القصيدة بوصفها متحفاً للصور «المحنطة»!

الشعر من دونها معرّض للوقوع في فخ النظم البارد والسرد التقريري

المتنبي - صموئيل كولريدج - ريتسوس
المتنبي - صموئيل كولريدج - ريتسوس
TT

القصيدة بوصفها متحفاً للصور «المحنطة»!

المتنبي - صموئيل كولريدج - ريتسوس
المتنبي - صموئيل كولريدج - ريتسوس

ليست الصورة، بأنواعها المختلفة، عنصراً طارئاً على الشعر، بل هي جزء لا يتجزأ من روح النص وبنيته ونسيجه. ولا أظن أن أحداً من دارسي الشعر ونقاده قد سبق له أن أغفل الدور الخطير والحاسم الذي تلعبه الصور المجازية والبيانية في تحديد ماهية هذا الفن العظيم الذي رافق الإنسانية منذ بداياتها، كما في التفريق بينه وبين النثر العادي وأشكال الكتابة الأخرى. ومع أن اللغة المتداولة بحد ذاتها مترعة بالمجازات والكنايات والتوريات التي أفقدها التكرار والاستهلاك عنصر المباغتة والإدهاش، فإن الصورة في الشعر تكتسب أبعاداً أكثر أهمية ودلالة، إذ هي تحدد له مساره وفضاءاته ومجاله الحيوي. صحيح أنها لا تتكفل وحدها بمهمة النهوض بالنص الشعري، بل تؤازرها عناصر أخرى، تتصل بالتكثيف والإيقاع والمعنى والنسق التعبيري، ولكن الصحيح أيضاً أن الشعر من دونها معرّض للوقوع في فخ النظم البارد والسرد التقريري والرصف الباهت للكلمات.
قد لا يكون تعريف الصورة، أو الدور الذي تلعبه في تحديد أهمية النص، موضع إجماع الشعراء والنقاد القدماء والمحدثين، ولكن ما هو متفق عليه أن الشعر ليس أفكاراً مجردة، أو تقريراً مباشراً عن الواقع، وأن الفكرة والمعنى لا قيمة لهما بالمفهوم الإبداعي ما لم تلبسا لبوس الصور المحسوسة القابلة للتسييل عبر مشهد مرئي. وإذا كان النقاد العرب قد أولوا الصورة مكانة مهمة في إطار «الصنعة» الشعرية، فإن عبد القاهر الجرجاني قد اعتبرها أساس الشعر، بل هي الشعر نفسه، كما يذهب في كتابه «أسرار البلاغة ودلائل الإعجاز». وهو قد استبق بقرون عدة مقولات للشاعر الناقد الإنجليزي ت. أي. هيوم، الذي اعتبر الشعر «لغة عينية بصرية تسعى دائماً إلى إيقافك ومنعك من الانزلاق باتجاه التجريد». وحيث ذهب هيوم إلى اعتبار التجريد بمثابة الداء الذي تفشى كالسل في جسد القرن الفائت، ثبّت الصورة أساساً للشعر، مؤكداً أنها ليست حلْية الكلام، بل هي نفسها الكلام. ثمة إذن تواشج واضح بين الرسم والشعر، حيث الأول شعر بالألوان والثاني «رسم بالكلمات»، على حد تعبير نزار قباني، بل إن الشاعر الفرنسي آرثر رامبو كان قد ذهب أبعد من ذلك، فجعل للحروف ألواناً، حيث تخيل الياء حمراء، والألف سوداء، والواو بيضاء، خالقاً نوعاً من التداخل المتبادل بين الحواس.
ربما كان الإيقاع في إطاره الغامض المجرد هو أول ما ينتاب الشعراء، خصوصاً شعراء الوزن، من أعراض الحالة الشعرية المعقدة. ولكن تحوُّل الإيقاع اللاحق إلى لغة لا يمكن أن يتم إلا من خلال الصورة المحسوسة، وبواسطتها. ورغم أن النقد العربي القديم قد جعل للصورة حدوداً وضوابط متصلة بتجنب الإغراب، وبقرب المسافة بين عناصر التشبيه أو الاستعارة، فإن الصورة المصنعة في مناجم الخيال اعتبرت أساساً في تحديد مفهوم الفحولة، كما في تقديم امرئ القيس على غيره من الشعراء. والأمر نفسه ينطبق على أبي تمام، الذي لم ينتزع مكانته المتقدمة من خلال تحديث الشكل العروضي، بل من طزاجة مخيلته، ومن صوره الغريبة غير المألوفة، من مثل: «جرى المجدُ مجرى النوم منه فلم يكن / بغير طعانٍ أو سماحٍ بحالمِ» أو مثل: «تاهت على صورة الأشياء صورتُهُ / حتى إذا كمُلتْ تاهت على التيهِ». والمتنبي بدوره لم يحتل موقع الصدارة بين الشعراء من خلال أبيات ومطالع تقريرية، لبست لبوس الحكمة والمثل السائر، مثل قوله: «الرأي قبل شجاعة الشجعانِ / هو أول وهي المحلّ الثاني»، أو: «لكل امرئ من دهره ما تعودا / وعادة سيف الدولة الطعنُ في العدا»، بل إن ما منح المتنبي تلك المكانة الاستثنائية هو أبياته المكتظة بالصور واللقى المدهشة، كقوله: «كأن العيس كانت فوق جفني / مُناخاتٍ فلما ثرْن سالا»، أو قوله: «وقفتَ وما في الموت شكّ لواقفٍ / كأنك في جفن الردى وهو نائمُ»، أو: «إذا نحن سمّيناكَ خلْنا سيوفنا / من التيهِ في أغمادها تتبسّمُ».
لا يعني ذلك بالطبع أن الصورة وحدها هي ما يحدد قيمة النص الشعري وأهميته، عمقه أو هشاشته، أو أن النصوص الأكثر اكتظاظاً بالصور هي بالضرورة أكثر أهمية من النصوص الأقل احتفاء بها. فثمة قصائد كثيرة لم تكتسب أهميتها من غزارة الصور التي تضمنتها، بل من الظلال البعيدة للجمل، ومن قوة الإيحاء في المعنى، ومن الهزات العميقة التي يتركها النص وراءه ما إن نفرغ من قراءته. وأبلغ مثال على التقشف الصوري تجسده نصوص عدة للشاعر اليوناني يانيس ريتسوس، ومن بينها قصيدة «تأرجح ساكن»، التي ترجمها سعدي يوسف، والتي وإن ظهرت بمظهر السرد الحكائي النثري، وخلت تماماً من المجازات والصور الاستعارية، فإنها تستبطن قدراً غير قليل من الترددات الإيحائية واحتمالات التأويل. يقول ريتسوس: «حين قفزتْ لتفتح الباب \ سقطتْ سلة مكبّات الخيوط \ فتدحرجت المكبات تحت الطاولة والكراسي \ في زوايا مزعجة.. \ كانت توشك أن تركع لتلتقطها واحدة واحدة \ ولترتب الحجرة قبل أن تفتح الباب \ لم يكن لديها وقت \ طرقوا ثانيةً \ وقفتْ ساكنة منكسرة \ وسقطت يداها إلى جنبيها \ وحين تذكرت أن عليها أن تفتح \ لم يكن ثمة أحد \ أهذا هو الحال مع الشعر؟». تتحول الصور بالمقابل إلى عبء على النص الإبداعي، إن استخدمت بشكل متعسف، وإن لم تكن منسجمة مع روح العمل وديناميته الداخلية وسياقه الطبيعي. فالشعراء بالتالي ليسوا مجرد صيادين للصور، أو هواة لجمع الاستعارات ولملمتها من هنا وهناك، بغية نشرها في «ألبوم» شعري شبيه بألبومات جامعي الطوابع والقواقع والعملات القديمة.
وقد يكون الجرجاني أحد أوائل النقاد الذين تصدوا لطبيعة الصور الشعرية وأنواعها وملابساتها، مميزاً بين التخييل الذي تأتي ثماره منسجمة مع روح النص ومتطلباته، وبين التوهم الذي تجافي صوره المنطق، وتأتي نافرة نافلة بلا مسوغ. وهو نفسه ما ذهب إليه فيما بعد الشاعر الإنجليزي كوليردج، الذي رأى أن الصورة هي طريقة الشاعر في التفكير، لكن التوهم يدفعنا إلى الشعور بالخفة والتبرم وعدم التصديق، كما أن الإسراف المفرط في استخدام الصور لا يؤدي لغير إرهاق النص وإرهاق القارئ على حد سواء. أما الناقد الإنجليزي تريفليان، فقد تناول تلك الظاهرة بأسلوب لاذع بالغ السخرية، حين وصف مواطنه الشاعر ميريديت بالقول: «إن استعاراته لكثرتها يجاهد بعضها بعضاً مثل حيوانات في حفرة، تجرح إحداها الأخرى في كفاحها من أجل البقاء».
إن كثيراً مما ينشر اليوم من نصوص، خصوصاً عبر مواقع التواصل، ليس سوى رصف بائس متكلف لمجموعة من الصور المتعاقبة التي لا تندرج في معنى أو فكرة محددين، ولا تجمع بينها سوى حروف العطف. صحيح أننا نعثر على بعض اللقى والاستعارات التي تلمع هنا وهناك، ولكن معظمها مختلس من نصوص عربية أو مترجمة، تم انتزاعها من سياقها وتجميعها عبر نوع من «الكولاج» المصطنع والملفق. على أن المشهد الشعري ليس قاتماً بالكامل، إذ ثمة بين ظهرانينا أسماء شابة وعالية الموهبة، وقادرة على وضع الصورة في نصابها الصحيح، وتحويلها إلى طاقة خلاقة، بعيداً عن الافتعال والحشو الزائد والاستعراضية المنفرة.



حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
TT

حضور سعودي لافت في «مالمو للسينما العربية» بالسويد

الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)
الممثلة لامار فدان في فيلم «هجرة» (الشركة المنتجة)

تشهد الدورة السادسة عشرة من مهرجان «مالمو للسينما العربية» بالسويد حضوراً لافتاً للسينما السعودية بوجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان الأبرز للسينما العربية بالدول الإسكندنافية، المقرر انطلاق فعالياته خلال الفترة من 10 إلى 16 أبريل (نيسان) المقبل.

وتشارك المخرجة السعودية شهد أمين بفيلمها «هجرة» في المسابقة الرسمية للمهرجان، وهو الفيلم الذي عرض للمرة الأولى ضمن فعاليات النسخة الماضية من مهرجان «البندقية»، ونال لدى عرضه عربياً في مهرجان «البحر الأحمر» جائزة «فيلم العلا» لأفضل فيلم سعودي بتصويت الجمهور، بالإضافة إلى جائزة «لجنة التحكيم».

وتدور أحداثه حول حكاية جدة تسافر مع حفيدتَيها إلى مكة المكرمة عام 2001، في رحلة تتخلّلها مواقف إنسانية مؤثرة. وعندما تختفي الحفيدة الكبرى في ظروف غامضة، تبدأ رحلة البحث عنها برفقة الحفيدة الصغرى، وسط مزيج الألم والأمل.

أما مسابقة «الأفلام الوثائقية» فتشهد حضور المخرج علي سعيد بفيلمه «ضد السينما» الذي عرض للمرة الأولى في النسخة الماضية من مهرجان «القاهرة السينمائي»، وهو العمل الذي يروي حكاية انطلاق السينما السعودية متتبعاً جيل أطفال الثمانينات الذين أحبوا السينما وتعلقوا بها.

الملصق الترويجي لفيلم «ضد السينما» (الشركة المنتجة)

ويرصد الفيلم المحاولات الأولى لصناعة الأفلام والتحديات التي واجهتهم، مستعيناً بالأرشيف الصحافي ومانشيتات الصحف السعودية، ومن بينها مانشيتات صحيفة «الشرق الأوسط» موثقاً لمائة عام من رحلة السينما السعودية، منذ انطلق أول شريط تصوير للفرنسي «جو براش» في جدة.

بينما تحضر المخرجة السعودية سارة بالغنيم بفيلمها القصير «ارتزاز» الذي عرض في الدورة الماضية لمهرجان «البحر الأحمر»، وتدور أحداثه في الرياض من خلال أم تعاني إحباطاً من ابنتها، وتمارس الضغوط عليها حتى تخطط للزواج، وهو من بطولة ريم الحبيب ورند القصيبي.

ويشهد برنامج «ليالي عربية» عرض الفيلم السعودي «إسعاف» الذي يقوم ببطولته إبراهيم الحجاج مع بسمة داود ومحمد القحطاني، ومن إخراج كولين توج، وتتناول قصته شابين يعملان مسعفَين، الأول مستهتر والثاني جاد، وكلاهما يتورط مع مجرم يلاحق كلاً منهما بشكل مريب، فيحاولان الهرب منه، ولكن يقعان في ورطة طريفة عبر مواقف كوميدية متتالية.

فريق فيلم «إسعاف» مع المخرج كولين توج (الشركة المنتجة)

وتشهد المسابقة الرسمية للمهرجان في الأفلام الروائية الطويلة عرض أفلام شاركت غالبيتها في مهرجانات سينمائية عالمية، منها الفيلمان المصريان «كولونيا» للمخرج محمد صيام، و«القصص» للمخرج أبو بكر شوقي، بالإضافة إلى الفيلم المغربي «زنقة ملقا» الذي مثّل السينما المغربية في ترشيحات الأوسكار، بالإضافة إلى الفيلم الأردني «غرق» للمخرجة زين دريعي.

كما حضر في المسابقة الفيلم العراقي «إركالا: حلم كلكامش»، وفيلم «يونان» للمخرج أمير فخر الذي عرض العام الماضي في مهرجان «برلين السينمائي»، بالإضافة إلى الفيلم التونسي «وين ياخدنا الريح» للمخرجة آمال قلاتي، والفيلم الإماراتي «باب» للمخرجة نايلة الخاجة، بالإضافة إلى الفيلم الفلسطيني «اللي باقي منك» للمخرجة شيرين دعبيس.

وكان المهرجان قد أعلن الشهر الماضي عن تكريم «رائد السينما السعودية» المخرج عبد الله المحيسن ليكون الشخصية المكرمة في النسخة الجديدة، مع عرض فيلمه «اغتيال مدينة» وتنظيم «ماستر كلاس» يناقش فيه تجربته السينمائية ورؤيته الفنية.

وأرجع الناقد السعودي أحمد العياد وجود أفلام سعودية في مختلف مسابقات المهرجان خلال النسخة المقبلة إلى الحضور المتزايد للسينما السعودية عالمياً، بما يعكس حالة التنوع التي باتت تتسم بها داخل المملكة، ما بين الأفلام الروائية الطويلة والقصيرة إلى جانب الأفلام الوثائقية.

وأضاف العياد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحراك السينمائي الذي تشهده السعودية في السنوات الأخيرة أسهم في لفت أنظار المهرجانات المعنية بالسينما العربية إلى التجارب السعودية الجديدة، وهو نشاط جعل كثيراً من تلك المهرجانات يحرص على إدراج أعمال سعودية ضمن برامجه المختلفة، لما وصلت إليه من مستوى فني ملحوظ وتنوع في الموضوعات والأساليب».

ولفت إلى أن مهرجان «مالمو للسينما العربية» يعدّ من أبرز المنصات التي تتابع هذا التطور عن قرب، مؤكداً أن حضور الأفلام السعودية في أكثر من مسابقة وبرنامج يعكس الاهتمام المتزايد بهذه التجربة السينمائية، ويمنح صناعها فرصة أوسع للتعريف بأعمالهم أمام جمهور أوروبي ومهنيين في صناعة السينما، مشيداً بإتاحة المهرجان عرض الأفلام السعودية في مدن إسكندنافية مختلفة على غرار ما حدث العام الماضي مع أفلام «فخر السويدي» و«نورة».


حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
TT

حين يتحوَّل الفن في لبنان وسيلة للتغلب على القصف

نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)
نازحون إلى المسرح الوطني في صور (المسرح الوطني اللبناني)

يتنقل الممثل والمخرج قاسم إسطنبولي بين المسارح الثلاثة التي يديرها في طرابلس وصور وبيروت، مطمئناً على حال رواده الذين أتوا هذه المرة لا لمشاهدة مسرحية ولا لمتابعة مهرجان، بل أتوا هاربين من القصف الإسرائيلي. عشرات النازحين وجدوا في هذه المسارح المكان الوحيد الذي استطاعوا الالتجاء إلى سقفه.

«المسرح الوطني اللبناني» بفروعه في المدن الثلاث تحوَّل إلى مأوى لنازحين من مختلف الجنسيات. في مدينة صور التي تلفّها النيران، تجد لبنانيين وسوريين وفلسطينيين، وعاملات منزليات من إثيوبيا وبنغلاديش، إضافة إلى أطفال ومسنين. كلٌّ يمضي وقته بالطريقة التي تروق له. ومع النازحين في المسرح حيواناتهم الأليفة التي اصطحبوها معهم؛ فهناك من أتى بعصفور، وآخر يعتني بكلبه الذي رفض أن يتركه خلفه. 50 شخصاً في صور يعيشون معاً في هذا المسرح، ويحاولون إضفاء المرح على جلساتهم رغم الخطر المحدق بهم.

ورشة رسم في المسرح (المسرح الوطني اللبناني)

يخبرنا إسطنبولي أن الأمر ليس بالسوء الذي نتصوره. يقول: «ننظم أنشطة باستمرار، وثمة أطفال بالعشرات يأتوننا من خارج المسرح خصيصاً ليشاركوا في برامجنا خلال النهار رغم أجواء الحرب». وينوِّع القيّمون على المسرح وسائل التسلية المفيدة لتزجية الوقت. ويضيف: «ننتقل بين الرسم والقراءة والأشغال اليدوية، ونركز على السيكودراما كي نساعد الأولاد على التغلب على مخاوفهم التي لا يعبرون عنها. التمثيل كفيل بذلك، والحكواتي مفيد أيضاً في مثل هذه الظروف».

وحين نسأل إن لم يكن الخوف أقوى من الفن في مثل هذه اللحظات، يجيبنا إسطنبولي متفائلاً: «الله هو المسلِّم». ويستطرد ضاحكاً: «الغريب أنه بدلاً من الخوف نجد الناس في المسرح يتواطؤون ضمناً على خلق أجواء من البهجة والراحة مع بعضهم بعضاً. هناك ألفة وتعاطف. ثمة من يأتون لليلة واحدة ثم يغادرون لأنهم وجدوا مكاناً آخر، أو ارتأوا العودة إلى منازلهم».

ميزة أن تكون هارباً من الحرب إلى مسرح أنك تخرج من أجواء الحرب قسراً. ثمة نازح يجيد العزف على البيانو يرفّه عن الموجودين كل يوم بقدر استطاعته، كما تُعرض أفلام بشكل مستمر لتمضية الوقت، وتُنظَّم ورشات رسم وتمثيل. إنها طريقة للترفيه عن أناس تركوا بيوتهم ولا يعرفون إن كانوا سيجدونها عند عودتهم إليها، خصوصاً أن غالبية الموجودين في المسرح الوطني في صور هم من القرى الحدودية التي تتعرض لأشد أنواع القصف والتدمير.

النوم في المسرح شأن آخر (المسرح الوطني اللبناني)

الألم كبير والقلق دائم. الأطفال يجدون ضالتهم في المسرح، تحديداً في هذه المدينة المرهقة بالقصف، حيث يحرص إسطنبولي على البقاء مع النازحين. يقول: «ثمة من قال إنه ينسى أحياناً الحرب وهو يتابع فيلماً أو يسمع معزوفة. تلك طريقتنا في المقاومة».

ولا يكتفي إسطنبولي بالترفيه عن رواد مسرحه، بل يجول أيضاً في مراكز إيواء مختلفة مع أعضاء من «جمعية تيرو للفنون»، وينشّط ورشات عمل للأطفال في مراكز متعددة موزعة في هذه المدينة الجنوبية.

بين النازحين في المسارح الثلاثة من كانوا قد لجأوا إلى المكان نفسه في الحرب العام الماضي؛ فقد باتوا يعرفون العنوان ويأنسون له.

في «المسرح الوطني» في طرابلس تقيم عائلة من جنوب أفريقيا وأخرى فرنسية، إلى جانب 7 عائلات تضم 27 شخصاً. يقول إسطنبولي: «معنا شعروا بالأمان العام الماضي، وهم يقيمون اليوم معزَّزين مكرَّمين».

وتشرح سيدة سورية في المسرح أنها لم تتمكن من العودة إلى بلادها مع أولادها اللبنانيين، ففضَّلت البقاء هنا إلى أن تنجلي الغمة.

تمضي الأيام بطيئة على النازحين، لكنهم يتعاونون في تحضير الوجبات في مطبخ المسرح. فقد أمّنت هذه المراكز الثلاثة كل ما يلزم من ضروريات أولية: كهرباء، وماء ساخن، وإنترنت على مدار اليوم، إضافة إلى الكتب والألعاب. ويقول إسطنبولي: «من حسن حظنا أننا احتفظنا بالفرش والأغطية من حرب العام الماضي. بمجرد أن وصل الملتجئون إلينا، كنا في جاهزية».

بعض المساعدات تصل إلى النازحين؛ إذ بدأت جمعيات تعرف بالحاجة في طرابلس وتحاول تقديم العون، لكنها غير كافية. لذلك أطلق المسرح دعوة للتبرع، ووزّع أرقام هواتف لمن يريد تقديم المعونة، ومن يرد أن يتوجه إلى المسرح شخصياً ويتبرع لعائلة بعينها، فالأمر مفتوح ومتاح.

المسرح يتَّسع لرواده في كل الأوقات (المسرح الوطني اللبناني)

لكن هذا ليس ما يشغل المنظمين أساساً؛ فالمهم هو الإحساس بالراحة والتعاون بين المقيمين في المسرح الواحد، وروح الأخوّة بينهم.

الصعوبات مقدور عليها، والحرب كانت متوقعة؛ لذلك منذ اللحظات الأولى لاندلاعها بدأت الاجتماعات.

ويقول إسطنبولي: «كانت لدينا كميات من الماء، والعصير، والكيك، وبعض الأشياء الأخرى، وما يقارب من 50 فرشة جاهزة، لذلك جاءت الاستجابة سريعة».

يرى إسطنبولي أن «المسرح الوطني» و«جمعية تيرو للفنون» يعملان أقل من الواجب في ظروف تستدعي نخوة الجميع. ويوضح: «المسرح هو نبض الناس وصوتهم، وقد وُجِد في الأصل لخدمتهم. وهذه علاقة لا تتوقف على تقديم المسرحيات وتنظيم المهرجانات». ويضيف: «ما قيمة المسرح إن أغلق أبوابه في وجه رواده في الأوقات العسيرة التي يكونون فيها بأشد الحاجة إلى الدعم؟».

وحين سأل إسطنبولي امرأة نازحة إلى المسرح، في اليوم العالمي للمرأة، عمَّا تتمناه في عيدها، قالت: «أن يبقى لكل امرأة بيتها».


«عميد المنشدين» ياسين التهامي يختتم الليالي الرمضانية بالأوبرا المصرية

ياسين التهامي خلال الحفل (الأوبرا المصرية)
ياسين التهامي خلال الحفل (الأوبرا المصرية)
TT

«عميد المنشدين» ياسين التهامي يختتم الليالي الرمضانية بالأوبرا المصرية

ياسين التهامي خلال الحفل (الأوبرا المصرية)
ياسين التهامي خلال الحفل (الأوبرا المصرية)

ليلة استثنائية قضاها محبو الإنشاد الديني والأشعار الصوفية مع «شيخ المنشدين» ياسين التهامي، ضمن ليالي رمضان بدار الأوبرا المصرية على المسرح المكشوف، مساء الاثنين، وسط حضور جماهيري حافل وتفاعل كبير مع أعماله.

وفى أجواء رمضانية مثالية، اختتمت دار الأوبرا المصرية سهراتها الرمضانية لعام 2026، بأمسية حملت توقيع «عميد الإنشاد الديني» الشيخ ياسين التهامي وفرقته.

وعلى المسرح المكشوف بدأ الحفل بأنغام روحانية، ثم ارتفع صوت ياسين التهامي الهادئ والقوي بمجموعة من التواشيح والمدائح، فتدفقت القصائد الصوفية والابتهالات التي طالما ترددت في مجالس الذِّكر والموالد على مدى عقود، وخلقت حالة من الخشوع والصفاء النفسي، وتفاعل معها الحضور، وعكست عمق ارتباط الجمهور المصري بالإنشاد الديني، وفق بيان لدار الأوبرا المصرية، الثلاثاء.

ويختتم هذا الحفل البرنامج الرمضاني الذي نظمته دار الأوبرا المصرية، وضم ألواناً إبداعية تنوعت بين الليالي العربية والإسلامية، والأمسيات الروحانية، والعروض الموسيقية والغنائية الفريدة، إلى جانب اللقاءات الثقافية التنويرية.

ياسين التهامي قدم إنشاداً من القصائد الدينية (الأوبرا المصرية)

ويرى الناقد الموسيقي المصري، أحمد السماحي، أن «ياسين التهامي أشعل الأجواء في الأوبرا المصرية بأدائه المميز وجمهوره ومحبيه، وجعل الأجواء الروحية والصوفية تخيِّم على المكان وعلى الحضور». ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «يرجع هذا الحضور الطاغي والمميز لحفلات ياسين التهامي لأسباب عدة، أولها أن اللون الصوفي الذي يقدمه ياسين التهامي لا يقدمه غيره على الساحة بالكفاءة نفسها».

ووصف السماحي الشيخ ياسين التهامي بأنه «واحد من القلائل في مصر والعالم العربي الذين يستطيعون جذب الجمهور لآفاق من السمو الروحاني، عبر أدائهم للإنشاد الديني والصوفي، فنرى الجمهور من بداية الحفل يرتقي مع التهامي في مراتب روحية، من خلال الموسيقى والأناشيد وطريقة الأداء».

ويُعد ياسين التهامي (77 عاماً) من أبرز منشدي القصائد الصوفية في مصر، واشتهر بتقديمه أشعار ابن الفارض في حفلات متنوعة لوزارة الثقافة، وفي الاحتفالات الدينية الأخرى، مثل الموالد الكبرى، كما يقدم ابتهالات دينية وأشعاراً لرموز التصوف في التاريخ الإسلامي، وقصائد المديح النبوي. ومن القصائد التي اشتهر بغنائها: «قلبي يحدثني»، و«هامت الأرواح»، و«أبا الزهراء»، و«لغة القلوب».

ويلفت الناقد الموسيقي أحمد السماحي إلى أن اختيارات ياسين التهامي للقصائد التي يغنيها؛ سواء في الموالد أو الاحتفالات الدينية أو الحفلات الموسيقية الكبرى، هي التي رسخت لصوته وأدائه وشخصيته، لتصبح له بصمة فنية مميزة وجمهور يتبعه في كل مكان تقريباً.

جمهور حاشد تفاعل مع الحفل (الأوبرا المصرية)

وتابع: «أصبح ياسين التهامي الأشهر في مصر في مجال الغناء الصوفي، لإخلاصه التام لهذا المجال، فلم يقدم –مثلاً- تواشيح ولا غناءً عادياً؛ بل أصر على لونه الصوفي المميز جداً، مما رسخ بصمته الخاصة. كما أن الأجواء الرمضانية التي نعيشها حالياً مع اقتراب نهاية الشهر تزيد تجاوب الجمهور مع الموسيقى والأشعار الصوفية، لما تقدمه من جرعة فنية روحية».

وقدمت دار الأوبرا المصرية كثيراً من الليالي الرمضانية ذات الطابع الخاص الذي يناسب الأجواء الروحانية لشهر رمضان. وكانت من بينها ليالٍ لفرق أجنبية من دول إسلامية، مثل: باكستان، وفلسطين، والفلبين، والعراق، وتونس، وإندونيسيا.

وقدم صالون الموسيقى العربية بالقيروان حفلاً تضمن مجموعة من الأعمال الطربية والروحانية والموشحات والأغاني التقليدية التي تعكس الطابع التونسي، كما قدمت فرقة «الحضرة» للإنشاد الديني مجموعة مختارة من القصائد الصوفية والمدائح النبوية، وهي الفرقة التي اشتهرت بأغاني «قمر» و«مدد يا سيدة»، و«أول كلامي بامدح»، و«جمال الوجود»، و«هاتوا دفوف الفرح»، و«خذني إليك»، و«المسك فاح»، وغيرها من الأغاني والأناشيد الدينية.