هل هناك حقاً عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية؟

هل هناك حقاً عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية؟
TT

هل هناك حقاً عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية؟

هل هناك حقاً عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية؟

نشرت «ثقافة»، بتاريخ 31 - 7 – 2018، مقالاً بعنوان: «عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية»، لكاتبه د. رياض معسعس. وننشر هنا التعقيب التالي، مع رد كاتب المقال عليه.
فوجئت بعنوان مثير للغاية يتصدر الصفحة الثقافية في جريدة «الشرق الأوسط»، بتاريخ 31 - 7 - 2018، للكاتب رياض معسعس، يحمل حكماً قاطعاً يشير إلى «عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية»، مع عنوان فرعي «آخرها قصة قصيرة عن الصليبية والجهاد».
أولاً، لا يوجد في هذا المقال، المنشور على مساحة كبيرة، ما يثبت صحة هذه الدعوى سوى الإشارة إلى «قصة قصيرة حول الصليبية والجهاد»، للكاتب الإيطالي ألساندرو باربيرو، ثم حديث مطول عن خلفية هذا الاهتمام الغربي بالحروب الصليبية، ومتى استخدمت كلمة الحروب الصليبية للمرة الأولى في القواميس والمعاجم الفرنسية، وكذلك الإشارة إلى بعض الكتب والدراسات من هنا وهناك، المتعلقة بهذا الأمر.
عندما يعود القارئ إلى مطالعة هذه القصة القصيرة التي استند إليها كاتب المقال لتبرير دعواه بوجود عودة أدبية فرنسية للحروب الصليبية، نكتشف أنها ليست بقصة قصيرة، وإنما دراسة عنوانها بالإيطالية «الحرب المباركة: الحرب المقدسة والجهاد»، وتحتوي على تاريخ موجز لأهم محطات وقضايا الحروب الصليبية، موزعة على أربعة فصول صغيرة: يتضمن أولها تعريفاً دقيقاً للحروب الصليبية، ويحمل ثانيها عنوان «الملحمة»، وثالثها بعنوان «بين الحرب المقدسة والجهاد، أما رابعها فيحمل عنوان «الغرب في عيون الآخرين».
ولا يوجد في أي صفحة من صفحات الكتاب ما يشير إلى أن المؤلف يسعى لاستلهام الحروب الصليبية، ناهيك عن كونه أستاذاً جامعياً متخصصاً في تاريخ العصور الوسطى، وله كتب كثيرة في هذا المضمار، كان آخرها كتاب «كلمات البابوات التي غيرت العالم»، أضف إلى ذلك أن الكتاب الذي ينظر إليه كاتب المقال على أنه قصة قصيرة لم يصدر هذه الأيام، وإنما صدر منذ عقد من الزمان تقريباً باللغة الإيطالية، وليس بالفرنسية حتى يكون ضمن العودة الأدبية الفرنسية لعام 2018! وقد تمت ترجمته إلى الفرنسية عام 2010، عن دار «فلاماريون»، ثم قامت الدار ذاتها بإعادة طبعه في طبعة ثانية، في مايو (أيار) 2018. وربما كانت هذه الطبعة الثانية هي التي اطلع كاتب المقال على عنوانها، دون أن يطلع عليها، ولا على الطبعة الأولى، وإلا ما كان قد وقع في هذا الخطأ الفادح في الحديث عما اعتبره قصة قصيرة. وربما ما أوقع كاتب المقال في هذا الموقف الذي لا يُحسد عليه أن الدار الفرنسية لم تحتفظ بالعنوان القديم للطبعة الأولى، وهو «تاريخ الحروب الصليبية»، وجعلت عنوان الطبعة الثانية «الحروب المقدسة: تاريخ موجز للحروب الصليبية والجهاد».
من يطلع على الكتاب، في طبعته الفرنسية الأولى أو الثانية، لن يجد اختلافات سوى في عناوين الطبعتين، ولن يجد في الكتاب، وهو صغير الحجم، لا يتجاوز 124 صفحة من الحجم الصغير، ما يمكن أن نعده استلهاماً للحروب الصليبية، وإنما دراسة تقدم رؤية عامة - وبلغة في متناول الجميع - لمسار ومحطات الحروب الصليبية وملامحها الرئيسية. كما يؤكد مؤلف الكتاب أن الحكم على الحروب الصليبية قد تغير بالفعل مع مرور الزمن (ص29). ورصد مؤلف الكتاب لحظات من تطور الوعي الغربي إزاء هذه الحروب، من بداية الحماسة لها والاحتفاء بها إلى مرحلة الشعور بالعار منها، عندما أدرك الغربيون مدى ما صاحبها من قدر هائل من العنف والحقد تجاه الآخر، ليس فقط المسلم، وإنما أيضاً الآخر اليهودي، حيث قامت الجماهير الهائجة المشاركة في الحرب الصليبية الأولى بارتكاب المذابح الأولى ضد اليهود، وأن النموذج المثالي للحروب الصليبية قد توقف في بعض الفترات عن أن يجذب إليه الغربيين، وكان هذا في عام 1270 (ص40)، إلى أن يصل مؤلف الكتاب إلى مرحلة العودة من جديد إلى النظر للحروب الصليبية بوصفها ملحمة ينبغي الإشادة بها، وليس كتراجيديا ينبغي إدانتها، وهو أمر يستحق أن يناقش عندما نتناول الانعكاسات الراهنة والمحتملة لهذه الحروب الصليبية (ص10). وأكثر من ذلك، فإن المؤلف عندما يتناول الأبعاد الدينية لهده الحروب، فهو يتناولها بمنهجية المؤرخ الأكاديمي فحسب (ص55).
يشير مؤلف الكتاب أيضاً إلى تطور وعي المسلمين تجاه هذه الحروب، ويستخدم في ذلك اللغة ذاتها التي كان يستخدمها المسلمون، حيث يقول في فقرة لا تخلو من دلالات: «لم يقف المسلمون مكتوفي الأيدي أمام قبيلة من البرابرة الدمويين الذين لا يعرفون من أين جاءوا، ناهيك عن شعورهم بأنهم من الكفار الذين دخلوا الأراضي الإسلامية، ونشروا فيها الخراب، واستولوا على مدنهم المقدسة. وشعر المسلمون أن هذه الحروب الصليبية كانت عدواناً صارخاً عليهم، وعلى ربهم، عندما استولى كفار الغرب هؤلاء على القدس، وقبر السيد المسيح، الذي هو بالنسبة للمسلمين نبي كبير جدير بالتقدير. وسرعان ما تحرك العالم الإسلامي لاستعادة المدينة المقدسة، وطرد الغزاة منها» (ص16).
ويقرأ مؤلف الكتاب حدث الحروب الصليبية بمصطلحات معاصرة أحياناً، مثل صدام الحضارات (ص83)، أو سوء الفهم الثقافي (ص114)، ولا سيما في الفصل الأخير من الكتاب الذي يتحدث فيه عن «الغرب بعيون الآخرين»، ويقول في هذا الشأن: «بالطبع، ليست أنشودة رولان، رغم شاعريتها العظيمة، هي المثال الأخلاقي الذي يمكن أن نقتدي به في القرن الحادي والعشرين، إلا أنها تعكس بصورة واضحة الطريقة التي كانوا يفكرون بها آنذاك، إذ كان الجميع، من المسيحيين والمسلمين، ومن بين المسيحيين، سواء كانوا من الكاثوليك اللاتين أو الأرثوذكس اليونان، يفكرون بالطريقة نفسها التي تحتوي على التعارض الثنائي بين الـ(نحن) والـ(هم)» (ص87).
أسهبنا بعض الشيء في تقديم الأفكار والملامح الرئيسية لهذا الكتاب الصغير، لكي نقول للسيد رياض معسعس، كاتب المقال، إنه تحدث دون دراية، وارتكب سلسلة من الأخطاء ما كان ينبغي أن يقع فيها، ليس أقلها أنه لم يفهم طبيعة الكتاب الذي أشار إليه، واتخذه مرتكزاً لدعواه بعودة أدبية فرنسية تستلهم الحروب الصليبية، بارتكاب كثير من الزلات التي لا يمكن تبريرها عندما تحدث عن التأثير الشرقي على الغرب، دون أن يذكر الأمثلة المناسبة على ذلك، باستثناء مثال تأثر دانتي بأبي العلاء المعري، وكذلك عندما أشار إلى أسماء ثلاثة من كبار المؤرخين، وزعم أنهم من معاصري الحروب الصليبية، بينما أحدهم فقط الذي يمكننا القول إنه كان معاصراً لها، بينما المقريزي والقلقشندي لا يمكن أن يندرجا تحت صفة معاصرين لها، بل جاءا بعد قرن من الزمان على نهايتها تقريباً. كما أخفق السيد رياض معسعس عندما أشار إلى أحد المراجع الرئيسية في تاريخ الحروب الصليبية، الذي تشرفت بترجمته إلى العربية عام 1995، وصدر في القاهرة بعنوان «الشرق والغرب زمن الحروب الصليبية»، بينما السيد رياض معسعس يترجم العنوان بصورة خاطئة ويسميه «مشرق ومغرب في زمن الحروب الصليبية»، وثمة بون شاسع بين العنوانين.
خلاصة القول، إن كاتب المقال بجريدة «الشرق الأوسط» لم يوفق تماماً في دعواه بوجود عودة أدبية فرنسية لاستلهام الحروب الصليبية، وذلك بالاستناد لكتاب وحيد (مترجم عن الإيطالية)، لم نتمكن عند قراءته من التثبت من هذه العودة الأدبية. وكان على كاتب المقال أن يقوم بتقديم استعراض لهذه الأعمال الأدبية الفرنسية، وأن يتثبت من تلك الأعمال التي ادعى أنها تعود للحروب الصليبية، وأن يحدثنا عن نسبتها، بالمقارنة مع العدد الكامل لمثل هذه الأعمال.

- رد الكاتب رياض معسعس
> يبدو من مقال السيد الشيخ أنه لم يفهم ما هو مغزى مقالي، وقد أخطأ كثيراً، ذلك أن ما قلته في المقال يخالف تماماً ما ورد في مقالته، فأنا لم أقل أبداً إن هناك عودة للحروب الصليبية في الأدب الفرنسي، بل قلت إن الأوروبيين بشكل عام، والفرنسيين بشكل خاص، ما زالوا إلى اليوم يهتمون بالحروب الصليبية، ويقيمون فيها أبحاثاً تاريخية واقتصادية ودينية وأدبية، ويسردون قصص أبطالها، وكل من شارك فيها من ملوك وأمراء وسواهم! وقد أعطيت أمثلة كثيرة في أزمنة مختلفة، تم فيها التطرق للحروب الصليبية، ولا يمر عام إلا ويصدر أكثر من كتاب حول الموضوع، حتى وصلت المؤلفات إلى أكثر من ألف وخمسمائة مؤلف، وهذه مسألة إيجابية لأنها تبحث في إيجابيات الحملات الصليبية وسلبياتها، بل هناك من أثنى على أبطال عرب، كأندريه ميكيل في ترجمته لمذكرات أسامة بن المنقذ. وليسمح لي السيد شيخ، فأنا درست الإعلام والآداب في السوربون، وقضيت اثني عشر عاماً على مقاعدها، وأحمل شهادتي دكتوراه دولة منها، وأعي تماماً ما أكتب وما أقول.

- أحمد الشيخ: كاتب مترجم مصري مقيم في باريس


مقالات ذات صلة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

ثقافة وفنون أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

زبيغنيو بريجينسكي... عرّاف الحرب الباردة

إذا كان ثمة اسمٌ واحد يختصر زمن الحرب الباردة، فهو زبيغنيو بريجينسكي الرجل الذي لم يكتفِ بحضورها، بل سعى إلى هندستها.

ندى حطيط
كتب حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

حي بن يقظان... جدل الحواس والمعرفة فلسفياً

عن دار «أقلام عربية» بالقاهرة، صدرت طبعة جديدة من كتاب «حي بن يقظان» للكاتب والمؤرخ المصري البارز أحمد أمين «1886- 1954»

رشا أحمد (القاهرة)
كتب صراع على وشك الانفجار

صراع على وشك الانفجار

يصدّر الكاتب المصري محمد جاد أحدث أعماله الروائية، الذي يحمل عنواناً لافتاً هو «صمت صاخب»، بعبارة ذات دلالة مهمة في الكشف عن رؤية العمل

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

رواية «الثوب» لطالب الرفاعي بالفرنسية

صدرت عن دار «أكت سود - ACTES SUD» الفرنسية، المعروفة باهتمامها بنشر الأدب العربي الحديث، ترجمة لرواية «الثوب» للأديب الكويتي طالب الرفاعي

«الشرق الأوسط» (الكويت)

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني
TT

الكتابة في زمن الحرب

شريف مجدلاني
شريف مجدلاني

في ملف خاص نشرته صحيفة «لوموند» الفرنسية تحت عنوان «الكُتَّاب في مواجهة الحرب في الشرق الأوسط»، يقول الروائي والقاص طالب الرفاعي: «الكتابة صارت عبئاً لا يُحتمل وضرورة لا غنى عنها في آنٍ واحد: فمع كل قذيفة تسقط تشعر أن الكلمات تُخذلك، ومع كل ضحية تُدفن تحس أن الصمت خيانة. إن الكاتب في زمن الحرب لا يختار بين الكتابة والصمت، بل بين ضربين من الموت: موت الجسد أو موت الذاكرة».

وفي الملف ذاته، يُسهم الروائي اللبناني شريف مجدلاني بشهادة تستعيد ما كتبه في يومياته «بيروت 2020، يوميات الانهيار» (الصادرة عن دار أكت سود الفرنسية). يقول: «إن الحرب لا تُدمّر المباني وحدها، بل تُدمّر ما هو أشد هشّاشة، ذلك القاموس الداخلي الذي يُقنع به الإنسان نفسه بأن الغد ممكن...» ويذهب مجدلاني إلى أن الكاتب في بيروت المنهكة لم يكن يُدوّن تاريخاً سياسياً، بل كان يُحاول إنقاذ «السرديات الصغيرة» للحياة اليومية: دكّانة الحي وصوت المولِّد، وقصّص سكان الحّي من السمكري إلى عامل الكهرباء وحتى تلك السخافات البيروقراطية التي تثبت بطريقتها المفجعة أن الحياة لا تزال تدور...».

آذر نفيسي

ولفهم عمق هذه المعضلة، الكتابة والحرب، لا بد من الوقوف عند الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين، الذي كتب مقالته «الراوي» عام 1936 أي في خضم صعود الفاشية الأوروبية وعلى مشارف الحرب العالمية الثانية. ولاحظ بنيامين فالتر بأن جنود تلك الحرب الكبرى عادوا من الخنادق صامتين وعاجزين عن وصف ما رأوا، لا لأنهم لم يُعيشوا شيئاً، بل لأنهم عاشوا ما لا يسعه لسان، مضيفاً: «عاد الرجال من ساحة المعركة صامتين، لا أكثر غنى بالتجربة بل أكثر فقراً في القدرة على نقلها». وقد رأى الفيلسوف الألماني في ذلك أزمة حضارية عميقة، لأن الحضارة لا تقوم على المؤسسات وحدها، بل على قدرة الإنسان على نقل تجربته جيلاً بعد جيل، فحين تُدمّر الحرب هذه القدرة، فهي تُدمّر الحضارة في عمقها السّردي قبل أن تُدمّرها في بنيتها المادية. والمقلق أن هذا التشخيص الذي وضعه الفيلسوف الألماني قبل تسعين عاماً يبدو أشد راهنية اليوم، حين تصل الصور من غزة ولبنان وطهران وكييف في ثوانٍ، ومع ذلك تظل التجربة الإنسانية الحقيقية وراء الشاشات عصيّةً على الرواية. تتجلى هذه المعضلة في أقوى صورها عند الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش الذي كتب قصيدته «حالة حصار» عام 2002 وهو يعيش حصار رام الله، حين كانت الدبابات تطوّق البيوت، في تلك اللحظة التي يفقد فيها الإنسان سيطرته على المكان وسرديته على الزمن. صاغ درويش عبارته الأكثر دلالة: «كن حاضراً في غيابك» وهي ليست مفارقة شعرية بلاغية، بل وصف دقيق لحالة وجودية يصنعها الحصار: أن تكون جسداً حاضراً في مكانك بينما يتعامل معك المحاصِر على أنك معدوم، غير مرئي، بلا حقوق ولا اسم ولا رواية. وقد وثّق الروائي الفلسطيني عاطف أبو سيف، وزير الثقافة في السلطة الفلسطينية، هذه الحالة بيومياته التي نشرت مقتطفاتها صحف «نيويورك تايمز» و«الغارديان» وكذالك «لوموند» تحت عنوان: «لا تلتفت يساراً: يوميات الإبادة في غزة»، إذ ظّل خمسة وثمانين يوماً في غزة يُدوّن قوائم الضحايا ورحلات البحث عن الماء و الطعام، وحياة العائلات داخل الخيام، ليصّرح بعدها بمدة في معرض فرانكفورت للكتاب: «كنت أكتب كي أتأكد أني لست ميتاً يسير في قرية من الأموات»

هذه الجملة المرعبة تُحدّد وظيفة الكتابة في سنوات الحرب: الكاتب يكتب كي يُثبت لنفسه أولاً أن الزمن السّردي لم يتوقف.

عاطف أبو سيف

وفي أوكرانيا، تأخذ المسألة بُعداً آخر. فالشاعر والروائي سيرهي جادان أبرز أصوات الأدب الأوكراني المعاصر والحائز على جوائز دولية عديدة، لم يكتفِ بالكتابة عن الحرب، ففي عام 2024 انخرط طوعاً في الخدمة العسكرية ضمن لواء خاركيف المعروف بـ«خارتيا»، وهو لواء اشتُهر بضمه جنوداً من المثقفين والناشطين المدنيين. وقد آثر جادان أن يكون شاهداً بجسده لا بقلمه وحده، حاملاً سلاحاً بيد وقلماً بأخرى، حيث كتب في مجموعته القصّصية «لن يطلب أحد شيئاً» ما يلي: «الشيء الوحيد الذي يملؤنا اليوم هو ضعفنا: كلي، مؤلم... لا نهاية له، في زمن الحرب تصبح الكلمات ناقصة وعاجزة أمام الواقع العنيف».

أما الروائي أندريه كوركوف فقد أفصح في حوار مع مجلة «بوليتيس» الفرنسية بعنوان: «الحرب هي حياتي الآن» بأنه تحول إلى صحافي ونسي عمله الروائي، إذ لم يتمكّن خلال سنتين إلا من كتابة ثلاثين صفحة من روايته المعلّقة، معبراً عن شعوره بأن الكتابة الروائية قد فقدت معناها في زمن الحرب، لأن هذه الحقبة تتطلب من الكاتب أن يكون راوياً للشهادة بدل كونه مبتكراً للقصّص».

الذين يكتبون اليوم من داخل إيران أو من المنفى يؤدّون نفس وظيفة شهرزاد في «ألف ليلة وليلة»... يروون كي يبقوا أحياء

آذر نفيسي

وقد جاءت حرب إيران في فبراير (شباط) 2026 لتُضيف فصلاً جديداً ومؤلماً. ففي ملف لوموند المشار إليه سابقاً تتقاطع شهادتان إيرانيتان من الشتات لتكملة هذه الصورة، حيث تقول ليلى أعظم زنكنه، وهي كاتبة فرنسية من أصل إيراني: «حرب إيران وضعت أبناء الشتات أمام نوع فريد من التمزق، نحن من نكتب، ولا أحد من الداخل يستطيع الكتابة الآن، نحن من يحمل أصواتهم ونتساءل في كل جملة: هل أنا وفيّ لما يُعيشونه؟... وهو تساؤل يحمل في طيّاته خوفاً مزدوجاً: الخوف من الصمت والخوف من الخيانة عبر الكلام...».

وتضيف مواطنتها آذر نفيسي صاحبة رواية «أن تقرأ لوليتا في طهران» على صفحات «لوموند» أيضاً ما يلي: «الإيرانيون الذين يكتبون اليوم من الداخل أو من المنفى يؤدّون نفس الوظيفة التي أدَّتها شهرزاد في (ألف ليلة وليلة) يروون كي يبقوا أحياء....».

تكشف هذه الشهادات المتقاطعة أن ثمة مشتركاً عميقاً يجمع الكتّاب في سنوات الحرب رغم تباين لغاتهم وجغرافياتهم: كلّهم يُشيرون إلى أن الحرب تُهدّد قبل كل شيء القدرات الدنيا على التسمية، أن تقول: كان هذا، وعاش هؤلاء وحدث ذاك، هذه القدرة، وإن بدت عاجزة أمام حجم الكارثة، فهي الحدّ الفاصل بين الذاكرة والمحو، بين الشاهد والانهيار الكامل. وقد وضع الكاتب الكويتي طالب الرفاعي يده على هذه الحقيقة حين قال: «الكتابة هي خلاص للروح، أعيش بها وأعيش لها» وربما كانت هذه الجملة البسيطة في ومضتها الإنسانية الخالصة أكثر دقةً من كل التعريفات الفلسفية: الكتابة في زمن الحرب ليست مُتعةً ولا رفاهيةً ولا نضالاً بالمعنى الكبير، إنها ببساطة ما يُبقي الروح قادرةً على الاستمرار، وهو في نهاية المطاف أكثر ما تحتاجه الحضارة حين تتهدَّدها الحرب.


أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة
TT

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

أسرار مكتبة الإسكندرية القديمة

يستشهد الباحث سليم كتشنر في كتابه «صفحات منسية في الثقافة المصرية»، الصادر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، بوصف كارل ساجان، عالم الفلك الأميركي، لمكتبة الإسكندرية القديمة بأنها «عقل ومجد أعظم مدينة على الكوكب وأول مركز للأبحاث العلمية في تاريخ العالم»، لافتاً إلى أن تأكيد الموسوعة البريطانية بأن أغلب الاكتشافات الغربية الحديثة تمت دراستها ووضع أسسها في تلك المكتبة التي شيد لبنتها الأولى زملاء وخلفاء الإسكندر الأكبر في مصر في القرن الثالث قبل الميلاد.

ويشير إلى أن من قام بإنشاء المكتبة هو ديمتريوس الفاليري سياتسي، وهو فيلسوف أثيني زامل الإسكندر الأكبر في دراسته على يد أرسطو في مدرسة المشائين الفلسفية، لكنها في مرحلة لاحقة اكتسبت أهمية وحجماً كبيرين، وبالتالي أصبح من الضروري إنشاء ملحق لها. ويُعتقد أن الملحق أو المكتبة على هضبة حي «راكيتوس» والمعروف اليوم بحي «كرموز»، بعيداً عن شاطئ البحر المتوسط الذي شيدت المدينة على ضفافه وأصبحت تلقب بـ«عروس المتوسط».

جمع ديمتريوس الفاليري اليوناني نواة مكتبة الإسكندرية من المخطوطات النادرة وهو في بلاد اليونان، كما يمكن أن يطلق عليه مؤسس فكرة المكتبة، بينما كان زينودوتوس الأفيس على الأرجح هو أول أمين للمكتبة وكان على رأس الأشخاص الذين خدموا بالمكان ديمتريوس فاليروس بداية من عام 284 قبل الميلاد.

وكانت لفائف البردي في المكتبة تغطي موضوعات ومجالات القانون والأخلاق والتاريخ والجغرافيا والآداب والفنون من شعر ونثر وقصص وروايات ومسرحيات، فضلاً عن التعبير بالفنون البصرية والتشكيلية مثل النحت والرسم.

وتعددت فروع العلوم في المكتبة لشمل الرياضة والهندسة والميكانيكا والطب والتشريح والجراحة وسائر العلوم البيولوجية وعلم النبات والحيوان وعلوم الطبيعة والكيمياء، إلى جانب التطبيقات العملية لكل تلك العلوم للاستفادة منها في صناعات ذلك العصر وتطويرها.

نجح ديمتريوس فاليروس في اقتناء مجموعة ضخمة من لفائف البردي في مختلف العلوم بلغت نحو 200 ألف لفافة، ولكنه كان يأمل أن يزداد عددها بسرعة ليصل إلى نصف مليون لفافة بردية، وقد تولى خلفه كالماخوس تحقيق هذا الأمل بعد نفي ديمتريوس حيث أوكل إليه بطليموس الثاني مهمة توسيع المكتبة وتزويدها بالكتب الجديدة وعمل الفهارس لها فبلغ عدد لفائف البردي فيها نحو 490 ألف واستمرت مقتنيات المكتبة من المخطوطات في الازدياد حتى وصلت مع نهاية العصر البطلمي إلى نحو 700 ألف لفافة بردية.

ومن أبرز علماء المكتبة «أقليدس»، عالم الرياضيات الشهير، ومن كتبه «المعطيات»، و«عن القسمة»، و«البصريات»، و«الظواهر» وهناك كذلك العالم «هيروفيلوس» الذي ترك إرثاً كبيراً من العلوم الطبية، وكان أول من أثبت أن المخ وليس الكبد أو القلب هو مقر العواطف والذكاء، إلى جانب «أريستاركوس» الذي كان المسمار الأول في نعش نظرية أرسطو القائلة بأن الأرض مركز الكون والكواكب تدول حولها، إذ توصل إلى أن الشمس مركز الكون وليست الأرض، كما أن الكواكب تدور حول الشمس، سابقاً في ذلك كلاً من كوبرنيكوس وغاليليو غاليلي.

ومن أبرز علماء مكتبة الإسكندرية القديمة كذلك «أرازيستراتوس»، الملقب بـ«أبو علم وظائف الأعضاء»، والذي كان أول من اكتشف الفارق بين أعصاب الحركة وأعصاب الإحساس. وهناك أيضاً «أرشميدس» الذي يعد من أعظم علماء الرياضيات في العصور القديمة والملقب بـ«أبو الهندسة» وأعظم اكتشافاته قانون طفو الأجسام داخل المياه، والذي صار يعرف بقانون أرشميدس.


نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

TT

نرجسية الشاعر ونرجسية الفيلسوف

نشرت صفحة «ثقافة وفنون» بتاريخ 24 فبراير (شباط) مقالاً للشاعر الناقد شوقي بزيع تناول فيه تجليات النزعة النرجسية في التراث الشعري العربي، ولم يكتفِ المقال برصد مظاهر الفخر والزهو في القصيدة، بل أشار إلى أن النرجسية ليست ظاهرة عابرة، بل تكاد تكون عنصراً مكوِّناً في طبيعة الشاعر ذاته. فالشاعر، في هذا التصور، لا يقف خارج تجربته بوصفه ناقلاً محايداً، وإنما يتكلم من داخل مركز ذاتي يرى العالم عبره ويعيد ترتيبه وفق حساسيته الخاصة.

استكمالاً للحديث أقول إن الشعر، بطبيعته، يجعل الأنا في الواجهة. القصيدة ليست وصفاً موضوعياً للوقائع، بل تشكيل جديد لها. وعندما يتصدر ضمير المتكلم النص، لا يكون مجرد أداة لغوية، بل إعلاناً عن حضور مركزي تُبنى حوله الرؤية كلها. الذات هنا هي محور تدور حوله الصور والمعاني. ومن ثم تبدو النرجسية في الشعر أكثر انكشافاً، لأنها تتجسد في صوت فردي صريح. ومع ذلك، لا يصح اختزال هذا الاعتداد في مجرد العُجب بالذات. فالفعل الإبداعي يحتاج إلى جرأة داخلية، وإلى إيمان عميق بأن ما يُقال يستحق أن يُقال. الشاعر الذي يشك في قيمة صوته لن يغامر بتجاوز السائد، ولن يحتمل عزلة التجربة.

كل نص شعري كبير يفترض ضمناً أن صاحبه يضيف شيئاً إلى العالم، وأن نبرته ليست تكراراً لما سبق. هذه الثقة قد تقترب من حدود التعالي، لكنها تظل شرطاً للإبداع، لا علامة على خلل بالضرورة.

النرجسية الشعرية، بهذا المعنى، ليست حباً للذات بقدر ما هي شعور طاغٍ بالتميز. الشاعر يشعر بأنه يرى ما لا يُرى بالطريقة نفسها عند غيره، وأن تجربته لا تُنقل إلا عبر صوته الخاص. من هنا تتحول الذات الفردية إلى منفذ يطل منه على المجال الإنساني العام. غير أن المشكلة تنشأ عندما تنقلب هذه القناعة إلى يقين مغلق، فيغدو العالم انعكاساً لصورة واحدة، ولا يعود في الآخر إلا صدى لذلك الصوت.

هذه البنية لا تتوقف عند حدود الشعر. فحين ننتقل إلى الفلسفة، نكتشف أن النرجسية قد تتخذ شكلاً أقل صخباً، لكنه أعمق أثراً. الفيلسوف لا يكتفي بالتعبير عن تجربة، بل يسعى إلى تحديد شروط إمكان التجارب جميعاً. إنه لا يروي ما يحدث، بل يطمح إلى بيان لماذا يحدث، وكيف ينبغي فهمه. وهنا ينتقل مركز الثقل من الصوت إلى المعيار، ومن التفرد إلى الحقيقة.

ليس كل مفكر يسعى إلى بناء نسق شامل، غير أن التاريخ الفلسفي عرف مشروعات حاولت أن تضم الوجود والعقل والتاريخ في حركة واحدة مترابطة. في مثل هذه المشروعات، يتجاوز الاعتداد حدود التعبير الفردي ليصبح ثقة في القدرة على صياغة صورة كلية للعالم. ويُعد هيغل مثالاً بارزاً على هذا الطموح. فمشروعه لم يكن معالجة قضية جزئية، بل سعي إلى فهم كليّ لتطور الفكر الإنساني بأسره ضمن مسار جدلي متكامل. الفكرة لديه ليست عنصراً ثابتاً، بل عملية تاريخية تبلغ وعيها بذاتها عبر التحولات.

هنا تظهر نرجسية الفيلسوف في صورتها الخاصة. فهي لا تتجلى في تباهٍ مباشر، بل في التماهي بين الذات والنسق. حين يشعر المفكر أن تصوره يمثل اللحظة الأكثر نضجاً في مسار الوعي، يغدو مشروعه أكثر من رأي بين آراء، ويقترب من صورة الحقيقة ذاتها. في هذه اللحظة، قد لا يقول الفيلسوف إن «الأعمى نظر إلى أدبه»، لكنه يتصرف كما لو أن رؤيته تمثل الأفق الأوسع للفهم.

ومع أن الجذر في الحالتين واحد، فإن الفارق بين النرجسيتين جوهري. نرجسية الشاعر جمالية وصوتية، تتمحور حول التفرد في التعبير. الشاعر يضخم ذاته ليقول «أنا مختلف»، وليؤكد أن صوته لا يشبه سواه. أما نرجسية الفيلسوف فهي معرفية وبنيوية، تتمحور حول الحقيقة والمعيار. الفيلسوف لا يكتفي بأن يكون مختلفاً، بل قد يميل إلى الاعتقاد بأن فهمه هو الأصح أو الأكمل. الشاعر يطلب الاعتراف بصوته، لا الاعتراف بدقته العلمية، بينما الفيلسوف يقترب من طلب الاعتراف بسلطته المعرفية. خطر الأولى يبقى في دائرة الذوق والجمال، أما الثانية فقد تمتد إلى تضييق أفق التفكير ذاته إذا تحولت الرؤية إلى معيار نهائي.

وتشتد نرجسية الفيلسوف عندما ينسى أن فكره جزء من التاريخ، لا نهايته. حين يتعامل مع نسقه كأنه الحقيقة الأخيرة، يصبح كل اختلاف معه خطأ، وكل نقد له سوء فهم. عندها يُختزل تنوع الآراء في مدى قربها أو بعدها عن فكرته. وغالباً لا يحدث ذلك بدافع عُجب صريح، بل لأن المفكر يندمج تماماً مع مشروعه، فلا يرى حدوده. وهنا تكمن المفارقة، فالفلسفة التي تسعى إلى تحرير العقل قد تنزلق إلى تضييق أفقه إذا أُغلقت على ذاتها.

في النهاية، يلتقي الشاعر والفيلسوف عند نقطة دقيقة لا تخلو من مفارقة. كلاهما يبدأ من الأنا، لكن أحدهما يحولها إلى نبرة، والآخر يحولها إلى نظام. الأنا في الشعر نافذة مفتوحة، قد يختلف معها القارئ لكنه يظل حراً في تأويلها، أما الأنا في الفلسفة فإذا تحولت إلى معيار شامل، فإنها تميل إلى رسم حدود لما ينبغي التفكير فيه.

ومع ذلك، لا يمكن تصور إبداع حقيقي من دون قدر من الجرأة الداخلية التي تضع الذات في مركز الرؤية. السؤال ليس في وجود النرجسية، بل في وعيها بذاتها. حين تدرك الأنا حدودها، تصبح قوة دافعة للخلق والاكتشاف، وحين تنسى تلك الحدود، تتحول إلى مرآة مغلقة لا تعكس إلا صاحبها. بين هذين الحدين تتحدد قيمة الشاعر وقيمة الفيلسوف، ويتحدد أيضاً مقدار انفتاحهما على العالم الذي يزعمان فهمه أو إعادة صياغته.

* كاتب سعودي