سجاد أفغاني وملصقات سورية وعمل لبانكسي في معرض «أنا أعترض»

100 قطعة تقدم رواية جديدة للتاريخ في المتحف البريطاني

الصحافي إيان هيسلوب منسق المعرض إختار معروضات من مخزن المتحف البريطاني (المتحف البريطاني)
الصحافي إيان هيسلوب منسق المعرض إختار معروضات من مخزن المتحف البريطاني (المتحف البريطاني)
TT

سجاد أفغاني وملصقات سورية وعمل لبانكسي في معرض «أنا أعترض»

الصحافي إيان هيسلوب منسق المعرض إختار معروضات من مخزن المتحف البريطاني (المتحف البريطاني)
الصحافي إيان هيسلوب منسق المعرض إختار معروضات من مخزن المتحف البريطاني (المتحف البريطاني)

في معرض يحاول إيجاد قصص وراء القطع الموجودة بالمتحف البريطاني، حاول الصحافي ومقدم البرامج إيان هيسلوب بالتعاون مع القيم بالمتحف توم هوكينهال، الوصول لرواية المهزومين، بدلا من روايات المنتصرين في قطع المجموعة الدائمة بالمتحف.
في تقديمه للمعرض يقول هيسلوب: «طلب مني مدير المتحف البريطاني السابق أن أفحص بعض القطع في المجموعة الدائمة للبحث عن طريقة جديدة لرؤية المعروضات. المتحف البريطاني كان دائما يمثل وجهة نظر المنتصر وأصحاب النفوذ، فهنا تعرض تماثيلهم وأسلحتهم وحليهم وأيضا مومياواتهم، هل هناك أصوات أخرى غير أصوات المنتصرين؟» يتساءل.
يشير إلى أنه قرر أن ينطلق من البحث عن وجهة النظر المضادة، والبحث في مجموعة المقتنيات عن الصوت الآخر: «كنت قلقا من عدم وجود ذلك العنصر». بعد الجلوس مع مجموعة الخبراء في المتحف، وجد هيسلوب أن هناك كثيرا مما يؤيد الموضوع المقترح: «كان من المدهش أن نرى الوجود المستمر والمنتظم لوجهة النظر الأخرى عبر قطع تمثل بلدان العالم من فترات تاريخية مختلفة. ولكن وجود الصوت الآخر كان محكوما بأكثر من عامل، منها الحذر، فالاعتراض والاختلاف مع السلطة كان مصيره قاتما». لم يكن الأمر غامضا في بعض الثقافات مثل الثقافة البريطانية التي كانت فيها الفكاهة في كثير من الأحيان «مباشرة وفجة أحيانا» كما يذكر هيسلوب، ولكن في بعض الثقافات كان التعبير عن الاعتراض أو الاختلاف يأتي بشكل «رصين» ويكاد يكون بشكل رسائل مشفرة تم إضافتها إلى قطع فنية أو أثرية مثل قطعة حجر من العصر البابلي قام العامل بكتابة اسمه عليها بدلا من اسم الملك نبوخذ نصر.
بداية، المعرض يغوص في أعماق المجموعة الدائمة للمتحف البريطاني ليستخرج منها قطعا، بعضها لم يعرض من قبل، تحمل رسائل مخفية ومعلنة تمثل معارضة سياسية أو دينية حتى اجتماعية لوضع قائم. بعض القطع تعود للعصر الفرعوني، وأحدثها يعود لمسيرات النساء ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وما بينهما قطع مدهشة حملت جملا ساخرة أو معترضة حتى سخرية من شخصيات ما، ولكنها ظلت رسائل مخفية لا يراها الشخص إلا إذا علم بوجودها وبحث عنها بدأب.
المعرض يحمل عنوان «آي أوبجكت» (أنا أعترض) وفيه يقوم الصحافي ومقدم البرامج البريطاني إيان هيسلوب باختيار قطع تعبر عن روح الاعتراض والاختلاف، وبما أن هيسلوب ينتمي للكتابة الساخرة، فمن الطبيعي أن تكون اختياراته مبطنة بغلالة من السخرية والفكاهة المخفية أحيانا.
إيان هيسلوب معروف لدى البريطانيين بحب السخرية والفكاهة، يجد الطرافة في أي موقف بسيط وعابر، ويعبر عن ذلك ببساطة شديدة، سواء كان ذلك في البرنامج الشهير «هاف آي غوت نيوز فور يو» الذي يقدمه بالمشاركة مع الكوميدي بول ميرتون منذ عام 1990، أو من خلال مجلة «برايفت آي» الساخرة التي يرأس تحريرها منذ عام 1985. البرنامج والمجلة الشهيرة من أعمدة الإعلام البريطاني، فـ«برايفت آي» دأبت على تقديم الأخبار بلمسات قوية من الدعابة والسخرية لدرجة أن الأمور قد تختلط لدى القارئ، ولكن ليس القارئ المتابع للمجلة بشغف، الذي يعرف أن هناك دائما مادة جادة تحت سطح الغلاف الساخر.
من آلاف القطع في مخازن المتحف البريطاني اختار هيسلوب بالتعاون مع الخبير بالمتحف توم هوكينهال 100 قطعة فنية تقدم رؤية معارضة ومختلفة ومحملة بالاحتجاج لوضع قائم أو لشخصية حاكم ما عبر التاريخ وتعود في بعضها لبلاد ما وراء النهرين في عام 1300 قبل الميلاد لتنتهي بملصقات لدعم الثورة السورية ومسيرات الاحتجاج ضد الرئيس الأميركي دونالد ترمب.
يقول هيسلوب بمرح معتاد منه: «أتمنى أن تستمتعوا بالمعرض الذي لم أنسقه بنفسي»، إشارة إلى المنسق المشارك معه هوكينهال، ولكن من يعرف القليل عن شخصية الصحافي الساخر هيسلوب، يمكنه رؤية ما الذي أثار حس الدعابة لديه، سواء في باب خشبي صنع في نيجيريا أثناء الاحتلال البريطاني ويحمل في داخله «وخزة» مخفية بعناية ضد المحتل أو في سجاد من أفغانستان يصور طائرات ودبابات بدلا من الأزهار والطيور.
بعض القطع تحمل رسائل واضحة ومتحدية مثل ورقة نقدية تحمل صورة الملكة إليزابيث وهي لعملة من جزر سيشل وقام الطابع بكتابة لفظ مسيء للملكة مخبأ بعناية بين النقوش المختلفة، أو مثل قطعة معدنية من العصر الإدواردي تحمل نقشا يدعو لمنح النساء حق الاقتراع في بريطانيا. لكن الأمر الممتع فعلا هو أن يبحث الزائر عن المعاني المدفونة والمخفية في القطع الأخرى التي تحتفظ بمظهر بريء ولا تثير أدنى شك لدى الناظر. من تلك القطع «مملحة» مصنوعة من الفضة المطلية بالذهب والمجملة بالعقيق وبالكريستال الصخري البلوري، في ظاهرها هي قطعة تعكس براعة الصانع وتسحر البصر بجمالياتها، ولكن تلك القطعة ليست فارغة من المعاني المتضمنة داخلها. ويشرح لنا هيسلوب أن القطعة التي نفذت خلال فترة تحولت فيها بريطانيا للمذهب البروتستانتي تاركة خلفها كنيسة روما والمذهب الكاثوليكي. صانع القطعة أراد التأكيد على التزامه بالمذهب الكاثوليكي حتى إن كان لا يستطيع التصريح بذلك عبر استخدام الكريستال وأحجار الياقوت للتعبير عن رموز كاثوليكية. بعض القطع تخرج في تعبيرها عن حدود المقبول ولكنها تشير إلى رغبة جامحة للسخرية من أشخاص أو من مجتمعات.
في ركن من الأركان توجد بعض الملصقات التي تحمل شعارات الثورة السورية وإلى جانبها ورقة نقدية من ليبيا تحمل صورة الرئيس الراحل القذافي وقد لون وجهه باللون الأسود. في مثل هذه القطع لا توجد إشارة أو تورية، فهي مباشرة وواضحة وفي زمنها، كما أنها أيضا لا تتضمن سخرية على الإطلاق.
أحمل ملاحظتي لإيان هيسلوب، الذي يتفق معي أن عددا من المعروضات ليست ساخرة ويقول: «هذه القطع تتعلق بمفهوم الاعتراض والمخالفة الواضحة والمباشرة، فهي تقول بوضوح أنا لا أوافق». يشير هيسلوب إلى أن عملية الاختيار من مخازن المتحف العريق استغرقت ما يقارب 3 سنوات، ولكنه خرج من تلك الرحلة بمجموعة من القطع التي يفضلها شخصيا: «هناك قطع السجاد الأفغاني، تصور طائرات عسكرية ودبابات بدلا من النقوش المعتادة، وهي برأيي مدهشة». هي قطع نفذت - كما يقول - خلال فترة الاحتلال السوفياتي «اعتراضا على الروس وهو أمر جيد، فالمحتل هنا ليس غربيا كما تعودنا»، يعلق هيسلوب بطريقته الضاحكة. من القطع الأخرى التي يشير إليها، هناك باب خشبي ضخم يحمل نقوشات على هيئة أشخاص، بعضهم يركب الدراجة، يشير إلى الباب الذي يحتل مساحة ضخمة في المعرض قائلا: «نشأت في نيجيريا وقضيت طفولتي هناك وكنت أرى مثل هذه المنحوتات هناك، وهي تعبر عن تأثير فترة الاحتلال البريطاني ولكن في هذا الباب نستطيع تمييز شخصية أخرى بين التفاصيل المختلفة وهي شخصية أسطورية من الثقافة المحلية، ووجودها في الخلفية يعبر عن السخرية من المحتل. بالطبع في ذلك الوقت لم يدرك البريطانيون أن النقوش تحمل سخرية مبطنة منهم».
- بانكسي يسخر من المتحف البريطاني
> من القطع التي توقف أمامها الزوار كثيرا وأثارت البسمة على الشفاه، قطعة حجرية منقوش عليها رجل يدفع عربة للمشتريات حديثة جدا، نعرف أنها من عمل فنان الغرافيتي المشاغب بانكسي، الذي نجح في التسلل لصالة العرض بالمتحف ووضعها بين المعروضات وأرفق بها بطاقة تعريفية تقول: «هذه القطعة تعود لعصر ما بعد (الكسل) وتصور رجلا يخرج للصيد خارج مدينته. ويُعتقد أن الفنان الذي قام بتنفيذ العمل ترك كثيرا من الأعمال في جنوب شرقي إنجلترا ويدعى بانكيسموس مكسيموس». وضع بانكسي تحت القطعة بطاقة تحمل رقم تسلسل مثل الأرقام التي يضعها المتحف للمعروضات. المدهش أن القطعة التي أطلق عليها اسم «رجل من بيكام» وهو حي في لندن، ظلت في صالة العرض 3 أيام قبل أن يتنبه لها العاملون بالمتحف.
 



«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
TT

«جدارية غزة» في معرض قاهري يجسّد معاناة الناجين من الحرب

مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)
مشاهد متفرقة وقصص إنسانية سجَّلتها «جدارية غزة» (الشرق الأوسط)

«جدارية غزة» هو اسم العمل الرئيسي الذي يمتدُّ لنحو 30 متراً، للفنان التشكيلي المصري عبد الرازق عكاشة، ضمن معرضه الأحدث «غزة في القلب» الذي افتُتح، الخميس، في مركز الهناجر بدار الأوبرا المصرية، بحضور عدد كبير من الكُتَّاب والفنانين المصريِّين والعرب، خصوصاً من فلسطين.

الجدارية الأولى، وهي عبارة عن 30 متراً متصلة، تشغل مساحة حائطين بمركز الهناجر، أما الجدارية الثانية فتصل مساحتها إلى 16 متراً وتضم 8 قطع، طول كل قطعة متران، وفق الفنان عبد الرازق عكاشة، الذي قال لـ«الشرق الأوسط»: «الجدارية الصغيرة تعبِّر عن يوميات منفصلة، كل لوحة تحكي عن حدث أو حالة معينة. هناك مشهد لشاب وشابة يتزوجان، وفي النشرة التالية وجدتهما قد استُشهدا، وهي لوحة مؤثرة جداً؛ لذلك اخترتها لغلاف كتاب المعرض».

«جدارية غزة» تضمنت مشاهد إنسانية (الشرق الأوسط)

ويضيف: «اللوحة الثانية مشهد لجنازة الشهيد التي تتكرَّر كل يوم، وفي هذه الجنازة هناك نور يخرج من داخل اللوحة، وهناك كثير من المشاهد التي تؤكد أنَّ غزة قضية إنسانية مهمة جداً في ضمير العالم اليوم».

أمام لوحة «على باب مستشفى المعمدان» وقف الروائي المصري الكبير إبراهيم عبد المجيد يتأمل العمل، وكتب معلقاً عليه: «هل تتذكر ما يوحي به اسم المعمدان، هو الملاك المُرسَل قبل المسيح ليمهِّد له الأرض، هو رمز الطهارة والنقاء، مهما نزل به من كوارث»، مضيفاً على صفحته بـ«فيسبوك»: «لوحة تجسِّد جلوس الحزانى، بألوان بين الأسود والأزرق والأحمر، والمزج بين الأزرق والأحمر في لون البنفسج، ونظرات الأعين الصغيرة البارزة وسط الظلام، مؤكدة الأمل».

الروائي إبراهيم عبد المجيد أمام لوحة «مستشفى المعمدان» (صفحته على «فيسبوك»)

وحول الدفقة الشعورية في الأعمال التي اتسمت بالتلقائية الشديدة والحرية والانطلاقة، يؤكد الفنان أنَّ هذه الأعمال جاءت متأثرة بشكل مباشر بالأحداث التي وقعت في غزة وتابعها بحزن شديد، موضحاً: «كنت أشاهد الأخبار المحزنة والمأساوية في غزة وأنا أرسم، ولا أستطيع منع دموعي من النزول على علب الألوان التي أعمل بها».

حالة من المشاعر المتدفقة التي ترصد مأساة غزة، وآثار الحرب، وقصص الناجين من هذه الحرب بطريقة فنية مفعمة بالشجن تُجسِّدها لوحات المعرض، التي تنتقل بين التفاصيل المختلفة للبيوت والوجوه، وحتى الصور الشخصية الخاصة بحياة البسطاء في غزة.

جانب من افتتاح المعرض (صفحة الفنان على «فيسبوك»)

ويلفت الفنان إلى أنَّ غزة بالنسبة له حالة إنسانية، مطالباً بتصحيح المفاهيم والخطاب الذي يُروِّجه البعض عن غزة بوصفها قضيةً لها علاقة بالدين، قائلاً: «أتعامل مع قضية غزة بوصفها قضيةً إنسانيةً، خصوصاً وأنا أوجِّه خطابي للغرب، فمنذ 1993 وأنا أعيش في فرنسا، وأكرس جزءاً كبيراً من أعمالي للتعبير عن القضية الفلسطينية».

جنازة الشهيد مشهد متكرِّر في غزة رصده الفنان (الشرق الأوسط)

ويتابع: «غزة قطعة صغيرة من فلسطين العظيمة بما تمثله من عمق حضاري آشوري وكنعاني تشبه الحضارة المصرية العريقة بالضبط، ففلسطين أرض الحضارة ومهد للديانات، ولكنها أيضاً وطن للإنسانية. الحضور الإنساني في فلسطين هو الجانب الأهم الذي أحب التركيز عليه دوماً».

اللوحات حملت كثيراً من المعاني المُعبِّرة عن مأساة غزة (فيسبوك)

وأشار الفنان إلى ردود فعل كثيرة لمسها من زائرين أجانب من أميركا وفرنسا، وأفراد من البعثة الدبلوماسية اليابانية بمصر، عبَّروا له عن شعورهم بمعنى اللوحات، وما تمثله من تعبير عن مأساة مفجعة للإنسانية، مؤكداً أنَّ الفنَّ قادرٌ على توصيل المعنى والشعور الحقيقي لما حدث ويحدث في غزة، وما يعانيه أهلها من آلام وأوجاع، في مقابل ما تقدمه وسائل الإعلام بشكل غير حقيقي أحياناً.

وهنا يشير الفنان إلى إشكالية مهمة مفادها بأن «الفن ليس قوى ناعمة كما يقولون عنه، ولكنه قوى موازية قادرة على التعبير عن الواقع ورصده، مُحمَّلاً بالمشاعر والأحاسيس الصادقة».


مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
TT

مارسيل فايس يواجه خوفه من الموت... ويحوّله إلى فيلم «أفتح عقلي»

وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)
وثَّق الفيلم جوانب مختلفة في رحلة المخرج (الشركة المنتجة)

أكّد المخرج السويسري مارسيل فايس أنّ فيلمه الوثائقي «أفتح عقلي» كان محاولة لرصد تجارب العلاج النفسي من الخارج، عبر متابعة المعالجين والمرضى من مسافة آمنة، لكن صعوبة العثور على أشخاص مستعدّين للظهور في لحظات ضعف شديدة دفعته إلى إعادة صياغة الفكرة بالكامل.

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنّ التحوّل الحقيقي جاء بالتوازي مع أزمة شخصية عميقة عاشها بعد وفاة شقيقه، حيث سيطر عليه خوف شديد من الموت وشعور مستمرّ بعدم الاستقرار النفسي، مؤكداً أنه بعد أكثر من 20 عاماً من العمل في الأفلام الوثائقية المليئة بمشاعر البوح، شعر أنّ الوقت حان ليضع نفسه في قلب التجربة.

يرصد فيلم «أفتح عقلي» رحلة شخصية عميقة يخوضها فايس بعد وفاة شقيقه، إذ يجد نفسه غارقاً في دائرة من الخوف والقلق، لا سيما الخوف من الموت، إلى جانب ضغوط متزايدة في حياته العائلية.

وتدفعه هذه الأزمة إلى البحث عن طرق غير تقليدية للعلاج، فيقرّر خوض تجربة العلاج باستخدام مواد مؤثّرة على الوعي في إطار علمي وروحي، ويوجّه الكاميرا نحو نفسه لتوثيق هذه الرحلة بكلّ ما تحمله من هشاشة وصدق.

مخرج الفيلم وبطله (الشركة المنتجة)

ويؤكد المخرج أنّ علاقته بفكرة الموت كانت في البداية قائمة على تصور قاسٍ ومجرَّد، وهو ما خلق لديه حالة من الهلع تكاد تشبه الاختناق، مشيراً إلى أنه أدرك لاحقاً أنّ هذا الخوف لم يكن نابعاً فقط من الفقد، بل من الصمت الذي أحاط بموضوع الموت داخل عائلته، حيث لم يكن يُناقش أو يُواجه بشكل مباشر.

وأوضح: «إحدى التجارب التي خضتها في مدينة بازل شكّلت لحظة مفصلية، إذ شعرت خلالها أنّ كلّ الحواس تتجمَّع في نقطة واحدة، في إحساس يُشبه ضوءاً أبيض كثيفاً. ورغم صعوبة وصفه بالكلمات، فإنه منحني شعوراً بالاكتمال والهدوء، وجعلني أنظر إلى الموت بصورة مختلفة».

وقال مارسيل فايس إن «العلاج باستخدام هذه المواد ليس تجربة سهلة أو خالية من المخاطر، إذ يتطلَّب تقييماً دقيقاً قبل الدخول فيه، خصوصاً فيما يتعلّق بالتاريخ النفسي للفرد، مثل وجود حالات ذهان أو فصام، سواء لدى الشخص نفسه أو في العائلة».

ولفت إلى أنّ «الخطّ الفاصل بين الشفاء والخطر يظلُّ هشاً للغاية، وهذه المواد لا تُقدّم حلولاً مباشرة، بل تفتح أبواباً، وما يُفتَح ليس دائماً مريحاً، فقد يكون مخيفاً ومربكاً»، مؤكداً أنّ العامل الحاسم يكمن في السياق، لجهة الإعداد المسبق، وطبيعة البيئة، والدعم المقدَّم، وما يحدث بعد التجربة من عملية استيعاب ودمج.

وأشار إلى أنّ شقيقه الراحل كان حاضراً في كلّ تفاصيل الفيلم، ليس فقط على شكل ذكرى، بل جزء من رؤيته للعالم، وفي مخاوفه وتساؤلاته، موضحاً أنّ هذه المواد كانت بالنسبة إليه مرتبطة بالفقد والدمار، خصوصاً بعد تجربته السابقة في تصوير فيلم عن إدمان شقيقه خلال دراستهما، وهو ما ترك أثراً عميقاً داخله.

الملصق الترويجي للفيلم (الشركة المنتجة)

وأوضح المخرج السويسري أنه واجه خلال رحلته لحظات شعر فيها بأنه قد يفقد السيطرة تماماً، خصوصاً خلال تجربة العلاج في الأمازون، إذ عَلِقَ في دائرة من الأفكار المتكرّرة التي لم يستطع الخروج منها، وهو ما بدأ بشكل عابر ثم تحوَّل إلى شعور بالتهديد والذعر، حتى راوده خوف حقيقي من ألا يعود كما كان، أو أن يفقد قدرته على رعاية أطفاله، لافتاً إلى أنّ التجربة الداخلية كانت شديدة القسوة.

وأكد أن استخدام الرسوم المتحرّكة في الفيلم جاء من الحاجة إلى التعبير عن حالات داخلية لا يمكن تصويرها بالكاميرا التقليدية، موضحاً أنه لم يكن يرغب في تصوير التجربة بشكل مباشر، بل في نقل الإحساس بها، ولذلك عمل مع فريق الرسوم على تحويل مشاعر مثل الخوف والقلق والتوتّر إلى أشكال بصرية محسوسة، بحيث يصبح ما هو غير مرئي قابلاً للإدراك.

وأشار إلى أن «الكاميرا كانت في بعض الأحيان عنصراً مزعجاً، خصوصاً في التجارب الأولى، حيث كنت أشعر بأنها تعوق اندماجي الكامل في التجربة، لكنها في مراحل لاحقة أصبحت أقل حضوراً، بل وأحياناً مصدراً للإحساس بالثبات».

وختم المخرج السويسري بالتأكيد أنه واجه تساؤلات أخلاقية عميقة خلال صناعة الفيلم، لا سيما بما يتعلق بحدود الكشف عن الحياة الشخصية، موضحاً أنه صوَّر كثيراً من المواد التي لم تُستخدم لاحقاً، مثل تلك المتعلّقة بأطفاله، في محاولة لإيجاد توازن بين الصدق والحماية.


دواء جديد يتفوق على العلاج الكيميائي في سرطان الثدي

سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)
سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)
TT

دواء جديد يتفوق على العلاج الكيميائي في سرطان الثدي

سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)
سرطان الثدي من السرطانات الأكثر شيوعاً عند النساء (جامعة سنترال فلوريدا)

أظهرت تجربة سريرية عالمية نتائج واعدة لدواء جديد مبتكر لعلاج سرطان الثدي ثلاثي السلبية، أحد أكثر أنواع سرطان الثدي عدوانية وصعوبة في العلاج.

وأوضح الباحثون، بقيادة «المركز الوطني للسرطان» في سنغافورة، أن الدواء الجديد تفوَّق بشكل ملحوظ على العلاج الكيميائي التقليدي في تحسين معدلات البقاء على قيد الحياة وإبطاء تقدُّم المرض، ونُشرت النتائج، الخميس بدورية «Annals of Oncology».

ويُطلق على سرطان الثدي ثلاثي السلبية هذا الاسم؛ لأنَّه يفتقر إلى 3 مستقبلات رئيسية توجد عادة في أنواع أخرى من سرطان الثدي، وهي مستقبلات هرمون الإستروجين، ومستقبلات هرمون البروجستيرون، وبروتين «HER2». ويجعل هذا الغياب المرض غير مستجيب للعلاجات الهرمونية أو العلاجات الموجهة، ما يحدُّ من خيارات العلاج المتاحة ويجعل العلاج الكيميائي الخيار التقليدي الأساسي. ويتميَّز هذا النوع بسرعة النمو والانتشار، وبارتفاع احتمالية عودته بعد العلاج.

وأُجريت الدراسة ضمن تجربة سريرية دولية متعددة المراكز شملت 644 مريضاً من دول عدة حول العالم، من بينها الولايات المتحدة وكندا وأوروبا وآسيا؛ بهدف تقييم فاعلية الدواء الجديد الذي يحمل اسم «داتوبوتاماب ديروكستيكان» (Dato-DXd).

ويعمل الدواء عبر استهداف بروتين يُعرف باسم «TROP2»، وهو موجود بكثرة على سطح كثير من الخلايا السرطانية. ويرتبط الدواء بهذا البروتين ثم يدخل إلى الخلية السرطانية، حاملاً مادة كيميائية قوية تقتلها من الداخل، مما يتيح توجيه العلاج مباشرة إلى الورم وتقليل الضرر على الخلايا السليمة في الجسم، وبالتالي تحسين الفاعلية، والحد من بعض الآثار الجانبية مقارنة بالعلاج الكيميائي التقليدي.

وأظهرت النتائج أنَّ الدواء الجديد حقَّق تفوقاً واضحاً على العلاج الكيميائي، حيث بلغ متوسط البقاء دون تطوُّر المرض 10.8 شهر مقارنة بـ5.6 شهر مع العلاج الكيميائي. وارتفع متوسط البقاء الكلي إلى 23.7 شهر مقابل 18.7 شهر في مجموعة العلاج التقليدي.

كما سجَّل الدواء معدل استجابة للعلاج بلغ 63 في المائة مقارنة بـ29 في المائة فقط مع العلاج الكيميائي، بينما استمرَّت الاستجابة لمدة أطول بلغت 12.3 شهر مقابل 7.1 شهر.

ومن حيث الأمان، كانت الآثار الجانبية الأكثر شيوعاً مع الدواء الجديد تشمل التهاب الفم، والغثيان، وتساقط الشعر، وانخفاض خلايا الدم البيضاء، إلا أنَّ نسبة المرضى الذين اضطروا إلى إيقاف العلاج كانت أقل بنسبة 4 في المائة مقارنة بالعلاج الكيميائي 7 في المائة.

ويشير الباحثون إلى أنَّ هذه النتائج تُمثِّل تقدماً مهماً في علاج سرطان الثدي ثلاثي السلبية، وهو نوع يرتبط بمعدلات انتكاس مرتفعة واستجابة محدودة للعلاجات التقليدية، خصوصاً لدى المرضى غير المؤهلين للعلاج المناعي أو العلاجات الموجهة.