الاقتصاد الأميركي يواصل نموه «متفرجاً» على تزايد اضطرابات الاقتصادات الأخرى

الليرة التركية والروبل الروسي والريال الإيراني تواصل السقوط

ارتفع تضخم المستهلك الأساسي في أميركا إلى أعلى مستوى له في 10 سنوات ممهداً الطريق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة تدريجياً (رويترز)
ارتفع تضخم المستهلك الأساسي في أميركا إلى أعلى مستوى له في 10 سنوات ممهداً الطريق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة تدريجياً (رويترز)
TT

الاقتصاد الأميركي يواصل نموه «متفرجاً» على تزايد اضطرابات الاقتصادات الأخرى

ارتفع تضخم المستهلك الأساسي في أميركا إلى أعلى مستوى له في 10 سنوات ممهداً الطريق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة تدريجياً (رويترز)
ارتفع تضخم المستهلك الأساسي في أميركا إلى أعلى مستوى له في 10 سنوات ممهداً الطريق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة تدريجياً (رويترز)

أكد تقرير صادر عن دائرة الأبحاث الاقتصادية العالمية في بنك الكويت الوطني، أن الأسبوع الماضي كان ضحلاً فيما خص البيانات الاقتصادية لمجموعة الدول الصناعية السبع، فيما استمرت النزاعات السياسية حول التجارة والسياسات الأخرى تحوم فوق الأسواق. وكان الرابحون في الأسواق المالية هم الين الياباني والدولار الأميركي والسندات المقوّمة بالدولار الأميركي، أما تجنب المخاطر فكان هو العنوان الرئيسي مع تدهور عملات الأسواق الناشئة. وبقي موقف الإدارة الأميركية حول التجارة والسياسات الخارجية هو العامل الرئيسي وراء طلب الأمان، فيما تشير نبرة الصين إلى أن التراجع ليس خياراً. وكان البنك المركزي الأوروبي قد حذّر من أن تصاعد حرب الرسوم يشكّل مخاطر جدية للاقتصاد العالمي في المدى القصير والمدى المتوسط.
وقال البنك إنه «إذا تم تنفيذ كل إجراءات التهديد، فسيرتفع معدل الرسوم الأميركية إلى مستويات لم نشهدها في الخمسين سنة الأخيرة».

تركيا
وبالنظر إلى الليرة التركية، فهي تشهد خسائر شديدة منذ مايو (أيار) الماضي. فقد خسرت نحو 43 في المائة من قيمتها مقابل الدولار منذ بداية السنة وحتى الآن. وبلغت الليرة التركية مستوى متدنياً جديداً يوم الجمعة الماضي بسبب القلق حيال تورط القطاع البنكي الأوروبي الذي فاق تأثيره تأكيدات الحكومة التركية بدعم الاقتصاد. وفي التفاصيل، فإن البنوك الإسبانية لها 83.3 مليار دولار لدى المقترضين الأتراك، وللبنوك الفرنسية 38.4 مليار، وللمقرضين الإيطاليين 17 ملياراً. وبالتالي، فإن المؤسسات التركية ستتحمل أعباء تكاليف عالية لسداد السيولة المقترضة.
وبدأ التراجع الحاد لليرة عقب بلوغ آراء الرئيس رجب طيب إردوغان «غير التقليدية» حول أسعار الفائدة الأسواق، إذ قال إن «سعر الفائدة هو أم وأب كل شر». واكتسب تراجع العملة مزيداً من الزخم مع توقيع أميركا عقوبات على بعض المسؤولين الأتراك، وردّت تركيا بطريقة مماثلة... وفشلت المفاوضات بين الدولتين في إحراز تقدم.

روسيا
أما بالنسبة للروبل الروسي، فقد تراجع إلى أدنى مستوى له في أكثر من سنتين، إثر خطط أميركا بتنفيذ قيود تجارية صارمة رداً على تسميم عميل الاستخبارات العسكرية السابق، سيرغي سكريبال، في بريطانيا. وبدأ الدولار الأسبوع مقابل الروبل يوم الاثنين عند 63.33 وأنهاه يوم الجمعة عند 67.67.
وتأتي العقوبات في قسمين؛ يطول الأول الصادرات الأميركية من السلع الحساسة المرتبطة بالأمن الوطني. وأفادت أميركا بأن الشريحة الثانية ستصبح فاعلة في نحو 3 أشهر، إذا فشلت روسيا في تقديم ضمانات موثوقة بأنها لن تستخدم أسلحة كيماوية وتسمح للأمم المتحدة أو لغيرها من مجموعات المراقبين الدوليين بإجراء تقييمات في المواقع.

إيران
وبالنسبة للعقوبات الأخرى، تم تنفيذ المرحلة الأولى من العقوبات على إيران الأسبوع الماضي، لمنعها من استخدام الدولار وسيطاً في الصرف. وتقيّد العقوبات أيضاً إيران في التجارة في السيارات والمعادن (الذهب والصلب والفحم والألمنيوم)، وسيتم منعها أيضاً من شراء الطائرات الأميركية والأوروبية. وسيتم فرض المرحلة الثانية من العقوبات في نوفمبر (تشرين الثاني)، لتطول الإنتاج النفطي الإيراني. وقد تراجع الريال الإيراني أكثر من 50 في المائة مقابل الدولار هذه السنة.

أميركا
في الولايات المتحدة، يستمر الاقتصاد الأميركي في تسجيل قراءات اقتصادية قوية، فيما فشل نظراؤه في اتباع المسار ذاته. وارتفع تضخم المستهلك الأساس إلى أعلى مستوى له في 10 سنوات، ممهداً الطريق لمجلس الاحتياطي الفيدرالي لرفع أسعار الفائدة تدريجياً. وارتفع مؤشر سعر المستهلك الكامن بنسبة 0.1 في المائة ليصل إلى 2.4 في المائة في يوليو (تموز)، وتحرك أيضاً مؤشر سعر المستهلك الكلي على الطريقة نفسها نحو 2.9 في المائة.
وعلى صعيد المنتج، توقفت الأسعار للمرة الأولى هذه السنة مع بقاء قراءة مؤشر سعر المنتج الشهري على حاله. وعلى أساس سنوي، ارتفعت البيانات بنسبة 3.3 في المائة عن سنة مضت، أي أقل بقليل من النسبة البالغة 3.4 في المائة التي شهدناها في يونيو (حزيران). وتراجع التضخم الكلي بتراجع أسعار الطاقة والغذاء. ومن ناحية أخرى، وباستثناء المواد المتقلبة مثل الغذاء والطاقة، ارتفع تضخم المنتج الأساس بنسبة 0.3 في المائة في يوليو. وفي الشهور الـ12 المنتهية في آخر يوليو، ارتفعت البيانات الأساس بنسبة 2.8 في المائة بعد ارتفاعها بنسبة 2.7 في المائة في يونيو.
وتأتي هذه البيانات في وقت وصل فيه الاقتصاد تقريباً إلى التوظيف الكامل ويشهد نمواً قوياً. وقد ترتفع القراءات المستقبلية للتضخم مع بدء رسوم إدارة ترمب على الواردات بالتأثير في الضغوطات السعرية. وإضافة إلى ذلك، يبدو أن المصنّعين يستوعبون بعض ارتفاع التكاليف الآن، مع مزيد من الرسوم التهديدية في الجعبة، وقد تكون مسألة وقت قبل أن يبدأ تضخم الطلب النهائي في الارتفاع.
وارتفع الدولار الأميركي بحدة الأسبوع الماضي إلى مستوى لم نشهده في 13 شهراً. وكسر المؤشر مستوى 95 و96، وارتفع إلى مستوى مرتفع عند 96.452، وهو الأعلى منذ يوليو 2017. وكان الدولار في ارتفاع مستمر منذ أبريل (نيسان) مع أداء الاقتصاد الأميركي الجيد مبدئياً، وتحرك مجلس الاحتياطي الفيدرالي نحو مسار يمكن توقعه بشكل أفضل لأسعار الفائدة. ولكن الارتفاع الحاد الأسبوع الماضي حصل مع استيعاب الدولار بعض تدفقات الملاذ الآمن. وقد لقي الدولار دعماً من تنامي التوترات التجارية العالمية والعلاقات الجيوسياسية المتوترة. وقد أفادت أميركا أخيراً بأنها ستفرض عقوبات جديدة على روسيا، فيما كانت في نزاع دبلوماسي مع تركيا. وفي جلسات التداول الخمس الأخيرة، ارتفع الدولار بنحو 1.1 في المائة مقابل سلة من العملات، وقد ارتفع بنسبة 4 في المائة منذ بداية السنة.

أوروبا
أوروبياً، فإن انعكاس الديناميكية الاقتصادية هذه السنة، الذي وفّر دعماً لليورو في 2017، قد يستمر بالضغط على العملة الموحدة وتبقى المخاطر متجهة نحو التراجع في المدى القصير. وقد كانت القوة المفاجئة للاقتصاد الأوروبي هي التي ساعدت اليورو عندما تلاشت المخاطر السياسية المحيطة بالانتخابات الفرنسية. ولكن الأساسيات الإيجابية من اقتصاد اليورو قد أصبحت أقل إيجابية بالفعل، وقد ازدادت عمليات بيع اليورو بوضوح، خصوصاً مع كسر اليورو مقابل الدولار أخيراً مستوى الدعم عند 1.15. وتقنياً، يشير كسر اليورو مقابل الدولار لمستوى الدعم الأساس البالغ 1.1507 إلى نهاية نمط التدعيم الذي بدأ في مايو. وقد استؤنف التراجع المستمر من أعلى مستوى في فبراير (شباط) عند 1.2555.
وبخصوص الأسبوع الماضي، فقد كان خفيفاً من حيث المؤشرات الاقتصادية لليورو. وبالتالي، فإن معظم تراجع اليورو يعزى إلى ارتفاع الدولار الأميركي. ويعتبر تعامل البنوك الأوروبية بالليرة التركية عاملاً آخر وراء تراجع اليورو. وللمؤسسات التركية تعامل كبير بالدولار الأميركي والديون المقوّمة باليورو، وبالتالي سيكون دفع هذه الديون أكثر تكلفة للمؤسسات التركية. وبدأ اليورو جلسته الأسبوعية مقابل الدولار عند 1.1561، وتراجع إلى أدنى مستوى له في 13 شهراً عند 1.1383. وتراجع اليورو بنسبة 1.3 في المائة مقابل الدولار في أيام التداول الخمسة الأخيرة.

بريطانيا
في المملكة المتحدة، اكتسب الاقتصاد البريطاني زخماً في الربع الثاني، بعد تباطؤ حاد في الشتاء في بداية السنة. فقد ارتفع الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 0.4 في المائة كما توقعت الأسواق، ليصل بذلك المعدل السنوي للربع الثاني إلى 1.3 في المائة، أي بالكاد فوق أدنى نسبة في 6 سنوات تم تسجيلها في الأشهر الثلاثة الأولى من السنة.
وكان قطاعا الخدمات والإنشاءات، اللذان ارتفعا بنسبة 0.5 و0.9 في المائة على التوالي من ربع لآخر هما المكونان الرئيسيان للناتج المحلي الإجمالي اللذان رفعا النمو الاقتصادي البريطاني. وإضافة لذلك، أسهم أيضاً إنفاق العائلات واستثمار الشركات إيجاباً بارتفاعهما بنسبة 0.5 و0.3 في المائة على التوالي. ومن الناحية السلبية، تراجع الإنتاج الصناعي بنسبة 0.8 في المائة من ربع لآخر، وازداد العجز التجاري بمقدار 4.7 مليار جنيه ليصل إلى 8.6 مليار جنيه.
ومنذ التصويت على الخروج من الاتحاد الأوروبي، تراجعت بريطانيا من أسرع نمو اقتصادي في مجموعة الدول الصناعية السبع إلى أبطأ نمو. ويبدو الدفع الاقتصادي مقيداً مقارنة ببعض نظرائه العالميين، ويستمر عدم اليقين مخيّماً فوق بريطانيا من ناحية موضوع خروجها من الاتحاد الأوروبي. ويفكر المستثمرون مرتين قبل الاستثمار في بريطانيا، إذ إن نتيجة اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي تزداد غموضاً كل يوم. وقد شهد أيضاً الاتحاد الأوروبي، وهو شريك تجاري مهم لبريطانيا، نمواً بطيئاً ويستمر تأجيل استثمار الشركات بسبب عدم اليقين حيال اتفاق خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وبالنظر إلى الجنيه الإسترليني، فقد تراجع مقابل الدولار بشكل كبير الأسبوع الماضي إلى أدنى مستوى له منذ يونيو 2017 عند 1.2736 يوم الجمعة، ليخسر بذلك 264 نقطة أساس منذ بداية الأسبوع. وبدأت معاناة الإسترليني بعد أن حذّر محافظ بنك إنجلترا من أن عدم الاتفاق حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي أصبح مرجحاً جداً. وأضاف وزير التجارة البريطاني أن هناك احتمالاً نسبته 60 في المائة ألا يتم التوصل إلى اتفاق قبل الموعد النهائي في مارس (آذار) 2019. وقد تأثر الجنيه أيضاً في الأساس حين أدركت الأسواق أن رفع أسعار الفائدة سيكون على الأرجح محدوداً برفع 1 في السنة.

اليابان
على صعيد اليابان، انتعش الاقتصاد في الربع الثاني من السنة بعد أن شهد أول انكماش في 8 أرباع سنة. فقد نما الناتج المحلي الإجمالي الأولي من انكماش نسبته بعد المراجعة 0.9 في المائة في الربع الأول، إلى 1.9 في المائة في الربع الثاني على أساس سنوي. وكان المحركان الرئيسيان للنمو الاستهلاك الخاص وإنفاق الشركات. فقد ارتفع الاستهلاك الخاص، الذي يشكّل نحو 60 في المائة من الاقتصاد، بمعدل 2.8 في المائة على أساس سنوي، وارتفاع إنفاق المستهلك هو تطور يريده بنك اليابان، ولكن من غير المرجح أن يغيّر البنك موقفه من أسعار الفائدة. وتجاوز الارتفاع في الواردات البالغ 3.9 في المائة بسهولة نمو الصادرات البالغ 0.8 في المائة، ما يشير إلى تراجع الجو التجاري. وقد استمر عدم نمو الأجور بشكل كبير في الاقتصاد بوضع سقف على النمو السعري الذي يبقى أقل بكثير من النسبة التي يستهدفها بنك اليابان والبالغة 2.0 في المائة.
وإضافة إلى ذلك، خفّض البنك المركزي توقعه للتضخم في 2018، وأضاف إرشاداً مستقبلياً إلى بيانه ليشدّد على إطالة موقفه الإجمالي من السياسة النقدية شديدة التسهيل. وفشلت أميركا واليابان في التوصل إلى أي اتفاق حول التجارة الأسبوع الماضي، إذ إن اليابان تفضل مفاوضات تجارية متعددة الأطراف، فيما تهدف أميركا إلى مفاوضات ثنائية. ويخلق النزاع التجاري بين أميركا والصين كثيراً من عدم اليقين. وإذا استمر عدم اليقين هذا وازداد، يمكن أن يبدأ بإلحاق الضرر بقطاعي الصادرات والتصنيع اليابانيين.
وكان أداء الين، عملة الملاذ الآمن، جيداً نسبياً مقابل الدولار الأسبوع الماضي، على الرغم من التحركات القوية للدولار مقابل اليورو والجنيه الإسترليني. ولقي الين دعماً من تصاعد التوترات التجارية والنزاعات السياسية العالمية وارتفاع الناتج المحلي الإجمالي الياباني. وبدأ الدولار الأسبوع مقابل الين عند 111.24 وأنهاه عند 110.92. وخسر الدولار 0.3 في المائة من قيمته مقابل الين الأسبوع الماضي.

الصين
في بلاد التنين، تضخم النمو السعري الاستهلاكي في الصين إلى أعلى مستوى له في 4 أشهر في يوليو، فيما انكمش تضخم المنتج للمرة الأولى منذ مارس. فقد ارتفع مؤشر سعر المستهلك بنسبة 0.3 في المائة على أساس شهري، ليدفع المعدل السنوي للارتفاع من 1.9 في المائة إلى 2.1 في المائة. ولقي مؤشر سعر المستهلك الكلي دعماً من الارتفاع السنوي البالغة نسبته 2.4 في المائة في المواد غير الغذائية التي ارتفعت بارتفاع أسعار الوقود. ولكن التضخم الأساس بقي ثابتاً عند 1.9 في المائة للشهر الثالث على التوالي، مشيراً إلى ضغوطات تضخمية محلية حميدة.
ومن ناحية المنتج، تراجع مؤشر سعر المنتج من 4.7 في المائة إلى 4.6 في المائة. وبالإجمال، يبدو تأثير رسوم الاستيراد على التضخم ضئيلاً حتى الآن. ولكن لا يبدو أن الحرب التجارية تتراجع، إذ إن الطرفين مستعدان للرد. وأعلنت الصين عن مزيد من الرسوم الانتقامية بنسبة 25 في المائة على ما قيمته 16 مليار دولار من الواردات الأميركية. ويتوقع أن ترفع الرسوم الجمركية تكلفة الإنتاج في بعض الصناعات وقد تقلص عوائد الشركات. وقد ترتفع أسعار الاستيراد، إذ إن الرنمنبي قد تراجع بالفعل بنسبة 8 في المائة منذ يناير (كانون الثاني) وتكاليف مواد الإدخال الخام ترتفع في قطاع الطاقة بسبب ارتفاع أسعار النفط.
ومع انخفاض التضخم الكلي دون النسبة التي يستهدفها البنك المركزي، والبالغة 3 في المائة، سيكون لبنك الشعب (المركزي الصيني) مجالاً كافياً لإجراء مزيد من التسهيل في السياسة النقدية إذا دعت الحاجة.
وعلى الرغم من تنامي التوترات التجارية وتنفيذ الرسوم الجمركية الأميركية على 34 مليار دولار من الواردات الصينية في 6 يوليو، فقد ارتفعت قيمة الصادرات المقومة بالدولار بنسبة 1 في المائة لتصل إلى 12.2 في المائة، وفي الوقت نفسه ارتفعت الواردات بمعدل أسرع من 14.1 في المائة إلى 27.3 في المائة. وبالتالي، تضاءل الفائض التجاري الصيني من 41 مليار دولار في يونيو إلى 28 ملياراً. والأهم من ذلك أن فائض الصين مع أميركا، المراقب عن كثب، تراجع بشكل طفيف من 28.97 مليار دولار في يونيو إلى 28.09 مليار.
وكان ضعف الرنمنبي، الذي تراجع بنسبة 8 في المائة منذ بداية السنة هو أحد العوامل الرئيسية الداعمة للصادرات الصينية. ويبدو أن تراجع العملة قد خفف من تأثير الرسوم الجمركية، وتأثير الرسوم على 34 مليار دولار هو ضئيل مقارنة بالواردات الأميركية من الصين البالغة 505 مليارات دولار.ولكن الميزان التجاري الصيني قد يتراجع مع استمرار ارتفاع التوترات التجارية بين أكبر اقتصادين، وعدم تراجع أي من الطرفين. وبدأ الاقتصاد الصيني بالفعل بالتحول بشكل كبير نحو محركات النمو الداخلي، وستكون السياسات الداعمة لاستدامة النمو في هذه الأجزاء من الاقتصاد مفتاح الاستقرار الاقتصادي.

أستراليا
في أستراليا، أبقى المركزي على سعر فائدة منخفض عند 1.50 في المائة، مسجلاً بذلك أطول فترة من دون تغيير. وأقرّ مجلس احتياط أستراليا أن الصين تشهد زخم نمو أبطأ وقد تؤثر في أستراليا سلباً، كونها أكبر شريك تجاري لأستراليا. وإضافة إلى ذلك، أفاد المجلس بأن تراجع إنفاق العائلات استمر كمصدر لعدم اليقين للاقتصاد وعاملاً للحفاظ على سعر فائدة متدنٍ قياسياً. وعلى صعيد التضخم، يتوقع الآن أن يتراجع النمو السعري إلى نحو 1.75 في المائة خارج النطاق الذي يستهدفه المجلس ما بين 2 و3 في المائة.
ولم تتغير الصورة كثيراً مع سوق عمل قوية، ولكن الأجور بقيت ضعيفة نسبياً. فقد استمرت الظروف في سوقي الإسكان في أكبر مدينتين بالتراجع، وبقيت إجراءات تضخم الإيجار على مستوى الدولة ضعيفة. وفي الإجمال، مع تراجع توقعات التضخم، وتراجع النمو وتزايد المخاطر العالمية، لا تتوقع الأسواق رفع مجلس الاحتياط الأسترالي لأسعار الفائدة لسنة على الأقل. وسيجعل ارتفاع أسعار الفائدة في أميركا وثبات أسعار الفائدة في أستراليا من الصعب أن يرتفع الدولار الأسترالي مقابل الدولار الأميركي.



من العلا... 3 دروس سعودية لتمكين الاقتصادات الناشئة

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)
وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)
TT

من العلا... 3 دروس سعودية لتمكين الاقتصادات الناشئة

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)
وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

بعث مؤتمر العلا للاقتصادات الناشئة في نسخته الثانية العام الحالي، رسالة حاسمة إلى العالم مفادها أن «زمن التبعية قد انتهى».

وأطلق وزير المالية السعودي محمد الجدعان، من قلب الحدث الذي يشارك فيه وزراء مالية ومحافظو بنوك مركزية وقادة مؤسسات دولية، «بيان الثقة»، مختصراً رؤية المملكة لتمكين الاقتصادات الناشئة في 3 رسائل حاسمة: الأولى، أن استقرار الاقتصاد الكلي هو «الأساس المتين» لأي نهضة تنموية وليس عائقاً لها كما يُشاع؛ والثانية، أن مصداقية السياسات لا تُبنى ببراعة الخطط الورقية، بل بـ«جسارة التنفيذ» على أرض الواقع؛ والثالثة، أن الأسواق الناشئة لم تعد تابعة، بل باتت «المحرك السيادي» الذي يقود 70 في المائة من النمو العالمي.

من جهتها، رسمت مديرة صندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، مشهداً قلقاً حيال ارتفاع مستويات الدَّين، معتبرةً أن تمكين القطاع الخاص هو المخرج الآمن لتعزيز النمو.


التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

TT

التجربة السعودية ترسم خريطة طريق الاقتصادات الناشئة

وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)
وزير المالية يتحدث للحضور في الكلمة الافتتاحية لمؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

رسائل كثيرة بعثها مؤتمر العلا في نسخته الثانية، لكنَّ أبرزها أنَّ «زمن الانتظار» خلف الاقتصادات المتقدمة قد انتهى؛ فاليوم تقف الأسواق الناشئة لا كأنها قوة مكملة، بل بوصفها محركاً سيادياً يقود أكثر من 70 في المائة من النمو العالمي. هذه الرسائل لم تكن مجرد استعراض للأرقام، بل كانت «بيان ثقة» يرتكز على ثلاثة دروس جوهرية قدمها وزير المالية السعودي محمد الجدعان من واقع التجربة السعودية، لتكون بمثابة بوصلة للاقتصادات الناشئة.

لقد وضع الجدعان العالم أمام حقيقة اقتصادية صلبة أنَّ مصداقية السياسات لا تُقاس ببراعة الخطط، بل بجسارة التنفيذ. وتجسد ذلك في دروسه الثلاثة؛ أولها أن استقرار الاقتصاد الكلي والانضباط المالي هما حجر الزاوية لأي نهوض، وثانيها أن الإصلاحات الهيكلية لا قيمة لها دون مؤسسات قادرة على تنفيذها، إذ تنبع المصداقية من الحوكمة والشفافية لا من الوعود. أما الدرس الثالث، فهو أن التعاون الدولي متعدد الأطراف بات ضرورة وجودية لحماية هذه الأسواق من الصدمات المتكررة.

هذه «الثلاثية» (الاستقرار، وكفاءة المؤسسات، والتعاون) هي التي تلخص فلسفة التحول الجديدة؛ حيث لم تعد الأسواق الناشئة مجرد ساحة للتجارب، بل أصبحت هي المنصة التي تُصاغ منها الحلول لمواجهة تحديات الدين وتباطؤ التجارة. غير أنَّ هذه الرسائل لم تغفل الجانب التنبيهي؛ إذ إنَّ هذه الأسواق - ورغم تفوقها النموذجي على الاقتصادات المتقدمة - لا تزال تتحرك فوق أرضية ملغومة بالديون المرتفعة، مما يجعل من دعوة الجدعان لتحويل المؤسسات إلى «أدوات تنفيذية مرنة» المرتكز الذي لا يقبل المساومة لضمان استدامة النمو.

وكانت انطلقت أعمال النسخة الثانية من مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة 2026، الأحد، الذي تحتضنه محافظة العلا الواقعة (غرب السعودية) بالشراكة بين وزارة المالية وصندوق النقد الدولي، وبمشاركة رفيعة المستوى من صُنّاع القرار الاقتصادي، ووزراء مالية، ومحافظي بنوك مركزية، وقادة مؤسسات مالية دولية، ونخبة من الخبراء والمختصين من مختلف دول العالم.

«مجموعة العشرين»

وفي كلمته الافتتاحية، أوضح الجدعان أن هذه الاقتصادات أصبحت المُحرِّك الرئيسي للنشاط الاقتصادي الدولي بعد أن تضاعفت حصتها في الاقتصاد العالمي بأكثر من مرتين منذ عام 2000، لافتاً إلى أن أكبر 10 اقتصادات ناشئة في «مجموعة العشرين» تمثل وحدها الآن أكثر من نصف نمو العالم.

وتابع أن الاقتصاد العالمي يمرُّ بلحظة تحول عميق، تقودها الأسواق الناشئة والاقتصادات النامية، التي باتت تُشكِّل اليوم نحو 60 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي من حيث القوة الشرائية، وتسهم بأكثر من 70 في المائة من النمو العالمي.

جانب من حضور وزراء ومسؤولين في مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأشار إلى أنه رغم هذا الدور المحوري، فإن هذه الاقتصادات تواجه بيئةً دوليةً تزداد تعقيداً وتشرذماً، مع ارتفاع مستويات الديون، وتباطؤ نمو التجارة العالمية، وزيادة التعرُّض للصدمات الجيوسياسية.

وحذَّر الجدعان من أن أكثر من نصف البلدان منخفضة الدخل تعاني حالياً من ضائقة ديون، أو تقع تحت خطرها، في وقت تراجعت فيه معدلات نمو التجارة إلى نحو نصف ما كانت عليه قبل الجائحة، مما يفرض ضرورة تبني استجابة سياسية منسقة ونابعة من الملكية الوطنية للدول؛ لضمان فاعلية مواجهة هذه التحولات الهيكلية.

الإصلاحات الهيكلية

وشدَّد على أن التجربة السعودية خلال العقد الماضي عزَّزت دروساً أساسية، في مقدمتها؛ الاستقرار الاقتصادي الكلي هو الأساس المتين للنمو وليس عائقاً له، وأن مصداقية السياسات تأتي من كفاءة التنفيذ والقدرة على ترجمة الاستراتيجيات إلى نتائج ملموسة، وليس من مجرد الخطط.

وفي هذا السياق، أكد أن الإصلاحات الهيكلية جاءت ثانياً، وهي لا يمكن أن تحقق نتائجها المرجوة ما لم تدعمها مؤسسات قوية وقادرة على الإنجاز، مشيراً إلى أن الحوكمة والشفافية تظلان الضمانة الأساسية لتحويل الرؤى إلى أثر ملموس على أرض الواقع.

ولفت الجدعان إلى أن تعزيز التعاون الدولي، وتفعيل دور المؤسسات متعددة الأطراف يأتي ثالثاً، مثل صندوق النقد والبنك الدوليَّين، ليس فقط بوصفها جهات إقراض، بل بوصفها بمثابة مستشارين موثوقين لدعم الاقتصادات الناشئة في رحلتها وسط الصدمات المتكررة.

النمو دون المستويات

من جهتها، ذكرت المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستالينا غورغييفا، أن النمو العالمي لا يزال دون مستويات ما قبل الجائحة، محذرة من أن ذلك يثير القلق في ظل توقع التعرض لمزيد من الصدمات، مع تآكل الهوامش المالية في كثير من الدول، وارتفاع ضغوط الإنفاق ومستويات الدين.

وحدَّدت غورغييفا أولويَّتين للسياسات؛ الأولى إطلاق نمو يقوده القطاع الخاص عبر تقليص البيروقراطية، وتعميق الأسواق المالية، وتعزيز المؤسسات وتحسين الحوكمة، إلى جانب تمكين الشباب من اكتساب مهارات وظائف المستقبل وتشجيعهم على ريادة الأعمال.

أما الثانية، فتعزيز التكامل في عالم يشهد تبدل التحالفات وأنماط التجارة، عبر اغتنام فرص التعاون الإقليمي وعبر الأقاليم، وخفض الحواجز بما يحافظ على التجارة بوصفها محركاً للنمو.

وأبانت غورغييفا أن إطلاق المؤتمر، العام الماضي، جاء اعترافاً بالدور المتنامي للاقتصادات الناشئة في عالم يشهد تحولات واسعة في الجغرافيا السياسية والتكنولوجيا والتجارة.

وطبقاً لمديرة صندوق النقد الدولي، فإن السياسات الجيدة تؤتي ثمارها، وإن معدلات النمو في الاقتصادات الناشئة تبلغ نحو 4 في المائة هذا العام، متجاوزة بفارق كبير نظيرتها في الاقتصادات المتقدمة، البالغة قرابة 1.5 في المائة، بينما تزيد حصة الاقتصادات الناشئة من الاقتصاد العالمي على 56 في المائة.

غورغييفا تتحدث إلى الحضور في مؤتمر العلا لاقتصادات الأسواق الناشئة (الشرق الأوسط)

التجارة والاستثمار

من ناحيته، أكد وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم، على ضرورة السرعة والمرونة في صنع السياسات لاقتصادات الأسواق الناشئة، قائلاً: «الوقت ليس محايداً، فالتأخير يحمل تكلفة اقتصادية كلية تتراكم بمرور الوقت، لذلك تمكنت الدول التي استطاعت ضغط دورات اتخاذ القرار مع الحفاظ على الثقة والمصداقية من تحويل تلك السرعة إلى ميزة استراتيجية».

وزاد الإبراهيم، أن السعودية «ستظل منارة للبراغماتية في شراكاتها»، وستعمل كأنها حلقة وصل تخلق منصة للفرص من جميع أنحاء العال، مفيداً أن التجارة والاستثمار لا يزالان محركين أساسيين للنمو والمرونة لاقتصادات الأسواق الناشئة.

وزير الاقتصاد والتخطيط فيصل الإبراهيم متحدثاً في جلسة حوارية خلال المؤتمر (الشرق الأوسط)

وأردف وزير الاقتصاد والتخطيط: «أمامنا اليوم فرصة لبحث آليات المواكبة مع نظام التجارة المتطور، واستكشاف كيف يمكننا تحقيق قيمة أكبر من خلال ذلك»؛ مؤكداً على الدور الاستراتيجي للمؤسسات في ضمان المواءمة مع نظام التجارة العالمي.

المخاطر الجيوسياسية

من جانبه، صرّح وزير المالية الصيني لان فوان آن، بأن الاقتصادات الناشئة والنامية تواجه 3 تحديات رئيسية، تشمل ضعف زخم النمو، واتساع فجوات التنمية، وازدياد أوجه القصور في منظومة الحوكمة الاقتصادية العالمية.

وتابع أن الاقتصاد العالمي سجَّل نمواً بنحو 3.3 في المائة خلال عام 2025، وهو أقل من متوسط ما قبل الجائحة، مؤكداً أن ذلك يعود إلى تصاعد الحمائية وازدياد عدم اليقين الجيوسياسي، وما نتج عن ذلك من تباطؤ في التجارة العالمية، وتجزؤ الاقتصاد الدولي.

وزير المالية الصيني في كلمته الخاصة خلال مؤتمر العلا (الشرق الأوسط)

وأكمل أن هذه التطورات أسهمت في تعطيل تخصيص الموارد عالمياً وتعميق الفجوة التكنولوجية، لا سيما في مجالات مثل الذكاء الاصطناعي، في وقت لا تزال فيه الدول النامية متأخرة في حجم الاستثمارات التقنية. وحسب لان فوان آن، فإن أوضاع الديون في الدول منخفضة الدخل واصلت التدهور، ما يقيّد نمو الاستهلاك والاستثمار، ويؤثر سلباً على جهود التنمية، مشيراً إلى أن دول الجنوب العالمي تمثل نحو 40 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وتسهم بنحو 75 في المائة من النمو العالمي.

السياسات النقدية

من جهة أخرى، أفاد محافظ البنك المركزي السعودي، أيمن السياري، بأن حالة عدم اليقين الراهنة باتت تميل إلى أن تكون هيكلية أكثر من كونها ظرفية، مشيراً إلى 4 أسباب رئيسية لذلك؛ تتمثل في التجزؤ الجيوسياسي، والتسارع الكبير في التطورات التكنولوجية - لا سيما الذكاء الاصطناعي- وتقلبات أسعار السلع، إضافة إلى النمو المتنامي للوساطة المالية غير المصرفية.

وأبان السياري أن آليات انتقال السياسات النقدية التقليدية بدأت تظهر علامات ضعف مع تراجع دور القنوات المصرفية التقليدية، في وقت تجاوزت فيه أصول الوساطة المالية غير المصرفية 51 في المائة من إجمالي الأصول المالية العالمية، ما أدّى إلى زيادة حساسية الأسواق لتقلبات السيولة، وظهور ضغوط متكررة عبر آليات، مثل طلبات تغطية الهوامش، وخصومات الضمانات، وعمليات خفض المديونية المتزامنة.

محافظ البنك السعودي المركزي في جلسة حوارية (الشرق الأوسط)

وزاد أن الصدمات التي تواجه النظام المالي العالمي أصبحت متعددة الأبعاد وأكثر تكراراً، وغالباً ما تكون خارجية بالنسبة للاقتصادات الناشئة التي تعاني أصلاً تحديات داخلية تزيد من حدة التقلبات.

وتحدث السياري عن تجربة المملكة، موضحاً أنها اعتمدت على هوامش احتياطية للحفاظ على الاستقرار المالي والأسواق، وأظهرت أهمية السياسات المعاكسة للدورات الاقتصادية في الحد من التقلبات، مشيراً إلى أن تراكم الاحتياطيات خلال فترات النمو يستخدم استراتيجياً لدعم ميزان المدفوعات وتخفيف أثر تقلبات أسعار السلع.

وشرح أن ربط الريال بالدولار الأميركي أسهم في ترسيخ استقرار الأسعار، لافتاً إلى أن متوسط التضخم خلال السنوات الخمس الماضية ظل دون مستوى 3 في المائة.

التضخم

أما محافظ بنك إنجلترا، أندرو بيلي، فيرى أن الاقتصاد العالمي أظهر مرونة لافتة خلال العام الماضي رغم حالة عدم اليقين الكبيرة المحيطة بالسياسات، مشيراً إلى أن مستوى النشاط الاقتصادي تأثر بهذه الضبابية مع تفاوت الزخم بين الدول والقطاعات والمناطق، غير أن الاقتصاد العالمي أثبت قدرة واضحة على التكيف مع مشهد سريع التغير.

وأردف، أن التضخم لم يرتفع بشكل ملحوظ خلال العام الماضي، رغم استمرار ضغوط تكاليف المعيشة في كثير من الدول، مضيفاً أن الأوضاع المالية العالمية كانت داعمة إلى حد كبير على الرغم من فترات التقلب وارتفاع عوائد السندات السيادية.

وفيما يتعلق بالنظام المالي، شرح أن الإصلاحات التي أعقبت الأزمة المالية جعلته أكثر متانة وقدرة على امتصاص الصدمات الكبيرة رغم انتقال جزء من الوساطة المالية من البنوك إلى المؤسسات غير المصرفية، مؤكداً أن البنوك لا تزال مصدراً أساسياً للائتمان والسيولة.

إصلاحات السعودية

وفي تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر العلا، أكد أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد، البروفسور بول أنتراس، أن السعودية تقدِّم نموذجاً استثنائياً في مشهد التحولات التجارية العالمية، يختلف جذرياً عن القوالب التقليدية للأسواق الناشئة. وعدّ أن العولمة لم تنتهِ، بل أعادت تشكيل نفسها فيما سماه «التكامل المجزأ».

ولفت أنتراس إلى أن «رؤية السعودية» وإصلاحاتها الهيكلية تضعانها في موقع متميز للاستفادة من «التكامل المجزأ» الذي يشهده العالم، مشدداً على أن رهان المملكة على التحول اللوجيستي والذكاء الاصطناعي هو المحرك الحقيقي لنمو مستدام يتجاوز ضجيج الأزمات العالمية.

أستاذ الاقتصاد بجامعة هارفارد البروفيسور بول أنتراس خلال حديثه إلى الحضور في المؤتمر (الشرق الأوسط)

وعن تأثير أسعار الفائدة المرتفعة على خطط الدول الناشئة للتحول نحو الصناعات المعقدة، أجاب أنتراس: «تحد أسعار الفائدة المرتفعة، مضافة إليها علاوة المخاطر التي تواجهها الأسواق الناشئة، دون شك من الاستثمارات. التصدير يتطلب ائتماناً واستثماراً وتحسيناً للجودة. ولكن الفائدة ارتفعت لسبب جوهري، وهو أنها تعكس توقعات نمو عالية ناتجة عن الذكاء الاصطناعي والتغيُّر التكنولوجي».

ووفق أنتراس، فإن هذا النمو هو المخرج، فـ«إذا تحقَّقت إمكانات النمو هذه، فستتحسَّن الإنتاجية بشكل كبير، مما يساعد الشركات الصغيرة والمتوسطة على التنبؤ بالطلب بشكل أفضل والعثور على أسواق لم يتم استغلالها من قبل. لذا، نعم، الفائدة قوة سلبية، لكن إذا كانت مدفوعةً بإمكانات نمو حقيقية، فقد لا يكون الأمر بهذا السوء».


السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
TT

السعودية ومصر تؤكدان جاهزية موانئهما لعودة الملاحة بعد استقرار أوضاع المنطقة

رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)
رئيس هيئة قناة السويس خلال استقباله سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية» (قناة السويس)

أكد سليمان المزروع رئيس «الهيئة العامة للموانئ السعودية»، على جاهزية المواني السعودية وقناة السويس لاستقبال عودة الخطوط الملاحية الكبرى للعبور مرة أخرى من المنطقة بعد استقرار الأوضاع.

وعبر المزروع، خلال لقائه الفريق أسامة ربيع رئيس هيئة قناة السويس المصرية، على هامش فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) بالقاهرة، عن تقديره لجهود هيئة قناة السويس في تعزيز الاستدامة والاستقرار لحركة الملاحة العالمية المارة بمنطقة البحر الأحمر وباب المندب.

تجدر الإشارة إلى أن منطقة البحر الأحمر كانت تشهد فترة من الاضطرابات الملاحية، بسبب الهجوم على السفن التجارية، من قبل جماعة الحوثيين اليمنية، غير أن التوصل لوقف إطلاق النار في غزة، ساهم في توقف الحوثي بنسبة كبيرة عن تلك الهجمات، وعودة خطوط الملاحة الدولية الكبرى للمرور من قناة السويس، التي يمر بها نحو 12 في المائة من التجارة العالمية.

وأبدى المزروع رغبته في التعاون مع قناة السويس في مجال بناء المعديات، فضلاً عن التعاون مع شركات الهيئة العاملة في مجالات التكريك وأعمال الأرصفة، لا سيما مع اتجاه المملكة لتطوير ميناء جدة والقيام بالعديد من مشروعات البنية التحتية.

وشدَّد رئيس «الهيئة العامة للموانئ» بالمملكة العربية السعودية على أن التعاون مع هيئة قناة السويس يعكس قوة العلاقات الثنائية بين البلدين ووحدة الأهداف، متوقعاً أن تشهد الفترة المُقبلة مزيداً من التعاون البنَّاء بين الجانبين.

من جانبه، صرَّح الفريق أسامة ربيع، أنه بحث مع المزروع، سبل التعاون المستقبلي، والتباحث حول آليات التعاون في مجالات تقديم الخدمات اللوجيستية، وبناء الوحدات البحرية، وأعمال المواني والتكريك.

وأعرب ربيع، وفقاً لبيان صحافي صادر عن هيئة قناة السويس، عن تطلعه «لتعزيز علاقات الشراكة والصداقة ومد جسور التعاون لتشمل مجالات عمل جديدة بما يتناسب مع طبيعة المرحلة الراهنة في ضوء تطور مفهوم الخدمات البحرية واللوجيستية بهيئة قناة السويس وزيادة متطلبات المواني البحرية السعودية».

وأكد الفريق ربيع أن «هيئة قناة السويس تمتلك تجربة تعاون ناجحة مع (هيئة الموانئ السعودية) حيث قامت أكاديمية المحاكاة والتدريب البحري التابعة للهيئة بعملية نمذجة ناجحة لميناء رأس الخير في السعودية تمهيداً لتنفيذ عملية ازدواج لقناة الاقتراب في الميناء، وهو التعاون الذي شهد إشادة كبيرة من جانب وفد (هيئة الموانئ السعودية)».

واستعرض ربيع جهود توطين الصناعة البحرية في الترسانات والشركات التابعة لهيئة قناة السويس والتي شهدت طفرة كبيرة خلال العامين الماضيين تحت شعار «صنع في مصر» بجودة عالمية وأسعار تنافسية.

بدأت فعاليات المؤتمر السنوي الدولي للنقل البحري واللوجيستيات (مارلوج) في نسخته الخامسة عشر، والذي تنظمه الأكاديمية العربية للعلوم والتكنولوجيا والنقل البحري تحت رعاية جامعة الدول العربية وبالتعاون مع وزارة النقل المصرية بالقاهرة، خلال الفترة من 8 - 10 فبراير (شباط) الحالي.

وأشار رئيس الهيئة إلى أن إحصائيات الملاحة بالقناة خلال النصف الأول من العام المالي (2025/ 2026) شهدت تحسناً نسبياً مُسجلة نمواً في أعداد السفن العابرة بنسبة 5.8 في المائة، وارتفاعاً في الحمولات الصافية بنسبة 16 في المائة، بما انعكس إيجاباً على زيادة الإيرادات بنسبة 18.5 في المائة، وذلك مقارنة بالفترة ذاتها من العام المالي 2024/ 2025.

وأضاف أن حركة الملاحة بالقناة منذ بداية العام الحالي 2026 سجلت عبور 1315 سفينة بإجمالي حمولات صافية 56 مليون طن محققة إيرادات قدرها 449 مليون دولار مقابل عبور 1243 سفينة بإجمالي حمولات صافية قدرها 47 مليون طن، محققة إيرادات قدرها 368 مليون دولار، مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.