المهدي جمعة.. هل ينقذ حكومة الترويكا؟

المهدي جمعة.. هل ينقذ حكومة الترويكا؟
TT

المهدي جمعة.. هل ينقذ حكومة الترويكا؟

المهدي جمعة.. هل ينقذ حكومة الترويكا؟

تباينت ردود الفعل في تونس على اختيار «المهندس الليبرالي» المهدي جمعة لرئاسة حكومة التكنوقراط التي يدور منذ خمسة أشهر جدل كبير حولها بين أحزاب «الترويكا» ومعارضيها.. مما تسبب في أخطر أزمة سياسية عرفتها تونس منذ ثورة 14 يناير (كانون الثاني) 2011.
هذا المهندس والخبير في الطاقة والتكنولوجيا الذي لقي اختياره ترحيبا من قبل جل الأطراف الاجتماعية والسياسية والعواصم الغربية - وعلى رأسها باريس وواشنطن وبروكسل - واحد من بين «الوزراء التكنوقراط» في حكومة القيادي في حزب النهضة الإسلامي علي العريض التي تشكلت قبل تسعة أشهر.. ولم يعرف عنه أي بروز في وسائل الإعلام ولا في المحافل السياسية.
فلماذا وقع اختياره؟ وهل لديه مؤهلات خاصة؟ وهل هو فعلا «إسعاف جديد» للأغلبية الحاكمة منذ انتخابات 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011 بزعامة حركة النهضة من خلال وجه ليبرالي له ميول إسلامية «ليس لديه ماض في (التنظيم السري)» للحركة؟
هل يمكن مجرد «رئيس الحكومة الثالثة للترويكا» التي تتزعمها حركة النهضة وتضم حزبي التكتل والمؤتمر العلمانيين وبعض المستقلين؟
أم أن العكس هو الصحيح أي إن المهدي جمعة سيكون أقرب إلى المعارضة والنقابات والمنظمات الحقوقية التي كانت وراء الضغوطات في الشارع ووسائل الإعلام حتى وافقت حكومة علي العريض على الاستقالة؟
أم هو في الوقت نفسه «الإسعاف الأخير» للنهضة وحلفائها في «الترويكا الفاشلة» وللمعارضة الضعيفة والمقسمة التي يصفها خصومها بـ«معارضة صفر فاصل» للتذكير بنتائجها الهزيلة في انتخابات أكتوبر 2011؟
وحسب كمال مرجان وزير الخارجية والدفاع في الحقبة الأخيرة من عهد زين العابدين بن علي زعيم حزب «المبادرة الوطنية الدستورية» المعارض حاليا، فإن تكليف المهدي جمعة بتشكيل الحكومة الجديدة يعد «الفرصة الأخيرة لإنقاذ البلاد من مسلسل الأزمات السياسية والأمنية والاقتصادية والاجتماعية التي تواجهها».
ونوه كمال مرجان في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، بمؤهلات رئيس الحكومة الجديد المقترح وعده فعلا من بين «التكنوقراط والمستقلين عن كل الأحزاب». وبرر مرجان بذلك تصويت حزبه لفائدة السيد جمعة في الجلسة العامة الأخيرة للحوار الوطني بعد أن اقترحته نقابتا رجال الأعمال والعمال ومنظمتا حقوق الإنسان والمحامين.
توافق منقوص لكن عددا من قادة الأحزاب والمنظمات التي ساندت ترشيح المهدي جمعة، مثل عبد الستار موسى رئيس رابطة حقوق الإنسان ومحمد محفوظ نقيب المحامين، أقروا أن «التوافق على المهدي جمعة داخل الجلسة العامة للحوار الوطني كان منقوصا».. لأن بعض الأحزاب القوية مثل حزب نداء تونس بزعامة الباجي قائد السبسي والحزب الجمهوري بزعامة أحمد نجيب الشابي و«الجبهة الشعبية» بزعامة حمة الهمامي اعترضت عليه.. أو رفضت المشاركة في التصويت أصلا.
لكن كثيرا من زعماء أحزاب الترويكا والمعارضة مثل مصطفى بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي وزعيم حزب التكتل أو ومحمد الحامدي زعيم حزب «التحالف الديمقراطي» عدوا أن «التوافق لا يعني الإجماع».. وأن المهدي جمعة الذي لم يفز بثقة مائة في المائة من الأحزاب «نجح في أن يكون أول مرشح منذ أشهر تدعمه في نفس الوقت نقابات العمال ورجال الأعمال ونحو 10 أحزاب تتحكم في نحو 70 في المائة من البرلمان الانتقالي (المجلس الوطني التأسيسي) الذي يحتاج أي رئيس حكومة جديد لتزكية نصف أعضائه زائد واحد قبل تنصيبه».
العلاقة بالخارج وإذ سارع سفراء العواصم الكبرى بتونس للترحيب بخطوة اختيار المهندس المهدي جمعة - وخاصة سفارات ألمانيا وفرنسا وأميركا - فقد شكك كثير من نشطاء المواقع الاجتماعية التونسية مثل «فيس بوك» - التي يوجد بها نحو 5 ملايين منخرط أي نصف عدد المواطنين - في شخصية رئيس الحكومة الجديد.. وخاصة في ولائه للبلاد.
واستدل هؤلاء بـ«حجة» توليه مسؤوليات عليا في شركات أوروبية عملاقة من بينها شركة نفطية متعددة الجنسيات في فرنسا. كما تساءل آخرون عن الأسباب التي جعلت بعض «الجهات الأجنبية» تروج خلال الأسابيع الثلاثة الماضية للسيد المهدي جمعة.. عبر «افتعال خبر محاولة انقلابية ضد حكومة علي العريض» واتهامه بالوقوف وراءها صحبة وزير الخارجية الحالي السفير عثمان الجارندي رغم ما عرف به الرجلان من استقلالية وابتعاد عن الأضواء وحيادية عن كل الصراعات الحزبية.
كما تساءل بعض خصوم رئيس الحكومة الجديدة عن «سر ترويج السفير الألماني في موقعه في فيس بوك لصورة مع المهدي جمعة عند تناولهما (وجبة لحم مشوي) في مطعم شعبي غربي العاصمة تونس على هامش نشاط مشترك بين السفارة الألمانية ووزارة الصناعة التي يتولى جمعة الإشراف عليها».
وكانت تلك الصورة وزعت بكثافة في المواقع الاجتماعية ووسائل الإعلام التونسية ونشرت تعليقات إيجابية عليها تحت عنوان «دبلوماسية اللحم المشوي».. بما جلب شعبية للوزير قبل أيام من ترشيحه المفاجئ للمنصب الحكومي الرفيع.
ناشط إسلامي سابق لكن هذه الاتهامات لم تلق صدى كبيرا لدى قيادات كبرى الأحزاب التي رشحت المهدي جمعة ولا تلك التي عارضت اختياره مثل بعض القيادات اليسارية والنقابية - مثل الحقوقية نزيهة رجبية - التي اتهمته بكونه كان «طالبا إسلاميا في الجامعة قبل ثلاثين عاما».. وشككت في استقلاليته وتوقعت أن يكون «مواليا لحزب النهضة وحلفائه مثل حزبي المؤتمر بزعامة المنصف المرزوقي والتكتل بزعامة مصطفى بن جعفر».
وقد نفى قياديون في حركة النهضة على رأسهم راشد الغنوشي زعيمها انتماء السيد جمعة إلى حركتهم.. وأكدوا على كونه غادر تونس منذ عقود وأنه لم يكن في عهد بن علي من بين اللاجئين السياسيين أو النشطاء.
الاختبارات الصعبة؟
وقد ساير هذا التقييم وأكد على استقلالية المهدي جمعة حسين العابسي الأمين العام لاتحاد نقابات العمال وعدد من رموز المعارضة بقوة لحركة النهضة مثل المهدي بن غربية عن التحالف الديمقراطي وسمير الطيب الناطق الرسمي باسم حزب المسار (الحزب الشيوعي سابقا).
إلا أن المدافعين عن رئيس الحكومة الجديد أشاروا إلى أن «الحكم لفائدته وتأكيد استقلاليته الحزبية والسياسية وكفاءته سيكون رهين فوزه في عدد من الاختبارات الصعبة».. وعلى رأسها «شكيل فريقه الحكومي في أقرب وقت من بين الكفاءات والخبرات المستقلة.. دون الرضوخ لوصاية الأطراف السياسية والحزبية التي رشحته ووقفت إلى جانبه».
ولوح العباسي وعدد من قيادات النقابات العمالية والأحزاب بـ«سحب الثقة» من المهدي جمعة إذا قام بما يوحي بانحيازه الحزبي وبكونه لن يحترم «خارطة الطريق».. التي كانت وراء اختياره من بين أكثر من 20 مرشحا من الحجم الكبير بينهم زعيم المعارضة في عهد بورقيبة أحمد المستيري.. ووزراء المالية والاقتصاد والشؤون الاجتماعية سابقا جلول عياد ومنصور معلى وصلاح الدين بن مبارك ومحمد الناصر.
الواقعية والاعتدال في الأثناء حذر عبد الفتاح مورو المحامي والقيادي في حزب النهضة من «المضاعفات السلبية للتهجم على المهدي جمعة أو محاولة شيطنته.. أو على أي شخصية مستقلة يقترحها البعض لإصلاح الأوضاع وقيادة البلاد في المرحلة المقبلة».
مورو نوه بخصال رئيس الحكومة الجديد لكنه دعا التونسيات والتونسيين وزعامات الأحزاب والمجتمع المدني إلى «الواقعية والاعتدال». وقال إن مؤهلات المهدي جمعة والفريق الذي سيختاره لا تعني قدرتهم على معالجة «كل الملفات المتراكمة في البلاد منذ عشرات السنين». وأكد أن أغلب المشكلات الاقتصادية والاجتماعية والتربوية والسياسية والأمنية ستحتاج «على الأقل لعشرين عاما حتى تعالج بصفة جذرية».. لكن المطلوب اليوم من «كفاءة عالمية مثل المهدي جمعة بدء مثل هذا المشوار الإصلاحي» ومساعدة الطبقة السياسية والبرلمان الانتقالي للمرور إلى الانتخابات المقبلة في أقرب وقت.
الاستغناء فجأة عن أبرز المرشحين من جهة أخرى سجل المراقبون أنه على الرغم من ترحيب أهم النقابات ومنظمات المجتمع المدني والأحزاب باختيار المهندس المهدي جمعة لرئاسة الحكومة حتى إنجاز الانتخابات المقبلة، فإن الطرف الرئيس الذي ظل ينتقد بصوت مرتفع هذا الاختيار هو الحزب الجمهوري بزعامة أحمد نجيب الشابي زعيم المعارضة القانونية في عهد بن علي.
لكن نقاط استفهام كثيرة لا تزال تؤرق صناع القرار والسياسيين.. من بينها ملابسات استبدال المرشحين السابقين لهذا المنصب «فجأة وفي الوقت الضائع» بوزير الصناعة الذي يبدو أن علاقات مهنية وخاصة متطورة سبق أن جمعته بالسيدة وداد بوشماوي رئيسة نقابة رجال الأعمال - اتحاد الصناعة والتجارة - وحسين العباسي أمين عام اتحاد الشغل.
وحسب مصادر كثيرة فإن الثنائي بوشماوي والعباسي كانا منذ نحو الساعة الثامنة من صباح السبت الماضي أول من اقترح اسم السيد المهدي جمعة.. بعد مشاورات في الكواليس قد تكون شملت مباشرة وغير مباشرة مع قياديين من الصف الأول في «الأحزاب السبعة».. وخاصة في حزبي نداء تونس والنهضة.. ولم تبرز تلك المشاورات تحفظات جوهرية عليه على الرغم من اقتراح بعضهم اسمي السيدين محمد بن عيسى (رئيس الجامعة سابقا والمستشار السابق برتبة كاتب دولة في ديوان السيد الباجي قائد السبسي) والحبيب الصيد وزير الداخلية الأسبق والوزير المستشار الأمني في حكومتي السبسي والجبالي.
والسؤال اليوم الكبير هو: ما أهم سيناريوهات الحقبة المقبلة بعد هذا الاختيار «التاريخي»؟
العودة إلى مجلس الدولة؟
يعتقد كثيرون أن اختيار «شخصية تكنوقراط» لها خبرة 9 أشهر على رأس وزارة فنية رحبت بها المنظمات الاجتماعية و10 أحزاب (أحزاب الترويكا الثلاثة و6 أحزاب صغيرة بينها حزبا المبادرة والوطن حيث الأغلبية من بين الدستوريين) قد يكون وضع حدا لمقترح السيد الباجي قائد السبسي بإحداث «مجلس للدولة» يعوض رئيس الجمهورية. لكن بعض المراقبين المطلعين يعتقدون أن العكس هو الصحيح..
هؤلاء يقولون إن حظوظ إحداث مجلس أعلى للدولة يضم عسكريا وقياديين من نداء تونس والنهضة والنقابات «تعززت اليوم».. إذا سلمنا أن الفقرة الأولى غير المعلنة في «التوافق بين قيادتي حزبي النداء والنهضة» تتضمن إعطاء «النهضة والترويكا» صلاحية اختيار رئيس الحكومة وأغلب أعضائها مقابل تعديل القانون المؤقت المنظم للسلطات في اتجاه إنشاء «آلية تنفيذية موسعة جديدة في رئاسة الجمهورية» بزعامة السيد الباجي قائد السبسي.
لكن ماذا إذا لم ينجح هذا السيناريو؟
إسعاف «الحكومة الفاشلة (و) المعارضة الضعيفة»..
حسب كثير من صناع القرار فإن «ميزان القوى الحالي» في البلاد أقنع قيادات «الحكومة الفاشلة (و) المعارضة الضعيفة» بأنه لا سبيل لأي طرف سياسي أن يحتكر السلطة لوحده..
وحسب هذا السيناريو فإن كبار الساسة اقتنعوا أنه ليس من مصلحة أي حزب في الحكم والمعارضة «احتكار السلطة» مستقبلا.. لأن «حجم التحديات الاجتماعية والاقتصادية والأمنية والسياسية (و) تعقيدات الأوضاع إقليميا ودوليا» يستوجب «انسحاب الزعامات السياسية من الصف الأول».. وإتاحة الفرصة للخبراء مثل المهندس السيد المهدي جمعة كي يحاول تدارك الموقف عبر إصلاحات عاجلة.
ووفق هذا التمشي فإن «حكومة التكنوقراط» التي سيشكلها السيد المهدي جمعة، تكون بمثابة «فرصة إسعاف أخيرة» للنخب الحاكمة والمعارضة في نفس الوقت.. بعد أن تبين تراجع شعبيتها جميعا وتناقص قدراتها على تحريك الشارع.. إلى درجة تبادل رموزها الاتهامات بالفشل.. في وقت أصبح فيه كثير من المراقبين المستقلين يصفون أحزاب الائتلاف الثلاثي الحاكم بـ«الفشل» والأحزاب المناوئة له بـ«معارضة صفر فاصل» للتذكير بالنتائج التي حصل كل منها عليه في انتخابات أكتوبر 2011.. الأمر الذي مكن الإسلاميين وحلفاءهم من أن يحكموا البلاد بمجرد فوزهم بنحو مليون ونصف المليون من أصوات الـ8 ملايين ناخب.. الذين لم يشارك أكثر من نصفهم في الاقتراع العام.
ويأمل أنصار هذا السيناريو أن تمكن «حكومة التكنوقراط» كل الأطراف الحاكمة والمعارضة من فرصة القيام بنقدها الذاتي العلني.. وبدء الاستعدادات للانتخابات المقبلة.. بعيدا عن «ماكينة الدولة» وعن توظيف أموالها ومؤسساتها «خدمة لأغراض حزبية وشخصية..»؟
سيناريو «الصدام» و«القطيعة» لكن المتتبعين لفسيفساء المستجدات الأمنية والاجتماعية في البلاد لا يستبعدون سيناريوهات «قاتمة» بعد استقالة حكومة السيد علي العريض واختيار المهدي جمعة.. من بينها استفحال العنف والعنف المضاد والصراعات بين قطبين كبيرين: الأول بزعامة «الدستوريين» والمقربين «نداء تونس» والثاني بزعامة حزب النهضة وحلفائه في المجلس التأسيسي.. الذين يسيطرون على نحو ثلثي مقاعد المجلس وقد يختار «المتشددون من بينهم» الدخول في مواجهات «للمعتدلين» في أحزابهم وفي الحكومة المقبلة وحلفائها في المنظمات الاجتماعية والحقوقية.. كما قد يتمرد بعضهم مجددا على السيد مصطفى بن جعفر رئيس المجلس المتمسك بمواقفه «الوسطية المعتدلة».
كل السيناريوهات واردة.. خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار التناقضات الداخلية في اتحادات الشغل والصناعة والتجارة والأحزاب الكبرى.. لا سيما في حزبي النهضة ونداء تونس.. وهي تناقضات قد تستفحل بعد أن يبدأ رئيس الحكومة الجديد تنفيذ برنامجه.. واقترابه من بعض «الخطوط الحمراء».. التي يبررها بحرصه على «إنقاذ البلاد» أكثر من سعيه «لإسعاف الترويكا والمعارضة ».
وفي كل الحالات سيكون أمام المهدي جمعة تحديات اقتصادية وأمنية وسياسية كبرى يحتاج إلى رفعها بحزم وفي وقت قياسي مستفيدا من الدعم الذي قدمته له غالبية الأحزاب القوية والعواصم الغربية المؤثرة في القرار الداخلي التونسي لا سيما باريس وواشنطن.



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.