عز الدين ميهوبي: لا يوجد صراع ثقافي في بلادنا وهجوم المثقفين يدخل في حيوية المشهد

وزير الثقافة الجزائري يقول إنه لا سبيل لتحقيق التطور إلا بالكتاب والقراءة

وزير الثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي
وزير الثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي
TT

عز الدين ميهوبي: لا يوجد صراع ثقافي في بلادنا وهجوم المثقفين يدخل في حيوية المشهد

وزير الثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي
وزير الثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي

في هذا الحوار، يكشف وزير الثقافة الجزائري عز الدين ميهوبي عن مصاعب وتحديات العمل الثقافي الجزائري، ويعلن عن استراتيجيته في ظل بداية الموسم الثقافي والأدبي الذي بدأ بفعاليات «زاخمة»، وسيشهد بعد أيام انطلاق معرض الجزائر الدولي للكتاب.
وتحدث ميهوبي أيضاً عن المشهد الأدبي الجزائري وخصوصيته و«الصراع بينه وبين معارضيه واتحاد الكتاب الجزائري»، وكيف يوازن بين رجل الدولة والمبدع.
وقد جرى الحوار في مكتبه المطل على رابية تشرف على ضفة المتوسط.
هنا نص الحوار:

> هناك كثير من القضايا المثيرة للجدل في الوسط الثقافي الجزائري، ما تصوراتك ورؤيتك لمستقبل الثقافة في الجزائر؟
- الثقافة الجزائرية تعيش مرحلة انتقالية... هناك حيوية في المشهد الثقافي الجزائري في السينما والتراث والمسرح والفنون... وهذا تم بـ«دسترة الثقافة»؛ فلم تعد الثقافة العجلة الخامسة في المركبة بل عجلة أساسية، الثقافة لم تعد مسألة كمالية بل حق من حقوق المواطن الجزائري في الدستور الجزائري عام 2016، فنحن نسعى للانتقال بالثقافة من كونها شأن الدولة إلى أن تكون شأناً مجتمعياً. الدولة ترافق كل مبادرة ثقافية وتؤمِّن شروط العمل الثقافي وإنشاء بيئة ثقافية وتأمين البنية التحتية من متاحف ومراكز وتمويل... وغيرها.
> ما الملف الملحّ لديك الآن؟
- تنظيم «جلسات الثقافة»، وهو لقاء وطني كبير سيشارك فيه الفاعلون في الحقل الثقافي يقدمون فيه أفكارهم ومقترحاتهم لتبادل الآراء لنخرج بوثيقة تصوُّر مستقبلي، وبمنتج ثقافي يمكن تحويله لمنتج اقتصادي وسيكون اللقاء قبل نهاية العام. وحالياً نحافظ على تنظيم الفعاليات الكبرى أهمها «المعرض الدولي للكتاب» وستكون الصين ضيف شرف، وبمشاركة نحو 950 دار نشر عربية وأجنبية، ويصادف هذا العام مرور 60 عاماً على العلاقات الصينية الجزائرية. وسوف تُقام كثير من الفعاليات الثقافية عالية المستوى في الجزائر والصين.
> هناك حالة من الحراك الثقافي على مستوى الشعر والكتابة الأدبية والسينمائية في الجزائر، وأخيراً انطلقت مجموعة شبابية «فاي» للنهوض بالشعر، فما السر وراء هذه الانتعاشة؟
- المجتمع الجزائري يعي جيداً أنه لا سبيل لنا في التطور والمعرفة إلا بالكتاب والقراءة، ولدينا سلوك مدني ممتاز خلق حراكاً ثقافياً جماهيرياً، مثل: مبادرات للقراءة بإنشاء مكتبات في الشارع، كل مدينة أصبحت تقوم بهذا؛ «وهران تقرأ»، و«قسنطينة تقرأ»، نرافق هذه الجهود بالكتب أو الدعم. أيضاً في جميع المجالات يوجد هذا الوعي بأهمية المعرفة وقيمة التراث، هناك أيضاً تظاهرة «متحف الشارع» حيث تنظم المتاحف فعاليات للجمهور ويتعرفون على ما تحويه المتاحف ولكن في الشارع.
> نعم، الذي يزور الجزائر سيجد اهتماماً كبيراً بالمواقع والمعالم التراثية لكن كل ذلك لا يتم الترويج له، لماذا؟
- هناك مخطط عام في الدولة لوضع مسار سياحي يتنقل فيه السائح عبر كثير من المواقع الثقافية والأثرية التي تضمها الجزائر، وستكون تجربة أولى في هذا المجال. ونطمح في الاستفادة من التجربة المصرية في مجال الآثار المرتبطة بالأهرامات، خصوصاً أن لدينا أهراماتٍ في الغرب الجزائري نسعى لتصنيفها ضمن قائمة «اليونيسكو» للتراث.
> من ملاحظاتي الأخرى، هناك شبه غياب للفن التشكيلي.
- خلال الأربعة أشهر الماضية قدمنا أول سوق للفن التشكيلي الجزائري بمشاركة أكثر من 200 فنان تشكيلي عرضوا ما يزيد على 800 عمل، وبدأنا نؤسس لهذه السوق، وننظم أياماً دراسية خاصة للفن التشكيلي ليصبح جزءاً أساسياً من منظومة الاقتصاد، وسجَّلنا فتح أروقة خاصة للعرض والبيع.
> برأيك، هل ثمة خصوصية أدبية جزائرية وسط خريطة الإبداع العربي.. ما ركائزها وملامحها سواء على المستويين الفكري أو الجمالي؟
- هناك تقاليد ثقافية في الجزائر وموقعها يؤهِّلها أن يكون لها أكثر من سقف لغوي هذا سهل للأديب الجزائري الوصول عبر ضفة المتوسط لدور نشر مختلفة، أيضاً الثقافة الجزائرية في بعدها العربي والأفريقي والأورومتوسطي والإنساني مما مكَّن المبدع الجزائري من أن يكون لديه لمسة خاصة به، على الرغم من وجود بعد محلي لكنه يصل للقارئ حيثما كان، وهذا ربما ما مكَّن الجزائريين من نيل كبرى الجوائز الأدبية في الخارج على الصعيد العربي والأوروبي.
> ماذا عن أزمة اتحاد كتاب الجزائر... هل سيتم حلها قريباً؟
- هناك خلافات بيني وبين القيادة الحالية لاتحاد الكتاب الجزائري، وأرى أنه يمكنها أن تنتهي بمجرد أن تفرض نفسها بمشروع ثقافي حقيقي، وأن يكون للاتحاد حضوره الواسع في مختلف الفعاليات وألا يضيع كثيراً من الفرص... هناك خلاف منهجي في النهاية.
> الفرنسية والعربية.. هل ما زال الصراع بين الفرانكفونيين والمعربين قائماً؟
- لا يوجد صراع ثقافي في الجزائر... هذه التصنيفات تم تجاوزها... وكل ما يُنتج ثقافياً يصبُّ في مصلحة الثقافة الجزائرية بدليل أن جائزة «آسيا جبار»، وجائزة «محمد ديب»، وجائزة «يمينة مشاكرة» التي تم إطلاقها أخيراً، تقدم باللغات الثلاث العربية والفرنسية والأمازيغية. كان ذلك الصراع في فترة معينة ربما لكن الآن هناك الإنتاج الثقافي المتمازج.
> رغم وجود كثير من دور النشر الجزائرية التي يزيد عددها على الألف، نجد أدباء جزائريين ينشرون أعمالهم بالخارج، فكيف ترى ذلك؟
- نحن نشجع ذلك، لأن النشر خارج الجزائر يصل بالأدب الجزائري لمزيد من القراء ويفتح أسواقاً جديدة له، بل إن النشر في الخارج يشجع الناشر الجزائري على تشجيع هذه الأقلام في الداخل. وكله يصب في انتشار الأدب والثقافة الجزائرية.
> كيف ترى واقع الشعرية العربية الآن؟
- الشعر مظلوم إعلامياً بالنظر لاكتساح الرواية للمشهد الإعلامي وكونها الأكثر حضوراً في حياة الناس... أؤكد دائماً أن الشعر يسعى لأن يكون له حضوره الخاص رغم محدوديته، الشعر باقٍ ما بقي الشعور الإنساني... والذائقة العربية تنطلق دائماً من الشعر والقصيدة.
> عالمك الشعري يمزج الموروث الشعبي والرموز مع مفردات ورؤية حداثية... هل تحرص على ذلك؟
- يجب على المبدع الانفتاح على محيطه الثقافي، وربما الكتابة للمسرح والسينما والشعر والرواية والمقال الثقافي والسياسي وكثرة هذه الاهتمامات وضعتني على تماسّ مع تجارب أخرى وتماس مع الحداثة وثقافات أخرى إلى جانب الجزء الثقافي الموروث والمكتسب من المحيط الاجتماعي، وأيضاً من خلال المشاركة في مهرجانات عالمية كل هذا شكَّل تجربتي الشعرية.
> خضتَ تجربة الكتابة الروائية، بدأتها برواية «اعترافات أسكرام»، فهل سوف تعاود التجربة قريباً؟
- بعد «اعترافات أسكرام» صدر لي رواية «إرهابيس» عام 2013، وستكون حاضرة بالفرنسية في المعرض الدولي للكتاب 2018، وأسعى من خلالها لمحاولة تفكيك أسئلة الإرهاب، ماذا لو كل إرهابيو العالم أسسوا دولة في جزيرة وانضم إليهم كل الدمويين والقتلة الذين عُرفوا في التاريخ، كيف سيكون هذا الكيان؟ وهل سيكون محكوماً ببعد إنساني؟ كتبتها قبل ظهور «داعش»، وفيها ستجدين بينوشيه وبوقاصة وبن لادن وهتلر وغيرهم... هذه الأسماء هي التي تؤسس لهذا العمل الروائي. وكُتِبت بأسلوب سينمائي «سيني - واية» كأنها فيلم افتراضي بتفاصيل وحوار يراها القارئ في مخيلته.
لي عمل روائي مقبل أنجزتُ نحو 70 في المائة منه... شرعتُ فيه حينما التحقت بالوزارة، وهو يعرج على الصراع في الشرق الأوسط ينطلق مما تعيشه المنطقة لكنه يوغل في التراث قليلاً.
> بشأن الهجوم الأخير ضدك وتوقيع 100 مثقف جزائري عريضة ضد وزارة الثقافة، لم نجد رد فعل من جانبكم، فما السبب.
- هذا يدخل في حيوية المشهد الثقافي الجزائري... وهي مسألة مهمة... أحياناً يكون الجرس يدفع للالتفات إلى مجموعة من المثقفين وعلينا التفاعل معه بإيجابية، ربما بعض الأشياء لها خلفيات أخرى لكنني أحترم هؤلاء المثقفين الذين يريدون أن يتسع المجال، وأن تتوفر البيئة الصحية لإنتاج ثقافي مستديم وهذا الذي نعمل لأجله. التوقيت صعب... في ظل نقص الإمكانات ولكننا نهدف لتحسين البيئة الثقافية.
> وماذا بشأن الجدل الدائر حول فيلم «أحمد باي»؟
- ليس هناك اعتراض على الفيلم لكن بعض الناس فهموا أن التعاقد مع فنان عالمي مثل جيرار دو بارديو أمر سيضر بالعمل، هو صاحب باع طويل أكثر من 50 عاماً في الحضور والتأثير في المخيلة السينما العالمية. نحن لا نخوض في حياة الفنان الشخصية. كل فنان له حياته الخاصة وهو مسؤول عنها. أنا أريد أن آخذ من هذا الفنان هذا الجانب الإبداعي في هذا المشروع السينمائي. هل خاض المصريون مسيرة ضد إليزابيث تيلور لأداء دور كليوباترا؟ هل خرج الليبيون ضد أنتوني كوين في دور عمر المختار؟ للأسف، حاول البعض إعطاء هذه الضجة غطاء حول حياة هذا الفنان، في حين أنه رجل له إلمام كبير بالثقافة العربية، وهو أحد المعجبين بأم كلثوم ويقرأ لابن رشد. ننتظر أن نشاهد فيلماً ناجحاً من أنجح الأفلام السينمائية التي تتناول شخصيات المقاومة الشعبية للاحتلال الفرنسي.
> في هذا الصراع بين العمل الرسمي والإبداع، أيهما ينتصر؛ ميهوبي الشاعر والروائي أم الوزير؟
- أنا مكلف بمهمة إدارة الشأن الثقافي وسعيد بهذه الثقة التي مكنني منها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وأتمنى أن أكون في مستوى هذه الثقة... نشأتُ كل حياتي في مجال الحقل الثقافي سواء في اتحاد الكتاب أو في مجال المسرح والسينما، وهو ما سهَّل طبيعة عملي وخدمة الثقافة الجزائرية، لكن الإمكانات ليست بحجم التطلعات، ومع هذا نجتهد أن نقدم الأفضل.
> لمن تقرأ؟
- أقرأ الكتب الفكرية والاستراتيجية التي تتناول تحولات العالم في بعدها الآيديولوجي، وتشكلات الوعي الجديدة في ظل الثورة الرقمية. وأسعى لاقتناص بعض الحالات الأدبية التي تفرض حضورها... قراءاتي الأدبية قليلة جدا وأكرس الوقت لقراءة الأعمال الخاصة بالأدباء الجدد ودعم الموهوبين منهم.
> أخيراً، إلى أي شيء يفتقر الخطاب الثقافي العربي؟
- عليه أن يتجاوز الأدبيات الكلاسيكية. تبديل الخطاب يحتاج لإبدال ممارسة بأخرى وليس مفردة بأخرى. يجب اختراق عقل الآخر بكثير من الأعمال، بشرط خلوها من العنتريات وتوظيف الماضي فقط.



بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
TT

بعد فيضانات المغرب وسوريا... لماذا أصبحت الظواهر المناخية «أكثر تطرفاً»؟

فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)
فيضانات بالمغرب بعد سنوات من الجفاف (رويترز)

يشهد كل من المغرب وسوريا فيضانات وأمطاراً استثنائية، مما دفع سلطات البلدين إلى إجلاء عشرات الآلاف من السكان. ويرى خبراء المناخ أن هذا التطور يعكس تطرف الظواهر المناخية نتيجة تفاقم ظاهرة الاحتباس الحراري وتغير المناخ.

وتتعرض مناطق شمال المغرب لفيضانات وسيول قوية منذ أسبوع، فيما أعلنت السلطات عن إجلاء أكثر من 154 ألف شخص من أربعة أقاليم هي: العرائش، والقنيطرة، وسيدي قاسم، وسيدي سليمان، ضمن جهود حماية السكان من تداعيات الأمطار الغزيرة والسيول المستمرة لليوم الثاني عشر على التوالي، مع اتساع رقعة القرى المتضررة.

ومنذ 28 يناير (كانون الثاني) الماضي، شهدت هذه الأقاليم فيضانات في عدة مدن، خصوصاً القصر الكبير، نتيجة ارتفاع مستوى وادي اللوكوس بعد امتلاء سد وادي المخازن إلى 156 في المائة من سعته للمرة الأولى، ما أدى إلى فيضانه وفق معطيات رسمية. كما تسبب هطول الأمطار الغزيرة في فيضان مجاري المياه وارتفاع مستوى الأنهار بسرعة غير معتادة، ما استدعى عمليات تفريغ وقائي لسدي الوحدة ووادي المخازن لحماية المناطق المجاورة.

قبل هذه الموجة، شهدت المملكة في سبتمبر (أيلول) الماضي، أمطاراً غزيرة استثنائية، مما رفع مخزون السدود إلى أكثر من 61 في المائة، أي ما يفوق 10 مليارات متر مكعب، وهو مستوى غير مسبوق منذ عام 2019، وفق المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب.

وفي جنوب غربي البلاد، شهدت مدينة آسفي في ديسمبر (كانون الأول) الماضي فيضانات مفاجئة أودت بحياة 37 شخصاً، في أكبر حصيلة من نوعها خلال العقد الأخير.

التغير المناخي تسبب في ظواهر جوية متطرفة (رويترز)

أما في سوريا، فقد سجلت محافظات اللاذقية، وإدلب، وحماة (شمال غربي البلاد) فيضانات مفاجئة ليل السبت نتيجة هطول أمطار غزيرة، ما أسفر عن سقوط ضحايا وتضرر مخيمات مدنيين، فيما تواصل فرق الدفاع المدني جهود البحث والإنقاذ، وإجلاء المتضررين.

كما سجلت فرق الدفاع المدني السورية وفاة طفلين وإنقاذ ثالث بعد جرفهم من قبل السيول في منطقتي العسلية وعين عيسى بريف اللاذقية الشمالي. وذكرت تقارير وفاة متطوعة من الهلال الأحمر العربي السوري وإصابة 6 آخرين، بينهم 5 متطوعين، إثر حادث سير في جبل التركمان أثناء توجههم لتقديم المساعدة للسكان.

الاستمطار الاصطناعي

أوضح الدكتور علي قطب، أستاذ المناخ بجامعة الزقازيق المصرية، أن الفيضانات التي تشهدها سوريا والمغرب تعود بشكل كبير إلى عدة عوامل، أبرزها تفاقم ظاهرة تغير المناخ وارتفاع درجات الحرارة، بالإضافة إلى التلوث البيئي الناتج عن استخدام الطاقة، إلى جانب تقلص المسطحات الخضراء، وهو ما يزيد من حدة التغيرات المناخية.

وأضاف قطب لـ«الشرق الأوسط» أن أحد الأسباب الأخرى وراء الفيضانات في المغرب يتعلق بـظاهرة الاستمطار الاصطناعي للسحب، التي ينفذها المغرب وبعض الدول المجاورة لمواجهة الجفاف.

وأوضح أن هذه العملية، التي تعتمد على رش مواد كيميائية مثل نترات الفضة أو يوديد الفضّة في السحب، لتسهيل تكوّن قطرات الماء وتسريع سقوطها على شكل أمطار، قد تؤدي إلى تطرف مناخي، بسبب زيادة كميات الأمطار الناتجة عن السحب الآتية من المحيط.

الفيضانات أحدثت ضرراً كبيراً بمدينة القصر الكبير (رويترز)

وأشار إلى أن هذه الظاهرة الاصطناعية، إلى جانب تفاقم التغير المناخي، يؤديان إلى تطرف الظواهر المناخية، بما في ذلك الفيضانات والسيول، كما هي الحال في المغرب وسوريا حالياً. كما ينتج عن هذا التطرف ندرة الأمطار في بعض الدول المجاورة مثل الجزائر وليبيا ومصر؛ إذ إن الحركة الطبيعية للسحب تكون من الغرب إلى الشرق، وبالتالي قد لا تصل بعض المناطق إلى كميات الأمطار المعتادة.

وحسب المديرية العامة للأرصاد الجوية بالمغرب، أسهم برنامج «غيث» لاستمطار السحب خلال الفترة 2020 - 2025 في رفع حجم التساقطات في المناطق المستهدفة بنسبة تتراوح بين 15 و20 في المائة، وتستفيد بشكل مباشر المناطق الواقعة فوق السدود، حيث تعزز الأمطار المحفَّزة المخزون المائي في الأودية والأحواض الكبرى.

وأكد قطب أن التغير المناخي وارتفاع درجات الحرارة أسهما أيضاً في حدوث ظواهر مناخية غريبة هذا الشتاء في مصر، حيث بلغت الحرارة نحو 30 درجة مئوية في فبراير (شباط) الحالي، وهي مستويات غير معتادة في هذا الوقت من السنة.

وشدد على أن تطرف الظواهر المناخية يعني أن الدول الممطرة قد لا تتلقى الأمطار، والدول غير الممطرة قد تشهد أمطاراً غير متوقعة، كما قد يشهد الشتاء ارتفاعاً غير معتاد في درجات الحرارة في بعض المناطق، بينما يكون الصيف أشد حرارة في مناطق وأقل في أخرى، ما يشكل ظواهر مناخية غير طبيعية وغير معتادة.

واقع ملموس

فيما قال الدكتور وحيد إمام، أستاذ علوم البيئة بجامعة عين شمس المصرية، إن التغيرات المناخية أصبحت واقعاً ملموساً نتيجة ارتفاع درجات حرارة سطح الأرض، ما أدى إلى تزعزع الثبات المعتاد لأنماط الطقس التقليدية خلال الفصول، بمعنى أن بعض البلدان تشهد منخفضات جوية في حين تعاني دول أخرى من مرتفعات جوية خلال الشتاء، ما يعكس اضطراباً واضحاً في أنماط الطقس المعهودة.

محافظة إدلب بسوريا تعرضت لأمطار غزيرة (محافظة إدلب)

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن متوسط حرارة سطح الأرض ارتفع من 15 درجة مئوية إلى 16.2 درجة مئوية، وأن هناك جهوداً عالمية للحفاظ على هذه الزيادة دون تجاوز 16.5 درجة مئوية، من خلال التحكم في مستويات الغازات المسببة للاحتباس الحراري، والاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة.

وأكد أن زيادة 1.2 درجة مئوية قد تبدو ضئيلة، لكنها تؤثر بشكل كبير على التوازن البيئي، إذ إن درجة حرارة سطح الأرض المثالية لحياة الإنسان والنبات والحيوان هي حوالي 15 درجة مئوية.

وأشار إمام إلى أن تغير المناخ أفرز ظواهر مناخية متطرفة تسببت جزئياً فيما يحدث في المغرب وسوريا حالياً، من بينها ظاهرة «اللانينا» الجوية. وتحدث هذه الظاهرة عندما تنخفض درجات حرارة مياه سطح المحيط الهادئ الاستوائي بشكل غير طبيعي، ما يؤدي إلى تغييرات كبيرة في أنماط الطقس حول العالم، بما في ذلك زيادة الأمطار في بعض المناطق وحدوث جفاف شديد في مناطق أخرى، إضافة إلى تأثيرها على درجات الحرارة وشدة الأعاصير.

كما أكد أن هذه الظاهرة هي جزء من دورة طبيعية تشمل أيضاً ظاهرة «النينو»، وهي على العكس تماماً من ظاهرة «اللانينا»، إذ تسبب زيادة في حرارة سطح المياه بدلاً من انخفاضها.

أمطار بعد سنوات عجاف

من جهة أخرى، فسّر خبير المناخ المغربي المهندس محمد بنعبو الفيضانات الأخيرة في المغرب بأنها نتيجة ظرفية استثنائية، إذ شهدت البلاد هطول كميات هائلة من الأمطار خلال فترة وجيزة، بعد سنوات طويلة من الجفاف.

غرق مدينة القصر الكبير في المغرب (رويترز)

وأوضح أن المرتفع الأزوري، أو مرتفع شمال الأطلسي شبه الاستوائي عادةً ما يحجب المنخفضات الرطبة عن البلاد، وهو ما يؤدي إلى فترات جفاف طويلة، لكن هذا العام، وبفضل تأثير «اللانينا» الجوية، تحرك المرتفع الأزوري نحو الشمال الاسكندنافي، ما فتح الواجهة الأطلسية لاستقبال المنخفضات الرطبة، فشهد المغرب منذ بداية سبتمبر وحتى اليوم هطول جميع المنخفضات الرطبة دون استثناء، وفق ما ذكر موقع «فرانس 24».

وأضاف أن المغرب بطبيعته منطقة ذات مناخ جاف أو شبه جاف، وأن هذه الأشكال المناخية غير المستقرة تشترك فيها معظم دول حوض البحر الأبيض المتوسط، التي تُعد نقطة ساخنة مناخياً. وتتميز هذه المناطق بدورات الأمطار المتقطعة، حيث قد تتوقف الأمطار لعام أو عامين، وقد تمتد فترات الانقطاع حتى سبع سنوات كما حدث سابقاً.

وأشار إلى أن ارتفاع درجات الحرارة خارج فصل الصيف يؤدي إلى تبخر كميات كبيرة من المياه، بينما تجعل السنوات الطويلة من الجفاف التربة صلبة وغير قادرة على امتصاص مياه الأمطار بشكل كافٍ، وهذا الواقع أسهم بشكل كبير في شدة الفيضانات التي تشهدها البلاد حالياً.


تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
TT

تيفاني ترمب «تنبهر» بالمعالم المصرية... ودعوات لاستغلال زيارتها سياحياً

تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)
تيفاني مع والدها دونالد ترمب (حسابها على إكس)

جدد «انبهار» ابنة الرئيس الأميركي تيفاني ترمب، بالمعالم الأثرية المصرية، الدعوات لاستغلال زيارتها لمصر رفقة زوجها رجل الأعمال الأميركي من أصول لبنانية مايكل بولس، في تنشيط السياحة.

وتجولت تيفاني، الابنة الصغرى لترمب، رفقة زوجها في منطقة الأهرامات، الجمعة، قبل أن تتجه إلى الأقصر (جنوب مصر)، السبت؛ حيث زارت «معابد الكرنك»، ومعبد الأقصر، ومتحف التحنيط، قبل أن تتجه إلى البر الغربي، وتزور «معبد حتشبسوت»، ومقابر وادي الملوك والملكات، ومعبد «الرامسيوم» ومنطقة تمثالي ممنون.

واحتفت وسائل إعلام محلية بالرحلة الشتوية لابنة الرئيس الأميركي. وتداولت صوراً ومقاطع فيديو لها في المعالم المصرية، ونقلت عن الدكتور محمود موسى مدير آثار «البر الغربي» بالأقصر، تأكيده على أن تيفاني ترمب «أبدت انبهاراً شديداً بالنقوش الفرعونية على الجدران، وبكيفية حفاظ قدماء المصريين على تاريخهم وكنوزهم من السرقات».

ووصف الخبير السياحي محمد كارم الزيارة بأنها «مهمة». وعدَّها «رسالة غير مباشرة لتنشيط السياحة في مصر». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الزيارة ستشكل نقطة انطلاق للترويج السياحي، ولا سيما جذب السوق الأميركية للسياحة الثقافية في مصر خلال الفترة المقبلة».

معبد حتشبسوت في الأقصر (الشرق الأوسط)

وهو ما أكده رئيس غرفة السياحة بالأقصر، ثروت عجمي، لـ«الشرق الأوسط»، واصفاً الزيارة بأنها «دعاية لا تقدَّر بثمن للمعالم السياحية المصرية». وتوقع أن «تؤتي الزيارة عائداتها على السياحة المصرية سريعاً، على غرار ما أحدثه افتتاح المتحف المصري الكبير».

وأشار إلى أنه «سيتم استغلال الزيارة في الترويج السياحي»، ولكنه عاد وأكد أن «السياحة ستزيد تلقائياً بعد الزيارة»، لافتاً إلى أن «زيارات المشاهير للمعالم السياحية توازي دعاية سياحية بمليارات، وهي فرصة ذهبية لا بد من استغلالها بالشكل الأمثل».

وساهم افتتاح المتحف المصري الكبير في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي في الترويج السياحي لمصر، وشهد زحاماً وتكدساً من مصريين وسياح في الأيام الأولى لافتتاحه.

وفي تصريحات متلفزة مساء السبت، أشار رامي فايز، عضو غرفة المنشآت الفندقية، إلى «سعيهم لاستغلال واستثمار زيارة تيفاني ترمب في الترويج للسياحة المصرية»؛ مشيراً إلى أن مصر «تستهدف الوصول لنحو 22 مليون سائح بنهاية 2026»، مضيفاً أن «العائد عن كل مليون سائح يوازي ملياراً و200 مليون دولار».

مقابر أثرية بالبر الغربي في الأقصر (الشرق الأوسط)

واستقبلت مصر خلال العام الماضي نحو 19 مليون سائح، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، وأكد وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، في تصريحات صحافية الشهر الماضي، أن معدل النمو المحقق يفوق المتوسط العالمي البالغ نحو 5 في المائة، وفق تقديرات منظمة الأمم المتحدة للسياحة، مما يعكس ثقة السائحين في مصر.

وجددت المطالب باستثمار زيارة تيفاني لمصر الدعوات السابقة لاستغلال زيارة اثنين من المشاهير العالميين للمناطق الأثرية في مصر الشهر الماضي، هما: النجم العالمي ويل سميث، وصانع المحتوى سبيد، وجولتيهما في منطقة الأهرامات والمتحف المصري الكبير.

وتعتمد مصر على قطاع السياحة بوصفه من ركائز الدخل القومي، وتسعى مصر لاجتذاب 30 مليون سائح سنوياً بحلول عام 2031.

تيفاني ترمب زارت أهرامات الجيزة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

وعلى هامش وجوده بالمعرض السياحي الدولي (EMITT) بتركيا، قال وزير السياحة والآثار المصري، شريف فتحي، لوسائل إعلام تركية، حسبما أفادت به الوزارة في بيان لها، الأحد، إن مصر تستهدف تحقيق نمو إضافي في أعداد السائحين بنسبة 10 في المائة في عام 2026. كما أشار إلى الزيادة الكبيرة في أعداد السائحين القادمين من تركيا بنسبة 43 في المائة خلال 2025، متوقعاً استمرار النمو خلال 2026، في ظل توقعات بزيادة حجوزات الطيران القادمة من السوق التركية بنسبة تتراوح بين 20 في المائة و25 في المائة.

وأكد الوزير أن «مصر بلد آمن، وأن الصورة الإيجابية عنها تنتقل بالأساس من خلال تجارب الزائرين أنفسهم، بعد عودتهم إلى بلدانهم، أو من خلال سفراء الدول المعتمدين لدى مصر»؛ مشيراً إلى «حرص كثير من السفراء على التجول في شوارع القاهرة التاريخية بصفة منتظمة، في رسالة واضحة تعكس الأمن والاستقرار، وتدعم الصورة الإيجابية عن مصر».

وأضاف فتحي أن «مصر تمتلك منتجات سياحية متنوعة وفريدة لا مثيل لها عالمياً، والتي يمكن دمجها لتقديم تجارب جديدة، إلى جانب الاعتماد على أدوات التسويق الرقمي والذكاء الاصطناعي في الحملات الترويجية»، موضحاً أن «الموسم السياحي في مصر ممتد طوال العام، مع ازدياد الطلب على السياحة الفاخرة والرحلات النيلية».


إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
TT

إجراء جراحي للوقاية من سرطان المبيض

الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)
الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بسرطان المبيض (جامعة كولومبيا البريطانية)

كشفت دراسة كندية أن إجراءً جراحياً مبتكراً يمكن أن يقلل بشكل كبير من خطر الإصابة بسرطان المبيض، أحد أخطر أنواع السرطان النسائية.

وأظهرت الدراسة، التي قادها باحثون من جامعة كولومبيا البريطانية، أن الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب يقلل خطر الإصابة بأكثر أنواع سرطان المبيض شيوعاً وفتكاً، ونُشرت النتائج، الجمعة بدورية «JAMA Network Open».

وغالباً ما يظهر سرطان المبيض دون أعراض واضحة في مراحله المبكرة، مما يجعل تشخيصه صعباً، وغالباً بعد تفاقم المرض. ويصيب سنوياً آلاف النساء حول العالم، مع ارتفاع معدلات الوفيات بسبب تأخر التشخيص؛ إذ لا يتوافر حتى الآن فحص مبكر فعّال للكشف عنه. وأكثر الأنواع شيوعاً هو سرطان المبيض المصلي، الذي يشكّل تحدياً علاجياً كبيراً نظراً لسرعته وخطورته.

وتعتمد الاستراتيجية الجراحية المبتكرة على إزالة قناتَي فالوب بشكل استباقي أثناء خضوع المرأة لجراحة نسائية روتينية، مثل استئصال الرحم أو ربط قناتي فالوب، مع الحفاظ على المبيضين لإنتاج الهرمونات الطبيعية وتقليل أي آثار جانبية.

وكانت مقاطعة كولومبيا البريطانية أول منطقة في العالم تعتمد هذا النهج عام 2010، بعد أن اكتشف باحثو جامعة كولومبيا البريطانية أن معظم حالات سرطان المبيض تنشأ في قناتَي فالوب، وليس في المبيضين كما كان يُعتقد سابقاً.

وحللت الدراسة بيانات صحية سكانية لأكثر من 85 ألف سيدة أجرين جراحات نسائية في المقاطعة بين عامي 2008 و2020، وقارن الباحثون معدلات الإصابة بسرطان المبيض المصلي بين من خضعن للاستئصال الوقائي لقناتي فالوب ومن أجرين جراحات مماثلة دون هذا الإجراء.

استئصال وقائي

وأظهرت النتائج أن السيدات اللاتي خضعن للاستئصال الوقائي كن أقل عرضة للإصابة بسرطان المبيض المصلي بنسبة 78 في المائة. وفي الحالات النادرة التي ظهر فيها السرطان بعد الإجراء، كان أقل شراسة بيولوجياً. كما دعمت بيانات من مختبرات تشريح مرضي حول العالم هذه النتائج، مؤكدة وجود تأثير وقائي مماثل.

ومنذ اعتماد هذا النهج، أصبح يُطبق على نطاق واسع في مقاطعة كولومبيا البريطانية، حيث تُجرى إزالة قناتي فالوب في نحو 80 في المائة من عمليات استئصال الرحم وربط القنوات. وعلى الصعيد العالمي، توصي منظمات طبية في 24 دولة بهذا الإجراء كاستراتيجية للوقاية من سرطان المبيض، من بينها الجمعية الكندية لأطباء النساء والتوليد التي أصدرت إرشادات رسمية عام 2015.

وقال الدكتور ديفيد هانتسمان، أستاذ علم الأمراض وأمراض النساء والتوليد بجامعة كولومبيا البريطانية والباحث المشارك بالدراسة: «هذه النتائج هي خلاصة أكثر من عقد من العمل بدأ هنا في كولومبيا البريطانية، وتأثير هذا الإجراء كان أكبر مما توقعنا».

وأضاف أن توسيع نطاق تطبيق الاستئصال الوقائي لقناتي فالوب عالمياً قد يمنع آلاف حالات سرطان المبيض سنوياً، مشيراً إلى أن إدراج هذا الإجراء ضمن جراحات البطن والحوض الأخرى، كان مناسباً، وقد يزيد من عدد النساء المستفيدات بشكل كبير.