مدارس مدمَّرة وتسرُّب تلاميذ في الجنوب السوري

في أول موسم دراسي بعد سيطرة قوات النظام

طفلان سوريان داخل أحد الصفوف في مدرسة تعرضت للدمار بشدة وتحولت ملجأ للنازحين في بلدة حمورية (غيتي)
طفلان سوريان داخل أحد الصفوف في مدرسة تعرضت للدمار بشدة وتحولت ملجأ للنازحين في بلدة حمورية (غيتي)
TT

مدارس مدمَّرة وتسرُّب تلاميذ في الجنوب السوري

طفلان سوريان داخل أحد الصفوف في مدرسة تعرضت للدمار بشدة وتحولت ملجأ للنازحين في بلدة حمورية (غيتي)
طفلان سوريان داخل أحد الصفوف في مدرسة تعرضت للدمار بشدة وتحولت ملجأ للنازحين في بلدة حمورية (غيتي)

بعد سيطرة النظام السوري على مناطق جنوب سوريا، ينتظر الأهالي البدء بالخدمات الأساسية وفي مقدمتها قطاع التعليم، حيث تشهد القطاعات التعليمية سوءاً بالخدمات بعد تدمير معظم المدارس، والموجود منها يعاني نقصاً حاداً في المستلزمات والوسائل التعليمية.
يرى «جهاد» أحد المسؤولين السابقين في مؤسسة تعليمية مدعومة من منظمات المجتمع المدني، أن «المنظمات التعليمية سابقاً حاولت النهوض بالواقع التعليمي للطلاب، حيث عملت على إنشاء الروضات والمراكز التعليمة ومراكز الدعم النفسي الخاصة بالأطفال، وتأهيل بعض المدارس، ونشر وسائل التعليم المتقدمة، خصوصاً مع خروج عدد كبير من المدارس من الخدمة نتيجة القصف والعمليات العسكرية التي كانت تشهدها مناطق المعارضة سابقاً، إضافة إلى فصل عدد كبير من المدرسين من مدارس الدولة، الذين وجدوا في المراكز التعليمية التي تشرف عليها منظمات المجتمع المدني سبيلاً لاستمرار عملهم وتوفير الدخل».
لكنه يوضح أن «ما كان عليه القطاع التعليمي سابقاً يبقى محدوداً ومحفوفاً بمخاطر ولم يؤدِّ دوره الوظيفي على أكمل وجه، حيث إنه رغم سعي الحكومة السورية المؤقتة (المعارضة) فإنها لم تنجح في تحقيق اعتراف دولي بالشهادات الثانوية والتعليم الأساسي الصادرة عنها، وبقيت مراكز التعليم البديلة التي انتشرت خلال سيطرة المعارضة، مرهونةً باستمرار الدعم لهذه المجمعات التعليمية، ومراراً تعرضت مراكز تعليمية ومراكز دعم نفسي للتوقف عن العمل نتيجة توقف الدعم عنها، أو أنها أنهت برنامجها المحدد، وكانت للمؤسسات الداعمة سياسة أقرب للمزاجية في تقديم دعم ضخم لمناطق دون أخرى، يعتمد على عدد السكان ودرجة الخطر في المنطقة التي سينفّذ بها المشروع التعليمي، ما كان يعرّض مناطق للافتقار إلى مراكز التعليم والدعم النفسي».
وأكد أن العملية التعليمية في مناطق سيطرة المعارضة جنوب سوريا سابقاً، كانت تسير ضمن مؤسسة تعليمية مدنية، دون تدخل فصائلي أو عسكري فيها، مضيفاً: «النظام استهدف المدارس بالقصف في المناطق التي كانت خارجة عن سيطرته في جنوب سوريا، بهدف الضغط على المدنيين وعلى المعارضة، للوصول إلى حالة من التفريق بين الماضي والحاضر، وإظهار ضعف مؤسسات المعارضة التي كانت غير قادرة على إثبات نفسها كمؤسسات بديلة عن مؤسسات الدولة في المنطقة، وغير قادرة على إدارة العملية التعليمية في المنطقة دون رعاية النظام».
وقال أحد المدرسين في مدارس النظام السوري في درعا إن «الواقع التعليمي في جنوب سوريا لم يشهد أي تحسن ملحوظ رغم بدء العام الدراسي الجديد وسيطرة النظام على المنطقة الجنوبية وتعهده بإدخال الخدمات ومؤسسات الدولة إلى المناطق التي سيطر عليها مؤخراً، حيث إنه لم يتم ترميم أي مدرسة تعرضت للقصف أو التدمير حتى الآن»، مرجحاً أن تبقى العملية التعليمية في المراكز السابقة التي كانت تديرها المعارضة والمدارس المتضررة بشكل جزئي في المدن والبلدات التي كانت تتعرض للقصف، مضيفاً أن مديرية التربية في منطقة درعا أكدت أنه سوف يتم تزويد المدارس بمقاعد جديدة، وبمادة الديزل في فصل الشتاء للتدفئة، ولوازم القرطاسية الخاصة بالمدرسة وليس بالطلاب، ورفع كتاب إلى الوزارة المختصة بعدد المدارس المدمَّرة والتي تحتاج إلى إعادة إعمار وتأهيل.
وأوضح أن «التحديات التي ستواجه الواقع التعليمي في جنوب سوريا تتجلى باكتظاظ الأقسام الدراسية وغياب اللوازم اللوجيستية في المؤسسات التربوية، ونقص المدارس والمراكز التعليمية، ما يولّد ضغطاً كبيراً في أعداد الطلاب بالمدرسة الواحدة، وهذا ما يؤثر على التلاميذ أنفسهم، حيث تجد في الصف الواحد ما يقارب من 50 إلى 70 طالباً في المرحلة الابتدائية، ومثلهم في الإعدادية والثانوية، إضافة إلى نقص الكوادر المختصة، أو ضعف التكوين البيداغوجي لكثير من المؤطرين التربويين سواءً كانوا أساتذة أو مفتشين تربويين أو مديري مؤسسات مدرسية، فمنهم من هاجر أو فُصل من وظيفته خلال السنوات السابقة».
وأشارت نهاد العبد الله باحثة في علم الاجتماع، من درعا، إلى أن أبرز المشكلات وأهمها التي تواجهها العملية التعليمية، هي «مشكلة التسرب المدرسي، حيث تعد هذه المشكلة إحدى المشكلات الدراسية الأكثر انتشاراً بين التلاميذ، منذ القديم، وتضاعفت خلال سنوات الحرب التي تمر بها البلاد، ولا تزال مستمرة رغم فرض الحكومة السورية قانون التعليم الإلزامي، لكن عدة ظروف مجتمعة في البلاد كانت سبباً في زيادتها أهمها النزوح الداخلي والنزوح المتكرر، واستهداف المدارس، وضعف الحالة المادية، وارتفاع الأسعار، ما تطلب وجود أكثر من معيل في الأسرة الواحدة، للمساعدة في مصروف العائلة، ومواجهة الظروف المعيشية الصعبة، حيث إن كثيراً من التلاميذ وجدوا أنفسهم خارج المدرسة والتعليم وانخرطوا في ورشات العمل للنهوض بواقع أسرهم المعيشي، أو لفقدان الأب، وغيرها من الأسباب التي فاقمت من المشكلة».
وأردفت: «أينما ولّيت النظر في شوارع سوريا، تجد أطفالاً بعمر الدراسة قد تركوا مدارسهم وانخرطوا في مجال العمل، حيث إن الشريحة العمرية التي ينبغي أن تكون في مرحلة التعليم الأساسي، هي المتضرر الأكبر من هذه الظاهرة (التسرب المدرسي)، وبخاصة الذكور منها، حيث يعمل كثير منهم في الورشات الفنية (إصلاح المركبات، أعمال صيانة الميكانيكا، والحدادة) أو في المساعدة بأعمال البناء، وللأطفال الإناث نصيبهم من الظاهرة أيضاً، إذ يعمل عدد غير قليل منهن في الحقول وجني المحاصيل الزراعية، وتكثر هذه المظاهر في أرياف درعا والقنيطرة والسويداء».
وبدأ العام الدراسي الجديد، في جنوب سوريا، في ظروف مغايرة شهدتها المنطقة، وسيطر عليها النظام السوري، كما تزامن قدومه مع تحضيرات الأهالي لفصل الشتاء، وتجهيز المؤن.
يرى «جمال» أحد سكان ريف درعا جنوب سوريا، أن الأعباء لم تختلف عن السابق، حيث إن أسعار اللباس المدرسي ولوازم القرطاسية وغيرها من أدوات المدرسة لم تشهد أي هبوط بالأسعار، بل منها ما بقي على حاله أو ازداد سعره.
وأضاف أن الحكومة السورية طرحت قروضاً بقيمة 50 ألف ليرة سورية، لمساعدة العائلات لشراء اللوازم المدرسية كافة من صالات «السوق السورية للتجارة»، ويشترط سداد المبلغ على شكل دفعات شهرية لمدة عشرة أشهر، كما يشترط وجود كفيلين اثنين من الموظفين في إحدى مؤسسات الدولة، لضمان تسديد المبلغ في الوقت المحدد، واقتطاع المبلغ من أحدهما في حال تخلّف المستفيد عن الدفع بعد الإنذار. مشيراً إلى أن الحصول على القرض كان صعباً بالنسبة إلى الكثيرين بسبب إقبال الناس الكبير، والخوف من عدم قدرتهم على تأمين المبلغ الشهري إذا ما استمر الركود الاقتصادي في المنطقة.
وأوضح: «كحال اللباس المدرسي الذي فرضته وزارة التربية مؤخراً قبيل بدء العام الدراسي الجديد، فإن سعر الزي المدرسي الكامل صاحب درجة الجودة العادية يصل إلى 10 آلاف ليرة سورية، بينما الزي ذو الدرجة الجيدة يصل سعره إلى 20 ألف ليرة، ناهيك بأسعار الحقائب المدرسية التي وصل سعر الحقيبة الواحدة منها إلى 2000 - 5000 آلاف ليرة سورية، إضافة إلى ارتفاع أسعار القرطاسية كالدفاتر والأقلام وغيرها التي يصل سعرها مجتمعة من الدرجة عادية الجودة إلى 5000 ليرة سورية لكل طالب»، ومع انعدام فرص العمل ومحدودية الحركة التجارية، وغلاء الأسعار، وضعف أجرة اليد العاملة، وجد رب الأسرة نفسه أمام تحديات كبيرة تحول دون قدرته على تلبية كل احتياجات أولاده من اللوازم المدرسية، ومنهم من اضطر إلى إرسال أولاده إلى المدرسة وهي لا تملك أي مقومات التعليم ووسائله أو أنها تحمل النقص في وسائلها، مؤكداً أن معظم الأهالي استعانت باللوازم المدرسية القديمة المتوفرة سابقاً لدى أولادها كاللباس أو القرطاسية.
وشددت الباحثة نهاد العبد الله على أن «المنظومة التعليمية يجب توجيهها نحو تكريس ثقافة السلام وبناء المجتمع المدني، وهذه ليست مهمة الكتب المدرسية وحسب، بل هي مهمة على عاتق المدرسين في المدرسة وعلى الأهل في المنزل باعتبارها سمات تتطلب التأثير على السلوك وتعزيز أخلاق الطلاب، نحو حب العيش بسلام واحترام وقبول الآخر، وعدم الإحساس بالظلم أو الإقصاء أو التهميش، ويجب أن تلقى هذه الثقافة قبولاً من الحكومة وأن تتماشى معها، كي لا نصيب الطلاب بحالة الانفصام عن الواقع وفقد الثقة بالأنظمة السياسية، خصوصاً بعد المرحلة الجديدة التي باتت الحكومة السورية تدّعيها عن عودة الاستقرار والإصلاحات في مناطق سورية».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.