ليبيا: قتلى وجرحى بهجوم إرهابي على مؤسسة النفط في طرابلس

نفذه 6 مسلحون يشتبّه بانتمائهم إلى «داعش»... وحكومة السراج تتعهد ملاحقة المتورطين

الدخان يتصاعد من مقر مؤسسة النفط خلال الهجوم أمس (رويترز)
الدخان يتصاعد من مقر مؤسسة النفط خلال الهجوم أمس (رويترز)
TT

ليبيا: قتلى وجرحى بهجوم إرهابي على مؤسسة النفط في طرابلس

الدخان يتصاعد من مقر مؤسسة النفط خلال الهجوم أمس (رويترز)
الدخان يتصاعد من مقر مؤسسة النفط خلال الهجوم أمس (رويترز)

في أحدث هجوم إرهابي تشهده العاصمة الليبية طرابلس، اقتحم أمس مسلحون يعتقد أنهم من عناصر تنظيم داعش، مقر مؤسسة النفط التابعة لحكومة الوفاق الوطني التي يترأسها فائز السراج، واحتجزوا عددا من الموظفين داخله رهائن، قبل أن تنجح القوات الأمنية في إيقافهم، في عملية أسفرت عن سقوط قتيلين و10 جرحى.
وعقب الحادث، عقد السراج اجتماعا عاجلا مع قيادات أمنية، ضم رئيس المخابرات العامة اللواء عبد القادر التهامي ورئيس جهاز المباحث العامة اللواء رشيد الرجباني وآمر الحرس الرئاسي اللواء نجمي الناكوع ومسؤولين آخرين، وأكد السراج ضرورة الاضطلاع بالكامل على أبعاد هذا الاعتداء الإرهابي. وشدد السراج وفقا لبيان وزعه مكتبه، على اتخاذ جميع الإجراءات والاحتياطات الأمنية اللازمة لإحباط مخططات الإرهابيين.
وقبل الاجتماع، أعلن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق أن الأجهزة الأمنية المختصة شرعت على الفور في إجراء تحقيقاتها المكثفة لمعرفة أبعاد وهوية منفذي الاعتداء ومن يقف خلفه.
وسارعت الأجهزة الأمنية في طرابلس إلى اتهام تنظيم داعش الإرهابي بالوقوف وراء الهجوم، الذي لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عنه، لكن مثل هذه الهجمات تحمل بصمات التنظيم.
ورفعت وزارة الداخلية مجددا حالة التأهب الأمني وتبنت أقصى درجات الاستعداد، وقالت إن المؤشرات الأولية تفيد بأن المجموعة المسلحة التي نفذت الهجوم تنتمي لـ«داعش»، وإن أعضاء المجموعة الستة هم من ذوي البشرة السمراء، مؤكدة أن مقر مؤسسة النفط تحت سيطرة الأجهزة الأمنية.
وبعدما اعتبرت أن «هذا العمل الجبان ما هو إلا محاولة فاشلة لزعزعة الأمن داخل العاصمة»، دعت الجميع إلى «الوقوف صفا واحدا ضد كل من تسول له نفسه العبث بأمن الوطن والمواطن».
وقال مصطفى صنع الله رئيس مؤسسة النفط، إن المهاجمين قاموا بالرماية العشوائية على البوابة الرئيسية للمؤسسة ثم اقتحموا المقر تحت ستار تفجيرات وإطلاق للنار، لافتا إلى أن قوات الأمن قامت بإخلاء المبنى ومساعدة الموظفين على مغادرة المكان ونقل الجرحى لأقرب المصحات.
وأوضح أن الهجوم تسبب في سقوط قتلى وعدد من الجرحى وخسائر مادية كبيرة، بينما قالت وزارة الصحة إن الحصيلة الأولية للهجوم المسلح هي قتيلان و10 جرحى.
وسمع دوي انفجار وإطلاق نار، كما اشتعلت النار في المبنى الواقع في طريق السكة الذي أحاطت به قوات الأمن، بينما روى موظفون كانوا في المقر لحظة اقتحامه أن مسلحين ملثمين هاجموا المقر بعدما تبادلوا إطلاق النار مع حراسه، وأشار الموظفون إلى أنهم اضطروا للاختباء فيما تمكن بعضهم من الهروب من النافذة.
وقالت قوة الردع الخاصة بوزارة الداخلية الليبية إن «هجوما إرهابيا من (داعش) استهدف المؤسسة الوطنية للنفط»، مشيرة إلى العثور على أشلاء الانتحاريين، وبعضهم ذوو بشرة سمراء». وأكدت القوة في بيان لها سيطرتها على مقر مؤسسة النفط في طرابلس.
وقال وزير الداخلية عبد السلام عاشور، إن «الهجوم نفذه 6 أشخاص من ذوي البشرة السمراء قاموا باقتحام مبنى مؤسسة النفط في الساعات الأولى من صباح أمس، واستخدموا الأسلحة الرشاشة والقنابل اليدوية واحتجزوا عددا من الرهائن داخل مبنى المؤسسة».
واستنكرت بعثة الأمم المتحدة ما وصفته بالعمل الإرهابي الجبان، واعتبرت أن المساس بالمؤسسة التي تؤمّن مصدر قوت الليبيين هو اعتداء عليهم جميعاً. ودعت البعثة في بيان لها الليبيين إلى وقف ما أسمته بالتناحرات الجانبية العقيمة والعمل معا ومع المجتمع الدولي للقضاء على الإرهاب.
وظل مقر المؤسسة الوطنية للنفط حتى أمس بعيدا عن العنف في البلاد التي اعتادت فيها الفصائل المسلحة على غلق حقول النفط من حين لآخر لتقديم مطالب. وتدر المؤسسة دخلا لليبيا. والمؤسسة الوطنية للنفط والبنك المركزي الذي يقع مقره في طرابلس هما المؤسستان الحكوميتان الوحيدتان اللتان تعملان بكفاءة في ظل الفوضى.
وهجوم أمس الذي استغلته الحكومة الموازية في شرق البلاد برئاسة عبد الله الثني للمطالبة مجددا بنقل مقر المؤسسة الوطنية للنفط من العاصمة إلى مدينة بنغازي «الآمنة»، هو أول حادث من نوعه بعد ساعات قليلة فقط من إعلان البعثة الأممية موافقة الميليشيات المسلحة في طرابلس على تثبيت وقف لإطلاق النار بعد أكثر من أسبوع على معارك طاحنة بين الميليشيات المتناحرة على النفوذ والسلطة.
وقالت حكومة الثني في بيان لها إن الميليشيات الإرهابية والجماعات المسلحة المارقة تتحكم في مؤسسة النفط وتتقاسمها جماعة «الإخوان» و«المقاتلة» و«القاعدة» بالإضافة إلى تنظيم داعش، مشيرة إلى أن تلك الجماعات تستفيد من «عجز حكومة السراج ومن وهمِ سيطرتها بأجهزتها الهزيلة» على الأوضاع في مناطق نفوذها.
من جهتها، أعلنت البعثة الأممية مساء أول من أمس أن الاجتماع الذي عُقد في مدينة الزاوية غرب ليبيا وحضره ممثلون عن حكومة السراج والقادة العسكريين والأجهزة الأمنية والمجموعات المسلحة المتواجدة في العاصمة وما حولها، تعهدت خلاله الميلشيات بالاستمرار في وقف إطلاق النار وبالالتزام بوثيقة موقعة تتضمن إنشاء آلية للمراقبة والتحقق ترمي إلى ترسيخ وقف إطلاق النار.
كما أعلنت أن رئيسها غسان سلامة سيواصل ما وصفته بمساعيه الحميدة لإعلان حزمة من الإصلاحات الاقتصادية التي تشكل أساس حل الأزمة والعمل مع جميع الأطراف للتوصل إلى اتفاق سياسي.
وبحث السراج باعتباره القائد الأعلى للجيش الليبي ووزير الدفاع مع اللواء محمد الحداد آمر المنطقة العسكرية الوسطى الذي تعرض للاختطاف مؤخرا، الترتيبات التي اتخذت في إطار التكليف الصادر من السراج بتأمين الهدنة في ضواحي العاصمة وإيقاف الأعمال العدائية.
واستنكرت المنطقة العسكرية لمصراتة عملية اختطاف اللواء الحداد مؤخرا، مشيرة إلى قيام مجموعة مسلحة مقنعة استغلت تحركه دون حراسة واقتادته تحت تهديد السلاح واحتجزت حريته لساعات. وأوضحت المنطقة في بيان نقلته وكالة الأنباء الموالية لحكومة السراج أنها لن تذكر تفاصيل هذه الحادثة كي لا تؤثر على سير التحقيقات من قبل الجهات الأمنية.
إلى ذلك، تحدثت تقارير صحافية سويسرية عن أن أسلحة سويسرية يجري تداولها في ليبيا وسط تصاعد جديد للقتال في البلاد بين ميليشيات مُتناحرة. ونقل الموقع الإلكتروني للإذاعة السويسرية عن أسبوعية «سونتاغس بليك» أن تجارا من طرابلس يقومون ببيع أسلحة وقاذفات قنابل سويسرية من صنع شركة على شبكة الإنترنت.
واستندت الصحيفة الصادرة في زيوريخ بالألمانية إلى تقرير صادر عن مركز أبحاث أسترالي متخصّص في شؤون الأسلحة وعلى مُستندات مصورة. وقالت الصحيفة إنها تلقت تأكيدات من شركة «رواغ» لصناعة الأسلحة المملوكة للكنفدرالية ومن شركتي «بروغر» و«تومت اي جي» العاملتين في مجال التزويد بالمعدات الدفاعية أن المُستندات تتضمن بالفعل صُورا لمُنتجاتهم، إلا أنه من غير الواضح كيف وصلت الأسلحة إلى هذه المنطقة التي مزقتها الحرب.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.