المسلحون في واجهة الأفلام السينمائية

أرجنتينية انجذبت للإسلام والأميركي حورب بسببه

رجلان في المدينة  -  لمن لا يستطيع تلو الحكايات
رجلان في المدينة - لمن لا يستطيع تلو الحكايات
TT

المسلحون في واجهة الأفلام السينمائية

رجلان في المدينة  -  لمن لا يستطيع تلو الحكايات
رجلان في المدينة - لمن لا يستطيع تلو الحكايات

عندما يخفق بطل فيلم «رجلان في المدينة» في إقناع أكثر أعدائه حقدا بأنه بات مسالما ويريد شق طريقه في الحياة من دون أن يؤذي أحدا. عندما يخفق في تغيير صورته أمام القانون، ويخفق في الدفاع عن محبوبته معا، يقدم على القتل، يحطم رأس الرجل الذي صفع زوجته ويركع فوق جثته مدركا ما قام به، وكيف أنه يخالف ما عاهد نفسه عليه. ينهض. يتجه إلى الماء ويتوضأ. هذا لأنه مسلم أميركي أسود دخل السجن مسيحيا بعدما قتل معاون الشريف، وخرج من السجن مسلما يريد نبذ العنف.
الصورة التي أراد المخرج رشيد بوشارب تقديمها حول بطله المسلم، كما قام الأميركي فورست ويتيكر بتقديمها، ليست واضحة على الشاشة وضوحها على الورق، بالنسبة للأميركي، والأحداث تدور في ولايتها الغربية نيو مكسيكو، يفهم أن بطل الفيلم عانى من شباب جانح وأزمة نفسية دفعته لتبني العنف، ويفهم أنه خرج من السجن يريد شق طريقه بسلام، بل ويدرك أن ذلك ليس هينا عليه بوجود شريف (هارفي كايتل) يكن له شعورا عنصري الأساس، لكنه لن يدرك تماما ما علاقة الإسلام بما يحدث له.
بكلمات أخرى، ما سبق من حيثيات الصورة الشخصية لويليام غارنت (ويتيكر) كاف من دون إدخال الدين في صلبه، الحكاية المتوافر فيها النصيب المطلوب من عناصر الدراما: الأسود في مواجهة عنصرية الأبيض، السجين الباحث عن مستقبله وماضيه الذي يطارده، الرغبة في فرصة حياة جديدة أمام تعنت الشريف وعداوته، كل شيء كاف لدراما تتوقف قوتها على نجاح المخرج، أي مخرج، في إتقان عملية تشبيع تلك الدراما بما تحتاجه من واقعية المواقف أو حسن التنفيذ، لماذا يضاف، إذن، أن ويليام غارنت، فوق كل ما سبق، اعتنق الإسلام ويريد أن يعيش بتعاليمه؟
الجواب هو أن المخرج رشيد بوشارب وشريكه في كتابة السيناريو ياسمينة خضرا اللذان اقتبسا الفيلم الفرنسي البوليسي «رجلان في المدينة» لمخرجه جوزيه جيوفاني (1974)، أرادا تقديم حكاية مسلم (لم تكن واردة في الفيلم الأصلي الذي وقعت أحداثه في باريس) يواجه ما سبق. علاوة على أوضاعه (أفرو أميركي، سجين سابق، قاتل، حياة جديدة، مستقبل واعد، قصّة حب.. الخ) أرادا له أن يكون مسلما رغبة منهما، الافتراض الأعلى، في تقديم شخصية تنأى بما يحمله هذا العصر من تضاد، هناك مشهد يستغل فيه الشريف العنصري مسألة أن ويليام تحول إلى الإسلام ليحذر مواطني البلدة منه ومن الإسلام بأسره.
إذا لم تصل تلك الرغبة كاملة أو ناصعة، فإن ذلك الفيلم ضمها ضما إلى الأسباب الأخرى التي يعاني منها بطل الفيلم مثل لونه الأسود ومثل ماضيه الداكن وإخفاقه في التحكم في نفسه وعدم فقدان السيطرة والإقدام على العنف، ضمها عوض أن يجعلها مقصودة بحد ذاتها ما جعلها تبدو تأكيدا على ما هو مؤكد سلفا.

* أربع مخرجات
الموضوع الإسلامي في السينما يعود إلى فجرها الأول، الأفلام دارت على جبهتين: واحدة عريضة معادية، بقصد ومن دون قصد، وأخرى إيجابية، بقصد ومن دون قصد أيضا. وبما أننا لسنا هنا في معرض تحليل الصورة ولا في قراءة التاريخ، فإن النافذة الآنية الذي يتكفل بفتحها فيلم المخرج الجزائري المعروف بوشارب تطل على عدد من الأفلام الأخيرة التي تسعى، مثل «رجلان في المدينة» لتقديم صورة أفضل للشخصية المسلمة، لكن من دون التباسات الصورة غير المحددة أو اللازمة.
في فيلم «هابي، الأجنبية» للمخرجة الأرجنتينية الجديدة ماريا فلورينيثيا ألفاريز، ومن إنتاج البرازيلي وولتر ساليس (المخرج المعروف نفسه)، حكاية فتاة من القرية تصل إلى مدينة بوينس آيريس بحثا عن العمل وتحط في فندق يقع في حي عربي هي غريبة عنه وعن تقاليده الإسلامية، تجذبها مشاهد المسلمات وطريقة تعاملهن والثقافة بأسرها، فتبدأ بدراسة العربية والخوض في تعاليم الإسلام، لم تعتنق الدين الحنيف، بل تعرفت إليه وقدمت نفسها للبيئة العربية هناك كمسلمة، هذا لم يجنبها، تبعا لأحداث الفيلم، وضعا مزدوجا من العواطف والأفكار، لكنها، في الوقت ذاته جعلها تقارن بين معاملة المسلمين لبعضهم البعض ومعاملة غير المسلمين لبعضهم البعض أيضا، فجارتها تذوق الأمرين من صديقها.
لا تسعى المخرجة (أو ربما لم تعرف كيف تسعى) لتقديم المبرر الذاتي لانجذاب هابي، أو كما أطلقت اسم «حبيبي» على نفسها، إلى الإسلام، لكنها أحسنت التعامل معه كثقافة تستحق الاهتمام والانجذاب وحدها، ما يجعل الفيلم يبدو نشازا إذا ما قارنه المرء، عربيا أو غير عربي، بما نشهده اليوم من عنف متطرف.
لسبب ما، سنجد أن المخرجات في السنوات الأخيرة كانت لهن التجارب الأكثر تجاوبا مع الرغبة في إعادة صياغة النظرة إلى المسلم قبل وبعد كارثة سبتمبر (أيلول) 2001. لجانب ماريا فلوربنيثيا ألفاريز، نجد البوسنية ياسميلا زبانيتش تواصل النقر على هذا الموضوع، ونجد الأميركية أنجلينا جولي تزوره، والهندية ميرا نير تسلط الضوء عليه.
في «الأصولي المتمنع» لميرا نير (2012) نواجه تحقيقا يجريه الصحافي بوبي لينكولن (ليف شرايبر) مع باكستاني (ريز أحمد) يقوم فيه الأخير بسرد ما حدث له قبل وبعد العام 2001. هو يعرف أن بوبي عميل للسي آي إيه أرسلته متخفيا في زي صحافي لكي يستنطق الباكستاني شانغيز حول عملية إرهابية مقبلة يعتقد أن شانغيز يعلم بها، لكن لدى الاثنين وقت طويل لاستعراض ما حدث مع شانغيز عندما قرر أن حلمه الأميركي الكبير يبدأ من لحظة تنفيذه، فترك أهله وسافر إلى أميركا؛ حيث انتمى إلى مؤسسة اقتصادية وبرع فيها، كل شيء تهدم عندما وقعت الكارثة في ذلك العام ليكتشف أنه أحب أميركا لكن أميركا لم تحبه وأنه بات، لكونه مسلما، موقع ريبة السلطات.
أما الأميركية أنجلينا جولي والبوسنية ياسميلا زبانيتش تشتركان في أن الهجمة على الإسلام الحديثة بدأت بالعنف العنصري الذي قامت به القوات الصربية خلال الحرب الأهلية حال تفككت أواصر يوغوسلافيا في التسعينات، كل منهما عاينت أحداثا وقعت فعلا. الممثلة الأميركية الطموحة قدمت «في بلاد الدم والعسل» (2011) دراما حول كيف فرقت الحرب بين الجندي الصربي والفتاة البوسنية التي أحبها والتي اقتيدت إلى الاعتقال ليتغير فعل ذلك الحب بينهما، لم يعد رومانسيا ولا نتيجة سمو المشاعر، بل ممارسة فوقية من الجندي، الذي أصبح ضابطا، يريد منع الجنود من نيلها على اعتبارها امرأته، لكنه لا يريد أن يمنحها الكرامة التي تستحقها. لا تهاب المخرجة تقديم مشهد تقاد به بقية البوسنيات المسلمات إلى مخادع المغتصبين المسلمين.
أفضل منه «لمن لا يستطيع تلو الحكايات» For Those Who Can Tell No Tales للبوسنية زبانيتش (2012) التي تناولت موضوع الاغتصاب بطريقة مبتكرة: سائحة استرالية تنزل في فندق قرب جسر القرية الصربية لتكتشف أن السرير الذي تنام عليه هو ذاته الذي قاد فيه الصربيون المسلمات لاغتصابهن عليه. الفندق كان مرتعا لهم والضحايا نساء. وجهة نظر بطلة الفيلم تتلبد تماما إزاء ذلك الاكتشاف ثم تتضح، تسمع الحكايات، تمشي الجزر الذي جرى عليه نحر البوسنيين حتى دلقت الدماء إلى الماء تحته. يحقق الفيلم إدانته لما وقع وينضم إلى النماذج التي تحاول أن تضع الإسلام في مستوى الطرح فكريا وليس من خلال نشرات الأخبار.

* أربعون سنة على تحفة صغيرة
* في العام 1974 أخرج الألماني الراحل راينر فرنر فاسبيندر فيلمه الدرامي الاجتماعي «علي، الخوف يأكل الروح» وفيه ألقى نظرة على واقع مسلم مغربي الأصل يتزوج من ألمانية تكبره سنا طمعا في أن يلج شريحة المجتمع الرافض. النتيجة معاكسة لتوقعاته ولتوقعات الألمانية التي تجد نفسها بدورها وقد أصبحت منبوذة.



مشكلات المرأة العربية عبر فيلمين جديدين في «كان»

«البارح العين ما نامت» (مهرجان كان)
«البارح العين ما نامت» (مهرجان كان)
TT

مشكلات المرأة العربية عبر فيلمين جديدين في «كان»

«البارح العين ما نامت» (مهرجان كان)
«البارح العين ما نامت» (مهرجان كان)

في نهاية فيلم «البارح العين ما نامت» (عُرض في قسم «نظرة ما» وهو إنتاج لبناني-فلسطيني، بدعم من «صندوق البحر الأحمر» و«مؤسسة الدوحة للأفلام»)، تسير بطلة الفيلم، ريم، في الحقول الممتدة رغم نداء شقيقها للتوقف والعودة إليه. إلى جانبها شاب يحب ريم ويناديها بدوره بالعدول عن السير نحو ما يبدو هدفاً مجهولاً وبعيداً عنهما وعن القرية التي يعيشون فيها، جنباً إلى جنب مع تلك المشكلات المتوارثة من جيل إلى آخر ومن زمن إلى زمن.

الكاميرا في فيلم ركان مياسي (المخرج والكاتب) تحرص على البقاء بعيدة بدورها. المشهد عام، من على مسافة مئات الأمتار، ينقله المخرج كما لو كان يرسم لوحة: الحشائش، والأشجار، والصخور، والأرض المفتوحة، والجبل في الواجهة.

الدافع الذي يجعل ريم (تؤديه ريم المولى) تنطلق مبتعدة وغير عابئة بالنداءات هو أنها وصلت إلى مرحلة عليها أن تتمرد على كل شيء، حتى ولو لم تكن البدائل جاهزة. تمرّدها على بيئة تخسر فيها المرأة مهما اتجهت، وتدفع الثمن حتى ولو لم تكن سبباً في المشكلة أو الخلاف.

إنه فيلم ذكي، لكنه يعاني من بعض النواقص في تأمين لُحمة أفضل بين مشاهده، خصوصاً خلال ربع ساعته الأولى على الأقل.

يدور حول فتاة تجد نفسها مطلوبة لتكون زوجة رجل لمجرد أن التقاليد تفرض ذلك، بعد أن تسبب شقيقها في صدم رجل من عشيرة أخرى بشاحنته. العشيرة تطالب بالزواج منها ومن شقيقتها جواهر فدية وإلا فالعقوبة القتل.

تقاوم ريم بصمت كل ما يُفرض حولها. حياتها، واحدة من قبائل البدو في سهل البقاع بلبنان، تشبه أنشوطة الحبل حول عنقها. وعندما يُفصل بينها وبين شقيقتها، تشعر بأنها خسرت معركتها مع الجميع. تركض مبتعدة، وفي ابتعادها رغبة في التحرر ونيل الحرية.

«فراولة» (لومن فيلمز)

على الرغم من أن الفيلم يتبنى وجهة نظر ريم، غير أنه لا يسعى إلى الحكم على التقاليد نفسها، ولا إلى تجريم الخيارات القليلة المتاحة. يصوّر قسوة الوضع على ريم وشقيقتها، لكنه لا يلج مطلقاً إلى تحويل الحكاية إلى فاجعة أو الشخصيات إلى خطابات كما فعلت أفلام أخرى.

عين ركان مياسي تحيط بالمكان المُعاش جمالياً. هذا الفيلم كان ينبغي أن يُعرض بنظام الشاشة الكبيرة لكي تحتل جمالياته المكانة التي تستحقها.

مراوحة

فيلم آخر عُرض في القسم نفسه هو «فراولة» (Strawberries، والعنوان الفرنسي: La Más Dulce)، وهو إنتاج مغربي-إسباني لليلى مراكشي، حول امرأة مغربية تُدعى مريم (تؤديها هاجر غريغا) تهاجر إلى إسبانيا للعمل في حقول الفراولة لمساعدة عائلتها. يُطلعنا الفيلم في مقدمته على أنها كانت سجينة لفترة قصيرة؛ هذه الخلفية ستعقد شهادتها لاحقاً عندما تحاول الكشف عن العبودية والفساد المستشري في مزارع الثمار، حيث يستغل البعض براءة بعض الفتيات ويجبرهن على الدعارة.

حسناء (تؤديها نسرين الراضي) هي الضحية التي يعالجها الفيلم. تريد مريم الوقوف إلى جانبها لكنها لا تستطيع، وبعد حين، عندما تعود حسناء من خلوة نظمها أحد مديري المزرعة مع أحد الأثرياء وهي على شفير الموت، تجد مريم نفسها مضطرة للكشف عما يجري. لكنها مرة أخرى تلتزم الصمت حفاظاً على عملها وخوفاً من ردّة فعل أشرار المكان.

نجلاء فتحي وعايدة رياض في «أحلام هند وكاميليا»

قصصياً، هذا يشبه المراوحة في مكان واحد لفترة طويلة قبل وصول الفيلم إلى لحظاته الأخيرة، حيث تُلقي مريم خطبة عصماءً أمام المحكمة لفضح ما يجري.

استمدت المخرجة الحكاية من حادثة حقيقية، لكنها تحافظ على نبرة غير حادة بما يكفي، بقدر ما هي فرصة لطرح الموضوع. يفشل السيناريو في ترتيب الأحداث بشكل أفضل، ويضر تردد مريم في الإفصاح أو عدم الإفصاح بالقضية المطروحة، إذ إن هذا التردد ليس جوهر ما سعت المخرجة إلى تحقيقه في الفيلم.

هناك لحظات صادقة تجمع بين النساء العاملات، تستحق المتابعة، لكن الفيلم لا يسير على خط واحد بل يتحرك أفقياً، مما ينتج عنه تشتت الغاية الأساسية.

السينما العربية سلطت الضوء على معاناة المرأة والقيود الاجتماعية عبر عقود من الأفلام

أفلام أخرى

المرأة العربية كانت موضوعاً ساخناً عبر العقود، وتطرّقت إليه أفلام متعددة مثل «الحرام» (هنري بركات، 1965)، و«ليل وقضبان» (أشرف فهمي، 1973)، و«أريد حلاً» (سعيد مرزوق، 1975)، بالإضافة إلى عدد كبير من الأفلام غير المصرية. كثير منها نبش في الأوجاع الناتجة عن هضم الحقوق والتقاليد، لكن بعضها لم يكن سوى توظيف لموضوع ينتهي بالإدانة من دون تقديم حلول.

المخرج محمد خان تناول موضوع المرأة في المجتمع المصري في أكثر من فيلم، من بينها «أحلام هند وكاميليا»، و«زوجة رجل مهم» (كلاهما 1988). الأول يتناول رغبات خادمتين في الانعتاق من سلطة اجتماعية تحاول كل منهما التخلي عن عذوبة الحياة وأحلامهما، والثاني يحكي معاناة زوجة ضابط مخابرات من فاشية زوجها وسوء معاملته.

خارج النماذج المصرية، انتشرت في السينمات العربية أفلام تنتقد وضع المرأة، من بينها بالطبع «وجدة» لهيفاء المنصور، و«صمت القصور» لمفيدة التلاتلي، إضافة إلى فيلم المخرجة اليمنية خديجة السلامي المنسي «أنا نجوم بنت العاشرة ومطلقة» (2015).


شاشة الناقد: أفلام المهرجانات الجديدة... بين المراقبة الشخصية والتاريخ الواقعي

«حكايات متوازية» (مومنتو فيلمز)
«حكايات متوازية» (مومنتو فيلمز)
TT

شاشة الناقد: أفلام المهرجانات الجديدة... بين المراقبة الشخصية والتاريخ الواقعي

«حكايات متوازية» (مومنتو فيلمز)
«حكايات متوازية» (مومنتو فيلمز)

PARALLEL TALES ★★

إخراج:‫ أصغر فرهادي‬

فرنسا | دراما (2026)

عروض: مسابقة مهرجان كان

يقول المثل: «من راقب الناس مات همّاً»، لكن عند المخرج الإيراني أصغر فرهادي، الذي يُنجز أفلامه في أوروبا، هذه المراقبة «بصبصة» تتيح للكاتبة الروائية سيلفي (إيزابل أوبير) تأليف روايتها عبر منظار في شقتها المتواضعة، إذ يمكنها مراقبة الجيران. من هذه المراقبة تنبثق خيوط قصصية تأمل أن تصلح لرواية جديدة.

تستخدم سيلفي طابعة يدوية، لا بد أنها وضعت عليها رواياتها السابقة قبل الانتقال إلى الكمبيوتر. ومع ذلك، حين يركّز فرهادي الكاميرا عليها أثناء الطباعة، نلاحظ أن سرعتها في الطباعة لا تتلاءم مع شخص اعتاد استخدام الآلة لعقود.

علينا أن نترك هذه الملاحظة جانباً، إذ إن فرهادي ليس مهتماً بالإجابة عليها، بل بصياغة دراما نفسية، حتى لو لم يتعمق كثيراً في هذا المجال. ما تسترق النظر إليه سيلفي قد يتحول إلى مادة قصصية، غير أن هذا الاحتمال يضيع وسط رغبة فرهادي في التركيز على الفكرة وبناء خط سردي يربط بين حياة الكاتبة وحياة الشخصيات الثلاث التي تتجسس عليها، وما يلي ذلك من أحداث متداخلة، بما في ذلك سرقة شاب لنصف الرواية التي وضعتها الكاتبة.

يمتد أحد هذه الخيوط صوب حياتها الخاصة؛ فالمنظار التلسكوبي يحمل قصة موازية أيضاً، إذ كان والدها يتجسس من خلاله على زوجته وعشيقها في البيت المقابل نفسه.

يمط فرهادي الأحداث على مدار ساعتين وعشرين دقيقة. إنه يريد أن يقول كل شيء، لكن ليس كل ما يريد قوله له تأثير أو أهمية. حتى التصور الدرامي الذي يبدأ بسرقة الشاب لنص الرواية وما يمكن أن يقع نتيجة لذلك، لا يقدّم الحكاية بما يؤدي إلى معنى شامل وعميق.

FATHELAND

★★★1/2

إخراج:‫ بافل بافيلوفسكي

بولندا/ ألمانيا | سيرة حياة (2026)

عروض: مسابقة مهرجان كان

حسب كتاب السيرة الذي أعدّه مورتن هوي جنسن العام الماضي عن حياة الروائي توماس مان (1875–1955)، كان الرجل نموذجاً للتضارب في الآراء؛ يتجه في مواقفه يميناً ثم يناقض ذلك في مواقف أخرى. يعكس مواقف معادية للحداثة، لكنه لاحقاً يميل إلى تبني نظرة يسارية وليبرالية.

«وطن» (ذ ماتش فاكتوري)

يختار فيلم بافل بافيلوفسكي الجديد «وطن» عدم التورط في محاولة فهم الروائي الألماني بالكامل، بل يكتفي بسرد جزء من حياته مباشرة بعد الحرب العالمية الثانية، عندما قام برحلة انطلقت من مدينة فرانكفورت إلى مدينة فايمر مع ابنته إريكا.

من ناحية، يلتقي «وطن» مع فيلميه السابقين «إيدا» و«حرب باردة» في كونه متابعة لمرحلة تاريخية، كاشفاً صعوبتها على شخصياته. ويختلف في كونه، في الوقت نفسه، ليس حكاية خيالية، بل عملاً واقعياً (على الأقل كأساس) لرحلة الكاتب وابنته المحاطَين بأزمات سياسية تعود إلى تلك الفترة التي وُلدت فيها ألمانيا من جديد، إضافة إلى أزمات شخصية تنبع من علاقة مضطربة بين توماس مان وابنته.

لا يحاول بافيلوفسكي سرد التاريخ كما هو، بل يتدخل فيه (باعترافه) لصالح بناء حالة درامية، ما يعني أن اهتمام المخرج ليس سرد التاريخ بقدر ما هو تحويله إلى قراءة خاصة.

ومن أبرز هذه القراءات وأكثرها تكراراً التوتر القائم بين مان (هانز زيشلر) وابنته (ساندرا هولر). لا يسعى المخرج لتناول دوافع هذا التوتر أو البحث فيها، بل يكتفي بعرضها. والنجاح الذي يحققه يكمن في جعل المشاهد يقبل هذا الواقع كما نراه. ومع ذلك، فإن الفيلم متماسك وقوي من الناحية الفنية، بحيث لا تهم اختيارات المخرج فيما اختار البحث فيه.

MOULIN ★★

إخراج:‫ لاشلو نيميز‬

فرنسا/ بلجيكا | سيرة (2026)

عروض: مسابقة مهرجان كان

اختيارات مخرج «ابن شاوول» (Son of Saul) من الأفلام حتى الآن تشترك في كونها محاولة لفرض قراءة للتاريخ كما يراه المخرج. صحيح أنه لا يؤلف هذا التاريخ، بل يعرضه، لكن ما يعرضه لا يخلو من وجهة نظر متكررة؛ وهي أيضاً وجهة نظر تفترض ما تقدمه وتسعى إلى فرضه.

«مولان» (بيتشيبوي برودكشنز)

في فيلمه الجديد «مولان»، يستخدم هذا الأسلوب لسرد حكاية المقاوم الفرنسي جان مولان، الذي اعتقله «الغيستابو» خلال احتلال ألمانيا لفرنسا، وتعذّبه حتى أدّى ذلك إلى وفاته.

الحكاية التي يسردها نيميز واضحة وحقيقية، لكنها ليست مُساقَة كقصة حياة، بل كقصة موت. وبعد البداية التي تظهر مولان وهو يخطط مع رفاقه لعمليات المقاومة، يتوقف السرد عن الأحداث التي تبدو مشوقة، ويصبح التركيز متابعة لمشاهد التحقيق والعنف المصاحب لها.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


من باريس... ولادة صالون للسينما السعودية المستقلة

مشهد من فيلم حزيمة «ثم يأتي الشتاء» الذي يفتتح عروض الصالون (الشرق الأوسط)
مشهد من فيلم حزيمة «ثم يأتي الشتاء» الذي يفتتح عروض الصالون (الشرق الأوسط)
TT

من باريس... ولادة صالون للسينما السعودية المستقلة

مشهد من فيلم حزيمة «ثم يأتي الشتاء» الذي يفتتح عروض الصالون (الشرق الأوسط)
مشهد من فيلم حزيمة «ثم يأتي الشتاء» الذي يفتتح عروض الصالون (الشرق الأوسط)

في خطوة تجمع بين السينما والفنون البصرية والحوار الثقافي، تستعد المخرجة السعودية جيجي حزيمة لإطلاق «صالون السينما السعودية المستقلة» في العاصمة الفرنسية باريس، بوصفه مشروعاً ثقافياً وفنياً يسعى إلى إعادة تقديم السينما السعودية المستقلة ضمن سياق فني وإنساني يتجاوز فكرة العروض التقليدية. ومن المقرر انطلاقة الدورة الأولى للصالون في التاسع من يوليو (تموز) المقبل، ليصبح منصة سنوية مخصصة للسينما السعودية المستقلة وسينما المؤلف.

في حديثها لـ«الشرق الأوسط»، أوضحت جيجي أن المشروع يحمل بعداً يتجاوز تنظيم فعالية سينمائية عابرة، وأضافت: «صالون السينما السعودية المستقلة هو منصة ثقافية وفنية سنوية أطلقتها في باريس بهدف إعادة تقديم السينما كفن حي ومساحة للتأمل والحوار، بعيداً عن الاستهلاك السريع والصيغ التجارية التقليدية». وأبانت أن برنامج الصالون يجمع بين عروض الأفلام والنقاشات الفنية والمعارض التشكيلية، مستهدفاً جمهور السينما والفنون في فرنسا وأوروبا.

تؤمن حزيمة بضرورة التواصل الثقافي عن طريق السينما والفنون البصرية (الشرق الأوسط)

رهان على سينما المؤلف

تؤكد حزيمة أن الفكرة بدأت من رغبة في خلق مساحة تحتضن «سينما المؤلف» والأعمال التي تمتلك لغة بصرية وإنسانية خاصة، وأضافت: «الفكرة بالنسبة لي لم تكن مجرد تنظيم عروض أفلام، بل خلق مساحة تحتضن سينما المؤلف والأصوات الفنية التي تمتلك رؤية بصرية وإنسانية خاصة».

وبحماسة عالية، تصف جيجي المبادرة بأنها محاولة لصناعة «سياق ثقافي» يحيط بالأفلام، أكثر من كونها مساحة عرض فقط، موضحةً أن تجربتها الشخصية التي خاضتها في عواصم عالمية لعبت دوراً محورياً في تشكيل رؤيتها للمشروع، قائلةً: «عملت لسنوات ضمن مساحات السينما المستقلة في نيويورك ولندن، وكنت قريبة من تجارب سينمائية تؤمن بالسينما لغةً فنيةً وإنسانيةً، لا منتج تجاري فقط».

وتشير إلى أن تجربتها مع تأسيس شركة إنتاج مستقلة جعلتها أكثر قرباً من التحديات التي تواجه الأعمال ذات اللغة الشخصية والشاعرية، خصوصاً تلك التي تتحرك خارج القوالب السائدة، مبينةً أن كثيراً من الأفلام المهمة تحتاج إلى بيئة ثقافية تحيط بها وتفتح حولها حواراً حقيقياً مع الجمهور.

وبسؤالها عن السينما السعودية المستقلة اليوم، ترى حزيمة أنها تمتلك صوتاً فنياً يستحق الحضور عالمياً ضمن إطار ثقافي وفني متكامل، قائلةً: «أؤمن بأن السينما ليست مجرد وسيلة ترفيه، بل وسيلة لفهم الإنسان والعالم، وأن السينما السعودية المستقلة اليوم تمتلك لغة فنية تستحق أن تُقدَّم عالمياً ضمن سياق ثقافي وفني حقيقي».

ويضم برنامج الدورة الأولى عرض فيلمها الروائي الجديد «ثم يأتي الشتاء And Then Comes Winter»، الذي تصفه بأنه «عمل سينمائي شاعري يتناول العلاقات الإنسانية والهشاشة العاطفية في عالم يقف على حافة الحرب»، إلى جانب برنامج للأفلام القصيرة لمخرجين ومخرجات سعوديين، يُعرض بعض أعمالهم للمرة الأولى في أوروبا عبر منصة الصالون.

مشهد من أحدث أفلام حزيمة «ثم يأتي الشتاء» (الشرق الأوسط)

«ثم يأتي الشتاء»

يبدو فيلم «ثم يأتي الشتاء» امتداداً واضحاً لروح السينما التي تحاول جيجي حزيمة الدفاع عنها من خلال مشروعها الثقافي، حيث ينتمي إلى سينما التأمل والمشاعر الداخلية أكثر من اعتماده على الحدث المباشر أو الحبكات المتسارعة، ويتحرك بإيقاع بصري هادئ قائم على اللقطات الطويلة والصمت والمساحات الشعورية الممتدة، مع حضور محدود للحوار مقابل تركيز أكبر على التعبير البصري والانفعالات الإنسانية الدقيقة.

ورغم أن الفيلم ناطق باللغة الإنجليزية، فإن حكايته تبدو قريبة من أي مشاهد، لأنه ينشغل بالإنسان أولاً؛ بالخوف، والارتباك، والهشاشة، والشعور المفاجئ بفقدان الأمان في عالم يقف على حافة الحرب، حيث تتحول الوحدة والقلق إلى حالة شعورية مستمرة ترافق شخصيتيه الرئيسيتين طوال الفيلم.

ويحمل الفيلم أيضاً انعكاساً واضحاً لتجربة مخرجته الشخصية ورؤيتها المختلفة داخل المشهد السينمائي السعودي، خصوصاً أن جيجي، المولودة في منطقة مكة المكرمة، عاشت خارج السعودية لأكثر من 20 عاماً، وهو ما منح تجربتها السينمائية حساً بصرياً وثقافياً أقرب إلى سينما المؤلف العالمية والأفلام ذات الطابع الإنساني والشاعري.

المخرجة السعودية جيجي حزيمة (الشرق الأوسط)

تجربة فنية متكاملة

وفي جانب موازٍ للعروض السينمائية، يتضمن الصالون معرضاً تشكيلياً مشتركاً مع الفنانة السعودية هناء حجازي، بهدف خلق حوار بين الصورة السينمائية والصورة التشكيلية، وتحويل الحدث إلى مساحة متعددة الفنون. وهنا توضح حزيمة أن فكرة الربط بين السينما والفنون البصرية جاءت من إيمانها بأن التجربة الفنية المتكاملة تفتح أفقاً أوسع للتأمل والتفاعل، مضيفةً أن الصالون يسعى إلى تقديم تجربة ثقافية «أكثر حميمية وعمقاً»، تحتفي بالحوار الإنساني والفني بعيداً عن الطابع التنافسي المعتاد في الفعاليات السينمائية.

تقول في هذا السياق: «المشروع يحاول إعادة تقديم فكرة الصالونات السينمائية والثقافية بروح معاصرة، من خلال خلق مساحة تجمع بين السينما، والفكر، والفن، والحوار الإنساني، ضمن تجربة ثقافية أكثر حميمية وعمقاً». وترى أن المبادرة تستعيد أيضاً روح الصالونات الثقافية العربية التاريخية ولكن من خلال السينما، ضمن انطلاقة سعودية معاصرة من باريس، معتبرة أن هذا الجانب يمنح المشروع خصوصيته داخل المشهد السينمائي العربي.

جيجي حزيمة خلف الكواليس (الشرق الأوسط)

سينما تترك أثراً طويلاً

وحسب حزيمة، فإن الصالون يمثل «حالة سينمائية وموقفاً ثقافياً وفنياً»، أكثر من كونه فعالية عرض أفلام، إذ تسعى من خلاله إلى المساهمة في بناء سينما سعودية تمتلك قيمة إنسانية وفنية طويلة الأمد، وتترك أثراً بصرياً وثقافياً للأجيال المقبلة. كما تؤكد أن المشروع يركز على خلق مساحة للأفلام التي تمنح الجمهور تجربة شعورية وفكرية، وتترك أثراً داخلياً يتجاوز لحظة المشاهدة العابرة، قائلةً: «هناك حاجة لمساحات أهدأ وأكثر صدقاً تحتفي بالأفلام التي تترك أثراً داخلياً، وتمنح الجمهور تجربة شعورية وفكرية».

كما ترى حزيمة أن هذا المشروع يحمل أيضاً بعداً رمزياً على مستوى السينما السعودية، قائلةً: «أعتقد أن من أكثر الأمور التي تميّز هذه المبادرة أنها تُعد من أولى المبادرات في تاريخ السينما السعودية التي تقوم فيها مخرجة سعودية مستقلة بتأسيس صالون سينمائي وفني يحمل رؤيتها الشخصية خارج الإطار المؤسسي التقليدي».

يشار إلى أن هذا المشروع يأتي تحت مظلة شركة الإنتاج المستقلة التابعة لها «Look At The Wall Productions»، بالشراكة مع مدرسة إيسرا للسينما في باريس، وبشراكة ثقافية مع حي سينما التابع لـ«فن جميل»، إلى جانب تعاون مع معهد العالم العربي بباريس، فيما تتولى «ميم للفنون» الرعاية الإعلامية الرقمية للصالون.

Your Premium trial has ended