يوسا في بغداد: «هذا ليس حسناً يا سيدي!»

زار البلد بعد أقل من شهرين من الغزو الأميركي عام 2003

ماريو فارغاس يوسا
ماريو فارغاس يوسا
TT

يوسا في بغداد: «هذا ليس حسناً يا سيدي!»

ماريو فارغاس يوسا
ماريو فارغاس يوسا

استمع يوسا على هامش جولاته عبر العراق لأشخاص ممن سُجنوا أو تعرضوا للتعذيب فترة الحكم البعثي وزار سجن «أبو غريب»

كتب الروائي الراحل ماريو فارغاس يوسا (1936-2025) وحائز نوبل للآداب 2010 بغزارة لافتة عبر مختلف الأنواع الأدبية، بما في ذلك النقد الأدبي. حلّقت أعماله الروائيّة في فضاءات السياسة والتاريخ والكوميديا، لكنه كان أيضاً سياسياً بارزاً، وأحد أهم كُتَّاب المقالات في أميركا اللاتينية باللغة الإسبانية، وتُرجمت أعماله إلى كثير من لغات العالم. إلا أنّه في كتاب نادر قصير نُشر بالإسبانيّة يبتعد للحظات عن العوالم الخياليّة التي جلبت له الشهرة، ويخطو إلى تضاريس التحقيقات الصحافية، فيسجّل لقرائه -في صحيفة «إلباييس» الإسبانيّة حينها- انطباعاته اليوميّة من زيارة قام بها إلى العراق في يونيو (حزيران) 2003 بعد أقل من شهرين من الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للإطاحة بنظام حكم صدام حسين. والنتيجة كانت وثيقة ثمينة لشاهد ذي حساسيّة استثنائيّة لا يتوانى عن أن يكون مثاراً للجدل، ونظرة إنسانيّة عميقة في حياة شعب كان لا يزال يعيش لحظة الصدمة وعسف الاحتلال.

لا تتأتى قيمة «يوميّات العراق - 2003» من شمولية التحليل السياسيّ للحدث الصاعق، فتلك ليست غاية نصوصه إطلاقاً، بل في سطوع الملاحظة الشخصيّة لذهن روائيٍّ امتلك قدرة فريدة على التقاط تفاصيل عن الحياة والناس قد لا تقبض عليها العين العادية.

منذ البداية، لا يضع يوسا نفسه في موقع الخبير في سياسات الشرق الأوسط، ولكن كمراقب يسعى إلى تسجيل تأثير الديكتاتورية والحرب على الحياة اليومية للناس العاديين. ويمنح هذا التواضعُ في المنهج السردَ أصالةً تقاوم نبرة الخطابة وصيغة التنظير الشائعة في المقالات السياسية. وبينما يسير في شوارع بغداد، والنجف، والسليمانيّة، ويتحدث إلى سائقي سيارات الأجرة، والجنود، وأصحاب المتاجر، ورجال الدين، ويزور أنقاض المباني الحكومية المدمرة ومواقع السجون، يستمع يوسا أكثر مما يقول، على الرغم من أن آراءه تظهر جليّة في الخلفيّة.

تحمل نصوص اليوميّات -التي تضم مجموعة من الصور التقطتها مورغانا ابنة يوسا- توتراً أساسيّاً حول موقف الروائي الشهير من التدخل العسكري الذي تقوده الولايات المتحدة في العراق. إذ انتقل مبكراً في حياته الأدبيّة من تأييد الحكومة الثورية في كوبا بقيادة فيدل كاسترو، منذ بداية السبعينات، إلى الليبرالية اليمينية ومربع العداء لليسار، وأصبح أحد أعلى الأصوات المنتقدة للاستبداد والديكتاتوريات، ولذلك كان يرى -قبل رحلته إلى بغداد- في إزاحة صدام حسين تحرراً ضرورياً للشعب العراقيّ. ومع ذلك، فإنّه بعدما لمس الأمور على الأرض وشاهدها رأي العين، يخفف من غلواء تأييده للغزو، ويُظهر وعياً عميقاً بالمخاطر والآلام والحسابات الخاطئة التي انطوى عليها. وهنا لم تعد الحكاية سجل انتصار بقدر ما هي سرد متضارب يعطي شرعيّة للمشاعر المناهضة للحرب، ويوثق الفوضى، وانعدام الأمن، وفقدان الخدمات، وكذلك الخسائر الثقافية التي أعقبت دخول قوات التحالف إلى بغداد، بما في ذلك نهب المتحف الوطني العراقي، ذلك الحدث الرمز بالنسبة إلى يوسا، والذي عنده يكشف عن الإفلاس الأخلاقي للغزو، ومع ذلك فهو لا يُغفل في تأملاته التكلفة الباهظة إنسانياً للديكتاتورية، والآمال الهشة لدى كثيرين بالديمقراطيّة الموعودة.

استمع يوسا على هامش جولاته عبر العراق لأشخاص ممن سُجنوا أو تعرضوا للتعذيب أو أُسكتوا بمحض القوة خلال حكم النظام البعثي، وزار سجن أبو غريب (الذي كان آنذاك رمزاً لقسوة صدام حسين، وقبل أن يدخل التاريخ لاحقاً بوصفه موقعاً لأبشع الانتهاكات الأميركيّة بحق المعتقلين العراقيين)، وسجل معاناة المعارضين برصانة دون زخارف أو تلوين.

يوسا، بالطبع وقبل كل شيء، روائي، وحساسيته الأدبيّة تُحرِّك السرد في «يوميات العراق»، فحتى في خضمِّ التعليقات السياسية، تجده يستحضر المشاهد بعين راوي الحكايات؛ فيلتقط إيماءات امرأة خائفة عند نقطة تفتيش، وسخرية الأطفال الذين يلعبون ببراءة وسط الأنقاض، وذلك الصمت الحزين في المقابلات مع الناجين. تُضفي هذه اللحظات على اليوميات عمقاً تفتقر إليه الصحافة السيَّارة في غالب الأحيان، وتكشف عن نظرته إلى الأدب بوصفه طريقة لرؤية العالم -ليس فقط كمرآة عاكسة، ولكن كأداة لتفسيره.

ومع ذلك، فإن اليوميات لا تخلو من بعض نقاط الضعف؛ إذ يحد إيجازها من نطاق التحليل للحظة انتقال جدّ معقدة، وقد يرى بعض القراء -لا سيّما من العارفين بالعراق وتاريخه- أن حججه إما مؤقتة للغاية وإما استفزازية للغاية. ولا شكّ أن منتقدي الحرب اليوم سيجدون في اعتقاد يوسا -في ذلك الحين- أن الغزو مهما كان معيباً فإنه كان له ما يبرره أخلاقياً، مادةً للسخريّة التاريخيّة. علاوة على ذلك، فإنّه لا يتعامل بعمق مع التاريخ الطويل والمعقد للتدخل الغربي في الشرق الأوسط، ولا يوفر مساحة كبيرة للأصوات التي تنتقد الاحتلال من داخل العراق. إنها، بعد كل شيء، مجرد انطباعات شخصية لزائر للمكان، وليست كتاباً في التحليل الجيوسياسي الشامل. ولكن ذلك ربّما هو تحديداً ما يمنح اليوميات قيمتها اليوم. إذ من خلال تجنبه تقديم نفسه على أنه خبير، ومن خلال تناقضاته الظاهرة، يقبض يوسا على ملمح أساسيّ في لحظة ما بعد الغزو: عدم اليقين، وتهافت منطق الغزو، وأرضيته الأخلاقية المتقلبة. إنه، كأجنبي، يكتب في محاولة لفهم مكان في حالة تغير عنيف، فيبحث عن الإنسانيّ وراء العناوين الرئيسية، ويقاوم النّظرة الاستشراقية المبسترة، وشيطنة العراق، أو سذاجة إضفاء الطابع الرومانسي عليه، ليصل إلى خلاصة وصل إليها عراقي -تحدث إليه يوسا بعد زيارة منزله الذي اقتحمه جنود أميركيون في اليوم السابق: «هذا ليس حسناً يا سيدي!».

لا تنتهي اليوميات بخاتمة، ولكن بتساؤلات؛ فيوسا لا يعلن نجاح الغزو، ولا يتنبأ بمستقبل العراق، لكنّه بدلاً من ذلك، يعترف بحدود فهمه، وتعقيد اللحظة، فيكتب: «لا أحد يعرف ما سيحدث تالياً، لكن ربما، في النهاية، سيتولد شيء حسن من وافر الألم». إنها ملاحظة متحفظة، مسكونة بحزن عميق، ولا تبعث على كثير من الأمل، تلخِّص النفَسَ العام لليوميات، وتكشف عن تموضع لافت لليبرالية يوسا السياسي: بعيداً عن مربع إدانة الغزو بوصفه عملاً إمبريالياً محضاً، ولكنه في الوقت نفسه لا يشتري بضاعة المحافظين الجدد عن الاستبداد والديمقراطيّة على عواهنها، ولا يتورع عن اعتبار وجود الجيش الأميركي مصدراً لمشكلات لا حل لها، مما يُكسب منظوره تميزاً.

ومع رحيل مؤلفها بعد أكثر من عقدين من الزمن على زيارته للعراق، لا تزال «يوميات» يوسا قراءة ذات صلة وحيثيّة، ليس لما تضمّه من إجابات، بقدر ما تضيء على الارتباك الأخلاقي للشعارات التي تُعرِّيها الوقائع الماديّة التي يحملها تدفق نهر التاريخ الهادر. إن «اليوميات» وعد بثراء التقاء الأدب بالصحافة، وكيف أنه في بعض الأحيان، يمكن لصوت روائي يتجول في مدينة محطمة أن يكشف عن أكثر من ألف تقرير لمراكز الأبحاث.

مقتطف من الكتاب: كان الجنود الأميركيون خائفين كأهل بغداد

«إن السلطة الوحيدة ممثَّلة الآن في الدبابات والسيارات المدرعة والشاحنات وسيارات الجيب، والدوريات الراجلة للجنود الأميركيين الذين يعبرون الشوارع ويعيدون عبورها في كل مكان، مسلحين بالبنادق والمدافع الرشاشة، فيما تهتز المباني من هدير مركباتهم الحربية. الجنود يبدون، عند نظرة فاحصة، عاجزين وخائفين مثل مواطني بغداد أنفسهم.

منذ وصولي، ازدادت الهجمات ضدهم بشكل منهجي، وقد قُتل بالفعل ثلاثون جندياً منذ وصولي، وأُصيب نحو 300، ولذلك ليس مستغرباً أن يظهروا مترددين وفي حالة معنوية سيئة، وأصابعهم دائماً على الزناد بينما هم يقومون بدورياتهم في شوارع مليئة بأشخاص لا يستطيعون التواصل معهم، وسط حرارة جهنمية، والتي لا شك بالنسبة إليهم، مرتدين خوذات وسترات واقية من الرصاص وغيرها من أدوات الحرب، أسوأ مما هي للسكان المحليين العاديين. لقد حاولت في أربع مناسبات مختلفة التحدث إليهم -وكثير منهم مراهقون لم تنمُ لحاهم بعد- لكنني لم أتلقَّ سوى ردود موجزة للغاية. لقد كانوا جميعاً غارقين في العرق، ومُقَلُ عيونهم تتحرك باستمرار، مثل جنادب مذعورة».


مقالات ذات صلة

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

كتب حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة

ندى حطيط
كتب النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية

«الشرق الأوسط» (عمان)
ثقافة وفنون سلوى بكر

سلوى بكر... قراءة الآثار الاجتماعية للتحولات السياسية

لا شك أن سلوى بكر، كاتبة القصة القصيرة والروائية المصرية، تحتل مركزاً في الصدارة بين جيلها من الكتّاب والكاتبات الذين ظهروا على المسرح في حقبة الثمانينات

د. رشيد العناني
ثقافة وفنون العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

العزل حين يصبح فضاء للتأمل والتداعي الحر

تبدو رواية «الخروج من البوابة الحمراء» للكاتب المصري محمد سعيد محفوظ للوهلة الأولى وكأنها تقوم على بنية درامية بسيطة ومألوفة عبر كتابة اليوميات

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان
TT

حين يصبح المهاجر مرآة كاشفة لتناقضات أوروبا

زيجموند باومان
زيجموند باومان

تدهور الظروف المعيشية في أوروبا أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة في خضم التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تعصف بالقارة العجوز، تتصاعد أصوات غربيّة تهوّل من فكرة «أفول أوروبا»؛ إذ يقف العالم اليوم على المحك أمام مشاهد توحي بتصدع أسس الدولة القومية الحديثة؛ تلك الدولة التي شكلت تاريخياً حجر الزاوية في المشهد السياسي العالمي، ومصدر إلهام للتنظيم المجتمعي. يكفي إمعان النظر قليلاً للمس تحول أحياء بأكملها في مدن كبرى، مثل باريس وبروكسل وبرمنغهام، إلى بؤر تعكس أزمة هوية وجودية تعتصر الوجدان الأوروبي. المُهاجر، في هذا السياق المعقد، يقف كمرآة كاشفة لتناقضات أوروبا، وعرض دقيق لأزمة بنيوية متأصلة في قلب القارة.

الأصوات المهوّلة تعزو في خطابها السائد أزمة القارة الحالية إلى إخفاق المهاجرين المسلمين في الاندماج والذوبان في البوتقة الغربية. لكن قراءة تفكيكية للواقع تبرز انهيار النموذج الأوروبي ذاته، وقصوره الفادح في التوفيق بين ادعاءاته الليبرالية البراقة وتاريخه الاستعماري الممتد.

جورجيو أغامبين

تتجلى هذه الأزمة في بنية معرفية وتاريخية بالغة التعقيد؛ فمن الزاوية الإبستمولوجية، يؤسس العقل الغربي رؤيته للـ«آخر» على مركزية استعلائية متجذرة. يوضح المفكر إدوارد سعيد في أطروحاته الاستشراقية كيف تسهم استدامة هذه النظرة الدونية في إقصاء أي إمكانية حقيقية للاندماج، محيلةً المهاجر «كبش فداء» آيديولوجياً تُبرَّر به الإخفاقات الهيكلية المتعاقبة. ويرتبط هذا الاستعلاء المعرفي عضوياً بالإرث الكولونيالي؛ بعدما شُيِّدت الرفاهية الأوروبية الحديثة على استغلال مقدرات المستعمرات، في حين تستمر هذه الديناميكية اليوم عبر أشكال مستحدثة من التبعية والهيمنة.

وينسحب هذا الاستغلال على الداخل الأوروبي ذاته عبر تهميش اقتصادي ومكاني ممنهج. فالمهاجرون الذين استُقدموا كـأيدٍ عاملة رخيصة لإعادة بناء مدن القارة بعد الحرب، وجدوا أنفسهم محتجزين في معازل جغرافية وضواحٍ قاحلة، عُرضة لإقصاء مؤسسي يعكس تفاوتاً طبقياً حاداً يكذّب كل وعود المساواة الليبرالية.

في ظل هذه الهشاشة البنيوية، تتشكل حالة من قلق أنطولوجي أبدع في وصفها عالم الاجتماع زيغمونت باومان عبر مفهومه عن «سيولة المخاوف». ففي حداثتنا السائلة والمأزومة، ومع تآكل الضمانات الاجتماعية والاقتصادية لدولة الرفاهية، يتحول «الغرباء على أبوابنا» تجسيداً مادياً ومرئياً لهواجس المواطن الأوروبي حيال فقدان استقراره وهويته. ويغدو المهاجر لذلك بمثابة الشاشة التي تعرض عليها أوروبا مخاوفها من انهيار يقينياتها، متجاوزاً بذلك كونه مجرد تهديد عابر.

تعدّ فرنسا أكبر مسرح لهذه التحولات العنيفة؛ إذ سجلت السلطات قفزة هائلة في الحوادث المرتبطة بالاحتقان المجتمعي؛ وأظهرت إحصاءات حديثة تفضيل 44 في المائة من مسلمي فرنسا الالتزام بقواعد الدين الإسلامي وتقديمها على قوانين الجمهورية، وترتفع هذه النسبة لتصل إلى 57 في المائة بين الفئات العمرية الشابة. ما حدث في أروقة مؤسسات أكاديمية عريقة مثل معهد الدراسات السياسية بباريس بعد هجوم السابع من أكتوبر (تشرين الأول) يجسد هذا التصدع. إذ تحولت ساحاتُ التعليم ميادينَ صراع مفتوح، تقاطعت فيها خطابات اليسار الراديكالي مع تيارات الإسلام السياسي لتشكيل جبهة معارضة لسياسات الدولة واليمين المتطرف معاً. الفيلسوف سلافوي جيجك يرى في مثل هذه التطورات نتيجة حتمية لقصور التعددية الثقافية بنسختها الليبرالية السطحية، واكتفائها بالاحتفاء الشكلي بالتنوع، وتغافلها عن الجذور العميقة للتفاوت الطبقي.

وغير بعيد، في العاصمة البلجيكية بروكسل، قلب أوروبا النابض ومقر الاتحاد الأوروبي العتيد، تتضح معالم الأزمة بشكل أعمق. حيّ مولينبيك يقدم نموذجاً حياً لتعثر سياسات الدمج وافتقار مؤسسات الدولة لرؤية استراتيجية واضحة. لقد تحول هذا الحي مساحةً معزولة تعاني إهمالاً مزمناً، واستغلت تيارات التشدد الديني الفراغ الإداري والتخبط في الهياكل الفيدرالية لإنشاء شبكات استقطاب وتجنيد. المهاجر هنا يدفع ثمن براغماتية الدولة وتخليها عن أداء دورها.

في مدينة برمنغهام الإنجليزية، تتكرر المشاهد ذاتها بنكهة محلية خالصة. إذ إن تراجع الصناعة، الذي أدى إلى فقدان 80 في المائة من وظائف القطاع الصناعي الكلاسيكي، ترك آلاف العمال المهاجرين فريسة للبطالة المدقعة. تدهور الظروف المعيشية أفرز مجتمعات منغلقة تبحث عن هويتها في انتماءاتها الدينية، متجاوزة الهوية الوطنية الجامعة؛ ولذلك تضطر بريطانيا العظمى إلى احتضان ما لا يقل عن 85 محكمة دينية نشطة، تفصل في قضايا الأحوال الشخصية للطوائف المختلفة، وتدير شؤون مجتمعات موازية. ولا شك أن نجاح مرشحين ذوي أجندات أحادية في الوصول إلى مقاعد معينة في البرلمان البريطاني يمثل ظاهرة سياسية جديدة، تشير إلى تفوق استراتيجيات التعبئة القائمة على استغلال التهميش وافتقار الساحة لسياسيين يطرحون برامج لتحقيق تنمية شاملة عابرة للأديان والأعراق والطبقات.

ومع تصدع السرديّة والبحث عن تصور بديل بشأن موقع أوروبا من العالم يحار المراقب في تفسير إصرار الخطاب الغربي المحافظ على تحميل المهاجرين مسؤولية هذا التردي الشامل. الحقيقة الساطعة تكمن في شيخوخة السردية الأوروبية وقصورها عن استيعاب التحولات الديموغرافية الجارية. أوروبا المعاصرة تصارع بشراسة للحفاظ على صورتها المثالية بوصفها واحةً للتنوير، بينما تكشف سياساتها الداخلية والخارجية عن براغماتية قاسية وتمييز مؤسساتي عميق.

الفيلسوف المعاصر جورجيو أغامبين يحذّر من سياسات «حال الاستثناء» التي تتبناها الدول الغربية، والمُسْتَخْدَمَة لتسويغ التجاوزات القانونية بحق المهاجرين بحجة حماية الأمن القومي من خطر متخيل، بينما يتجاهل الكاتب مارك فايتسمان، لدى تنظيره لـ«أفول أوروبا»، ربما كون هذا الأفول المزعوم يمثل في صميمه مجرد انهيار للواجهة التي اختبأت خلفها القارة طويلاً. الهجرة، بحد ذاتها، ظاهرة إنسانية طبيعية ومحرك أساسي للتطور التاريخي للمجتمعات، وتحويلها مشكلةً أمنية يعكس بوضوح هشاشة النموذج الأوروبي وفقدانه البوصلة الأخلاقية والسياسية.إن الأزمة الحالية تتخطى مسألة اندماج المهاجرين لتلامس مادة المشروع الأوروبي برمته؛ ذلك أن إصرار النخب على إغفال التناقضات الداخلية العميقة، والتمسك بخطاب استعلائي يلقي باللائمة على «الآخر» المستضعف، سيسرع من وتيرة التفككات المجتمعية، بينما المهاجر سيظل دوماً تلك المرآة الصادقة العاكسة للوجه الأوروبي الحقيقي، بكل ندوبه وإخفاقاته التاريخية. تجاوز هذه المحنة الوجودية يستوجب اجتراح سرديّة بديلة ومبتكرة، تواجه أخطاء الماضي بجرأة، وتؤسس لعقد اجتماعي متجدد يحتضن النديّة والمواطنة الفاعلة الحاضنة للتنوع وتعدد الأصول والمنابت.


النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران
TT

النياشين لا تغني عن الغفران

النياشين لا تغني عن الغفران

في رواية «الأناشيد للآلهة والنياشين للحمقى» للكاتب المصري محمد البرمي - دار «الشروق» للنشر - لا يبدو البطل، الذي لا يؤمن بعدالة الحياة، قادراً على تفكيك مفهوم العدل ذاته خارج منطق السخرية منه، فمنذ عتبة العنوان المحتشد بالرمز والمفارقة، تتبدّى الرواية كقراءة في فكرة الاعتراف: من يُنشد له؟ ومن يُمنح وساماً؟ ومن يُقصى خارج دائرة القيمة؟ حيث لا تُوزّع النياشين وفقاً للعدل، بل وفقاً لمعادلات النفوذ والسلطة.

صدرت الرواية، أخيراً، وفيها يبدو البطل الأربعيني في حالة من التلفّت المستمر إلى الوراء، حيث القرية التي خرج منها إلى العاصمة، وإلى الماضي بوصفه مساحة فقدت نقاءها مبكراً بفعل صدمات الفقد المتكررة، وإلى المدينة التي تمنحه الصعود الوظيفي والطموح السلطوي، لكنها تسلبه الأمان، لتصبح الحياة «لعبة شدّ وجذب»؛ حبل يربطه بما كان، بينما تدفعه السلطة إلى ما صار عليه.

لا يبدو البطل، الذي تدور الرواية بلسانه، رغم ما حققه من مكانة وموقع، قادراً على التصالح مع تحوّله؛ كأن الاعتراف الذي ناله لم يكن اعترافاً بذاته، بل بصورة مصقولة عنه، ويتبدّى ذلك منذ افتتاح السارد بجملة تأسيسية تكشف مغزى فعل الكتابة الذي يلجأ إليه حين يقول: «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي»، هنا تتخذ الكتابة طابعاً اعترافياً مضاداً؛ فوصية الأب له بالنجاة من الفساد تتحوّل إلى هاجس أخلاقي يطارده، بينما تتحوّل الكتابة إلى محاولة نجاة أخرى، أو إلى مساحة يفاوض فيها الحياة التي يقول إنه يعيشها «لسدّ الثغرات وإكمال النواقص».ورطة السارِدينهض السرد على حبكة اختفاء سيدة تُدعى «شيرين» في ظرف غامض يتقاطع مع حياة البطل ليقوده إلى سلسلة من الورطات، غير أن السرد لا يكتفي بإدارة لغز الاختفاء، بل ينحو إلى فتح مسارات كشف لدواخل البطل؛ حيث تُعرّي كل ورطة طبقة من طبقاته، وكل تعثر يضعه أمام السؤال الذي حاول طمسه طويلاً: هل كان يسعى إلى العدالة... أو إلى نيشاينها؟ «ظننتني أعرف ما أريد» كما يقول في عبارة تختصر هشاشة يقينه.

ومع تصاعد الأحداث، لا يعود الاختفاء مجرد لغز حائر، بل يتحوّل إلى مرآة تجبره على إعادة النظر في علاقته بالسلطة، وبالماضي، وبصورته أمام نفسه قبل الآخرين.

لا تبدو الخريطة العائلية للبطل إطاراً سردياً نمطياً، بقدر ما يستدعيها في كشف ذاتيّ متكرر، فالسرد يُغيّب الزوجة نسبياً، في مقابل الإضاءة على صوت البطل الذي يجد في الانفصال والعلاقات البديلة محاولةً لتعويض الإحساس برتابة الزواج بدلاً من مواجهته، فتنقسم ذاته بين بيتين، ليُفكك السرد مفهوم «البيت» ذاته، الذي يبدو استعارة حاضرةً على مدار النص لحالة عدم الأمان الأولى التي عاشها في طفولته؛ لعدم مسامحته للأب، ولفقدٍ مبكر للأم، فيقول: «في كل مرة كنت أحاول الاكتمال... نقصت»، وكأن الرواية كلها كتابةٌ عن نقص لا يُرمّم بنياشين «الزواج» أو «الارتقاء» المهني السريع.

مسرح المدينةيتوزّع حضور البطل عبر مرآتين: «شيرين» و«رباب»، الأولى، التي يبدو لغز اختفائها مشوباً بقلق وتهديد مباشر له، ترتبط بها علاقة معقدة تتداخل فيها الرغبة بالذنب، فلا يهدد اختفاؤها موقعه الاجتماعي فحسب، بل يخلخل صورته عن نفسه ويكشف هشاشة مواقفه، أما «رباب»، التي يلتقي بها مصادفةً بصفتها سائقة «أوبر»، فتبدو حضوراً مضاداً؛ لا يسعى إلى «نيشان» ولا ينتظر اعترافاً، ويبدو تجوالهما عبر شوارع القاهرة ليس تنقلاً في المكان وحسب، لكنه في جوهره تجوال موازٍ داخل تعقيدات حياتهما، كأن المدينة نفسها تتحول إلى مسرح مراجعة داخلية.

في حواراته معها، يجد البطل نفسه أمام مرآة أكثر صفاء؛ مرآة لا تعكس صورته المصقولة، بل تكشف تناقضاته، فيما يبدو تمرد «رباب»، واختيارات حياتها غير الخاضعة لمنطق الامتياز، تضعه أمام أسئلة ملحّة، وتدفعه إلى رؤية ذاته خارج صورتها المصطنعة.

ويُسهم اختيار السرد بضمير المتكلم في تكثيف وقع هذه المراجعات الذاتية؛ فالبطل لا يروي وقائع فحسب، بل يعيد ترتيبها بما يُرمم صورته أمام ذاته، وكأن الرواية، في جوهرها، لا تُحاكم السلطة أو السياقات الاجتماعية والثقافية بقدر ما تُحاكم «وهم الاكتمال»؛ ذلك الوهم الذي يجعل الإنسان يطلب الاعتراف من الخارج، بينما جُرحه الأول، الغائر في أعماقه، لا يزال مفتوحاً. عروس النيل في مشهد يستدعي أسطورة «عروس النيل»، تقف «رباب» كأنها تعيد كتابة الطقس، بوصفه فعلاً تحررياً، فقفزها في النيل لا يأتي تهوراً كما يتعامل معه البطل بسخريةٍ مبطّنة، بل يبدو محاولة لمواجهة الماء بعدّه عنصر البدء والمحو والتجدد.

غير أن المفارقة تكمن في أن البطل ذاته، وهو على حافة حياته، يستدعي الطقس نفسه، لا بعدّه مشهداً أسطورياً، بل بعدّه سؤالاً أخلاقياً يواجه الذنب والغضب المتراكم منذ الطفولة، هنا تتقاطع الأسطورة مع السرد، ويتحوّل النيل من خلفية مكانية إلى رمزٍ دائري يُعيد الرواية إلى بدايتها؛ فالمشهد الذي افتُتحت به «أنا أكتب لأنني لم أسامح أبي» يجد صداه في لحظة التطهير المؤجَّل، وكأن النهاية لا تُغلق القوس، بل تعيده إلى موضعه الأول.

ولعل اختيار الكاتب تقسيم السرد إلى فصول قصيرة بعناوين دالة مثل: «الورطة»، «اللعبة»، «الرهان»، «الزحام»، «الخطر»، «المصادفة»، «الخلاص»، ليس مجرد تنظيم شكلي، بل بنية رمزية لمسار السقوط نفسه، فالحياة تبدأ لعبةً، تتحول رهناً، وتنزلق إلى الخطر، وتحرر قليلاً عبر مصادفة، ثم تبحث أخيراً عن خلاص، وهي بنية تُحاكي الخطأ الكبير الذي يتفتت إلى خطايا صغيرة، في مسارٍ يبدو وكأنه استيعاب تدريجي للحماقة؛ لا حماقة الآخرين، بل حماقة الذات حين تظن أن النيشان يُغني عن الغفران.


«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»
TT

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

«الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»

صدر حديثاً المجلّد الثالث والعشرون (خريف 2025) من مجلة «البحث الموسيقي» عن المجمع العربي للموسيقى التابع لجامعة الدول العربية، وهي مجلة سنوية محكّمة. وتضمّن المجلّد سبع دراسات لباحثين عرب من أقطار عربية عدة، من المتخصصين في مجال الموسيقى العربية من جوانب متعددة.

صدر هذا العدد - المجلّد في عَمّان، ضمن اتفاقية التعاون بين المجمع العربي للموسيقى ودار «العائدون للنشر والتوزيع»، وجاء في 180 صفحة.

وممّا جاء في افتتاحية العدد، التي كتبها رئيس هيئة التحرير، الدكتور نبيل الدراس، تحت عنوان «الموسيقى العربية بين الذاكرة والمعاصرة»، أن الثقافة الموسيقية العربية، أو ما يمكن تسميتها «الموسيقى العربية المعاصرة»، قد «أخذت فيما بين العقد الرابع من القرن العشرين وبداية القرن الحادي والعشرين، مساراً قد يكون مغايراً لما كانت عليه الحال في عصور سابقة. جاء ذلك متوافقاً مع الاتجاهات العالمية نحو عملية تشكيل مجتمع واحد وثقافة واحدة على نطاق البشرية جمعاء، والتي تتشكّل على أساس الثورة التقنية (تطور التقنيات الإلكترونية والحاسوبية، ونمو وسائل الإعلام، وتطوير الاتصالات والإنترنت... إلخ)، وتكامل مختلف مجالات التواصل الثقافيّ الإنسانيّ (الروحيّ والاجتماعيّ واللغويّ) لهذه المرحلة».

وبالإضافة إلى الافتتاحية، ضمّت المجلة دراسات لكلّ من: بوعزيز سمحون (تونس)، وكلير خوري (لبنان)، وميرنا زغيب (لبنان)، ووسيم جمعة (تونس)، وبديع الحاج (لبنان)، ومعتصم عديلة (فلسطين)، وعبد العزيز بن عبد الجليل (المغرب).