كتاب وشعراء ونقاد مصريون: نحنّ إلى أجواء رمضان التراثية

يكشفون عما يفتقدونه في الشهر الفضيل

كتاب وشعراء ونقاد مصريون: نحنّ إلى أجواء رمضان التراثية
TT

كتاب وشعراء ونقاد مصريون: نحنّ إلى أجواء رمضان التراثية

كتاب وشعراء ونقاد مصريون: نحنّ إلى أجواء رمضان التراثية

لشهر رمضان تأثير كبير على طفولة وتشكيل كثير من الكتاب والشعراء بأجوائه التراثية، والقصص التي كانت تروى في لياليه، التي حلت محلها الآن المسلسلات التلفزيونية كالسيرة الهلالية وغيرها، قد ساهمت في تنمية تغذية الخيال، وما يثيره من تداعيات، وحببت لنا القص الجميل الذي ظل لفترة طويلة مرتبطا بطقوس شهر رمضان، وعاداته اليومية.
هنا كتاب وشعراء ونقاد مصريون يتحدثون عن تأثيرات رمضان عليهم في فترة النشأة الأولى، وما يفتقدونه الآن في شهر رمضان وطقوسهم الكتابية في هذا الشهر.

* الشعر ورمضان
الشاعر عبد الرحمن الأبنودي رجع بذاكرته إلى أيام سحيقة، كاشفا عن مشاعره في شهر رمضان بقوله: «عبر كل هذا الزمان لم أسعد إلا برمضان في طفولتي وهو صاحب الأثر الأكبر في حياتي للآن، حيث لم يكن هناك تلفزيون ولا راديو ولا حتى ساعة ولكنه كان عظيم الشأن فكنا في الطفولة ونحن في تلك القرية البعيدة في أقاصي الصعيد الأعلى بمحافظة قنا نتحلق بعد العصر في أجواء شديدة الحرارة. ولكننا لم نكن نشعر بالحر لانشغالنا باللعب واللهو مع أطفال القرية في ساحة مسجد صغير من دون مئذنة، إذ كان شيخه رجلا ليس له صوت - فقده في حادث - وهو عم الشيخ رفاعي. وكنا نذهب إليه ساعة الغروب ونلتف حول المسجد ونترقبه وهو يصعد لسطح مبنى المسجد حتى يكون بيننا وبينه مسافة ثلاثة أمتار. ونشرئب كلما أخرج ساعته من جيبه كل فترة ثم ننطوي من جديد وهو يدخلها. وعندما تحين اللحظة التي ينظر فيها لساعته ثم يضع يديه على أذنيه ندرك أنه يؤذن لصلاة المغرب وأن وقت الإفطار قد حان! ونقوم نحن بدور أجهزة الإعلام في إخبار أهل القرية بقدوم الإفطار. وكنا نسير على نور السماء فلم تكن هناك كهرباء وكنا نغنى وقتها «افطر يا صايم على الكعك العايم» أي العائم في السمن على الرغم من فقرنا الشديد وعدم وجود هذا السمن عندنا لكنها كانت أمنيات طفولية في أغنياتنا. وما زلت أفرح من كل قلبي حينما أتنسم عبير ذكريات تلك الأيام ومنها تكونت شخصيتي ونما إحساسي بالبيئة، الذي عكسته أعمالي. ولا أنسى ليالي رمضان التراثية وحكاويها الجميلة وشاعر الربابة الذي أثر كثيرا في نفسي وقد قضيت 40 عاما أجمع السيرة الهلالية من كل الأنحاء فالتراث هو أجمل ما أخذته من رمضان. الآن أصبح رمضان «حاجة تانية» وأصبح أسوأ في بلدنا بالصعيد لافتقادهم هذه النزعة التراثية بعد أن سيطر التلفزيون على الأجواء الريفية فأفسدها. وعن نفسي فللأسف الشديد لم تعد حالتي الصحية تسمح لي بأن أعيش تلك الأجواء وأصبحت أكتفي بالقراءة والكتابة وبعض اللقاءات الرمضانية مع الأصدقاء الذين أستقبلهم من حين لآخر هنا في بيتي الكائن بقرية الضبعية الموجودة على أطراف الإسماعيلية لنستحضر معا رمضان في ذلك الزمان.

* فرصة لإطلاق الروح
أما الكاتبة سكينة فؤاد فستذكر، أولا، يوم العبور المصري في مثل هذه الأيام من 1973: «لازلت أستحضر تلك اللحظات الخالدة في يوم العبور العاشر من رمضان من عام 1973 وما زلت أذكر ملامح الحياة في مصر آنذاك فقد كانت الحياة كلها متوقفة انتظارا للحظة إعلان الثأر للكرامة المصرية والعربية، ولازلت أستشعر الفرحة التي انفجرت في ذلك اليوم من شهر رمضان رغم كل التحديات الكبيرة آنذاك فحدوث العبور في شهر رمضان جسد كل معاني وقيم الشهر الكريم وتجليات البطولة النادرة للشعب المصري مع خصوصية لرمضان في بورسعيد مدينتي الباسلة التي عاشت لحظات الحرب والصمود والنصر، فما زلت أذكر فيها زمن المقاومة ورائحة النصر»
أما عن تجربتها الإبداعية الخاصة، وطقوسها في هذا الشهر، فتقول: «لا أستطيع الربط المباشر بين شهر رمضان والإبداع لكنه يمثل لي نوعا من الصلابة الداخلية والتجليات الروحية واستعادتي لكثير من المكونات الأساسية لحياتي في الأيام العادية مثل حبي لمصر القديمة الذي لا أستطيع مزاولته في الأيام العادية والتجرد من الارتباطات المادية الأرضية، أي أن رمضان هو فرصة لإطلاق الروح، كما أن علاقتي بليل رمضان وطيدة، لأن أغلب حياتي ليلية من أجل القراءة والكتابة. لكنى للأسف أستشعر أن رمضان الآن افتقد كثيرا من تلك المكونات التي عشناها في الماضي ولم ننجح في إقامة جسور بين مستحدثات العصر من تقنيات وبين قدسية وجلال الشهر الكريم. فليس معقولا أن يكون شهر رمضان للمسلسلات فقط وكنت أتمنى أن نحيى فيه أيضا تاريخ النضال العربي. أنا أقدر أهمية الدراما ولكن لا يجب الإغراق فيها على حساب تلك القيم فلا شك أننا نفتقد الدراما التي تمثل فريضة إيمانية ودينية لاستعادة المكونات الأصلية لقيمنا وتراثنا ونضالنا».

* سويلم: شهر كتابة
ويتحدث الشاعر أحمد سويلم وعن انطباعاته الرمضانية: «أعتقد أن شهر رمضان اختلف فعلا عما كان عليه. وعلى المستوى الشخصي كان رمضان بالنسبة لي شهر إنتاج وكتابة بشكل جيد وإن كان هذا العام جاء صعبا لقسوة حرارة الصيف مما أوقف الاستمرار في برنامجي الإبداعي المعتاد في هذا الشهر. وللعلم فأنا كائن نهاري لا أحب السهر وحتى في رمضان أعيش حياتي بنفس طقوسي العادية. ولكنى متأثر بتقاليد الطفولة وحلقات الذكر باعتبار والدي كان أحد أكبر المشايخ الصوفية، ومن خلال هذه الحلقات عشقت شعر ابن الفارض وهو ما فتح عيني على الشعر وغرس في حبي له. ومن بين السنوات التي لا أنسى رمضانها «كانت فترة السبعينات وكنت أكتب مسرحية اسمها (الفارس) وأذكر أنني كتبت الفصل الأول ثم توقفت. وحينما جاء شهر رمضان، قلبت في أوراقي القديمة حتى وجدتها، فأكملتها حتى نهايتها بتأثير الأجواء الرمضانية».
وعما يفتقده من رمضان لرمضان عبر الزمان، قال سويلم: «اعتدت منذ عقود على زيارة المعارض الثقافية في شهر رمضان في مناطق حية من وسط القاهرة وكنت أسعد فيها جدا وأقضي أمسيات رمضانية ثقافية رائعة لكن للأسف بعد أن نقلت هذه المعارض في أماكن بعيدة افتقدت هذه المتعة ولا شك أن الحالة الثقافية كلها متأثرة سلبا وإيجابا بالمناخ العام».

* تفسيرا الطبري والزمخشري
أما الناقد الدكتور عبد المنعم تليمة أستاذ علم الجمال الأدبي بجامعة القاهرة فلا يشعر بأي اختلاف بين رمضان ورمضان، ويرى نفسه مستمتعا بالعادات الرمضانية وأجوائها القديمة نفسها. يقول: «إن شهر رمضان في نظري كما كل المسلمين له خصوصية سواء في بهجته أو في التضييق على بعض العادات المتاحة باقي أوقات السنة. وقد ساهمت ظروفي الشخصية في خصوصية أكبر نابعة من قسمين أحدهما نابع من الأسرة والآخر نابع من طبيعة عملي، فقد ولدت لأسرة أقرب للفقر منها لليسر لكنها عرفت في القرية ببيت العلم. وقد نشأت في بيت جدي لأبي عبد الباقي في ظل ثلاثة كتب كبيرة كانت موجودة على رف صغير أمام عيني دائما أولها كتاب القرآن الكريم والثاني في فقه المذاهب الأربعة والثالث صحيح البخاري. وكان جدي متدينا، التدين السهل اللين الحازم في الحق والمتسامح في الأمور الأخرى. وعندما جئت القاهرة كان مسكني في منطقة مجمع الأديان التي كنت أطل فيها من شرفتي على مسجد عمرو بن العاص والكنيسة المعلقة والمعبد اليهودي وهو ما ساهم في تشكيل وجداني الرمضاني. ففي المسجد كنا نصلى العشاء والتراويح في المساء أما فترات النهار فكنا نقضيها تحت أشعة الشمس الجميلة بالكنيسة المعلقة أو المعبد اليهودي مع أصدقائنا، حيث لم تكن هناك أية فوارق. وعندما تخصصت في علم الجمال الأدبي أحد أفرع النقد الأدبي تواصلت دراستي للقرآن تحت إشراف الدكتورة سهير القلماوي فساهم تخصصي أيضا في تشكيل رؤياي لشهر رمضان الكريم وحدث الانسجام بين دراستي العلمية ونشأتي العائلية. وأصبحت في كل رمضان أحرص على قراءة كتابين أساسيين عندي هما تفسير الطبري و تفسير الزمخشري، وهي طقوس لازلت أمارسها حتى اللحظة الحالية وبالتالي لم أفتقد لشيء من عاداتي في الشهر الكريم ولا أجوائه وساهم في الحفاظ على تلك الأجواء الرمضانية عبر الزمان كوني أعيش وحيدا طول عمري وزياراتي للآخرين قليلة.

* الليل للقراءة
ومن أجواء رمضان القاهرية يصحبنا الأديب النوبي حجاج أدول إلى أعماق الجنوب في النوبة ليكشف لنا طقوس الإبداع النوبي الرمضانية. يقول: «رمضان عندنا له خصوصية مكان وزمان في آن فقبل التهجير ارتبطنا بالبيئة النهرية بكل تضاريسها وأجوائها وكانت احتفالاتنا كلها لا تنفصل عن كوننا كائنات نهرية. وفى رمضان أتذكر الموائد الكبيرة أمام البيوت بحيث لا يمكن أن يأكل فرد بمفرده أبدا وكانت توجد مضيفة كبيرة عليها صوان مغطاة ومصنوعة من خوص النخيل ليجلس الجميع أمامها في صفوف يتناولون الطعام دون أي تمييز وكان نفس الأمر داخل البيوت بالنسبة للنساء، وفى الليل كانت جلسات السمر والذكر والمديح بينما كان يلعب الأطفال «الهانداكية» وهى لعبة تشبه الحجلة. وللأسف الشديد افتقدنا هذه الطقوس بعد تهجيرنا من منطقة النيل وافتقدنا معها رائحة ذلك الزمان في رمضان وأتمنى العودة ثانية لبيئتنا الأصلية من جديد. وأنا أديب نهاري الكتابة أما الليل فهو للقراءة فيما عدا الأيام الثلاثة الأولى من رمضان لأنها تكون صعبة على كل النوبيين الذين اعتادوا تناول كوب الشاي بالحليب مع كل صباح وهو ما نحرم منه في الصيام ونستغرق وقتا حتى نعتاد اليوم من دون الشاي بالحليب».



الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)
TT

الشرطة الكورية الجنوبية تسعى للقبض على منتج فرقة «بي تي إس» بتهمة «الاحتيال»

بانغ سي هيوك (أ.ب)
بانغ سي هيوك (أ.ب)

أعلنت الشرطة الكورية الجنوبية، الثلاثاء، أنها تسعى للقبض على قطب الموسيقى بانغ سي هيوك، رئيس وكالة «إتش واي بي إي» التي تدير أعمال الفرقة الشهيرة «بي تي إس»، وذلك في إطار تحقيق يجري حول مزاعم تفيد بأنه جنى ما يزيد على 100 مليون دولار بشكل غير قانوني من خلال الاحتيال على المستثمرين، وفقاً لوكالة «أسوشييتد برس» الأميركية للأنباء.

وقالت شرطة العاصمة الكورية الجنوبية سيول إنها طلبت من النيابة استصدار مذكرة قضائية لاعتقال بانغ، الملياردير المؤسس والرئيس التنفيذي للشركة.

وفي المقابل، لم يتطرق الفريق القانوني لبانغ بشكل مباشر إلى الاتهامات الموجهة إليه، في بيان أرسله إلى «أسوشييتد برس»، لكنه أعرب عن أسفه لسعي الشرطة للقبض عليه «رغم تعاوننا الكامل والمستمر مع التحقيقات على مدار فترة زمنية طويلة».

وجاء في البيان: «سنواصل التعاون مع كافة الإجراءات القانونية وسنبذل قصارى جهدنا لتوضيح موقفنا بكل جلاء».

أعضاء فريق «BTS» (رويترز)

ويخضع بانغ -الممنوع من مغادرة البلاد منذ أغسطس (آب) الماضي- للتحقيق على خلفية مزاعم بأنه ضلل المستثمرين في عام 2019، حيث أخبرهم أن شركته لا تعتزم طرح أسهمها للاكتتاب العام، ما دفعهم لبيع حصصهم لصالح صندوق للأسهم الخاصة، وذلك قبل أن تمضي الشركة قدماً في إجراء طرح عام أولي لأسهمها.

وتعتقد الشرطة أن الصندوق ربما يكون قد دفع لبانغ نحو 200 مليار وون (ما يعادل 136 مليون دولار) بموجب اتفاق يضمن له الحصول على 30 في المائة من الأرباح الناتجة عن بيع الأسهم عقب الاكتتاب العام.

ومن جانبهم، يؤكد مسؤولون في الشركة أن بانغ ينفي ارتكابه لأي مخالفات.

وتُعد المشاكل القانونية التي يواجهها بانغ نكسة كبيرة للشركة، إذ تتزامن هذه التطورات مع انطلاق الفرقة الشهيرة في جولة عالمية عقب انقطاع دام قرابة أربع سنوات، قضاها أعضاء الفرقة السبعة في أداء الخدمة العسكرية الإلزامية.

وأحيت الفرقة حفلاً مجانياً في سيول الشهر الماضي، بمناسبة عودتها للساحة الفنية، حيث قدمت عروضاً أمام عشرات الآلاف من المعجبين من مختلف أنحاء العالم.

ويُعتبر بانغ من أكثر الشخصيات نفوذاً في عالم موسيقى «الكي-بوب»، وقد سعى جاهداً لاستثمار النجاح العالمي الذي حققته الفرقة ليحول شركته إلى قوة عالمية مهيمنة في مجال موسيقى البوب.


الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله
TT

الخيام... مدينة الشعراء وقصيدة الجنوب الكبرى

حسن عبد الله
حسن عبد الله

إذا كان التضافر الخلّاق للتاريخ والجغرافيا مع المعاناة القاسية والهوية القلقة، قد جعل من الجنوب اللبناني خزاناً للشعر يتعذر نضوبه، فإن ثمة بين جنباته حواضر ومدناً وبلدات بدت أكثر من سواها قادرة على رفد هذا الخزان بالقدر الأكبر من الشعراء والكتاب والمبدعين، كما هو حال النبطية ومرجعيون وبنت جبيل وصور وعيناتا وشقراء والخيام، على سبيل المثال لا الحصر. ومع أن كل حاضرة من الحواضر التي ذكرت، تستحق الاحتفاء بكتابها وشعرائها ومبدعيها؛ كل على حدة، فإن اختيار «الخيام» محوراً لهذه المقالة، لم يكن سببه التقليل من شأن المدن والحواضر الأخرى، بل لأنها بحكم موقعها الحساس، تتحمل مع كل حرب تقع، أكثر أشكال المواجهة مع الغزاة قسوةً وعنفاً، ولأنها تشكل على الدوام رأس حربة الدفاع عن الجذور وحراسة الهوية.

ولعل ما ينطبق على لبنان وجنوبه، بشأن التضاد المتعلق بنعمة الجغرافيا ونقمتها، إنما يجد في بلدة الخيام برهانه النموذجي وشاهده الأمثل. ذلك أن الثراء المشهديّ الذي أتاح للبلدة أن تطل على قمم جبل الشيخ ومنحدراته، كما على الجليل الفلسطيني، وعلى السهل الفسيح المسمى باسمها، وعلى جهات مرجعيون وقلعة الشقيف وبلدات الحدود، فضلاً عن وقوعها على هضبة عالية تشبه ظهر الفرَس، هو ما أمدّها بعدد غير قليل من المبدعين، وغذَّى نصوص شعرائها بكل أشكال الاستعارات وضروب التخييل.

حبيب صادق

وإذا كان محرك البحث «ويكيبيديا»، قد عرّف الخيام بأنها البلدة التي «اشتهرت بسهلها وشعرائها ومعتقلها»، فإن أكثر ما يلفت في هذا التعريف، هو تمكّنه عبر مفردات ثلاث من العثور على هوية للبلدة، تجمع بين جماليات المكان، وجمالية التعبير عنه، وتكلفة جماله الباهظة. واللافت أن عدد الشعراء والمبدعين الذين تبرعمت مواهبهم فوق أرض الخيام، لا يقل أبداً عن عدد الينابيع التي تفتحت في كنف سهلها الفسيح، وبين هؤلاء عبد الحسين صادق وعبد الحسين عبد الله وسكنة العبد الله وحبيب صادق وكامل العبد الله ومحمد العبد الله وعصام العبد الله وحسن عبد الله، وكثر غيرهم.

وحيث يجدر التنويه بأن المكان والنشأة المتقاسمين بين الشعراء المذكورين، لم يجعلا منهم نسخاً مكررة، ومتماثلة الأسلوب والرؤية إلى العالم. إلا أن ما جمعهم، على تفاوت المواهب والمستويات، هو وفاؤهم للمكان الأصلي الذي انبثقوا عنه. حتى إذا جذبهم بسحره المغوي بريق المدن، أو أجبرتهم الحروب المتعاقبة على النزوح باتجاه بيروت، ظلوا كما فعل الشريف الرضي، يتلفتون بالقلب نحو مساقط الحياة الأم، ويلأمون بالشعر والحنين المسافة الفاصلة بين مواطئ الجسد ومواطن الروح.

ومع أن التجارب الشعرية، المتباينة لغةً وأسلوباً، لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله، قد شكلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر «الخيامي»، إلا أن مقتضيات الوفاء والإنصاف، توجب التنويه بالتجربة الشعرية المبكرة لحبيب صادق، الذي حالت التزاماته النضالية والاجتماعية والثقافية المتنوعة دون متابعتها إلى نهاية الشوط. وإذا كان صادق قد استعاض عن كتابة الشعر بتأسيس «المجلس الثقافي للبنان الجنوبي»، وتعهُّد الشعراء والكتاب الجنوبيين بالرعاية والحدب والاهتمام، فإن ذلك لم يمنعه من إصدار عديد من المجموعات، التي حرص فيها على المزاوجة بين النسقين الخليلي والتفعيلي، وعلى حقن النصوص «الملتزمة» بشحنات متفاوتة من الغنائية الرومانسية والشجن العاطفي. وهو ما يبدو واضحاً في أبياته المغنّاة:

شدَي عليكِ الجرح وانتصبي عبر الدجى رمحاً من اللهبِ

يا ساحة الأنواء كم عصفتْ فيها خيول الهول والرعُبِ

أهلوكِ لا سورٌ من الكذِبِ أهلوكِ لا قنّاصةُ الرتبِ

صدّوا الرياح السودَ يحْفزهم جرح التراب وأنةُ العشُبِ

أما حسن عبد الله فقد بدت تجربته الشعرية مدينة لموهبة شديدة التوقد، كما لإصغاء عميق إلى كل ما ينمّ عنه تراب الخيام من عبق الروائح وهسيس الأصوات، وتنقّل الكائنات الحية بين باطن الأرض وغلافها الخارجي. لا بل إن ما منح صاحب «أذكر أنني أحببت» مكانته الإبداعية المرموقة، لم تكن ثقافته العالية وسعة اطّلاعه فحسب، بل إمعانه الدؤوب في التنقيب عن مناجم طفولته الغنية، التي أمدَّته بقدر غير قليل من البساطة واالصفاء التعبيري والتبصر الدائم في كنه الأشياء. وإضافة إلى ذكائه الحاد وسخريته اللماحة، امتلك حُسن القدرة على تسييل الحواس الخمس، عبر نصوص رشيقة الجرْس وغنية بالصور والاستعارات والمفارقات المباغتة.

ورغم أن تجربة حسن عبد الله قد ذهبت بعيداً في تنوع أسئلتها وموضوعاتها، فإن معاناة الجنوب اللبناني، والخيام على وجه الخصوص، ظلت شغله الشاغل وحجر الزاوية في عديد من قصائده. وإذا كانت قصيدته «الدردارة»، التي أخذت اسمها من حوضٍ مائي مترع بالخضرة عند أطراف بلدته، قد بدت درة أعماله، فلأنه استطاع أن يحوِّلها إلى معلَّقة حديثة، يختلط فيها الحنين مع الرغبات الأولية، والماضي مع الحاضر، والفراديس الوارفة للماضي مع جهنمات الحاضر وكوابيسه المتجددة. والخيام التي نبت فيها حسن مع أعراس العصافير، وصباحات التين، وزمن الهناءة اللازوردي، هي نفسها التي حوَّلتها الطائرات المعادية ذات الاجتياح الغادر، إلى أثر بعد عين، ليقول في ذلك:

تأتي الطائرات وأرحلُ

الطائراتُ، ويثبتُ الولد اليتيمُ

وطابتي في الجوّ،

إني مائلٌ شرقاً

وقد أخذ الجنوب يصير مقبرةً بعيده

وحين كان حسن عبد الله يغادر بلدته الخيام ليحط رحاله في صيدا، عاصمة الجنوب اللبناني، كان محمد العبد الله، ذو القامة الباسقة والمنكبين العريضين والصوت الأجش، يواصل رحلته باتجاه بيروت، شأنه في ذلك شأن أقرانه الكثر من شعراء الجنوب وكتابه وفنانيه، الذين رأوا في «لؤلؤة المتوسط» كل ما يحلمون بتحقيقه من آمال، وما يجيش في دواخلهم من رغبات. وحيث بدا اصطدام ذلك الجيل الأعزل، إلا من براءته الريفية وطموحه الرومانسي، بإسمنت المدينة الأصم وأبراجها الشاهقة، أمراً لا بد من حدوثه، فقد استطاع محمد العبد الله، بما يملكه من موهبة فطرية وتحصيل ثقافي مبكر، أن يعبّر في قصيدته الفريدة «بيروت» عن مكابدات ذلك الجيل وهواجسه وأسئلته المؤرقة.

لكن سوء التفاهم المرير الذي حكم العلاقة بين المدينة ومثقفي الأطراف، سرعان ما أخلى مكانه لعلاقة أقل توتراً، زادها وثوقاً شغف الوافدين بالمغامرة ورغبتهم في تحقيق الذات. على أن الانغماس في العالم الجديد، قد ولّد لدى الشعراء الهابطين من القرى، شعوراً بالذنب منبعه الخشية من تحول الجنوب إلى أضغاث مبهمة ومشرفة على التلاشي. ومرة أخرى كان صاحب «مصرع دون كيشوت» يؤرّخ لغروب العالم الريفي، ويهتف بحرقة بالغة:

الدم الزراعي ينزف عشباً أخيراً

الدم الزراعي ماتْ

انتهى زمن الذكرياتْ

رأيت دماءً بفصلين:

فصل تراجع نحو الحكايه

وفصل يصير إلى لا نهايه

وإذ يصعب أخيراً تناول شعراء الخيام الكثر، كلٍّ على حدة، إلا أنه من غير الجائز إسقاط تجربة عصام العبد الله من المشهد الشعري الخيامي. صحيح أن ما كتبه الشاعر من قصائد ومقطوعات، قد اقتصر على مجموعات ثلاث مكتوبة بالمحكية اللبنانية، إلا أن الشاعر القادم من الفصحى، استطاع بتمكّن لافت، أن يدمغ ببصمته الخاصة وأسلوبه الطريف، مجمل النصوص التي كتبها.

ومع أن صاحب «سطر النمل» كان عاشقاً لبيروت، بشوارعها ومكتباتها وبحرها ومقاهي رصيفها، إلا أنه ظل ملفوحاً كأترابه الكثر، بكل ما تحمله إليه رياح الجنوب من مسرَّات الطفولة، وقلامات الألم، وأزمنة الوداعة المنقضية، حتى إذا التفت كغيره باتجاه الجنوب المثقل بالمكابدات، والذي حوّله النأي والصمود الدامي إلى ما يشبه الأسطورة، كتب عصام عبد الله قائلاً:

كانْ في جبلْ إسمو جبلْ عاملْ

وكانِ الوقتْ قبلِ العصرْ بِشوَيْ

بكّيرْ تيْصلّي

تْمَدّدْ عَ كرسي إسْمها الخْيامْ

كتْفو الشْمالِ ارتاحْ عَ الجولانْ

كتْفو اليمين ارتاحْ عَا نيسانْ

إسْمو جبلْ عاملْ التجارب الشعرية لكل من حسن ومحمد وعصام العبد الله شكَّلت الأضلاع الثلاثة الأكثر تميزاً لمثلث الشعر الخيامي


واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
TT

واجهة قصر الحير الغربي

واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية
واجهة قصر الحير الغربي مع تفصيل يكشف عن بعض من عناصره التصويرية

تُزيّن مدخل متحف دمشق الدولي منذ منتصف خمسينات القرن الماضي واجهة معمارية ضخمة يحدّها برجان، وتكسوها شبكات من النقوش الزخرفية المتقنة، تتوزّع على مساحات سطحها، وتبلغ قمّة برجيها. يبلغ طول هذه الواجهة نحو 15 متراً، وتعود إلى الحقبة الأموية، ومصدرها قصر يُعرف باسم قصر الحير الغربي، كشفت عنه بعثة فرنسية قادها عالم الآثار دانيال شلومبرجير بين عام 1936 وعام 1938.

مثل العديد من القصور الأموية التي أنشئت في وسط صحاري بلاد الشام الواسعة، كان قصر الحير الغربي خربة منسية ترتفع أطلالها على تخوم البادية السورية، بين مدينة تدمر ومدينة القريتين، غير أن الجزء الأكبر منه كان مطموراً تحت التراب. مرّ بهذه الخربة عدد من الرحّالة والبحّاثة، وتوقّفوا أمام ما ظهر من أسسها، وبدا لهم أنها تعود إلى الحقبة الرومانية. قصد العالم الألماني ثيودور ويغاند تدمر مراراً لدراسة آثارها بين عام 1902 وعام 1917، وقدّم وصفاً عاماً لهذه الخربة في بحث صدر في 1932. كذلك، جاء الكاهن الفرنسي رافاييل سافينياك برفقة زميله أنطونين جوسين من «مدرسة الكتاب المقدس» في القدس، وتوجّه إلى تدمر لدراسة نقوشها الكتابية في صيف 1914، وتوقّف أمام هذا الموقع، وذكره في دراسة عرض فيها نتائج هذه الرحلة الاستكشافية، نُشرت في مطلع عام 1920.

بدوره، قام الكاهن اليسوعي أنطوان بوادوبار في مطلع الثلاثينات برحلة جوية فوق البادية السورية بحث خلالها عن آثار روما، وشملت هذه الرحلة خربة قصر الحير الغربي، وكشفت لأوّل مرة عن امتداد مساحتها المطمورة تحت الرمال. جاء هذا الكشف ضمن كتاب نشره بوادوبار في 1934، وتضمّن صوراً جويّة ورسماً تخطيطياً لهذا الموقع شكّلت أساساً للحملة الفرنسية التي انطلقت في عام 1936 تحت قيادة دانيال شلومبرجير، وامتدّت على مدى سنتين. خرجت هذه الحملة بمجموعة هائلة من اللقى تجاوز عددها 50 ألفاً، يعود القسم الأكبر منها إلى حلل زينية ثرية متعدّدة الأنواع والأشكال تعود إلى العصر الأموي، وتمثّل زينة هذا القصر الاستثنائي. نُشر التقرير المطوّل الخاص بهذه الحملة في عام 1939، وجاء في حلقتين مفصّلتين، استعرض فيهما شلومبرجير حصيلة عمله المتأنّي.

تبيّن أنّ الأطلال التي مرّ بها الرحالة خلال العقود الأولى من القرن الماضي تعود فعلاً إلى ما قبل العصر الإسلامي، وأبرزها برج بيزنطي أُعيد استخدامه في بناء قصر أموي الطابع، حيث ثُبّت في الزاوية الشمالية الغربية من هذا القصر. شُيّد هذا البناء على أنقاض دير بناه في القرن السادس للميلاد الحارث بن جبلة، سادس ملوك الغساسنة، واستمدّ حاجته من المياه عن طريق قناة تربطه بخزان يتغذّى من سد أُقيم قبل الإسلام، يُعرف باسم سد خريقة. وكان لهذا السد ثلاث فتحات، منها تجري المياه وتتفرّع إلى القصر والمنشآت المجاورة له، وهي الحمّام الملاصق له في الركن الجنوبي الغربي، والبستان الذي أضحى تراباً في الصحراء، والقصير الذي يبعد عنه مسافة 10 كيلومترات، وقد بقيت منه بوابته الحجرية التي تحمل كتابة بالخط الكوفي جاء فيها: «بسم الله الرحمن الرحيم لا إله إلا الله وحده لا شريك له أمر بصنعة هذا العمل عبد الله هشام أمير المؤمنين أوجب الله أجره عمل على يدي ثابت بن أبي ثابت في رجب سنة تسع ومائة».

اتّضح أن هشام بن عبد الملك أمر ببناء هذا القصر في عام 727، وتأكّدت هذه النسبة حين نجح العلماء في فك جزء من كتابة ثانية نُقشت على حجر رخامي مهشّم رمّمه أهل الاختصاص، وفيه: «بسم الله/ من هشام أمير المؤمنين إلى/ الوليد أبي العباس/ أحمد الله إليك». اشتهر هذا القصر الذي يقع جنوب غرب تدمر باسم قصر الحير، وهو الاسم الذي اشتهر به قصر أموي آخر يتميّز بضخامته، ويقع شمال شرق تدمر. ولهذا، سُمّي الأول باسم قصر الحير الغربي، وسُمّي الآخر باسم قصر الحير الشرقي.

انكبّ شلومبرجير بمعاونة فريقه العلمي على دراسة هذا الموقع، وأنجز دراسة توثيقية معمّقة شملت أصغر تفاصيله، فتمكّن من إعداد خريطة هندسية مفصّلة لبناء القصر ومحيطه. شُيّد أساس القصر على شكل مربّع طول كل ضلع من ضلوعه 70 متراً، وتمّ دعم جدرانه الخارجية بأبراج مستديرة، منها البرج البيزنطي في الزاوية الشمالية الغربية. تميّز الجدار الشرقي ببوابة عظيمة، تنفتح على دهليز يقود إلى فناء يتوسّطه حوض صغير. يحيط بهذه البوابة من كل طرف برج نصف دائري زيّن بالزخارف، أما الجدران الثلاثة الأخرى، فكان كل منها مدعوماً ببرج نصف دائري أقيم في وسطه. شكّلت قاعات القصر 6 بيوت مستقلة، واختلف عدد الحجرات في هذه البيوت من 8 إلى 13.

ارتفعت واجهة مدخل القصر وبلغت نحو 15 متراً، وكانت هذه الواجهة أنقاضاً حين تعرّف إليها فريق التنقيب الفرنسي في مكانها الأصلي، فجمع قطعها المبعثرة، وأعاد تركيبها بجهد جهيد. في منتصف الخمسينات، اختيرت هذه الواجهة لتكون مدخلاً لمتحف دمشق الدولي، فباتت منذ ذلك التاريخ معلماً من أشهر معالمه. تغطّي هذه الواجهة مجموعة متناغمة من الزخارف المنجزة بتقنية الجص المنقوش، تجمع بين الأشكال الهندسية التجريدية والأشكال التصويرية المحوّرة، في تناسق مثالي يشهد لرهافة التزيين المعماري الأموي المدني. تمثل هذه الأشكال منجماً مفتوحاً يصعب تحديد عناصره بشكل كامل، وتحوي نقوشاً تصويرية تقارب في نتوئها البارز النحت الثلاثي الأبعاد، منها منحوتات آدمية وحيوانية، تتجلّى قيمتها الفنية من خلال قراءة تحليلية متأنية لها.

ضمّ القصر كذلك واجهة داخلية زيّنت الجدار الداخلي الذي يقع خلف الرواق الشرقي، وبقيت منها أنقاض تمّ جمعها ونقلها إلى المتحف، حيث أعيد تركيبها على هيكل من الأسمنت المسلّح طوله 16 متراً. تشكّل هذه الزينة الداخلية امتداداً للزينة الخارجية، وتشهد لحرفية عالية تجمع بين الحجر والطوب والآجر، إضافة إلى العوارض الخشبية. تتبنّى هذه الزينة تقليداً فنياً محلياً اتُّبع في زمن الأمويين، ذلك أننا نجد رديفاً لها في مواقع أخرى، أهمّها موقع قريب من مدينة أريحا في فلسطين، يُعرف بخربة المجفر، وفيه قصر آخر أنشأه كذلك هشام بن عبد الملك، عاشر خلفاء بني أمية.