواجه نحو 18.7 مليون شخص، أي ما يعادل 53 في المائة من السكان، مستويات أزمة أو أسوأ من انعدام الأمن الغذائي الحاد حتى نهاية العام الجاري، ضمن المرحلة الثالثة وما فوق من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي.

اضطرابات الملاحة الإقليمية رفعت أسعار الوقود والسلع (إعلام محلي)

وأوضح التقرير الخاص بالتوقعات قصيرة المدى وتداعياتها على الأمن الغذائي، أن اليمن يتحمل حالياً أعلى عبء عالمي للسكان المحاصرين في المرحلة الرابعة من التصنيف؛ إذ تشمل هذه الفئة نحو 17 في المائة من السكان، وهي مرحلة يرتفع فيها خطر الوفيات المرتبطة بالجوع وسوء التغذية بصورة متزايدة.

مؤشرات مجاعة

أشار التقرير الأممي إلى بدء ظهور جيوب معزولة من الظروف الكارثية المصنفة ضمن المرحلة الخامسة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي المرحلة المرتبطة بالمجاعة؛ خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وأرجعت الأمم المتحدة هذا التدهور إلى تداخل عوامل عدة، أبرزها استمرار حالة عدم الاستقرار، والنقص الحاد في التمويل الإنساني؛ إذ لم تُغطَّ سوى 13 في المائة من الاحتياجات الإنسانية حتى مايو (أيار) الحالي، إلى جانب تداعيات التوترات الجيوسياسية الإقليمية.

وأضاف التقرير أن اضطرابات الملاحة والتجارة الإقليمية أسهمت في رفع تكاليف الوقود، الأمر الذي انعكس على أسعار النقل والمواد الغذائية والمدخلات الزراعية، وزاد الضغوط على الأسر اليمنية التي تعاني أصلاً من تراجع القدرة الشرائية.

غرق أكثر من نصف سكان اليمن في دائرة انعدام الغذاء (إعلام محلي)

وحذرت «فاو» من أن استمرار تعثر وصول المساعدات الإنسانية، وعدم توفير تمويل عاجل ومتعدد السنوات، قد يدفع البلاد إلى الانزلاق نحو ظروف كارثية أوسع نطاقاً ضمن المرحلة الخامسة المرتبطة بالمجاعة.

وعلى الرغم من تسجيل الحد الأدنى لسعر سلة الغذاء انخفاضاً سنوياً بنسبة 26 في المائة، وبنسبة 9 في المائة مقارنة بمتوسط السنوات الثلاث الماضية، أكد التقرير أن القدرة الفعلية على الحصول على الغذاء لا تزال محدودة، بسبب عدم انتظام صرف الرواتب العامة، واستمرار آثار التضخم المتراكم خلال السنوات الماضية.

ضغوط اقتصادية

حسب التقرير الأممي، فإن الزيادات الأخيرة في أسعار الوقود بالمناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة دفعت تكاليف الوقود إلى الاقتراب من متوسطها خلال السنوات الثلاث الماضية، مع ارتفاع طفيف في أسعار الديزل، ما أعاد الضغوط على الأسر والأنشطة الاقتصادية.

وفيما يتعلق بواردات الغذاء والوقود خلال أبريل (نيسان) الماضي، أظهرت البيانات الأممية تبايناً بين المناطق اليمنية؛ إذ ارتفعت واردات القمح والدقيق عبر الموانئ الخاضعة لسيطرة الحوثيين، في حين تراجعت بصورة حادة في الموانئ التابعة للحكومة.

كما ارتفعت واردات الوقود إلى مناطق سيطرة الحوثيين بنسبة 71 في المائة على أساس شهري، عقب استئناف العمل في ميناء رأس عيسى النفطي، بعد فترة توقف بسبب الغارات الإسرائيلية.

وأكد التقرير أن الضغوط الاقتصادية المتراكمة، إلى جانب تداعيات الصراع الممتد والصدمات المناخية المتزايدة، ألحقت أضراراً واسعة بمصادر دخل الأسر اليمنية وأصولها الإنتاجية، وأسهمت في غرق أكثر من نصف السكان في دائرة انعدام الأمن الغذائي الحاد، ودفع الملايين نحو الفقر المدقع.

وفي المقابل، أشار التقرير إلى أن أسعار المواد الغذائية الأساسية في المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة ظلت مستقرة نسبياً، وانخفضت بنسبة تراوح بين 22 و30 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، بدعم من تحسن قيمة العملة المحلية واستقرار سعر الصرف.

إلا أن المنظمة الأممية حذرت من هشاشة هذا الاستقرار، مؤكدة أن أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو تكاليف الشحن والنقل قد يعيد الضغوط التصاعدية على أسعار الغذاء خلال الأشهر المقبلة.

وفيما يخص سوق العمل، أوضح التقرير أن الأجور الزراعية بقيت مستقرة عند مستويات أعلى بنسبة 6 في المائة على أساس سنوي، بينما تراجعت أجور العمالة المؤقتة بنسبة 11 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، في مؤشر على استمرار ضعف فرص الدخل خارج القطاع الزراعي.


عيد ثقيل عاشه النازحون في مناطق سيطرة الحوثيين

أسرة يمنية نازحة تفترش أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)
أسرة يمنية نازحة تفترش أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)
TT

عيد ثقيل عاشه النازحون في مناطق سيطرة الحوثيين

أسرة يمنية نازحة تفترش أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)
أسرة يمنية نازحة تفترش أحد الشوارع في صنعاء (الشرق الأوسط)

حلّ عيد الأضحى المبارك هذا العام على آلاف الأسر اليمنية النازحة في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية وسط أوضاع إنسانية ومعيشية قاسية، جعلت من مظاهر الفرح المرتبطة بالمناسبة حلماً بعيد المنال لكثير من العائلات التي تكافح لتأمين احتياجاتها الأساسية.

وفي حين استقبل السكان الميسورون في مناطق سيطرة الجماعة العيد بالأضاحي والملابس الجديدة والزيارات العائلية، عاش النازحون في مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وسط تفاقم الفقر والجوع وانعدام مصادر الدخل.

وتعيش فئة النازحين داخلياً في مناطق سيطرة الحوثيين مأساة إنسانية معقدة، نتيجة استمرار تداعيات الصراع الدامي والانهيار الاقتصادي الحاد في اليمن لسنوات طويلة.

وتشير التقارير الأممية والدولية إلى أن ملايين اليمنيين يواجهون ظروفاً معيشية وصحية كارثية داخل هذه المناطق، حيث تفتقر مخيمات ومواقع النزوح العشوائية والمكتظة إلى أدنى مقومات الحياة الأساسية مثل المياه الصالحة للشرب، الكهرباء، والخدمات الطبية.

ملايين اليمنيين فقدوا أعمالهم وسبل العيش نتيجة الصراع (الشرق الأوسط)

وتتضاعف معاناة هؤلاء النازحين في ظل الارتفاع الحاد لمعدلات انعدام الأمن الغذائي وسوء التغذية وخطر طرد الأسر العاجزة عن دفع إيجارات المساكن. كما يواجه العمل الإغاثي في هذه المناطق قيوداً وعوائق شديدة يفرضها الحوثيون والتي تشمل التضييق على المنظمات الدولية والمحلية، وفرض شروط مشددة على حركة المساعدات وحرية تنقل العاملين الإنسانيين، بالإضافة إلى حملات الاعتقال التي استهدفت موظفي الأمم المتحدة.

وأدى هذا الوضع المتأزم إلى تقليص حاد في البرامج الإغاثية وشح المساعدات الغذائية والدوائية، الأمر الذي وسّع فجوة الاحتياجات الإنسانية ودفع نحو ربع النازحين، البالغ عددهم قرابة 2.5 مليون شخص، إلى مواجهة خطر الجوع الحاد، وفقاً لمصادر أممية.

أحلام مؤجلة

وتحدث نازحون في صنعاء ومدن أخرى لـ«الشرق الأوسط» عن أن الأولوية هذا العام لم تعد لشراء الملابس الجديدة أو الأضاحي كما كان الحال قبل الانقلاب الحوثي بل لتوفير الحد الأدنى من الغذاء وسداد إيجارات المساكن وتكاليف المواصلات وغيرها من المتطلبات الضرورية. ويؤكدون أن العيد فقد معناه المعتاد داخل كثير من المخيمات، بعدما تحولت أيامه إلى امتداد لمعاناة يومية متواصلة.

تقول أم أحمد، وهي نازحة من محافظة الحديدة وتقيم في أحد المخيمات على أطراف صنعاء، إن العيد لم يعد يشبه ما كان عليه في السابق، موضحة أنها اكتفت هذا العام بشراء ملابس مستعملة لطفلين من أبنائها، بينما تعتمد أسرتها على مساعدات يقدمها أقارب لتأمين احتياجات الطعام.

المشردون والمرضى النفسيون يفترشون شوارع صنعاء (الشرق الأوسط)

وأضافت أن الأسرة لم تتذوق اللحوم منذ أشهر بسبب ارتفاع الأسعار وغياب أي مصدر ثابت للدخل، مشيرة إلى أنهم كانوا في السابق يشترون ملابس لجميع الأطفال ويذبحون الأضاحي، أما اليوم فأقصى ما يتمنونه أن تمر أيام العيد بأقل قدر من الأعباء.

وتعكس هذه القصة واقع آلاف الأسر النازحة التي تعيش أوضاعاً متدهورة بفعل تراجع النشاط الاقتصادي وارتفاع الأسعار وغياب فرص العمل، إضافة إلى استمرار أزمة الرواتب في المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين.

وفي أحد مخيمات النزوح بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) يجلس عبد الله، النازح مع أسرته من محافظة تعز، أمام خيمته المتواضعة بينما يتحدث أطفاله عن ملابس العيد والألعاب التي شاهدوها في الأسواق. ويقول بحسرة: «لم نفكر في شراء ملابس أو أضحية، كل ما نريده هو فرصة عمل تساعدنا على توفير الطعام لأطفالنا».

غلاء وغياب للمساعدات

يؤكد سكان في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين أن أسعار الأضاحي شهدت ارتفاعاً كبيراً هذا العام بالتزامن مع زيادة أسعار المواد الغذائية والملابس، الأمر الذي جعل شراء الأضحية خارج متناول شريحة واسعة من السكان، ولا سيما النازحين الذين يعتمد كثير منهم على المساعدات الإنسانية المحدودة.

كما يشكو تجار ومواطنون من الجبايات والرسوم المفروضة على الأسواق وتجارة المواشي، مؤكدين أنها أسهمت في زيادة أسعار الأضاحي وأثرت سلباً في القدرة الشرائية للأسر.

أناس في سوق شعبية بالعاصمة اليمنية المختطفة صنعاء (إ.ب.أ)

ويرى اقتصاديون أن تراجع القدرة الشرائية يعود إلى استمرار الانقلاب الحوثي وندرة فرص العمل وتآكل قيمة الدخول أمام الارتفاع المستمر في أسعار السلع الأساسية، مؤكدين أن الأزمة الاقتصادية والإنسانية حولت كثيراً من المناسبات الدينية إلى عبء إضافي على الأسر الفقيرة بدلاً من أن تكون موسماً للفرح والتكافل.

وتشير منظمات يمنية محلية إلى أن انخفاض التمويل الإنساني خلال السنوات الأخيرة انعكس مباشرة على أوضاع النازحين، خصوصاً مع تقليص برامج المساعدات الغذائية والنقدية، ما دفع كثيراً من الأسر إلى المطالبة بدعم استثنائي يساعدها على مواجهة احتياجات موسم العيد.

ويقول عاملون في المجال الإغاثي إن كثيراً من الأسر باتت تلجأ إلى وسائل تكيف قاسية، مثل تقليص عدد الوجبات اليومية أو بيع بعض الممتلكات البسيطة لتغطية النفقات الأساسية.


انفراجة كبيرة بأزمة جوازات السفر في اليمن

انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
TT

انفراجة كبيرة بأزمة جوازات السفر في اليمن

انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)
انفراجة في الحصول على جواز السفر بعد سنوات من المعاناة (إعلام محلي)

شهدت أزمة استخراج جوازات السفر في اليمن انفراجاً ملحوظاً بعد سنوات من التكدس والمعاناة، إثر إعلان مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية إنهاء معظم المعاملات المتراكمة في المحافظات المحرَّرة، بعدما كان المواطنون ينتظرون ما بين سبعة وثمانية أشهر للحصول على جواز السفر، وهو ما تسبب في حرمان آلاف اليمنيين من فرص الدراسة والعمل والعلاج والسفر.

وأكدت المصلحة وصول عدد من فروعها إلى ما يُعرف بـ«مرحلة المعاملة صفر»، في إشارة إلى إنهاء جميع الطلبات المتراكمة، باستثناء فرع محافظة تعز الذي لا يزال يشهد ضغطاً كبيراً وتأخراً في إصدار الجوازات.

ومع تولي اللواء طارق النسي رئاسة المصلحة، جرى توفير نحو ثلاثة ملايين دفتر جواز سفر؛ الأمر الذي ساعد على معالجة الاختناقات المتراكمة وتسريع وتيرة الإنجاز. كما أعلن مكتب المصلحة في العاصمة المؤقتة عدن الانتهاء من طباعة جميع طلبات الجوازات المتأخرة، بما فيها معاملات مضى على بعضها عدة أشهر.

وأفاد فرع مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في مديرية خور مكسر بوصوله إلى «مرحلة المعاملة صفر»، بعد استكمال طباعة جميع معاملات جوازات السفر المتراكمة الخاصة بعام 2025، وحتى الشهر الحالي، في خطوة عكست تحسناً في مستوى الأداء وتسريع إنجاز الخدمات للمواطنين.

تزايد الإقبال وتأخر وصول الجوازات تسبب في تراكم المعاملات لنصف عام (إعلام محلي)

وأكد مدير الفرع، العميد صالح الحكمي، أن تسلم الجوازات أصبح متاحاً للمواطنين الذين استكملوا إجراءاتهم، مشيراً إلى أن المعاملات الجديدة يتم إنجازها خلال أيام معدودة وفق إجراءات قانونية وإدارية منظمة.

وأوضح أن قسم التسليم سيواصل عمله خلال إجازة عيد الأضحى على فترتين، صباحية ومسائية، بما يضمن استمرارية الخدمة وتسهيل حصول المواطنين على جوازاتهم دون تأخير.

إجراءات رقابية

شدد الحكمي على استمرار الإجراءات الصارمة لمكافحة التزوير والابتزاز، وإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة، مؤكداً تخصيص قنوات رسمية لتلقي شكاوى المواطنين ومقترحاتهم عبر تطبيق «واتساب» والبريد الإلكتروني، في إطار تعزيز التواصل المباشر وتحسين جودة الخدمات.

وفي السياق نفسه، أعلنت جوازات الحديدة استكمال طباعة جميع الجوازات التي كانت بحوزتها قبل إجازة عيد الأضحى، مؤكدة خلو سجلاتها حالياً من أي معاملات متراكمة، ودعت المواطنين إلى الحضور لتسلم جوازاتهم.

كما أكد مكتب جوازات محافظة مأرب الانتهاء من طباعة جميع الجوازات الموجودة لديه قبل بدء إجازة العيد، فيما لم تُسجل أي تأخيرات في مكاتب المصلحة بساحل ووادي حضرموت ومحافظتي شبوة والمهرة، إضافة إلى مكتب جوازات المخا في الساحل الغربي.

استمرار معاناة تعز

في المقابل، أعلن فرع مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في تعز استكمال طباعة جوازات السفر الخاصة بشهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بإجمالي 26 ألفاً و685 جوازاً، إضافة إلى تصفية جميع المعاملات العالقة الخاصة بالعام الماضي.

وأرجع الفرع أسباب التأخير إلى الكثافة الكبيرة والاستثنائية في أعداد المتقدمين للحصول على الجوازات، موضحاً أنه يستقبل أعداداً تفوق ما تستقبله بقية الفروع على مستوى البلاد؛ الأمر الذي أدى إلى تضخم حجم المعاملات، وأطال المدة الزمنية اللازمة للطباعة والإنجاز.

كثير من اليمنيين عانوا من استخراج جواز سفر في الوقت المناسب (إعلام حكومي)

وبحسب قيادة الفرع، فإن التأخير لم يكن نتيجة توقف أعمال الطباعة أو قصور في الأداء، بل بسبب الحجم الكبير للطلبات الواردة مقارنة ببقية الفروع، مع استمرار الجهود الرامية إلى تحسين مستوى الخدمة وتسريع الإجراءات.

ورغم ذلك، لا تزال شكاوى المواطنين تتصاعد في تعز بسبب استمرار التكدس وتأخر تسلم الجوازات؛ حيث أكد مواطنون أن التأخير تسبب في ضياع فرص دراسية ومنح تعليمية ووظائف خارج البلاد، فضلاً عن تعثر سفر مرضى ومسافرين اضطر بعضهم إلى الانتظار لأكثر من سبعة أشهر.

دعم حكومي

على وقع هذه التطورات، أشاد رئيس مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية في الحكومة اليمنية بالإجراءات التي اتخذها فرع عدن لمكافحة التزوير والابتزاز، مشدداً على ضرورة مواصلة تطبيق القانون بحزم وإحالة المخالفين إلى الجهات المختصة.

وخلال زيارته للفرع، أثنى اللواء طارق النسي على جهود الموظفين وروح الانضباط والمسؤولية التي أسهمت في رفع كفاءة الأداء وتحسين مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين، مؤكداً أن الكوادر الوطنية تمثل الركيزة الأساسية لتطوير العمل المؤسسي.

كما اطّلع على التجهيزات التقنية والإدارية في الفرع، مشيداً بخطط تحديث البنية التحتية التي تهدف إلى تسريع إجراءات إصدار الجوازات وتقليص الوقت والجهد على المواطنين، وضمان أعلى معايير الدقة والموثوقية في المعاملات.

تخصيص مكاتب لذوي الاحتياجات وكبار السن والمرضى (إعلام حكومي)

وكان رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين، شائع الزنداني، قد دعا إلى إحداث نقلة نوعية في مستوى الأداء المؤسسي وتعزيز مبادئ الشفافية والكفاءة، بما يسهم في تخفيف الأعباء عن المواطنين وتحسين مستوى الخدمات الحكومية.

ووجّه الزنداني بضرورة تعزيز التنسيق مع الجهات ذات العلاقة والتوسع في الخدمات الإلكترونية، بما ينسجم مع توجهات الحكومة نحو تحديث مؤسسات الدولة والارتقاء بالأداء الحكومي.

وخلال لقائه برئيس مصلحة الهجرة والجوازات والجنسية، أكد الزنداني أهمية الدور الحيوي الذي تضطلع به المصلحة، مشدداً على حرص الحكومة على تقديم الدعم اللازم لتذليل الصعوبات، وتمكينها من أداء مهامها بكفاءة وفاعلية.

كما ناقش آلية العمل في قطاعات الهجرة والجوازات والإجراءات المتخذة لتحسين جودة الخدمات وتسهيل إنجاز معاملات المواطنين، خصوصاً ما يتعلق بإصدار الجوازات والوثائق الرسمية، إلى جانب جهود التحول الرقمي وتحديث البنية التحتية التقنية.