«سيرة الرواية المحرمة» أصبحت سيرة محفوظ من «نوبل» إلى طعنة الرقبة

محمد شعير يعيدنا إلى مسار الصحافة السردية من بوابة «أولاد حارتنا»

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ
TT

«سيرة الرواية المحرمة» أصبحت سيرة محفوظ من «نوبل» إلى طعنة الرقبة

نجيب محفوظ
نجيب محفوظ

ولدت الصحافة العربية في حضن الأدب قبل أن تستقر تقاليدها الخاصة بوصفها «حرفة». كان الأدباء هم كتاب المقالات السياسية، ومع الوقت انحسروا في الصحافة الثقافية. وحتى الآن يندر أن يكون المحرر الثقافي محرراً فقط. البعض كان شاعراً أو قاصاً قبل أن يحترف الصحافة، والبعض الآخر يشعر بعد سنوات من العمل أنه لم يعد يليق به أن يكتفي بمتابعة إبداعات الآخرين، وعليه أن يختار بين الشعر والرواية أو يجمع بينهما مع حرفته.
الصحافي المصري محمد شعير واحد من عدد قليل من المحررين الأدبيين الذين لم يتجهوا لكتابة الشعر أو الرواية، مكتفياً بلقب الصحافي، وكأنه يذكِّر بأساتذة المهنة الكبار، وبالمهنة عندما كانت مهيبة ومُرضية لمزاوليها.
ولم يكن على خطأ، إذ بات جهده محسوساً، وهو يواصل نضجه في تعميق مسار الصحافة السردية التي تعد طوق النجاة للصحافة المكتوبة، فهي التي يمكن أن تميز الصحيفة عن وسائل الاتصال الأحدث التي انتزعت منها الخبر السريع. وقد نال هذا الفن اعتراف مؤسسة نوبل التي منحت جائزة الأدب عام 2015 للروسية سفيتلانا أليكسييفيتش.
ومن حسن الحظ أن الجوائز العربية، وهي عادة أقرب إلى الظلم منها إلى العدل، أحست بما يقدمه شعير؛ ففاز بجائزة دبي وجائزة نقابة الصحافيين المصريين لمرات متعددة.
صدر لشعير مؤخراً عن دار العين بالقاهرة كتاب ينتمي لهذا الفن «الصحافة السردية» بعنوان «أولاد حارتنا... سيرة الرواية المحرمة» ويمكن كذلك تصنيفه ضمن فرع التاريخ الأدبي والسياسي، منتصراً للسرد والتحليل والجهد الاستقصائي.
تفتقر المكتبة العربية لهذا النوع من التأليف وقد يكون هذا أحد أسباب ما تعانيه ثقافتنا من انقطاع بين الأجيال، بينما يمثل حضوره في الثقافات الأخرى سبباً مهماً في استمرار كتابها الكلاسيكيين على قيد الحياة، ومن الأمثلة البارزة على ذلك شكسبير ومارسيل بروست.
لدينا بالطبع بعض الكتب تصدر بين وقت وآخر تحمل مراسلات الأدباء، أو أوراقا جديدة من سيرتهم، لكنها تكون بمثابة نشر للأرشيف الميت. ولكن شعير بث الحياة في المادة الأرشيفية، واستكملها بلقاءات أجراها مع أطراف قضيته الذين لا يزالون على قيد الحياة. وقد اتخذ من «أولاد حارتنا» منطلقاً لكتابة سيرة جديدة لمحفوظ ومنطلقاً لإعادة فهم عصر ومجتمع، بنية النظام السياسي وطريقة تفكيره وتفكير النخبة الثقافية، ولا نخرج من الكتاب إلا وقد عرفنا لماذا وكيف تخطت مجال الأدب لتصبح ورقة في الصراع السياسي والديني منذ صدورها مسلسلة في صحيفة الأهرام إلى اليوم!
دون مقدمة يبدأ الكتاب، كما تبدأ الروايات. الفصل الأول بعنوان «21 سبتمبر (أيلول) 1959» وهذا التاريخ هو اليوم الذي نشرت فيه الأهرام الحلقة الأولى من الرواية، ويبدأ الفصل هكذا:«انخفاض مفاجئ في درجات الحرارة، الجو أقرب إلى البرودة، والسحب الخريفية تغطي سماء القاهرة، الشيوعيون في سجن المحاريق بالواحات، بينما تتواصل الحملات الإعلامية ضدهم. لص مجهول يسطو على كرمة ابن هانئ، بيت الشاعر أحمد شوقي على نيل الجيزة. العناوين الرئيسية للصحف تتحدث عن مظاهرات حاشدة ضد عبد الكريم قاسم، بعد تنفيذ حكم الإعدام في عدد من قادة ثورة الشواف».
حملت صحافة ذلك اليوم الكثير من الأحداث الأخرى: الصورة الرئيسية لجمال عبد الناصر مع عبد الحكيم عامر بعد خطاب ألقاه في اليوم السابق بمدينة رشيد تحدث فيه عن الحرب مع الإنجليز والحرب على الإقطاع، وقد وزع ناصر في الاحتفال ذاته الماشية على الفلاحين وسلم جوائز مسابقة للقصة بعنوان «في سبيل الحرية» وقد قامت الصحف بواجبها في مهاجمة الكتاب الكبار لأنهم لم يتقدموا بنصوص للمسابقة!
كانت عناوين الصحف تتناول كذلك خطاب نيكيتا خروتشوف أمام الأمم المتحدة وتركز على مطالبته بإلغاء الجيوش والكليات العسكرية والاكتفاء بمجموعات صغيرة لحفظ الأمن الداخلي! وهناك كذلك حملة صحافية على «أتباع جيمس دين» وهم مجموعة من الشباب المعجبين بالممثل الأميركي (1931 - 1955) وقد جعلهم رحيله الفاجع يقلدون مظهره!
سنعرف كذلك ما كان يعرضه المسرح القومي في ذلك الوقت، وخبر انتهاء السنباطي من تلحين أغنية «الحب كده» التي ستفتتح بها أم كلثوم موسمها الغنائي.
يأخذنا السرد في فصول تالية لنعرف أن اللص الذي سرق فيلا أمير الشعراء، سيتابع أعمال السطو، ويصبح لغزاً أمنياً يهز المجتمع ويجذب نجيب محفوظ ليكتب رواية أخرى هي «اللص والكلاب».
يحكي شعير ما ذكره محفوظ عن اللحظة التي ألهمته كتابة «أولاد حارتنا» أما نشر المسلسل فقد كان مقرراً أن يكون في مجلة «الإذاعة والتلفزيون» ونشرت المجلة إعلانا يعد القراء بالرواية، لكنها لم تنشرها ونشرتها «الأهرام». ويتتبع الكاتب هذا التحول من خلال روايات الأطراف: الكاتب نفسه، حلمي سالم رئيس تحرير المجلة، ومحمد حسنين هيكل رئيس مجلس إدارة الأهرام، ومثلما انتقل مجد السبق الصحافي من مجلة محدودة التوزيع إلى الصحيفة الكبرى، انتقلت الرواية من مربع الاحتفاء إلى مربع الاتهام، وأصبحت محلاً للتقارير الدينية والسياسية والمكائد الأدبية التي لاحقتها ولم تزل!
لكن كيف بدأت المشكلات؟ حسب رواية محمد حسنين هيكل فقد كانت البداية رسائل من قراء غاضبين وصلت إلى الأهرام ورئاسة الجمهورية. رجاء النقاش، في كتابه الشهير الذي يعد بمثابة سيرة لمحفوظ، نسب إلى محفوظ قوله إن البداية كانت خبراً نشرته جريدة «الجمهورية» يلفت النظر إلى أن الرواية تتضمن تعريضاً بالأنبياء، وبعدها بدأت رسائل تحريض اشترك فيها أدباء للأسف. ويعود محفوظ في آخر حوار له مع عادل حمودة ونشرته «الأهرام» ليقول إن الرواية لم تكن لتتعرض لما تعرضت له لولا وشاية كاتب يساري في «الجمهورية» ربما كان أحمد عباس صالح أو سعد الدين وهبة. ولا يترك شعير الأمر لذاكرتي هيكل ومحفوظ فيواصل البحث عن البداية ليكتشف أن أول هجوم على الرواية خرج من مجلة «المصور» في رسالة من قارئ يدعى محمد أمين إلى باب «أدب وفن» الذي يحرره الشاعر صالح جودت. ويبحث شعير عن محمد أمين حسب العنوان المنشور على رسالته فيجد من يخبره بأن هذا العقار كان يسكنه شخص اسمه محمد الأمين لا علاقة له بالأدب. كان مصارعاً. هل كانت الرسالة مفبركة باسم الملاكم، مع قليل من التصرف في اسمه؟!
الضجة الصحافية ستتفاعل وتصبح جدلاً دينياً عنيفاً. وفي فصل بعنوان كيف يقرأ المشايخ الأدب يستقصي شعير رحلة الرواية في دهاليز الأزهر ولجانه، ومن حسن الحظ أن أديباً كان حاضراً بينهم، هو سليمان فياض الذي كان طالباً بالأزهر، وكان موعوداً من الشيخ محمد الغزالي بتعيينه إماماً لمسجد السيدة زينب، لكنه رفض هذا المكان الذي يدر مبالغ طائلة من صندوق النذور، موقع «تتقطع دونه الرقاب» بتعبير الغزالي. بالطبع فضَّل فياض الأدب، وصار كاتباً وشهادته حول الرواية مثيرة، فيها ما فيها عن الترصد وتكتلات المشايخ ضد الرواية!
يرجح شعير أن هيكل لم يكن ليمضي في نشر الرواية دون موافقة عبد الناصر، ويسأل سامي شرف إن كان ناصر قد قرأ المخطوط قبل النشر، فيجيبه إنه كان حريصاً على قراءة محفوظ لكنه لم يقرأ مخطوط أولاد حارتنا.
على أية حال، فقد تسببت الضجة المصاحبة والتالية للنشر المتسلسل في منع نشر الرواية داخل كتاب، حتى تلقى محفوظ عرض دار الآداب ببيروت التي نشرت أولاد حارتنا في ديسمبر (كانون الأول) عام 1967 نسخة مطابقة لما نشرته الأهرام مع حذف جمل قليلة. وفي رحلة بحثه عن المخطوط الأصلي للرواية، يصل شعير إلى شهادة فيليب ستيوارت أول مترجميها إلى الإنجليزية، الذي ترجم النص عن نص «الأهرام» كذلك، واستكمل من محفوظ بعض الكلمات التي سقطت في النشر الصحافي، وقال إن محفوظ أخبره بأنه لم يحتفظ بصورة من الأصل الذي سلمه للأهرام!
ويقول ستيوارت إن ترجمته للرواية التي أثارت كل هذا الضجيج لم توزع أكثر من 400 نسخة!
يضيق المجال عن تتبع مسارات السرد في الكتاب الذي يحمل عنوان «سيرة الرواية المحرمة» فإذا به يصبح سيرة جديدة لنجيب محفوظ ومن عاصر وما عاصر من سلاطين وملوك ورؤساء، ونكبة ونكسة ونصر وصلح... ومن الحجب إلى «نوبل» ومن «نوبل» إلى الطعنة في الرقبة. مسيرة تأتي على حكايات كتاب آخرين مع المنع والتكفير، حيث تبرز أسماء مثل فتحي غانم ونصر حامد أبو زيد.
هو الزمن الدائري بلا تقدم، زمن الاستبداد وأعوان الاستبداد، وفي الصف الأول من الأعوان أدباء ومشايخ!


مقالات ذات صلة

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

ثقافة وفنون «صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون «تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

«تمويه»... يكفي أن تكون فلسطينياً كي تعيش مختلفاً

تتقدم عدنية شبلي ببطء في روايتها «تمويه» الصادرة عن «دار الآداب» في بيروت، لترسم صورة إنسانية شفيفة لعائلة صغيرة، تعيش في ظل الاحتلال الإسرائيلي في فلسطين.

سوسن الأبطح (بيروت)
ثقافة وفنون رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

رواية ساخرة عن حال المغرب قبل الاستقلال

صدر حديثاً، بالتعاون بين «دار نوفل» (هاشيت أنطون)، ودار «الفاضل للنشر»، رواية «اللّاروب» للكاتب والسياسي المغربي حسن أوريد.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
كتب تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

تحولات سياسية حادة تنعكس على مصائر الشخوص

في روايته «السماء الثامنة»، يطرح الكاتب والروائي المصري محمد سلماوي الحب بوصفه آصرة لا يمكن عزلها عن التاريخ والذاكرة الجمعية، فيتداخل معهما ليطرح سؤالاً...

منى أبو النصر (القاهرة)
كتب اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

اليهود واليونانيون المصريون تركوا أثراً رائداً في الاقتصاد

واجهت الأقليات في المجتمع المصري متغيرات وتحولات سياسية واجتماعية واقتصادية وفكرية حادة في حقبة الخمسينيات من القرن الماضي في أعقاب عملية «التمصير» وما تلاه...

رشا أحمد (القاهرة)

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة
TT

لميعة عمارة... شاعرة البوح الجريء والجذل الاحتفالي بالحياة

 لميعة عباس عمارة
لميعة عباس عمارة

لم تكن الشاعرة العراقية لميعة عباس عمارة، التي رحلت عن هذا العالم قبل خمس سنوات، واحدةً من الشاعرات المغمورات، أو اللواتي أعوزتهن الشهرة وذيوع الصيت على خريطة الشعر العربي المعاصر، بل كان لاسم لميعة مكانة مرموقة بين أسماء مثيلاتها من النساء الشواعر، وكان له، بما يملكه من جرس إيقاعي وتجانس بين الحروف، رنينه الخاص في أسماع محبي الشعر ومتذوقيه. أما رنينه في القلوب فكان متأتياً عن عوامل عدة؛ منها ما يتصل بجمالها اللافت وسمرتها الجذابة، وإلقائها المسرحي المحبب في الأمسيات والمهرجانات، ومنها ما يتصل بشعرها الأليف ذي الديباجة الأنيقة والجرأة اللافتة.

ليس غريباً تبعاً لذلك أن تشكل لميعة خلال سنوات الدراسة في دار المعلمين العليا في بغداد، أواخر أربعينات القرن المنصرم، قبلة أنظار الشعراء الذكور الذين كانوا يتنافسون على الفوز منها بلفتة معبرة أو كلمة إعجاب. ومع أن السياب لم يكن الشاعر الوحيد الذي هام بها عشقاً آنذاك، فإنه كان الأعلى قامة على مستوى الموهبة الشعرية والأشد حساسيةً وشعوراً بالوحشة والعوز، والافتقار إلى الحب، بقدر ما كان الأكثر تعلقاً بها، وهو الذي خصها بالعديد من قصائده، بينها قوله وهو يرقد مريضاً في لندن:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ

ذكرتُ الطلعة السمراءْ

ذكرتُ يديكِ ترتجفانِ من فرْقٍ ومن برْدِ

تنزُّ به صحارىً للفراق تسوطها الأنواءْ

الأرجح أن لميعة لم تكن لتجافي الحقيقة، حين أعلنت غير مرة أن علاقتها بالسياب لم تتجاوز حدود الإعجاب بموهبته المتوقدة، ورغبتها في أن ينظم فيها قصائد الغزل، وبأن تحاوره كشاعرة من موقع أنثوي ندي. وقد تعددت أسباب الخلل في العلاقة، لتشمل الفروق الدينية بين الطرفين، في مجتمع الأربعينات المحافظ، فضلاً عن الفروق في الطباع بين الفتاة «المغناج» الميالة إلى المرح الاحتفالي، والشاعر الرومانسي المنكفئ على حزنه، والمفتقر إلى الوسامة.

كما انعكست إشكالات العلاقة وتعقيداتها، في المحاورات الشعرية بين الطرفين. فحيث كتبت لميعة للسياب، في قصيدتها «نشيد اللقاء» المؤرخة عام 1948 «سأهواكَ حتى تجف الدموع، بعيني وتنهار هذي الضلوع». كان السياب يملك من الأدلة والحدوس ما يدفعه إلى التشكيك بالوعود المخاتلة التي تمنيه بها شاعرته الأثيرة، ولذلك رد عليها بنبرة من السخرية المُرة قائلاً «سأهواك، ما أكذب العاشقينْ، سأهوى، نعم تصدقينْ».

على أن تلك العلاقة الملتبسة التي أفادت لميعة في مرحلة محددة، سرعان ما بدت عبئاً عليها في مراحل لاحقة، بحيث إن بعض الدارسين لم يجدوا ما يشغلون به أنفسهم سوى التنقيب الفضولي عن حقيقة ما حدث بين الطرفين، دون أن يتكبدوا عناء الالتفات بالقراءة والنقد إلى نتاج الشاعرة الإبداعي.

ومع أن أي قراءة معمقة لتجربة لميعة الشعرية تحتاج إلى ما يتعدى المقالة الصحافية، فإن ذلك لا يمنع من الوقوف قليلاً عند بعض سمات تلك التجربة التي ظهرت موهبة صاحبتها في عمر مبكر. وهي لم تكن تتجاوز الرابعة عشرة، حين نشر لها إيليا أبو ماضي في جريدته «السمير» واحدة من قصائدها، متنبئاً لها بمستقبل واعد.

ولعل أكثر ما يلفتنا في قصائدها الأولى هو امتلاكها التام لناصية الأوزان والإيقاعات، الخليلية منها والتفعيلية، فضلاً عما تعكسه هذه القصائد من نضارة اللغة ورشاقة الأسلوب. كما يلفت في تلك التجربة جذل صاحبتها الكرنفالي بالحياة، وابتعادها عن المناخات المأساوية التي كان يرزح تحتها العديد من شعراء تلك المرحلة، فضلاً عن المراحل اللاحقة.

ولا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات، وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا. كما يظهر لافتاً حرص الشاعرة التي تنتمي إلى حضارة بالغة القدم ومترعة بالأساطير، وإلى ديانة تحتفي بالماء والخضرة وتجدد الحياة، على التماهي مع صورة بلادها الأم، بحيث اعتبرت نفسها الرمز الأمثل لخصوبة العراق والوريثة الشرعية لأساطير آلهاته الإناث. والدليل على ذلك لا يتمثل في اختيارها لعنواني مجموعتيها الشعريتين «عودة الربيع» و«أغاني عشتار» فحسب، بل هو يتجاوز التسمية ليتمثل في النصوص الجريئة والمعبرة للمجموعتين، حيث تُظهر الشاعرة نفسها مرة على صورة عشتار وسافو، ومرة ثالثة على صورة النساء جميعهن، كما في أبياتها:

خلِّ هذا الغموض وحياً تقياً

لصلاةٍ ما هوّمت في يقينكْ

وإذا الآدميّ فيك تنزّى وتمطّى

العناق بين جفونكْ

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني

أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

على أن حرص الشاعرة على غزو الرجل في عقر داره، على مستوى البوح العاطفي والجسدي، كانت تقابله رغبة موازية في منازلته على ساحة اللغة الذكورية بكل ما تحمله تلك الساحة من مواصفات الجزالة والبلاغة المُحْكمة. إلا أن ذلك لم يمنع الشاعرة في الكثير من الأحيان من مغادرة مربّع الحذق والتأنق اللغويين باتجاه مناخات مغايرة تجمع بين الشغف القلبي والطراوة الأنثوية، كقولها في قصيدة «قبلة»:

جهدي أحاول أن أشتفّ نظرتهُ

كأنّ كلّ حنيني فوق أجفاني

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي

فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

زكتْ فلم تُذهب الأيام جدّتها

يا طيبها وشفاهي قلبُهُ الثاني

ورغم أن قرار لميعة باسترداد نصيبها كاملاً من اللغة، وبالإفصاح عن النوازع الجسدية، اللذين ظلا حكراً على الرجال لقرون طويلة، قد اعتبر مجازفة متهورة ووخيمة العواقب، فإنها كانت تملك من الشجاعة وقوة الحضور، ما جعلها تتابع دون وجل تلك المهمة الشاقة التي سبقتها إليها جدّاتها المغامرات، من أمثال عشرقة المحاربية وليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وهي إذ تبدو من بعض جوانب تجربتها المساجل الأنثوي لنزار قباني، فهي تتشارك معه في الوقت نفسه العديد من العناصر الفنية والأسلوبية، بينها رشاقة اللغة ووضوح القصد ودينامية الأسلوب.

لا يحتاج المرء إلى كبير جهد لكي يكتشف ما تنطوي عليه تجربة لميعة من انتشاء بالذات وثملٍ نرجسي بصورتها في المرايا

على أن جرأة لميعة العالية في انتهاك المحظورات لم تواكبها جرأة، أو ربما رغبة، في التقصي الرؤيوي، وطرح الأسئلة الماورائية، وارتياد المناطق غير المأهولة من النفس الإنسانية. كما لم تواكبها رغبة موازية في البحث عن أشكال للتعبير أبعد مدىً من المهارة اللغوية وجماليات الأسلوب. الأرجح أن الأمر عائد إلى قناعة لميعة بأن الشعر في عمقه أقرب إلى الغناء منه إلى إنتاج المعرفة والفكر، وأن المهمة الأخيرة ينبغي أن تلقى على عاتق الفلاسفة والمفكرين.

وفي نوع من التناغم اللاشعوري مع اسمها المشتق من اللمعان، كانت لميعة ترى الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، لا في الدهاليز المعتمة للوساوس، وأداة للاتصال بالآخرين، لا للانفصال عنهم. ورغم إيمانها العميق بأن الشعر هو فن فردي بامتياز فهي آمنت بالمقابل بأن لهذا الفن طابعه الوظيفي والاجتماعي، ولذلك بدا الشعر بالنسبة لها مزيجاً من لغة الكتابة ولغة المشافهة، ومن المساررة الهامسة والجهر المنبري. والواقع أن تلك الرؤية إلى الشعر لم تكن مقتصرة على لميعة وحدها، بل كان يؤازرها في ذلك تيار واسع من الشعراء المنبريين، من أمثال الجواهري وبدوي الجبل وعمر أبو ريشة والأخطل الصغير وسعيد عقل وأمين نخلة وكثر غيرهم.

وإذا لم تكن هناك وجوه شبه كثيرة بين تجربتي نازك الملائكة وتجربة لميعة عباس عمارة، فلا بد من الإشارة إلى المقايضتين المتعاكسين اللتين أجرتهما كل منهما بين الحياة والشعر. فقد ذهبت نازك بعيداً في الاستجابة لنداءات الروح ومكابدات الأعماق، وتحرير الشعر من القيود، إلا أنها ارتضت طائعة أن تتعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ، وأن تعفي نفسها من كل نزوع جسدي أو رغبة آثمة. في حين أن لميعة، التي لم تعوزها شجاعة اقتحام المحظورات والمناطق الممنوعة، لم تتمكن بالمقابل من مجاراة نازك في مغامرتها التجديدية، وغوصها الرؤيوي، وتخففها من ضجيج اللغة.


تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
TT

تقاسيم نباتية أموية

نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية
نقش نحتي ومشبك من محفوظات متحف دمشق الوطني مصدرهما قصر الحير الغربي في البادية السورية

يتكوّن الميراث الفني الأموي من مجموعات متعدّدة الأنواع والأصناف، يعتمد كلّ منها على تقنيّات وتقاليد خاصة بها. تُشكّل الحلل المنقوشة ركناً أساسياً من أركان هذا الميراث، وتتمثّل في كميّة هائلة من الشواهد الأثرية، أبرزها تلك التي تعتمد مادة الجص بشكل أساسي. حلّت هذه النقوش في المقام الأول على الوحدات المعمارية، وجعلت منها وحدات زخرفية صافية، مسبوكة بأسلوب خاص، تميّز بحرفيّة عالية في الجودة والإتقان.

شكّل هذا الأسلوب الأموي امتداداً خلّاقاً للتقاليد التي انتشرت من قبل في العالم الساساني، وتجلّت خصوصيّته في ابتكار عناصر زخرفية جديدة، تكرّر صداها في الفنون الإسلامية في العصر الإسلامي الوسيط اللاحق. تحضر هذه العناصر في المفردات التشكيلية التجريدية، وفي المفردات التشكيلية النباتية، كما تشهد مجموعة كبيرة من القطع، معروضة في جناح خاص من أجنحة متحف دمشق الوطني، خُصّص بأكمله للقى التي خرجت من موقع قصر الحير الغربي في قلب البادية، جنوب غربي مدينة تدمر.

تُزيّن شبكة هائلة من هذه النقوش واجهة القصر الخارجية التي تحوّلت إلى واجهة لمدخل متحف دمشق، وتقابل هذه الواجهة الخارجية واجهة داخلية، كانت تزيّن الجدار الداخلي خلف الرواق الشرقي، وقد بقيت منها أنقاض، تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها بتأنٍّ على هيكل من الإسمنت المسلّح طوله 16.70 متر، وعرضه 2.75 متر. تتبنّى هذه الواجهة زينة منقوشة مشابهة، تجمع بين الزخارف الهندسية والعناصر النباتية المحوّرة، كما تحوي عناصر تصويرية تقارب في صياغتها الأعمال المنحوتة. تتوزّع هذه الحلل حول ست نوافذ كبيرة من الجص المخرّم، تشكّل أساس هذا التأليف الجامع.

تتفرّد كل نافذة من النوافذ الست بمشبك جصّي زخرفي خاص، يتجلّى في شبكة هندسية منجزة برهافة بالغة. هكذا تتكوّن إحدى هذه الشبكات من سلسلة نجوم سداسية الأطراف، وتتكوّن شبكة ثانية حول ثلاث ورود هندسيّة ذات ست أوراق، وتُمثّل كل من هاتين الشبكتين قالباً تشكيلياً نموذجياً، اعتُمد في صياغة قطع أخرى خرجت من قاعات قصر الحير المتحدّدة، منها قطع جاءت كذلك على شكل مشابك نوافذ، ومنها قطع جاءت على شكل ألواح عمودية وأفقية، تعدّدت أحجامها بحسب وظيفتها الزينية المعمارية.

ابتكر الحرفيون الأمويون تصاميم اعتمدت أطراً نباتية مجرّدة من صورتها المادية الأصلية، واعتمدوا في صياغة هذه الأطر مختلف الوحدات الهندسية الأساسية المتمثلة في المربعات والمستطيلات والمثلثات والدوائر. شكّلت هذه التصاميم أسساً لشبكات تميّزت بتنوع مدهش في تقاسيمها، وبرز هذا التنوع في الزينة الهندسة التجريدية، كما في الزينة النباتية الزخرفية. سادت هذه الزينة النباتية بشكل كبير، واعتمدت على أشكال عدة، أبرزها الدوالي الملتفة، وسعف النخيل المسطّحة. نهل الفن الأموي من الفنون التي ورثها، وأعاد توليف ما نهله بشكل مبتكر. على سبيل المثال، اعتمد هذا الفن الزينة البيزنطية التقليدية في نقش تيجان الأعمدة، وابتكر في صياغة مركّبات الزخرفة المعتمدة في تلبيس الجدران طريقة مميّزة، شكّلت قاعدة انطلق منها الفن الإسلامي التجريدي حتى بلغ ما وُصف بـ«هندسة الروح» في عصره الذهبي. يشهد لهذا التطوّر في الصياغة العديد من اللقى التي خرجت من قصر الحير الغربي، منها قطع تمثّل الصياغة التقليدية الموروثة، ومنها قطع تمثّل الصياغة الأموية المبتكرة.

تحضر الصياغة التقليدية في قطعة نحتيّة تعود على الأرجح إلى واجهة القصر الخارجية، يبلغ طولها 1.10 متر، وعرضها 78 سنتيمتراً، وتمثّل شجرة مورقة ومثمرة، تتدلّى منها براعم العنب. هذه القطعة معروفة نسبياً، إذ تم عرضها تباعاً خلال العقود الأخيرة من القرن الفائت في معارض عالمية جرت في لندن، ثم برلين، فباريس. تتبع هذه الشجرة طابعاً محوّراً، غير أنها تحافظ على بنيتها الظاهرة بشكل كبير، وتتمثّل هذه البنية بأغصان متموجة حيّة، تحيد بتموّجها عن القالب الهندسي الصارم. تحمل هذه الأغصان أوراقاً طويلة مسطّحة، حُدّد نصل كلّ منها بخطوط ناتئة، كما تحمل ثماراً دائرية صغيرة الحجم يصعب تحديد هويّتها. في القسم الأسفل من التأليف، تظهر بضعة عناقيد من العنب، صيغت على شكل حبّات لؤلؤية مرصوفة، زُيّن وسط كل منها بثقب دائري.

في المقابل، تتجلّى الصياغة المبتكرة في مشبك نافذة يعود إلى الواجهة الداخلية، وهو من الحجم الكبير، إذ يبلغ ارتفاعه 1.34 متر. يتكوّن أساس هذا المشبك من نخلة صغيرة وطويلة، يرتفع جذعها في وسط التأليف، تكلّلها سعف مورقة، صيغت بصورة متناظرة. تتفرّع من هذا الجذع أربعة أغصان كبيرة مورقة، تلتفّ على نفسها بشكل لولبي في منظور مماثل.

تشكّل هذه الأطر الدائرية مساحات تحمل في وسطها أوراق دالية محوّرة، صيغت كذلك بصورة متناظرة. يحيط بهذا المشبك إطار زُيّن بسلسلة من الأوراق النباتية المحوّرة، تتشابك وفقاً لبناء تعادلي محكم. تتألف كل ورقة من هذه الأوراق من ثلاث بتلات، وتحضر بصورة جانبية، مرّة من جهة اليمين، ومرّة من الجهة اليمنى، تبعاً لهذا التشكيل المتناظر الذي يغلب على هذا التأليف الجامع.

يمثّل هذا التشكيل الأموي المبتكر نموذجاً تشكيلياً يعود ويحضر في مجموعة من الألواح والمشابك، تتشابه في التكوين الجامع، غير أنها لا تتماثل أبداً، إذ إنها تختلف في التفاصيل. وتكشف هذه الخصوصية عن ثنائية الثابت والمتحوّل التي تميّز بها الفن الإسلامي في تكوينه الأموي الأول، كما في مسيرته اللاحقة الطويلة.


«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء
TT

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

«صُنع في العراق»... سيرة لأربعة أجيال من النساء

صدر حديثاً عن «منشورات الجمل»، رواية «صُنع في العراق» للكاتبة العراقية ميسلون فاخر، التي تتبع فيها مسارات شخصيات تبحث عن معنى للحياة وسط التحولات القاسية.

يمتزج في الرواية الحلم بالواقع وتتشابك الذاكرة في سرد يتناغم بين التأمل واللغة الشعرية. وتمتد الحكاية عبر أربعة أجيال من النساء، حيث لا يُكتَب التاريخ بالأحداث الكبرى، بل بالتفاصيل الصغيرة التي تشبه الخيوط الخفية التي تشد الحياة بعضها إلى بعض... هذا العمل ليس سيرة عائلة فحسب، بل امتداد لذاكرة نسائية تتوارث الحلم كما تتوارث الاسم والملامح.

كما أنها ليست حكايات عن الماضي فقط، بل عن استمرار المعنى حين يتغير كل شيء.

وهي محاولة لالتقاط ما يتبقى من الإنسان حين تتغير الخرائط، وما يبقى من الحلم حين تتآكل الأرواح، لتعيد طرح سؤال جوهري: «كيف يمكن للإنسان أن يحلم داخل وطن لا يتوقف عن الحروب؟».

جاء على غلاف الرواية: «يقال إن الناجين في العراق ليسوا بناجين؛ لأن الخراب هنا ليس حدثاً عابراً، بل قدر مقيم. النجاة الحقيقية ليست في الإفلات منه، بل امتلاك وعي حاد به. ومثلما يُخفي الركام تحت غباره آلاف الحكايات المنسية أتت هذه الرواية سيرة ممتدة لأربعة أجيال من النساء، أدركن متأخراً أن النجاة ممكنة، لكن بشرط واحد ألا يقعن في فخ التعلّق».

وكان قد صدرت للمؤلفة أربع روايات هي: «رائحة الكافور» 2018، و«صلصال امرأتين» 2019، و«الكلب الأسود» 2021، و«زهرة» 2023، التي وصلت للقائمة الطويلة لـ«جائزة غسان كنفاني».