لبنان: استهداف مركز لحزب الله بالبقاع.. وجرح جنديين بصواريخ سورية

جنود لبنانيون يتفحصون حطام إحدى السيارات في موقع التفجير في البقاع اللبناني أمس (رويترز)
جنود لبنانيون يتفحصون حطام إحدى السيارات في موقع التفجير في البقاع اللبناني أمس (رويترز)
TT

لبنان: استهداف مركز لحزب الله بالبقاع.. وجرح جنديين بصواريخ سورية

جنود لبنانيون يتفحصون حطام إحدى السيارات في موقع التفجير في البقاع اللبناني أمس (رويترز)
جنود لبنانيون يتفحصون حطام إحدى السيارات في موقع التفجير في البقاع اللبناني أمس (رويترز)

استهدفت سيارة مفخخة فجر أمس محيط نقطة أمنية تابعة لحزب الله في خراج بلدة صبوبا في منطقة البقاع الشمالي، في حادثة هي الأولى من نوعها في منطقة البقاع، حيث طالت هجمات عدة خلال الأشهر الماضية مواكب تابعة لحزب الله من خلال تفجير عبوات ناسفة وضعت على جانب طرق فرعية ودولية، فيما أدى سقوط 5 صواريخ سورية المصدر على مدينة الهرمل إلى إصابة جنديين ومدني.
ووقع انفجار صبوبا أمس على بعد نحو 20 كيلومترا من الحدود مع سوريا، ونقلت وكالات عن مصادر في حزب الله قولها إن قيادييه علموا بوجود سيارة مثيرة للريبة بعد الساعة الثالثة صباحا ولاحقوها في سيارتين قبل أن تنفجر. وتسبب الانفجار بوقوع قتلى وجرحى، وفق ما أكده مصدر أمني لوكالة الصحافة الفرنسية.
ووقع الانفجار قرب «مركز تبديل» للحزب، عبارة عن مركز بعيد عن الأحياء السكنية تجري فيه عملية تبديل مقاتلي الحزب الذين يتجمعون للتوجه إلى سوريا، أو يكونون عائدين منها، وللعناصر الذين يقومون بمهام أخرى في مراكز معينة تابعة لحزب الله. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن سكان محليين قولهم إن هناك «مركز مراقبة» لحزب الله قرب مركز التبديل كناية عن غرفة صغيرة، يهدف إلى حماية مركز أكبر للحزب موجود على بعد مئات الأمتار من الغرفة وغرفة المراقبة.
وفي سياق متصل، رجح مصدر موثوق مطلع على سير التحقيقات الأولية لـ«الشرق الأوسط» أمس أن تكون «السيارة المفخخة استهدفت موقعا عسكريا لحزب الله وأوقعت فيه عددا من الإصابات». وكشف المصدر أن عناصر الشرطة العسكرية والأدلة الجنائية «عثروا في مكان التفجير على ركام من أحجار الباطون عائد لمبنى ما يرجّح أن الانفجار استهدفه». وقال إن هذا المكان قد يكون مبنى صغيرا لا يزيد ربما على غرفة أو غرفتين، ويعتقد أنه مركز تبديل أو مركز تدريب لحزب الله، وهذا ما يخالف الرواية الأولى (بثتها قناة «المنار») التي تحدثت عن مراقبة السيارة مسبقا والاشتباك مع من فيها.
وكانت قناة «المنار» التلفزيونية الناطقة باسم حزب الله أفادت بأن «السيارة المفخخة كانت متوقفة على مسافة من المركز عن بعد، وبينما كان عناصر من الحزب وصلوا إلى المكان يقتربون منها، على الأثر، أقدم عناصر آخرون على إطلاق النار بعدما ظنوا أنهم وقعوا في كمين». وأضاف أن «عناصر حزب الله أسعفوا زملاءهم المصابين الذين نقلوا من المكان»، فيما أحدث الانفجار حفرة كبيرة بقطر ثلاثة أمتار، وفق «المنار».
ولم يجزم المصدر في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» «بوجود انتحاري أو أن تكون السيارة فجرت عن بعد»، مؤكدا أن «هذه الأمور تحتاج إلى عمل فني وتقني ومنه انتظار نتائج فحوص الحمض النووي». وأشار إلى أن «الانفجار كبير للغاية والتقارير الأولية تشير إلى أن زنة العبوة تفوق الـ50 كيلوغراما من الـ(تي إن تي) ولو انفجرت السيارة في منطقة سكنية لأحدثت دمارا هائلا وخلفت عشرات القتلى والجرحى».
وكان «عناصر الشرطة العسكرية والأدلة الجنائية، عثروا وفق المصدر ذاته، على أشلاء بشرية متناثرة في مسرح الانفجار، تم رفعها مع عينات أخرى بطلب من مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر، لإجراء فحوص الحمض النووي (دي إن إيه) عليها وتحديد هويات أصحابها».
وأصدرت قيادة الجيش اللبناني بيانا قالت فيه إنه «عند الساعة الثالثة إلا عشر دقائق فجرا، حصل انفجار على طريق صبوبا - النبي موسى في جرود بلدة مقنة - بعلبك، وعلى الأثر توجهت دورية من الجيش إلى المكان، وتبين أن الانفجار ناجم عن سيارة مفخخة من نوع جيب غراند شيروكي رباعية الدفع، وأدى إلى تضرر سيارات أخرى». لكن الوكالة الوطنية للإعلام، الرسمية في لبنان، ذكرت في وقت لاحق أن السيارة المفخخة من نوع «كيا سبورتاج» كانت سرقت من منطقة برج حمود، وتعود ملكيتها لمواطن من جديدة المتن، قرب بيروت. وقدر الخبير العسكري «زنة العبوة بـ50 كلغم من المواد المتفجرة».
وبينما أكد شهود عيان محليون أن سيارات الإسعاف هرعت إلى مكان التفجير، أعلنت قناة «المنار» وقوع إصابات تم نقلها إلى المستشفيات، نافية وجود أي قتلى. وقال شهود عيان إنه «لم يتبق من السيارة التي انفجرت إلا المحرك تقريبا، بينما تناثرت أجزاؤها إلى أماكن بعيدة». وظهرت سيارتان متضررتان ومحترقتان بشكل كامل، إحداهما من طراز فان لونها أحمر.
وأبدى الخبير العسكري العميد المتقاعد أمين حطيط، المقرب من حزب الله، لـ«الشرق الأوسط»، خشيته من «تصاعد محاولات التوتير الأمني إلى أقصى الدرجات، بعد أن لمس الفريق الآخر أنه لا إمكانية لتفجير حرب أهلية وإغراق المقاومة في الداخل، لأنه لا يملك القدرات لمواجهتها». وقال: «لم يبق إلا هذا الاستهداف، الذي تحرك بإطلاق صواريخ على الضاحية الجنوبية (مايو/أيار الماضي)، مرورا بتفجير السيارات المفخخة، الذي بات شبه مستحيل بعد شبكة أمان قوية جدا نسجها الحزب مع القوى الأمنية في المناطق الشيعية». وكشف في هذا السياق أنه «من أصل ثماني سيارات مفخخة (أرسلت إلى الضاحية بعد تفجيري بئر العبد والرويس)، جرى توقيف سبعة منها وانفجرت الثامنة قرب السفارة الإيرانية».
وأمام هذا الواقع، انتقلت محاولات التوتير، بحسب حطيط، إلى «المناطق الجردية التي قد تحوي مراكز لحزب الله، وذلك بهدف توجيه رسالة بأنهم قادرون على الوصول إلى مراكز مماثلة أولا، وعلى إيقاع خسائر في صفوف الحزب ثانيا». لكن حطيط عد أنه حتى المحاولة الأخيرة أمس «فشلت وأظهرت أن الحزب يمتلك قدرات وشبكة أمان ذاتية»، لكن الخشية وفق حطيط تبقى من «تصاعد عمليات التحدي ومحاولات الخرق الأمني في لبنان».
وفي سياق متصل، رأى وزير الدولة لشؤون التنميّة الإداريّة في حكومة تصريف الأعمال محمد فنيش (حزب الله) أن تفجير صبوبا «جزء من مخطط يشهده لبنان، تنفذه جماعات تكفيريّة هدفها التخريب وبث الفتنة وزعزعة الاستقرار وتقديم خدمة مجانية إلى العدو الإسرائيلي». وقال إن «خلفيته معروفة».
وأعرب فنيش عن اعتقاده، في تصريحات لـ«وكالة الأنباء المركزيّة»، الخاصة، بأنّ «هذه المجموعات أدوات يجري استخدامها، ويعتقد البعض منها أنّه يحقق أهدافا آيديولوجيّة، ومشروعها السياسي هو التدمير»، مشددا على أنّه «على الدولة اللبنانيّة القيام بواجبها وملاحقة المسلحين وتمكين الجيش والقوى الأمنيّة المعنية من ضبط تسرب هذه المجموعات الإرهابيّة من سوريا إلى لبنان وتتبعها».
واستهدفت تفجيرات عدة بسيارات مفخخة خلال الأشهر الماضية في بيروت والبقاع مناطق محسوبة على حزب الله ومواكبة له، طال أولها منطقة بئر العبد في التاسع من يوليو (تموز) الماضي، ثم منطقة الرويس في 15 أغسطس (آب)، مخلفا عشرات القتلى والجرحى. كما طال تفجير انتحاري في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي السفارة الإيرانية في بيروت وتسبب بمقتل 23 شخصا.
ويدرج محللون هذه التفجيرات في إطار تداعيات النزاع في سوريا حيث يقاتل حزب الله إلى جانب القوات النظامية. وفي الرابع من الشهر الحالي، اغتال مجهولون قياديا بارزا في حزب الله يدعى حسان اللقيس في الضاحية الجنوبية لبيروت بإطلاق الرصاص عليه في مرأب منزله.
من جهة أخرى، سقطت مساء أمس ستة صواريخ على مدينة الهرمل في شرق لبنان، مصدرها الأراضي السورية، وتسبب بإصابة ثلاثة جرحى، بينهم عسكريون. وذكرت قيادة الجيش اللبناني أن «ستة صواريخ مصدرها الجانب السوري سقطت في مدينة الهرمل، أحدها داخل ثكنة تابعة للجيش في حي الدورة ما أدى إلى إصابة عسكريين اثنين بجروح غير خطرة، إضافة إلى أضرار في الممتلكات». وأدى سقوط أحد الصواريخ إلى إصابة المواطن سويدان ناصر الدين.
وتبنّت مجموعة تطلق على نفسها تسمية «سرايا مروان حديد» إطلاق الصواريخ على الهرمل، وقالت في بيان صادر عنها: «في تمام الساعة السادسة مساء، وفّق الله إخوانكم في (سرايا مروان حديد) وكتائب الوادي ولواء القصير لاستهداف منطقة اللبوة الداعمة (لحزب الله الإيراني) بثلاثة صواريخ غراد ردا على مشاركة هذه المنطقة للحزب في معاركه داخل الأراضي السورية».



الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يستنسخون «الباسيج الإيراني» ويهددون بالعودة للحرب

مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)
مقاتلو الحوثيين يشكون تأخر صرف مستحقاتهم المالية منذ أربعة أشهر (إعلام محلي)

اختارت الجماعة الحوثية إعلان تأسيس تشكيل عسكري جديد مُستوحى من قوات «الباسيج» الإيرانية، وهي آخِر التقليعات العسكرية للجماعة التي استحدثت مختلف الأجهزة الأمنية والعسكرية الموازية لعمل الدولة منذ انقلابها عام 2014 حتى الآن.

يتزامن ذلك مع التلويح باستئناف الحرب ضد الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، في خطوة يراها مراقبون محاولة للهروب من تصاعد الخلافات داخل هياكل الجماعة بشأن أولويات الإنفاق العسكري، وسط مؤشرات متزايدة على التململ الداخلي وضعف التواصل التنظيمي نتيجة الإجراءات الأمنية المشددة التي فرضتها الجماعة، عقب استهداف عدد من قياداتها خلال العام الماضي.

ويرى محللون عسكريون أن إعلان ما يسمى «قوات التعبئة» جاء بعد أيام من تلميحات أطلقها زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي بشأن التصعيد العسكري، تحت شعارات تتعلق باستعادة ما سماه «الحقوق والثروات»، في حين سارع مجلس نواب الجماعة الانقلابية إلى إعلان دعمه هذه التوجهات.

ويعتقد المحللون أن الحوثيين يمتلكون، خلال المرحلة الراهنة، خيارات متعددة للتصعيد، هدفها الأساسي ممارسة الضغط على الحكومة اليمنية.

ووفق تقديرات مراقبين، فإن الجماعة الحوثية تمرّ بمرحلة معقدة داخلياً، خصوصاً على المستويين المالي والتنظيمي، في ظل ازدياد التذمر بين المقاتلين والعناصر الميدانية، إلى جانب ضعف قنوات التواصل بين المستويات القيادية المختلفة وتراجع الثقة داخل بعض الدوائر التنظيمية.

الحوثيون يوسّعون تشكيلات مستوحاة من قوات «الباسيج» الإيرانية (إعلام محلي)

وعلى الرغم من هذه التحديات، لا يزال زعيم الجماعة متمسكاً بسياسة «أولويات الإنفاق» التي تجعل الأفضلية للبرامج العسكرية وتطوير القدرات القتالية والبنية المرتبطة بها، على حساب الالتزامات المالية الأخرى، بما في ذلك مستحقات المقاتلين المنتشرين في الجبهات.

وتشير مصادر مطلعة إلى أن عبد الملك الحوثي يتابع شخصياً مدى التزام القيادات العليا بالبروتوكولات الأمنية التي فُرضت عقب مقتل عدد من القيادات العسكرية في غارات إسرائيلية، خلال العام الماضي.

وتشمل هذه الإجراءات الحد من الظهور العلني، والتنقل وفق ترتيبات أمنية صارمة، وهو ما تسبَّب - وفق المصادر - في إبطاء حركة التواصل واتخاذ القرار داخل مؤسسات الجماعة.

وتؤكد المصادر أن هذه القيود الأمنية أسهمت في اتساع الفجوة بين المستويات القيادية والقواعد الميدانية، الأمر الذي انعكس على الأداء التنظيمي وأدى إلى ازدياد الشكاوى من ضعف التنسيق والتواصل.

تذمر في صفوف المقاتلين

في موازاة ذلك، تتحدث تقارير محلية عن تنامي حالات التسرب من المعسكرات والتخلف عن الالتحاق بالخدمة العسكرية، بالتزامن مع تأخر صرف المستحقات المالية للمقاتلين في عدد من الجبهات منذ أربعة أشهر.

ووفق هذه التقارير، فإن غالبية المقاتلين لم يتسلموا مخصصاتهم الشهرية المقدَّرة بنحو 50 دولاراً، باستثناء بعض الوحدات الخاصة والمشرفين العسكريين الذين لا تزال مستحقاتهم تُصرَف بصورة منتظمة، ما أدى إلى تصاعد حالة الاستياء داخل الأوساط القتالية.

تصاعد الخلافات والصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة الحوثية (إ.ب.أ)

ويرى المتخصص في شؤون الجماعة الحوثية عدنان الجبرني أن هذه المرحلة تشهد مستوى غير مسبوق من الانتقاد والتذمر العلني من قِبل عناصر محسوبة على القاعدة الصلبة للجماعة، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها القيادة الحوثية حالياً.

ويعتقد الجبرني أن ما يسمى «قوات التعبئة» لا يمثل قوة قتالية تقليدية، بل يعد نسخة مستنسخة من تجربة «الباسيج» الإيرانية، التي تقوم على تنظيم السكان داخل الأحياء والقرى والمربعات السكنية، عبر تسجيل المُوالين للجماعة وإخضاعهم لدورات محدودة في استخدام الأسلحة الخفيفة وبرامج التعبئة الفكرية والعقائدية.

استنساخ النموذج الإيراني

يشير المتابعون للحالة الحوثية إلى أن هذا التشكيل المعلَن عنه (قوات التعبئة) جاء امتداداً لإعادة هيكلة نفّذتها الجماعة خلال العامين الماضيين، إذ جرى تحويل ما كان يُعرَف بـ«المجلس التنفيذي» إلى «مكتب التعبئة»، مع تكليف عدد من القيادات بالإشراف عليه ضِمن خطة تستهدف توسيع شبكات التجنيد والحشد المجتمعي.

وخلال الفترة الماضية، استثمر الحوثيون حالة التعاطف الشعبي مع الفلسطينيين في قطاع غزة لتوسيع عمليات التعبئة والتجنيد، خصوصاً في أوساط المراهقين وصغار السن، مستفيدين من الفعاليات الجماهيرية والخطاب التعبوي المرتبط بالحرب في المنطقة.

ويرى مراقبون أن الجماعة قد تتجه إلى توظيف هذا التشكيل الجديد في أي مواجهة مستقبلية مع الحكومة اليمنية، سواء من خلال الدعم اللوجستي أم تعزيز عمليات الحشد والتعبئة في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء نظّمته الجماعة (أ.ف.ب)

ويعتقد مراقبون أن تنامي الصراعات داخل المستويات القيادية العليا للجماعة قد يدفع زعيمها إلى البحث عن معركة جديدة تتيح إعادة ترتيب الصفوف الداخلية وتوحيد القيادات خلف هدف مشترك.

ووفق هذه التقديرات، فإن إشعال جبهة مواجهة مع الحكومة اليمنية قد يُنظَر إليه داخل الجماعة بوصفه خياراً أقل كلفة من مواجهة احتمالات الانشقاقات أو تفاقم الخلافات الداخلية، خصوصاً في ظل الضغوط الاقتصادية المتزايدة وتراجع قدرة الجماعة على احتواء حالة التذمر داخل صفوفها.


الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
TT

الأوبئة والفساد ينهكان قطاع الصحة في اليمن

أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)
أعداد كبيرة من أطفال اليمن لا يتلقون التطعيمات الأساسية ويواجهون مخاطر صحية مميتة (رويترز)

تزايدت التحذيرات من تفاقم الأزمة الصحية في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، مع عودة أمراض كان يمكن الوقاية منها باللقاحات، وسط تراجع الخدمات الطبية واستهداف الجماعة القطاع الصحي بالفساد والإهمال، في وقت تشير فيه تقارير أممية ومؤشرات محلية إلى تحديات متراكمة تضرب الرعاية الصحية.

تزايدت الاتهامات الموجهة لقيادات الجماعة الحوثية باستغلال القطاع لمنافع شخصية، بعد إقدام القيادي محمد البخيتي، المعين محافظاً لذمار، على إنشاء صيدلية خاصة داخل المستشفى العام في مركز المحافظة والاستيلاء على أدوية مخصصة للجرحى، بالتواطؤ مع شقيقه، الذي عينه مديراً مالياً في هذا المرفق، وعدد من المقربين منه.

وبحسب مصادر محلية مطلعة في مدينة ذمار (100 كيلومتر جنوب صنعاء)، فإن شقيق البخيتي، ويدعى الحسن ناصر البخيتي، والمقربين منه في إدارة المستشفى يشرفون على أعمال جبايات يومية من المرضى ومرتادي المستشفي، ويعملون على اقتطاع مبالغ كبيرة من ميزانيته من دون بيان مصيرها، إلى جانب حرمان الكوادر الطبية من مستحقاتها.

شقيق البخيتي، بحسب المصادر أمر الأطباء العاملين في المستشفى بتوجيه المرضى لشراء الأدوية من الصيدلية الخاصة التي أنشأها وشقيقه، رغم وجود ثلاث صيدليات عمومية تابعة للمستشفى، وهي الصيدليات التي يجري تحويل الأدوية المخصصة لها إلى الصيدلية المستحدثة.

الحوثيون حولوا فناء مستشفى ذمار العام إلى ساحة لفعالياتهم وأنشطتهم التعبوية (إعلام حوثي)

إلى ذلك، أغلقت الجماعة عدداً من الأقسام والعيادات الحيوية بمستشفى ناصر العام في مدينة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، ونقلت تجهيزاتها الطبية، ومنها معدات لرعاية المواليد والأمهات الوالدات، إلى مستشفى آخر في منطقة نائية.

وبينت مصادر طبية في المستشفى أن الجماعة بررت إجراءاتها بزيادة الشكاوى من الفساد والإهمال، وهو ما أثار غضباً واسعاً في أوساط السكان الذين كانوا يطالبون بإجراء إصلاحات إدارية ومالية وليس إغلاق الأقسام التي تقدم خدمات طبية ضرورية برسوم متدنية لذوي الدخل المحدود.

واستنكر الأهالي أن تكون الاستجابة لشكاواهم ومطالبهم بتحسين الخدمات هو التوجه لإلغائها، وعدّوا ذلك جزءاً من نهج عام يمارسه الحوثيون بتحويل القطاع الصحي العام إلى مصدر إيرادات لإثراء الجماعة وقادتها.

عودة أمراض الطفولة

لا تقتصر الأزمة على تراجع الخدمات الصحية، بل تمتد إلى عودة أمراض معدية كانت تحت السيطرة خلال السنوات الماضية. ويحذر مختصون من تصاعد حالات الإصابة والوفاة بفيروس الحصبة في ظل تراجع برامج التحصين وغياب الإحصاءات الدقيقة في مناطق سيطرة الحوثيين.

عدد من القادة الحوثيين في فناء مستشفى ناصر العام في مدينة إب (إعلام حوثي)

وتشير مصادر طبية إلى تسجيل عشرات الآلاف من الإصابات ومئات الوفيات خلال السنوات الأخيرة، ما يعكس حجم التحديات التي تواجه جهود الوقاية الصحية.

وكان مسؤول الإعلام الصحي بمحافظة تعز، تيسير السامعي، أفاد بأن الحصبة، والتي تعد من الأمراض التي يمكن الوقاية منها بسهولة عبر اللقاحات، تعاود التفشي بسرعة وسط انتشار الشائعات والمعلومات المضللة حول التطعيمات، مما أسهم في عزوف الأسر عن تحصين أطفالها.

ولا تقتصر المخاطر على الحصبة وحدها، وفقاً للسامعي، فقد سُجلت نحو 450 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال، خلال الثلاثة أعوام الماضية، في مختلف أنحاء البلاد، وكانت غالبيتها في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حيث تتعثر حملات التحصين وتتأثر بالدعاية المضادة لها، إلى جانب تقديرات بوجود حالات أخرى لم يتم رصدها أو الإبلاغ عنها.

ومنذ عامين لم تسجل أي حالة إصابة بالفيروس في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحكومة الشرعية، في ظل حملات التحصين التي يجري الالتزام بها بشكل دوري، في حين تتزايد المخاوف من توسع انتشاره في مناطق سيطرة الجماعة.

القطاع الصحي تحت سيطرة الحوثيين يعاني من تردي الخدمات وحرمان الفقراء من العلاج المجاني (إ.ب.أ)

إلا أن الأشهر الماضية من العام الحالي، شهدت تسجيل نحو 12791 اشتباه إصابة بالحصبة، توفي منها 71 شخصاً، وتصدرت محافظة حضرموت قائمة المحافظات من حيث عدد الإصابات والوفيات بواقع 4500 إصابة و18 وفاة، تلتها محافظة تعز بـ1590 إصابة و15 وفاة، ثم محافظة عدن بـ1420 إصابة و11 وفاة.

احتياجات متزايدة

بالتزامن مع هذه التطورات، تزايدت التحذيرات من زيادة الضغوط التي يواجهها القطاع الصحي في اليمن، نتيجة نقص التمويل وضعف البنية التحتية وتراجع الخدمات الأساسية، وتحدثت منظمة الصحة العالمية، عن احتياج أكثر من 22 مليون يمني إلى شكل من أشكال المساعدة الإنسانية والحماية، بينما لفت صندوق الأمم المتحدة للسكان إلى تدهور الأوضاع الصحية للنساء والفتيات.

وبين الصندوق أن اليمن يسجل أعلى معدلات وفيات الأمهات عربياً، بواقع ثلاث وفيات يومياً بسبب مضاعفات يمكن الوقاية منها.

التطعيم في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية يحمي الأطفال من الأمراض القاتلة (الأمم المتحدة)

وطبقاً للصندوق، تترافق هذه الأزمة الطبية مع ارتفاع مخاطر العنف القائم على النوع الاجتماعي، وسط جهود أممية مستمرة لتقديم الدعم النفسي والقانوني وتوفير الملاجئ الآمنة للناجيات.

وتهدد أزمة التمويل في اليمن استمرار هذه البرامج بعدما فقد الصندوق 40 في المائة من موارده الإنسانية، مما أجبره على إغلاق بعض مرافق الحماية ووقف استقبال حالات جديدة.

وتتزامن هذه التطورات مع تراجع التمويل الإنساني، إذ تؤكد الأمم المتحدة أن نقص الموارد المالية أجبر منظمات إنسانية على تقليص عدد من برامجها الصحية والإغاثية، بينما أُغلق خلال العام الماضي أكثر من 450 مرفقاً صحياً في مختلف أنحاء اليمن، في وقت تتسع فيه دائرة الفقر وسوء التغذية وانتشار الأمراض.


أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
TT

أولويات نبيل فهمي في الجامعة العربية... تطوير للآليات وتنسيق لتجاوز الأزمات

الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)
الأمين العام لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (صفحته على «فيسبوك»)

حملت أولى رسائل الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية، نبيل فهمي، تحديد أولويات المرحلة المقبلة من عمر الجامعة التي عَرَف تاريخها منذ التأسيس أزمات إقليمية عديدة، حيث ركّز على مسارين لافتين متمثلين في تطوير الآليات وتعظيم التشاور العربي.

فبعد اعتماد مجلس الجامعة على المستوى الوزاري، بتفويض من القادة العرب، مساء الاثنين، قرار تعيينه أميناً عاماً جديداً للجامعة لمدة 5 سنوات اعتباراً من الأول من يوليو (تموز) المقبل، أكد فهمي في بيان أن العمل خلال المرحلة المقبلة سينصبّ على تطوير المنظمة العربية وتحديث آليات عملها، بما يتواكب مع التحولات الدولية والإقليمية المتسارعة.

كما لفت إلى أن المرحلة تتطلب تكثيف التنسيق والتشاور العربي لمواجهة الأزمات والتهديدات التي تشهدها المنطقة، إلى جانب تعزيز التعاون العربي للاستفادة من الفرص المتاحة وتحويل التحديات الراهنة إلى فرص تدعم الاستقرار والتنمية.

وعدَّ اختياره بالإجماع «مسؤولية تاريخية في مرحلة دقيقة ومفصلية، في ظل ما تواجهه المنطقة العربية من تحديات جسام ومتغيرات إقليمية ودولية متسارعة»، الأمر الذي يتطلب تعزيز العمل المشترك والدفاع عن المصالح العربية وترسيخ مبادئ التضامن بين الدول العربية كافة.

وشدّد كذلك على أهمية احترام سيادة الدول العربية، وصون أمنها وسلامة أراضيها، ودعم الجهود الوطنية لتحقيق التنمية المستدامة، وتحسين أوضاع الشعوب العربية، مؤكداً أن الجامعة العربية ستبقى «بيت العرب الجامع»، وستواصل أداء دورها كمنصة جامعة للحوار والتشاور والتنسيق بين الدول الأعضاء.

«تغيرات متسارعة»

تلك الأولويات يراها دبلوماسي تحدث لـ«الشرق الأوسط» قراءة جيدة لطبيعة المرحلة التي قال إنها «تُلزم منظمة بحجم الجامعة العربية أن تعمل على تطوير نفسها بصورة تمنح قيمة مضافة للعمل العربي، حيث سيكون التشاور العربي مهماً في هذا السياق باعتباره البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة فيها».

السيسي يلتقي الأمين العام الجديد لجامعة الدول العربية السفير نبيل فهمي (الرئاسة المصرية)

وواصل السفير محمد حجازي، عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» ومساعد وزير الخارجية المصري الأسبق، حديثه قائلاً إن تلك المرحلة «تتسم بتغيرات استراتيجية متسارعة تشمل تداعيات الحرب الأميركية - الإيرانية، واستمرار الحرب في غزة، والأزمات الممتدة في السودان وليبيا واليمن، فضلاً عن التحولات الجارية في النظام الدولي».

وأكّد أن انتخاب نبيل فهمي بالإجماع أميناً عاماً لجامعة الدول العربية «تقدير جماعي لقدراته الدبلوماسية وتاريخه الحافل وصلاته العربية والدولية، ما يجعل هناك فرصة مهمة لإعادة تموضع المؤسسة العربية في مرحلة إقليمية شديدة التعقيد».

ويجيء تعيين فهمي في المنصب خلفاً لمواطنه المصري أحمد أبو الغيط، الذي قاد المنظمة منذ عام 2016، وشغل المنصب لمدة 10 سنوات. وسيكون هو الأمين العام التاسع للجامعة العربية منذ تأسيسها عام 1945، والثامن من مصر مع استثناء فترة واحدة مع نقل المقر من القاهرة إلى تونس عام 1979، عقب توقيع الرئيس المصري الراحل أنور السادات «معاهدة السلام» مع إسرائيل.

«استعادة الثقة»

يعتقد حجازي أن الأولوية الأولى أمام نبيل فهمي ستكون استعادة الثقة السياسية في الجامعة العربية باعتبارها منصة للتوافق العربي، وليس مجرد إطار بروتوكولي للاجتماعات وإصدار البيانات، مؤكداً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بتطوير الهياكل الإدارية بقدر ما يتعلق بإقناع الدول الأعضاء بأن الجامعة قادرة على إنتاج قيمة سياسية مضافة وإدارة الخلافات العربية بصورة مؤسسية.

ومن المرجح أن يركز فهمي على تكثيف آليات التشاور السياسي المنتظم بين العواصم العربية، خاصة في ظل فجوات المواقف بشأن العديد من الملفات الإقليمية.

وقال حجازي: «قد نشهد اتجاهاً نحو اجتماعات أكثر انتظاماً على مستوى وزراء الخارجية ومستشاري الأمن القومي، مع تفعيل أدوات الإنذار المبكر وإدارة الأزمات داخل الأمانة العامة، بحيث تتحول الجامعة إلى مركز للتنسيق الاستراتيجي العربي، وليس مظلة دبلوماسية تقليدية فقط».

أما فيما يتعلق بتطوير آليات المنظمة، فمن المتوقع أن تتضمن أجندة فهمي «مراجعة شاملة لأساليب العمل المؤسسي، وتحديث منظومة اتخاذ القرار، وتعزيز دور مراكز الدراسات وتوظيف التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي في دعم صنع القرار العربي»، بحسب حجازي.

كما قد يسعى إلى ربط الجامعة بصورة أكبر بقضايا التنمية والاقتصاد والتحول الرقمي والطاقة والأمن الغذائي والمائي، وهي الملفات التي أصبحت تمثل «جوهر الأمن القومي العربي في مفهومه الحديث»، في رأي مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق.

وأوضح أن مسار تكثيف التشاور العربي سيكون البوابة الأولى لإعادة بناء الثقة في الجامعة العربية، قائلاً: «عندما تنجح الجامعة في توفير منصة موثوقة للحوار وتسوية التباينات وصياغة مواقف مشتركة تجاه القضايا الكبرى، ستصبح عملية تطوير المنظمة أكثر سهولة وقابلية للتحقيق».

ويعتقد حجازي أن نجاح نبيل فهمي سيتمثل في «قدرته على تحويل الجامعة العربية من مؤسسة تعكس الانقسامات العربية إلى مؤسسة تساهم في تجاوزها، ومن منبر للتشاور إلى أداة فاعلة لصياغة رؤية عربية مشتركة للأمن والتنمية والتعامل مع التحولات الإقليمية والدولية».