لبنان: استهداف مركز لحزب الله بالبقاع.. وجرح جنديين بصواريخ سورية

جنود لبنانيون يتفحصون حطام إحدى السيارات في موقع التفجير في البقاع اللبناني أمس (رويترز)
جنود لبنانيون يتفحصون حطام إحدى السيارات في موقع التفجير في البقاع اللبناني أمس (رويترز)
TT

لبنان: استهداف مركز لحزب الله بالبقاع.. وجرح جنديين بصواريخ سورية

جنود لبنانيون يتفحصون حطام إحدى السيارات في موقع التفجير في البقاع اللبناني أمس (رويترز)
جنود لبنانيون يتفحصون حطام إحدى السيارات في موقع التفجير في البقاع اللبناني أمس (رويترز)

استهدفت سيارة مفخخة فجر أمس محيط نقطة أمنية تابعة لحزب الله في خراج بلدة صبوبا في منطقة البقاع الشمالي، في حادثة هي الأولى من نوعها في منطقة البقاع، حيث طالت هجمات عدة خلال الأشهر الماضية مواكب تابعة لحزب الله من خلال تفجير عبوات ناسفة وضعت على جانب طرق فرعية ودولية، فيما أدى سقوط 5 صواريخ سورية المصدر على مدينة الهرمل إلى إصابة جنديين ومدني.
ووقع انفجار صبوبا أمس على بعد نحو 20 كيلومترا من الحدود مع سوريا، ونقلت وكالات عن مصادر في حزب الله قولها إن قيادييه علموا بوجود سيارة مثيرة للريبة بعد الساعة الثالثة صباحا ولاحقوها في سيارتين قبل أن تنفجر. وتسبب الانفجار بوقوع قتلى وجرحى، وفق ما أكده مصدر أمني لوكالة الصحافة الفرنسية.
ووقع الانفجار قرب «مركز تبديل» للحزب، عبارة عن مركز بعيد عن الأحياء السكنية تجري فيه عملية تبديل مقاتلي الحزب الذين يتجمعون للتوجه إلى سوريا، أو يكونون عائدين منها، وللعناصر الذين يقومون بمهام أخرى في مراكز معينة تابعة لحزب الله. ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية عن سكان محليين قولهم إن هناك «مركز مراقبة» لحزب الله قرب مركز التبديل كناية عن غرفة صغيرة، يهدف إلى حماية مركز أكبر للحزب موجود على بعد مئات الأمتار من الغرفة وغرفة المراقبة.
وفي سياق متصل، رجح مصدر موثوق مطلع على سير التحقيقات الأولية لـ«الشرق الأوسط» أمس أن تكون «السيارة المفخخة استهدفت موقعا عسكريا لحزب الله وأوقعت فيه عددا من الإصابات». وكشف المصدر أن عناصر الشرطة العسكرية والأدلة الجنائية «عثروا في مكان التفجير على ركام من أحجار الباطون عائد لمبنى ما يرجّح أن الانفجار استهدفه». وقال إن هذا المكان قد يكون مبنى صغيرا لا يزيد ربما على غرفة أو غرفتين، ويعتقد أنه مركز تبديل أو مركز تدريب لحزب الله، وهذا ما يخالف الرواية الأولى (بثتها قناة «المنار») التي تحدثت عن مراقبة السيارة مسبقا والاشتباك مع من فيها.
وكانت قناة «المنار» التلفزيونية الناطقة باسم حزب الله أفادت بأن «السيارة المفخخة كانت متوقفة على مسافة من المركز عن بعد، وبينما كان عناصر من الحزب وصلوا إلى المكان يقتربون منها، على الأثر، أقدم عناصر آخرون على إطلاق النار بعدما ظنوا أنهم وقعوا في كمين». وأضاف أن «عناصر حزب الله أسعفوا زملاءهم المصابين الذين نقلوا من المكان»، فيما أحدث الانفجار حفرة كبيرة بقطر ثلاثة أمتار، وفق «المنار».
ولم يجزم المصدر في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» «بوجود انتحاري أو أن تكون السيارة فجرت عن بعد»، مؤكدا أن «هذه الأمور تحتاج إلى عمل فني وتقني ومنه انتظار نتائج فحوص الحمض النووي». وأشار إلى أن «الانفجار كبير للغاية والتقارير الأولية تشير إلى أن زنة العبوة تفوق الـ50 كيلوغراما من الـ(تي إن تي) ولو انفجرت السيارة في منطقة سكنية لأحدثت دمارا هائلا وخلفت عشرات القتلى والجرحى».
وكان «عناصر الشرطة العسكرية والأدلة الجنائية، عثروا وفق المصدر ذاته، على أشلاء بشرية متناثرة في مسرح الانفجار، تم رفعها مع عينات أخرى بطلب من مفوض الحكومة لدى المحكمة العسكرية القاضي صقر صقر، لإجراء فحوص الحمض النووي (دي إن إيه) عليها وتحديد هويات أصحابها».
وأصدرت قيادة الجيش اللبناني بيانا قالت فيه إنه «عند الساعة الثالثة إلا عشر دقائق فجرا، حصل انفجار على طريق صبوبا - النبي موسى في جرود بلدة مقنة - بعلبك، وعلى الأثر توجهت دورية من الجيش إلى المكان، وتبين أن الانفجار ناجم عن سيارة مفخخة من نوع جيب غراند شيروكي رباعية الدفع، وأدى إلى تضرر سيارات أخرى». لكن الوكالة الوطنية للإعلام، الرسمية في لبنان، ذكرت في وقت لاحق أن السيارة المفخخة من نوع «كيا سبورتاج» كانت سرقت من منطقة برج حمود، وتعود ملكيتها لمواطن من جديدة المتن، قرب بيروت. وقدر الخبير العسكري «زنة العبوة بـ50 كلغم من المواد المتفجرة».
وبينما أكد شهود عيان محليون أن سيارات الإسعاف هرعت إلى مكان التفجير، أعلنت قناة «المنار» وقوع إصابات تم نقلها إلى المستشفيات، نافية وجود أي قتلى. وقال شهود عيان إنه «لم يتبق من السيارة التي انفجرت إلا المحرك تقريبا، بينما تناثرت أجزاؤها إلى أماكن بعيدة». وظهرت سيارتان متضررتان ومحترقتان بشكل كامل، إحداهما من طراز فان لونها أحمر.
وأبدى الخبير العسكري العميد المتقاعد أمين حطيط، المقرب من حزب الله، لـ«الشرق الأوسط»، خشيته من «تصاعد محاولات التوتير الأمني إلى أقصى الدرجات، بعد أن لمس الفريق الآخر أنه لا إمكانية لتفجير حرب أهلية وإغراق المقاومة في الداخل، لأنه لا يملك القدرات لمواجهتها». وقال: «لم يبق إلا هذا الاستهداف، الذي تحرك بإطلاق صواريخ على الضاحية الجنوبية (مايو/أيار الماضي)، مرورا بتفجير السيارات المفخخة، الذي بات شبه مستحيل بعد شبكة أمان قوية جدا نسجها الحزب مع القوى الأمنية في المناطق الشيعية». وكشف في هذا السياق أنه «من أصل ثماني سيارات مفخخة (أرسلت إلى الضاحية بعد تفجيري بئر العبد والرويس)، جرى توقيف سبعة منها وانفجرت الثامنة قرب السفارة الإيرانية».
وأمام هذا الواقع، انتقلت محاولات التوتير، بحسب حطيط، إلى «المناطق الجردية التي قد تحوي مراكز لحزب الله، وذلك بهدف توجيه رسالة بأنهم قادرون على الوصول إلى مراكز مماثلة أولا، وعلى إيقاع خسائر في صفوف الحزب ثانيا». لكن حطيط عد أنه حتى المحاولة الأخيرة أمس «فشلت وأظهرت أن الحزب يمتلك قدرات وشبكة أمان ذاتية»، لكن الخشية وفق حطيط تبقى من «تصاعد عمليات التحدي ومحاولات الخرق الأمني في لبنان».
وفي سياق متصل، رأى وزير الدولة لشؤون التنميّة الإداريّة في حكومة تصريف الأعمال محمد فنيش (حزب الله) أن تفجير صبوبا «جزء من مخطط يشهده لبنان، تنفذه جماعات تكفيريّة هدفها التخريب وبث الفتنة وزعزعة الاستقرار وتقديم خدمة مجانية إلى العدو الإسرائيلي». وقال إن «خلفيته معروفة».
وأعرب فنيش عن اعتقاده، في تصريحات لـ«وكالة الأنباء المركزيّة»، الخاصة، بأنّ «هذه المجموعات أدوات يجري استخدامها، ويعتقد البعض منها أنّه يحقق أهدافا آيديولوجيّة، ومشروعها السياسي هو التدمير»، مشددا على أنّه «على الدولة اللبنانيّة القيام بواجبها وملاحقة المسلحين وتمكين الجيش والقوى الأمنيّة المعنية من ضبط تسرب هذه المجموعات الإرهابيّة من سوريا إلى لبنان وتتبعها».
واستهدفت تفجيرات عدة بسيارات مفخخة خلال الأشهر الماضية في بيروت والبقاع مناطق محسوبة على حزب الله ومواكبة له، طال أولها منطقة بئر العبد في التاسع من يوليو (تموز) الماضي، ثم منطقة الرويس في 15 أغسطس (آب)، مخلفا عشرات القتلى والجرحى. كما طال تفجير انتحاري في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي السفارة الإيرانية في بيروت وتسبب بمقتل 23 شخصا.
ويدرج محللون هذه التفجيرات في إطار تداعيات النزاع في سوريا حيث يقاتل حزب الله إلى جانب القوات النظامية. وفي الرابع من الشهر الحالي، اغتال مجهولون قياديا بارزا في حزب الله يدعى حسان اللقيس في الضاحية الجنوبية لبيروت بإطلاق الرصاص عليه في مرأب منزله.
من جهة أخرى، سقطت مساء أمس ستة صواريخ على مدينة الهرمل في شرق لبنان، مصدرها الأراضي السورية، وتسبب بإصابة ثلاثة جرحى، بينهم عسكريون. وذكرت قيادة الجيش اللبناني أن «ستة صواريخ مصدرها الجانب السوري سقطت في مدينة الهرمل، أحدها داخل ثكنة تابعة للجيش في حي الدورة ما أدى إلى إصابة عسكريين اثنين بجروح غير خطرة، إضافة إلى أضرار في الممتلكات». وأدى سقوط أحد الصواريخ إلى إصابة المواطن سويدان ناصر الدين.
وتبنّت مجموعة تطلق على نفسها تسمية «سرايا مروان حديد» إطلاق الصواريخ على الهرمل، وقالت في بيان صادر عنها: «في تمام الساعة السادسة مساء، وفّق الله إخوانكم في (سرايا مروان حديد) وكتائب الوادي ولواء القصير لاستهداف منطقة اللبوة الداعمة (لحزب الله الإيراني) بثلاثة صواريخ غراد ردا على مشاركة هذه المنطقة للحزب في معاركه داخل الأراضي السورية».



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.