توقيت تناول الطعام... أهم للصحة

أنماط تناول الوجبات الحالية تتعارض مع الإيقاعات البيولوجية للإنسان

تناول الطعام يجب أن يحدد بالساعة البيولوجية للإنسان: طبق كامل جاهز للطعام في الصباح تقل مساحته لتضمحل عند الغروب
تناول الطعام يجب أن يحدد بالساعة البيولوجية للإنسان: طبق كامل جاهز للطعام في الصباح تقل مساحته لتضمحل عند الغروب
TT

توقيت تناول الطعام... أهم للصحة

تناول الطعام يجب أن يحدد بالساعة البيولوجية للإنسان: طبق كامل جاهز للطعام في الصباح تقل مساحته لتضمحل عند الغروب
تناول الطعام يجب أن يحدد بالساعة البيولوجية للإنسان: طبق كامل جاهز للطعام في الصباح تقل مساحته لتضمحل عند الغروب

لطالما اختلف علماء التغذية حول النظام غذائي الأفضل للحصول على الصحة المثالية. لكن بعض الخبراء يعتقدون اليوم أن نوعية الطعام الذي نتناوله ليست العامل الأساسي الوحيد لصحة جيدة، بل أيضاً توقيت تناول الطعام.
وقد رجّحت مجموعة واسعة من نتائج الأبحاث، أن أجسامنا تعمل بأفضل حالاتها عندما ننظّم أنماط الأكل وفقاً لإيقاعات الساعة البيولوجية، أي دورات الساعات الأربع والعشرين الفطرية التي تعلم جسمنا متى يستيقظ، ومتى يتناول الطعام، ومتى يغفو. وأظهرت الدراسات أن عرقلة هذا الإيقاع من خلال تناول وجبات متأخرة أو وجبات خفيفة بعد منتصف الليل مثلاً من شأنه أن يسبب زيادة في الوزن واختلالاً عملية التمثيل الغذائي.

توقيت الغذاء
تشكّل هذه الفرضية عمادة كتاب جديد بعنوان «شيفرة إيقاعات الساعة البيولوجية» لساتشين باندا، بروفسور في معهد «سالك» ومتخصص في بحث إيقاعات الساعة البيولوجية. ويعتبر باندا أن صحة التمثيل الغذائي لدى الناس تتحسّن عندما يتناولون وجباتهم خلال نافذة زمنية تتراوح بين 8 و10 ساعات، أولها في الصباح الباكر، وآخرها في بداية المساء.
تنطلق هذه المقاربة التي تعرف بالـ«التقيّد بالغذاء المبكّر» من فكرة أن التمثيل الغذائي لدى البشر يتبع إيقاعاً يومياً، تستعدّ فيه أنظمتنا الهرمونية والأنزيمية والهضمية لتناول الطعام في الصباح وبعد الظهر. لكن الكثير من الأشخاص يتناولون الوجبات الخفيفة والأطعمة منذ استيقاظهم، ولا يتوقفون إلا قبل وقت قصير من نومهم. ووجد باندا في بحثه أن الشخص العادي يتناول الطعام على مدار 15 ساعة أو أكثر يومياً، ويبدأ بأشياء كالحليب والقهوة بعد وقت قصير من استيقاظه، وينهي يومه بكوب من النبيذ مع وجبة متأخرة ليلاً، أو حفنة كبيرة من البطاطا المقرمشة، أو المكسرات وغيرها من الوجبات الخفيفة قبل وقت قصير من نومه.

تعارض الإيقاعات
ويقول، إن أنماط تناول الطعام هذه تتعارض مع إيقاعاتنا البيولوجية. ويعي الباحثون منذ زمن طويل أن الجسم البشري له ساعة رئيسية في الدماغ، مركزها منطقة الوطاء (الهايبوثلاموس) الذي يتحكّم بدورات النوم والاستيقاظ عبر الاستجابة للتعرّض للضوء الساطع. وقبل بضعة عقود، اكتشف الباحثون أن الجسم البشري لا يضمّ ساعة واحدة، بل مجموعة منها، فلكل عضو ساعة داخلية خاصة به تتحكّم بدورات نشاطه اليومي.
خلال النهار، يزيد البنكرياس إنتاجه من هورمون الأنسولين الذي يسيطر على معدلات السكّر في الدم، ومن ثمّ يعود ليبطئه ليلاً. كما تخضع الأمعاء لساعة خاصة بها تنظّم تراجع وتدفق الأنزيمات، وامتصاص الأغذية، والتخلّص من مخلّفات الجسم. بدورها، تعمل مجموعات تضمّ تريليونات البكتيريا التي تحتوي على مجاميع الميكروبات الموجودة في الأمعاء وفقاً لإيقاع يومي. هذه الإيقاعات اليومية متأصلة في أجسادنا إلى حدّ أنها مبرمجة في الحمض النووي: إذ أظهرت الدراسات أنه وفي كل عضو، تعمل وتتوقف آلاف الجينات عن العمل في الوقت نفسه تقريباً من كل يوم. وقال باندا «سكنّا هذا الكوكب منذ آلاف السنوات، وبينما تغيرت أشياء كثيرة، كان هناك أمر ثابت وحيد دائم. في كل يوم، تشرق الشمس وتغيب ليلاً. نحن مصممون لنشهد 24 ساعة من الإيقاعات في تكويننا الفيزيولوجي والتمثيل الغذائي. وهذه الإيقاعات قائمة؛ لأن كل عضو في جسمنا يحتاج إلى النوم كل ليلة للصيانة وإعادة شحن نفسه بالطاقة، وتجديد نشاطه، تماماً كما الدماغ».

الغذاء المبكر
وترجّح غالبية الأدلّة الموجودة لدى البشر أن استهلاك القسم الأكبر من الغذاء في وقت مبكر من اليوم أفضل لصحة الإنسان، حسب الدكتورة كورتني بيترسون، الأستاذة المساعدة في قسم العلوم الغذائية في جامعة ألاباما في برمنغهام. وأظهرت عشرات الدراسات أن التحكّم بمعدلات السكر في الدم يكون أفضل في الصباح وفي أسوأ أحواله ليلاً؛ لأن الناس يحرقون المزيد من السعرات الحرارية ويهضمون الطعام بفاعلية أكبر في الصباح.
في الليل، تدفع قلّة الضوء الدماغ إلى إفراز هرمون الميلاتونين، الذي يهيئونا للنوم. في المقابل، ترسل عملية تناول الطعام في وقت متأخر ليلاً إشارة مربكة لساعات جسمنا تجعلها تعتقد أن الوقت لا يزال نهاراً، حسب بيترسون.
وتضيف «في حال كنتم تتناولون الطعام باستمرار في وقت لا تتعرضون فيه للكثير من الضوء خلال النهار، ستفقد أنظمة ساعاتكم البيولوجية انسجامها. وبالتالي، ستعمل هذه الساعات وكأن إحداها بتوقيت اليابان وأخرى بتوقيت الولايات المتحدة؛ مما يزوّد تمثيلكم الغذائي بإشارات متضاربة حول ما إذا كان يجب أن ينشط أو يهدأ».
يعي معظم الناس ما الذي يحدث عندما نعرقل عمل الساعة الرئيسية الموجودة في الدماغ من خلال السفر عبر أكثر من منطقة زمنية أو العمل حتى ساعات متأخرة ليلاً: تعب، إرهاق بفعل اختلاف التوقيت، وتشوش في الرأس.
ويفرض تناول الطعام في أوقات خاطئة من اليوم الضغط نفسه على الأعضاء المنخرطة في عملية الهضم، ويجبرها على العمل في الوقت الذي تكون فيه مبرمجة للنوم، مما يزيد خطر المرض، حسب ساسون - كورسي، مدير مركز علم التخلّق والتمثيل الغذائي في جامعة كاليفورنيا، إرفاين.
ويضيف ساسون – كورسي، الذي نشر أخيراً ورقة بحثية حول التفاعل بين التغذية، والتمثيل الغذائي، والإيقاعات البيولوجية «من المعروف أنه وبتغيير وعرقلة الدورات الطبيعية، نزيد خطر الإصابة بأمراض كثيرة».
يمثّل موظفو المناوبة، الذين يشكّلون 20 في المائة من القوى العاملة في أميركا، أصدق مثال على هذه النظرية. إذ يعمل الكثيرون وبشكل متكرّر في نوبات ليلية؛ مما يجبرهم على تناول الطعام والنوم في أوقات خاطئة. ويؤدي العمل الليلي إلى مشكلات كالسمنة والسكري وبعض أنواع السرطانات وأمراض القلب. وفي الوقت الذي تلعب فيه العوامل الاجتماعية – الاقتصادية دوراً مهماً، ترجّح الدراسات أن تعطيل الإيقاع البيولوجي يمكن أن يؤدي وبشكل مباشر إلى تراجع الصحة.
تفيد بعض الدراسات بأن تناول الطعام في وقت مبكر من اليوم ضروري جداً لصحة التمثيل الغذائي، إلا أن هذا لا يعني أنكم يجب أن تفوّتوا وجبة العشاء، لكن يفضّل أن يكون عشاؤكم خفيفاً، فقد وجدت إحدى المجموعات البحثية في دراساتها أن البالغين الذين يعانون من زيادة في الوزن خسروا وزناً أكثر، وشهدوا تحسناً أكبر في معدّل السكر في الدم والأنسولين، وتراجعاً في عوامل المخاطر القلبية عندما تناولوا وجبة فطور كبيرة، وغداء متواضعاً، وعشاءً أكثر تواضعاً مقارنة بالوضع المعاكس: وجبة فطور صغيرة وعشاء كبير. ولفتت بيترسون إلى أن هذه النتائج تؤكد قولاً مأثور قديماً لطالما سمعناه «تناول فطور ملك، وغداء أمير، وعشاء فقير».



كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
TT

كيف تشق الخلايا السرطانية طريقها نحو الانتشار؟


شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم
شكل تصويري لخلية دم بيضاء مع "الميتاكوندريا" لحالة اصابة بسرطان الدم

كشف علماء في جامعة ستانفورد في الولايات المتحدة عن استراتيجية مفاجئة تستخدمها الخلايا السرطانية للانتشار؛ إذ ظهر أنها تقوم بسرقة الميتوكوندريا وهي «محطات الطاقة» داخل الخلايا، من الخلايا المناعية. وتُضعف هذه السرقة دفاعات الجهاز المناعي وتساعد الأورام على الانتقال إلى العقد اللمفاوية وهي خطوة مبكرة ومهمة في تطور السرطان.

وتُعدّ العقد اللمفاوية مراكز رئيسية للنشاط المناعي؛ إذ تحتوي على أعداد كبيرة من الخلايا التي تعمل عادةً على اكتشاف الخلايا السرطانية والقضاء عليها. لكنها في الوقت نفسه تُعدّ من أكثر الأماكن التي تنتقل إليها الخلايا السرطانية في المراحل الأولى من انتشار المرض. وحتى الآن لم يكن مفهوماً بشكل كامل كيف تتمكن الخلايا السرطانية من البقاء والنمو في بيئة غنية بالخلايا المناعية.

الاستحواذ على العقد اللمفاوية

• من ساحة مواجهة إلى بوابة الانتشار. تُظهر الدراسة الجديدة المنشورة في مجلة Cell Metabolism في 12 يناير (كانون الثاني) 2026، أن الخلايا السرطانية قادرة على نقل الميتوكوندريا مباشرةً من الخلايا المناعية، إليها. والميتوكوندريا مسؤولة عن إنتاج الطاقة وتنظيم بقاء الخلية. ومن خلال الاستيلاء عليها تكتسب الخلايا السرطانية مزايا تساعدها على النمو والحركة بينما تصبح الخلايا المناعية أضعف وأقل كفاءة.

ودرس فريق البحث بقيادة ديريك أوكوان دودو من قسم علم الأمراض ومعهد ستانفورد للسرطان جامعة ستانفورد الولايات المتحدة الأميركية عدة أنواع من السرطان منها سرطان القولون والثدي والميلانوما (سرطان الخلايا الصبغية في الجلد) باستخدام نماذج فئران. وقد وُسِمت الميتوكوندريا (أي تم تعليمها بعلامة يمكن تتبّعها) بعلامات خاصة لتتبع حركتها بين الخلايا. وباستخدام تقنيات تصوير متقدمة وأدوات وراثية لاحظ الباحثون انتقال الميتوكوندريا من الخلايا المناعية إلى الخلايا السرطانية سواء في موقع الورم الأصلي أو - وبنسبة أكبر - في العقد اللمفاوية القريبة.

وتبيّن أن هذا الانتقال يتطلب تلامساً مباشراً بين الخلايا المناعية والخلايا السرطانية، ويزداد حدوثه في ظروف الضغط الخلوي مثل نقص الأكسجين أو الالتهاب وهي ظروف شائعة داخل الأورام.

• تأثيرات ضارة. وكان لهذه العملية تأثيران رئيسيان:

- أولاً: الخلايا المناعية التي فقدت ميتوكوندريا أصبحت أقل فاعلية. فقد أظهرت خلايا مناعية مهمة مثل الخلايا التائية والخلايا القاتلة الطبيعية قدرة أضعف على التعرّف على الخلايا السرطانية وقتلها. كما تراجعت قدرتها على عرض الإشارات المناعية وإطلاق استجابة قوية ضد الورم ما أدى إلى ضعف الرقابة المناعية.

- ثانياً: الخلايا السرطانية التي حصلت على ميتوكوندريا من الخلايا المناعية فعّلت مسارات داخلية تساعدها على الإفلات من الجهاز المناعي. ومن أبرز هذه المسارات مسار cGAS -STING إلى جانب إشارات الإنترفيرون من النوع الأول. وعلى الرغم من أن هذه المسارات تُعدّ عادةً جزءاً من الدفاع المناعي فإنها في هذه الحالة ساعدت الخلايا السرطانية على البقاء والتخفي من المناعة والاستقرار داخل العقد اللمفاوية.

تحليل بيانات السرطان

• هروب الخلايا السرطانية من الجهاز المناعي. كما وجد الباحثون أن تسرّب الحمض النووي الخاص بالميتوكوندريا داخل الخلايا السرطانية بعد انتقالها، يلعب دوراً في تنشيط هذه المسارات. وعند منع انتقال الميتوكوندريا أو تثبيط مسارات STING - cGAS أو إشارات الإنترفيرون انخفض انتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية في النماذج التجريبية.

ومسار cGAS-STING هو نظام إنذار داخلي في الخلية. فعندما يظهر الحمض النووي «دي إن إيه» في مكان غير طبيعي داخل الخلية، مثلاً خارج النواة، تلتقطه أداة استشعار اسمها cGAS. وهذا الاستشعار يفعّل بروتيناً آخر يُدعى STING الذي يرسل إشارة طوارئ داخل الخلية. ونتيجة لهذه الإشارة يتم تشغيل الإنترفيرون من النوع الأول وهي مواد تحفّز الاستجابة المناعية. ويتم تنشيط جينات دفاعية تساعد الجسم على مقاومة العدوى أو الخلايا غير الطبيعية مثل الخلايا السرطانية.

وفي بعض أنواع السرطان تستغل الخلايا الورمية هذا المسار بذكاء فتُفعّله بطريقة تساعدها على الهروب من المناعة والانتشار بدل القضاء عليها.

وللتأكد من أهمية هذه النتائج لدى البشر، حلّل العلماء أيضاً بيانات من مرضى السرطان. وبيّنت التحليلات أن الأورام التي تحمل مؤشرات أعلى على انتقال الميتوكوندريا كانت أكثر ارتباطاً بانتشار السرطان إلى العقد اللمفاوية وتنشيط المسارات المناعية نفسها التي لوحظت في المختبر.

• آفاق علاجية. تُسلّط هذه الدراسة الضوء على انتقال الميتوكوندريا بوصفه آلية غير متوقعة تستخدمها الخلايا السرطانية للتلاعب ببيئتها. فمن خلال إضعاف الخلايا المناعية بحرمانها من مصادر الطاقة ثم استخدام هذه المكونات نفسها لتفعيل برامج تساعدها على الهروب والانتشار تحقق الخلايا السرطانية فائدة مزدوجة.

ويشير الباحثون إلى أن استهداف «سرقة» الميتوكوندريا هذه، أو المسارات الإشارية التي تنتج عنها قد يفتح آفاقاً جديدة لعلاج السرطان. فالحد من انتقال السرطان إلى العقد اللمفاوية قد يساهم في إبطاء تطور المرض وتحسين فرص العلاج.

ورغم الحاجة إلى مزيد من الأبحاث قبل تحويل هذه النتائج إلى علاجات فعلية فإن هذا الاكتشاف يضيف فهماً جديداً ومعمقاً للتفاعل المعقد بين الأورام والجهاز المناعي ويكشف طريقة أخرى تستغل بها الخلايا السرطانية دفاعات الجسم لصالحها.


«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد
TT

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

«الحياة والعقل»... مبنى بيئي حديث في جامعة أكسفورد

يُعدّ مبنى الحياة والعقل الجديد بجامعة أكسفورد Life and Mind Building (LaMB)، الذي افتُتح في أكتوبر (تشرين الأول) 2025، مثالاً بارزاً على التصميم المبتكر الذي يدمج بين الهندسة المعمارية والاستدامة وعلم الأعصاب.

مبنى بتصميم رمزي

يضمّ هذا المختبر، الذي تبلغ مساحته 269000 قدم مربعة (24991 متراً مربعاً)، وهو الأكبر في الحرم الجامعي، قسمي علم النفس التجريبي وعلم الأحياء، ليُشكّل مركزاً للبحوث المتطورة في علوم الدماغ وعلم الحيوان وعلوم النبات. إلا أن تصميم المبنى يتضمن تفصيلاً خفياً مثيراً للاهتمام: فواجهته، المصنوعة من الخرسانة ذات السطح المتموج، تقدم في الواقع رموزاً لمسح دماغي لإحدى الباحثات من أكسفورد.

لا يقتصر هذا العنصر التصميمي على الجانب الجمالي فحسب، بل يخدم غرضاً رمزياً أعمق. فقد استُمدّ نسيج واجهة المبنى الخارجية من مسح دماغ «سيج بوتشر»، الطالبة في قسم علم النفس التجريبي، وهو المسح الذي أُجري في أثناء تخيّلها لمستقبل مبنى الحياة والعقل. وقد سُجّل نشاط دماغها في لحظة وجيزة، مدتها ثانيتان، ما أسفر عن نمط موجي جيبي فريد نُحت لاحقاً على ألواح حجرية. وتُرمز التموجات في خرسانة المبنى إلى الأفكار الإيجابية، وتُنشئ صلةً مباشرةً بين وظيفة المبنى ومجال علم الأعصاب.

أكّد المهندسون المعماريون في شركة «إن بي بي جيه»، المسؤولة عن تصميم المبنى، على أهمية الاستدامة، فاختاروا مواد متينة كالخرسانة والحجر والمعادن، قادرة على الصمود أمام اختبار الزمن، وهو أمر بالغ الأهمية لجامعة عمرها قرابة ألف عام.

وكان الهدف هو إنشاء مبنى يُكمّل حرم جامعة أكسفورد التاريخي، مع تقديم تصميم عصري وجذاب بصرياً. ويعكس تضمين واجهة المبنى لصورة مسح الدماغ، إلى جانب المواد المتينة المستخدمة، هذا الالتزام بالخلود.

مختبرات مستدامة

وإلى جانب جاذبيته الجمالية، يُرسي المبنى معياراً جديداً لتصميم المختبرات المستدامة. فالمختبرات عادةً ما تستهلك كميات كبيرة من الطاقة، مع متطلبات عالية للتحكم في المناخ للحفاظ على ظروف التجارب. ونظراً لأن المختبرات تستهلك ما يصل إلى عشرة أضعاف الطاقة التي يستهلكها مكتب عادي، فقد صُمم المبنى مع مراعاة هذا التحدي.

يتميز المبنى بنظام تغليف محكم الإغلاق يجمع بين ألواح خرسانية وعزل حراري ونوافذ ثلاثية الزجاج وتفاصيل دقيقة لتقليل فقدان الطاقة إلى أدنى حد. كما يساهم استخدام أنظمة تهوية متطورة وألواح شمسية وردهة مركزية لزيادة الإضاءة الطبيعية في خفض استهلاك الطاقة. ونتيجةً لهذه الابتكارات، ينبعث من المبنى نحو 40 في المائة أقل من انبعاثات الكربون مقارنةً بمبنى مختبر تقليدي من الحجم نفسه.

وبشكل عام، يُعدّ مبنى «لايف آند مايند» إنجازاً بارزاً في مجال العمارة المستدامة، إذ يرتقي بمستوى ما يمكن أن تحققه مرافق البحث الجامعية من حيث المسؤولية البيئية والقيمة الجمالية. ولا يقتصر دور «لايف آند مايند» على تلبية احتياجات الباحثين فحسب، بل يرسي أيضاً معياراً رفيعاً لمباني العلوم المستقبلية، سواء في أكسفورد أو على مستوى العالم، في ظل تزايد تركيز الجامعات على الاستدامة في مبانيها الجديدة.


العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
TT

العيادة الذكية… حين تلتقي المهارة السريرية بالتحوّل الرقمي

افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض
افتتاح مؤتمر طب الأسنان في الرياض

في قلب العاصمة السعودية، انطلقت، الخميس، أعمال الدورة السابعة والثلاثين من المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان في «مركز الرياض فرونت للمعارض والمؤتمرات»، التي تستمر حتى 7 فبراير (شباط) 2026. غير أن الحدث هذا العام لا يبدو مجرد مؤتمر علمي دوري، بل مرآة تعكس التحول العميق الذي يشهده طب الأسنان عالمياً.

وعلى مدى ثلاثة أيام، يجتمع مئات الخبراء والأكاديميين والممارسين من داخل المملكة وخارجها، في فضاء تتجاور فيه قاعات المحاضرات مع منصات العرض التقني، وتتلاقى فيه التجارب السريرية مع أحدث منجزات الثورة الرقمية. لم يعد المؤتمر ساحة لعرض الأبحاث فحسب، بل تحول مختبراً مفتوحاً لفهم كيف تتغير هوية العيادة نفسها.

الروبوت والذكاء الاصطناعي في قلب معرض طب الأسنان بالرياض

ركائز العيادة الذكية

يعيش طب الأسنان مرحلة إعادة تعريف شاملة. إذ لم تعد المهارة اليدوية وحدها معيار التميّز، ولم يعد القرار العلاجي قائماً على الفحص التقليدي وحده، فالتطبيقات الرقمية، وتحليل الصور الشعاعية بالخوارزميات، وأنظمة التخطيط العلاجي المدعومة بالذكاء الحاسوبي المتقدم، أصبحت ركائز أساسية في بناء ما يمكن وصفه بـ«العيادة الذكية» — عيادة تقرأ البيانات قبل أن تبدأ العلاج، وتُحاكي النتائج قبل تنفيذها، وتقلّص هامش الخطأ إلى أدنى حد ممكن.

ومن هنا يطرح المؤتمر سؤالاً جوهرياً: كيف يمكن للتقنية أن تعزّز إنسانية الممارسة الطبية بدل أن تُربكها؟ وكيف تتحول الخوارزمية من أداة حساب إلى شريك في تحسين جودة القرار السريري؟

منصة علمية بحجم التحوّل

يعكس البرنامج العلمي اتساع هذا التحول من خلال أكثر من 140 محاضرة و33 ورشة عمل تفاعلية تغطي زراعة الأسنان، وتقويمها، وجراحة الفم والوجه والفكين، وطب الأسنان الرقمي، والتصوير ثلاثي الأبعاد، والمعالجة بالليزر. وتمتد الجلسات إلى موضوعات الروبوتات الجراحية المساندة، والأنظمة المؤتمتة في التخطيط العلاجي، وتطبيقات «المساعدات الذكية» في إدارة السجلات الطبية والتواصل مع المرضى.

منظومة علاجية: المهارة البشرية والدقة الخوارزمية

ولا يعبّر هذا التنوع عن كثافة علمية فحسب، بل عن تحول بنيوي في طبيعة الممارسة؛ إذ لم تعد التخصصات تعمل بمعزل عن بعضها، بل ضمن منظومة علاجية مترابطة تقوم على التكامل بين المهارة البشرية والدقة الخوارزمية. فالجراح اليوم يناقش دقة التوجيه الروبوتي بقدر ما يناقش مهاراته اليدوية، ويتعامل مع أنظمة قادرة على تحليل آلاف الصور خلال ثوانٍ لتقديم توصيات مدعومة ببيانات واسعة النطاق.

ويشارك في تقديم الجلسات نخبة من العلماء والخبراء من داخل المملكة وخارجها، ما يمنح المؤتمر بُعداً دولياً حقيقياً، ويجعله مساحة حوار بين مدارس علمية متعددة تبحث في سؤال المستقبل: كيف يبقى القرار بيد الطبيب، في حين تتولى الآلة قراءة التعقيد؟

المعرض التقني... صورة عملية للعيادة القادمة

يصاحب المؤتمر معرض تقني واسع تشارك فيه شركات عالمية رائدة تعرض أحدث حلول الطباعة ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات الدقيقة، وأنظمة التصميم والتصنيع بالحاسوب، وتقنيات المسح الضوئي داخل الفم، وأجهزة التصوير المقطعي المتقدمة التي تمنح رؤية تشخيصية شاملة خلال دقائق معدودة.

كما تحضر الروبوتات المساعدة في الإجراءات الجراحية الدقيقة، إلى جانب منصات الذكاء الاصطناعي والبوتات الطبية التي تدير المواعيد، وتتابع خطط العلاج، وتقدّم تثقيفاً صحياً رقمياً للمريض قبل الإجراء وبعده.

هنا لا تُعرض الأجهزة بوصفها أدوات جامدة، بل بوصفها ملامح لعيادة جديدة تتكامل فيها الخوارزمية مع اليد البشرية، ويصبح الزمن العلاجي أقصر، والدقة أعلى، وتجربة المريض أكثر أماناً.

طابعات ثلاثية الأبعاد لصناعة التركيبات السنية في المعرض

تصريح لـ«الشرق الأوسط»

وفي تصريح حصري لصحيفة «الشرق الأوسط»، أكد الدكتور زياد حمود اللاحم، رئيس اللجنة المنظمة ورئيس الجمعية السعودية لطب الأسنان، أن المؤتمر السعودي الدولي لطب الأسنان (SIDC) هذا العام يتجاوز الإطار التقليدي للفعاليات العلمية، قائلاً: «نؤمن في SIDC أن التقدم العلمي وحده لا يكفي إذا لم يكن موجهاً لخدمة الإنسان والمريض. هدفنا هو خلق بيئة تجمع بين البحث والتقنية، والتعليم التطبيقي، بحيث يخرج كل مشارك بمهارات جديدة تُطوّر علاجاته وتُحسّن حياة مرضاه».

وأضاف أن «SIDC 2026» ليس مؤتمراً تقليدياً، بل منصة للتعاون الدولي بين الأكاديميين والعلماء ومصنّعي التقنية، بما يعزز تبادل المعرفة بين الشرق والغرب، مؤكداً أن التقنيات الذكية أصبحت جزءاً أساسياً من ممارسة طب الأسنان، وأن المؤتمر يسعى إلى تجسير الفجوة بين البحث العلمي وتطبيقاته السريرية.

من التصريح إلى الرؤية

تكشف كلمات الدكتور اللاحم عن جوهر التحول؛ فالتقدم العلمي لا يكتمل إلا حين يُوجَّه لخدمة الإنسان. وهنا تتجسد فكرة «العيادة الذكية» بمعناها الحقيقي: ليست عيادة مليئة بالأجهزة، بل بيئة تعرف كيف توظف البيانات لتحسين القرار الطبي.

فالتحول الرقمي لا يعني استبدال الطبيب، بل إعادة تعريف دوره داخل العيادة الحديثة؛ حيث تتولى الأنظمة الذكية تحليل التعقيد، بينما يبقى القرار السريري مسؤولية إنسانية لا تفوَّض.

وهكذا، في الرياض، لا يُصاغ مستقبل طب الأسنان بالأجهزة وحدها، بل برؤية تضع التقنية في خدمة الضمير المهني، وتُبقي الإنسان — علماً وحكمةً ورحمةً — في قلب القرار.