مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (6): حكم عليّ بـ16 سنة سجنا في قضية «براكة الساحل» التي لم أكن أعرف عنها شيئا

كنا الطرف الأقوى شعبيا وتنظيميا وقياديا في انتخابات 1989 وفزنا بالأغلبية

حمادي الجبالي مع ابنتيه في إسبانيا صيف 1988
حمادي الجبالي مع ابنتيه في إسبانيا صيف 1988
TT

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (6): حكم عليّ بـ16 سنة سجنا في قضية «براكة الساحل» التي لم أكن أعرف عنها شيئا

حمادي الجبالي مع ابنتيه في إسبانيا صيف 1988
حمادي الجبالي مع ابنتيه في إسبانيا صيف 1988

لعبت الانتخابات التي انتظمت في تونس 1989 دورا حاسما في تحديد مستقبل البلاد وكذلك العلاقة بين حركة النهضة والسلطة ، فقد منحهم الرئيس التونسي زين العابدين بن علي فرصة المشاركة في الانتخابات لكن كانت مشروطة، أي أنه لا تتعدى مشاركتهم الست دوائر، لكن الحماس أخذ القياديين وخاصة بعد النتائج التي رأوا أنها إيجابية لصالحهم، فوسعوا نشاطهم، وسعوا إلى تحالفات مع الأحزاب المعارضة في تونس وقتها في تحد واضح لبن علي رغم تحذيراته المباشرة.
ونتائج الانتخابات وقتها كانت جرس الإنذار الذي قرر بعده نظام بن علي التخلص من الحركة كليا، بعد ما أبداه من انفتاح على التعامل معها منذ وصوله إلى الحكم سنة 1987 فتغيرت السياسة وكثفت الاعتقالات، وصدرت بحق الكثير من الأسماء فيها أحكام تراوحت بين السجن لسنوات طويلة أو الإعدام والقضية الأساسية وقتها كانت قضية «براكة الساحل» التي حوكم فيها الجبالي بـ16 عاما.

دولة المجتمع أو مجتمع الدولة قرروا إجراء انتخابات سنة 1989. ونحن كنا شاركنا فيها بصفة جزئية، في خمس أو ست ولايات (محافظات) فقط فبالتالي من المفترض أننا لم نكن مصدر خوف أو قلق، وطلبنا أن نتعامل ونتعاون مع المعارضة ومن طرفه رحب أحمد المستيري بالفكرة.
رغم ذلك كانت هناك مخاوف من مشاركتنا خاصة من طرف الحزب الحاكم الذي كانت شعبيته ضعيفة ، وبمثابة هيكل بلا روح أو جيش بلا جنود ، ووكذلك هناك جهات أجنبية، وكنا على علم بهذا لذلك لم نحاول الدخول بقوة.
وهنا بدأ الجدل ووصلنا نوع من التحذير أو كان تهديدا بأنه إذا تحالفنا مع المعارضة ودخلنا بقوة فإن هذا يهدد التوازنات في البلاد، وسيعد بمثابة إعلان حرب وأننا سنواجه ما لا يعجبنا وكان هذا الكلام من حامد القروي، الذي قال: إن هذا الكلام ليس منه شخصيا بل من الرآسة وقال محذرا: أنتم تلعبون بالنار.
نحن رفضنا هذه التهديدات وكنا وقتها متحمسين جدا لكن في نفس الوقت كنا متخوفين من الخطر، لم يكن خطر الاعتقالات هو الذي يخيفنا، لكن كنا نعتقد أن ما نقوم به سابق لأوانه وأنه من الأفضل لنا أن نسير بأقل سرعة، وبما أن فرصة الانتخابات موجودة كنا نريد المحافظة على الحريات ونندمج أكثر في العمل السياسي، لأنه حقيقة ومن دون غرور كنا الطرف الأقوى على كل المستويات الشعبية والتنظيمية والقيادية، وكنا على قناعة أن الحزب الدستوري والتجمع (الحزب الحاكم) كان أكذوبة كبيرة وليس لديه أي شعبية، كانوا عبارة عن ميليشيا في صورة أداة ادارية أمنية، مالية ، تخدم مصالهم الشخصية ، فكانت اجتماعاتهم الإنتخابية لا تجمع أكثر من بضع ميئات ، في حين تشهد اجتماعات «القائمات المستقلة» الآلاف.
شعرنا بنوع من الغرور السياسي والحماس الجماهيري، أو يمكن أن تعديه البهتة السياسية وقتها، حقيقة غامرنا وبدأنا نتقدم بكفاءات شبابية جديدة ليس على المستوى القيادي أي مستوى الصف الأول بل على مستوى الصف الثاني والثالث، ومتعاطفين وقدمنا ما يسمى بالقائمات البنفسجية المستقلة.
كانت انتخابات 1989 مرحلة حاسمة ومنعطفا خطيرا في مستقبل تونس، وأتحدث إليك وأنا على علم بتفاصيل الأمور وأعطيك مثالا لنتائج محافظة سوسة وقتها كانت نتائج قوائمنا البنفسجية 62 في المائة، وسأشرح لك مراحل التزوير كيف جرت، بعد الاقتراع يجري فتح الصناديق بعد طرد الجميع من مراكز الاقتراع وتستبدل الأوراق البنفسجية بالحمراء، وأخبرني بهذا الأمر أحد أقربائي الذي شاركهم العمل وهو لم يكن من المنتمين للحزب فقط كان مهاجرا في فرنسا وعاد إلى تونس راغبا في فتح «مغازة» لبيع المواد الغذائية ووعدوه بالحصول على ترخيص إذا كان من المتعاونين في هذه الأعمال وبما أنه لا توجهات سياسية له لم ير ضررا في الموضوع.
وأكد أننا حصلنا على 75 في المائة في منطقة خزامة الشمالية وهي من الضواحي الراقية التابعة لمحافظة سوسة، ويمكن القياس على ذلك في بقية مناطق الجمهورية، وكانت الانتخابات يوم الأحد ومن المفترض إعلان النتائج يوم الاثنين، وقدمت وزارة الداخلية النتائج لابن علي وكانت رهيبة وكارثية بالنسبة له فجمع المقربين منه فجر الاثنين وبقوا يفكرون في حل للموضوع.
أبلغني وقتها صديق لي وهو صحافي يعمل مراسلا لصحيفة «لوموند» الفرنسية اسمه ميشال دوري، وأنا كنت أشك أنه يعمل مع الاستخبارات الفرنسية .
في ذلك الوقت قرر نظام بن علي أن تنتهي النهضة ولا يبقى لها وجود في البلاد، انه قرار تصفية الحركة، وكانت ثائرتهما تثور خاصة عندما نتحدث عن التزييف وعن مسألة طرد الملاحظين وفتح الصناديق. وقتها فقط فهمت قيمة كلام مراسل «لوموند» ميشال وتذكرت جملته: حمادي أنتم تخيفونهم هل أنتم على وعي بهذا؟

* صحيفة «الفجر».. وقرار الإيقاف
* علمنا أنه يجري الترتيب لاعتقال راشد الغنوشي الذي ذهب وقتها إلى لندن للمشاركة في مؤتمر وقرر البقاء هناك، وفي ذلك الوقت تقرر تعويضه بقيادة مشتركة، وكان معنا عبد الفتاح مورو الذي شغل بعد فترة بوظيفته (المحاماة)، وبقي في القيادة علي العريض وزياد الدولاتي وأنا.
وقرر نظام بن علي أن يبدأ بسجن هذه القيادات فبدأوا بزياد وعلي قبلي، ثم قبضوا علي بتهمة المقال الذي كتبته وقتها.
وبالنسبة لعلي العريض والدولاتي كانت تهمهما التحريض على الاحتجاجات وتنظيم مظاهرات وأنا كانت الحجة ضدي المقال الذي كتبته.
تم إيقافي في شهر ديسمبر (كانون الأول) 1989. وفي شهر مارس (آذار) 2000 جاءت الحادثة الشهيرة التي عرفت بـ«حادثة باب سويقة»، وباب سويقة حي في قلب تونس العاصمة اتهم عناصر من النهضة بالتهجم عليه وحرق حارسه وهو عجوز، وصلتنا معلومات بعدها أنهم امتنعوا عن إسعافه وتركوه يموت ووظفوا الحادثة إعلاميا بشكل كبير جدا، ونجحوا حتى في الوصول إلى توظيف الأطراف المعارضة الأخرى في البلاد التي استنكرت العملية والعنف بصفة عامة ، منهم أحمد المستيري، ومحمد مواعدة، ونجيب الشابي، إلا منصف المرزوقي الذي كان وقتها يشغل منصب رئيس رابطة حقوق الإنسان.
كان موقف نجيب الشابي وقتها: التبرؤ من مثل هذه الأعمال وقال: إن النهضة تجاوزت الحد «كثرتلها»، ومواعدة كان موقفه أن لا للعنف، أما الحزب الشيوعي فطالب باشد العقاب.
النظام ركز في عمله وقتها على حشد الرأي العام والسياسي داخليا وخارجيا وتحريك الآلة الإعلامية، ثم جاءت قضية «براكة الساحل» التي كانت حول أن كولونيلات من الجيش يعملون بالتعاون مع «النهضة» يخططون لانقلاب، وأوقف 12 كولونيلا وقتها، ومنهم أخو أحمد نجيب الشابي وصنفت القضية على أنها قضية أمن دولة، وعدها قضية أمن الدولة تشمل أربع تهم كبرى هي: نية القتل، التطاحن، استعمال السلاح، وتهديد أمن الدولة ووحدة الوطن.
راشد الغنوشي كان في لندن وحكم عليه غيابيا، كما حكم علي أيضا في نفس القضية بتهمة التدبير باعتباري قياديا في الحركة.
وحوكمت بهذه التهمة في المحكمة العسكرية، وكانت محاكمة رائعة أعدها ملحمة.
كانت رائعة في تصرفنا كمتهمين ومداخلات المحامين، وتورط القضاة، كانت التهم واهية، وفي ذلك الوقت كانوا يقرأون علي التهم حول «براكة الساحل» وأجيب بأني لم أسمع عنها في حياتي من قبل، وكنت أسأل ما هي هل هي مكان أم مقر؟ وكشف المحامون زيف المدعي العام وهو كولونيل عينه بن علي وبعد القضية حصل على رتبة جنرال، وكانت المحاكمة رغم أنها عسكرية سياسية، وحتى الأسلحة التي زعموا أنهم وجدوها عندنا كانت عبارة عن عصي وآلات حادة ومسدسات «من عهد هتلر» ضحك المحامون وقتها، وقلت لهم بأننا لو كنا سنقوم بانقلاب عسكري بهذه الأسلحة فبئس الانقلاب.
وصدرت أحكام قاسية على مجموعة من المتهمين في القضية لكن الحكم علي كان السجن 16 عاما.

* قضية «براكة الساحل»
* أعلن وزير الداخلية التونسي مطلع التسعينات عبد الله القلال في مؤتمر صحافي كبير عقده في مايو 1991 عن مؤامرة كبرى لتغيير نظام الحكم بالقوة من قبل «جناح سري» تابع لحركة النهضة من بين عناصره عدد من الأمنيين والعسكريين.
وأورد عبد الله القلال وقتها عن كون قيادات عسكرية وأمنية قريبة من زعامة حركة النهضة المحظورة عقدت اجتماعا سريا في مسكن خاص في قرية «براكة الساحل» ـ بالقرب من مدينة الحمامات السياحية 50 كلم جنوب العاصمة تونس ـ واتفقت على الانقلاب على بن علي وناقشت سيناريوهات لقتله وإبعاده عن الحكم.
وقد قامت قوات الأمن وقتها باعتقال مئات الأمنيين والعسكريين والمدنيين المتهمين بالانتماء إلى تلك «المؤامرة الكبيرة جدا».
لكن لما توسعت دائرة الإيقافات بناء على اعترافات أخذت من المتهمين تحت التعذيب شكت مصالح الأمن والحكومة في جدية تلك المؤامرة.. وتبين أن غالبية الموقوفين من بين العسكريين من بين الليبراليين والمدنيين الموالين للسلطة الذين وقع إقحام أسمائهم في ملفات التحقيق بهدف «إرباك النظام».
فوقع الإفراج عن الغالبية الساحقة من العسكريين المتهمين في تلك القضية والاعتذار لهم بعد تغيير وزير الدفاع الوطني صلاح الدين بالي بعبد العزيز بن ضياء. في المقابل حوكم عشرات من الأمنيين والعسكريين والمدنيين المتهمين بالانتماء إلى حركة النهضة أمام المحكمة العسكرية العليا بتهمة التآمر على أمن الدولة وأمام محاكم حق عام عادية بتهم متفرقة صدرت ضدهم في أعقابها أحكام تراوحت بين البراءة والسجن المؤبد. وكان بينهم حمادي الجبالي وعلي العريض حضوريا وراشد الغنوشي وعشرات من رفاقه في المنفى غيابيا.

* النهضة وبن علي.. بعد 1989
* كان السماح لقيادة حركة النهضة ـ التسمية الجديدة لحركة الاتجاه الإسلامي منذ فبراير (شباط) 1989 - بالمشاركة في الانتخابات البرلمانية العامة في أبريل (نيسان) من نفس السنة سلاحا ذا حدين.
فقد مكنت تلك المشاركة آلافا من مناضلي الحركة من الانتقال من السرية إلى العلنية وتنظيم آلاف التظاهرات الثقافية والسياسية الشعبية دون التخوف من التبعات الأمنية والقانونية التي أنهكتهم منذ بدء مسلسل المحاكمات السياسية للقيادة التاريخية في صائفة 1981.
ومكن انفراج العلاقة بين السلطة وقيادة النهضة من انفتاح وسائل الإعلام التونسية ومؤسسات رسمية في الدولة على قياديين في النهضة مثل عبد الفتاح مورو وراشد الغنوشي وحمادي الجبالي والفاضل البلدي وعلي العريض.. وعلى بعض قياداتها التي ظلت في «المنفى الاختياري».
وسمح لعدد من قادة الحركة ورموزها بالتنقل الحر بين تونس والخارج والبروز في المحافل العامة وحفلات الاستقبال التي تقيمها السفارات العربية والغربية.
لكن تلك المشاركة في الانتخابات أثارت مخاوف المؤسسات الأمنية والسياسية للنظام وحلفائه داخل «الأحزاب العلمانية» ومنظمات «المجتمع المدني» الذين تخوفوا من «تغول الإسلاميين» في مرحلة أثبتت فيها نتائج الانتخابات ضعف تلك الأحزاب والمنظمات وهشاشتها وقلة إشعاعها.
ودخلت تونس منعرجا جديدا بعد عملية تزييف نتائج تلك الانتخابات وعدم الاعتراف بفوز أي من القائمات التي رشحتها المعارضة عموما وحركة النهضة خاصة.
ودفعت العلاقة مجددا بين السلطة والنهضة نحو التوتر. فهم بن علي وأنصاره أن «استعراض القوة الشعبي» الذي قام به أنصار حركة النهضة في تلك الانتخابات يوحي بكونهم لا يريدون المشاركة في الحكم بل وراثته.. وأنهم أصروا على تقديم مرشحين في كل الدوائر الانتخابية وأنزلوا آلاف الأنصار إلى الشوارع لدعمهم للبرهنة على كونهم «القوة السياسية» الأكبر في البلاد..
وتحدث قياديون من النهضة لاحقا عن كون بن علي فهم أن حركتهم قامت بخطأ سياسي فادح عندما رفضت أن تترشح في 4 أو 5 دوائر لا غير «حتى لا تحدث اختلالا فجا في التوازنات السياسية في البلاد».
واتهم هؤلاء القياديون بعض رفاقهم بـ«حرق المراحل» وبـ«القفز على الواقع».. وبالخلط بين المشاركة في انتخابات تعددية لأول مرة والقيام بـ«انقلاب انتخابي سياسي» من خلال محاولة «تغيير النظام فجأة» عبر صناديق الاقتراع.. عوض الاكتفاء بالمكاسب التي تحققت للحركة بعد الإطاحة بحكم بورقيبة وبينها تحسن هامش الحريات العامة والفردية وأوضاع حقوق الإنسان.
لذلك قرر بن علي أن يزيح المعارضة الإسلامية من طريقه قبل أن «يشتد عودها» أكثر.. فكانت المواجهات الدامية والدرامية انطلاقا من عامي 1990 و1991.
بدأت الاعتقالات جزئية لشخصيات مثل القياديين صالح البوغانمي وعلي العريض وحمادي الجبالي ثم تطورت إلى حملة واسعة شملت آلاف المنتمين للحركة وعشرات الآلاف من المتعاطفين معها وبينهم من دعموا قائماتها الانتخابية في 1989.
وبلغت حملة الاعتقالات أوجها في 1992 بعد الكشف عن «أجنحة سرية» للحركة تضم أمنيين وعسكريين ومدنيين مدربين على العنف وحمل السلاح كانوا يعدون للإطاحة بحكم بن علي وتنظيم «ثورة شعبية شاملة» ضده تشمل اغتياله وإحداث «فراغ دستوري» في أعلى هرم السلطة تستغله قيادة الحركة لتسلم الحكم.

* حامد القروي
* حامد القروي من دعائم نظام الرئيس التونسي الأسبق زين العابدين بن علي، فقد اعتمد على حنكته السياسية في إدارة البلاد خلال قرابة عشر سنوات هي الأصعب في إرساء «التغيير» الذي وعد به التونسيين من خلال بيان السابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 1987.
من مواليد مدينة سوسة الساحلية في 30 ديسمبر (كانون الأول) من سنة 1927 شغل منصب الوزير الأول (رئيس الحكومة التونسية) بين 27 سبتمبر (أيلول) 1989 و17 نوفمبر 1999 وهي الفترة التي شهدت استئصال التيارات الإسلامية التونسية ممثلة بالأساس في حركة النهضة من الحياة السياسية والزج بقياداتها في السجون. درس القروي الطب في فرنسا وتخصص في الأمراض الصدرية. انتخب بمجلس النواب (البرلمان التونسي) خلال فترة النظام البورقيبي وذلك إبان سنوات 1981 و1986 و1989.
عين وزيرا للشباب والرياضة بين شهر أبريل 1986 و27 أكتوبر (تشرين الأول) 1987 ثم مديرا للحزب الاشتراكي الدستوري في أواخر عهد الرئيس بورقيبة.
كان من بين مهندسي تغيير 1987 نظرا للقرابة العائلية التي تربطه بالرئيس التونسي الأسبق بن علي. عين سنة 1988 وزيرا للعدل. وفي سنة 1989 وإثر الانتخابات الرئاسية والبرلمانية أصبح رئيسا للحكومة التي أمنت التغيير السياسي وأرست دعائم الدولة وأخرجت معظم المنافسين السياسيين لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي (وريث الحزب الاشتراكي الدستوري) من الحياة السياسية.
لم يلعب حامد القروي دورا سياسيا قويا أثناء فترة حكم بن علي، واقتصر أساسا على التنسيق الحكومي. خلفه محمد الغنوشي في رئاسة الحكومة، وبعد مغادرته الوزارة الأولى بقي نائبا أول لحزب التجمع الدستوري الديمقراطي (الحزب الحاكم) وهو يأتي في المرتبة الثانية في الترتيب البروتوكولي بعد رئيس الدولة.

* أحمد المستيري
* أحمد المستيري من أبرز معارضي نظام بورقيبة وكان من بين الأوائل الذين وقفوا في صفوف المعارضة ومن داخل نظام الحكم البورقيبي نفسه. أسس نهاية عقد الثمانينات حركة الديمقراطيين الاشتراكيين وهو أول حزب سياسي معارض يشارك في الانتخابات البرلمانية التي عرفتها تونس سنة 1981.
ولد المستيري بالضاحية الشمالية للعاصمة المرسى في 2 يوليو (تموز) 1925 وانضم في شهر يناير (كانون الثاني) 1952 إلى الديوان السياسي السري للحزب الاشتراكي الدستوري الذي أصبح يقوده فرحات حشاد والصادق المقدم.
دافع كمحام عن المناضلين الوطنيين أمام المحاكم المدنية والعسكرية الفرنسية، وتعرض لمحاولة اغتيال من قبل المنظمة الإرهابية المسماة «اليد الحمراء».
شغل حقيبة وزارة العدل خلال السنوات الأولى للاستقلال وساهم في إصلاح الجهاز القضائي وكتابة قانون الأحوال الشخصية الذي مكن المرأة التونسية من الحرية. كما سمي على رأس وزارات الدفاع والمالية والتجارة في عهد بورقيبة، قبل أن تسوء العلاقة بينهما بفعل المعارضة العلنية لتجربة التعاضد التي قادها أحمد بن صالح في تونس.
طُرد من الحزب الاشتراكي الدستوري الحاكم في 29 يناير 1968 لكن فشل تجربة التعاضد ومحاكمة بن صالح أعادته من جديد إلى وزارة الداخلية سنة 1970. غير أنه استقال في 21 يونيو (حزيران) 1971 نظرا لعدم الوفاء بالوعود التي قطعها الرئيس بورقيبة بخصوص الانفتاح السياسي.
علق بورقيبة نشاط أحمد المستيري من الحزب الحاكم، ثم طرده نهائيا في 21 يناير 1972. وفي 20 يوليو 1973 طُرد من البرلمان الذي حافظ على عضويته منذ الاستقلال.
انسحب سنة 1986 من الأمانة العامة لحركة الديمقراطيين الاشتراكيين التي أسسها سنة 1978. ووضع حدا لكل نشاط سياسي.

الجبالي في مذكراته لـ «الشرق الأوسط»: كنت شاباً مسيساً بدون توجه إسلامي

 

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (2): لولا نكسة 1967 ربما كنت ثائرا غير إسلامي

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (3): كنت أميل عاطفيا إلى اليسار الفرنسي

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (4): بن علي كان يدعي أنه من أنقذنا من الإعدام

مذكرات حمادي الجبالي الحلقة (5): غادرت تونس عبر البحر ولقيت ترحيبا من الحكومة الإسبانية



رسائل حب ومساندة مصرية للسعودية تحظى بتفاعل واسع

العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
TT

رسائل حب ومساندة مصرية للسعودية تحظى بتفاعل واسع

العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)
العَلم السعودي في شوارع القاهرة خلال الاحتفال باليوم الوطني للمملكة الشهر الماضي (الشرق الأوسط)

في مشهد يعكس عمق العلاقات الشعبية بين مصر والمملكة العربية السعودية، شهدت منصات التواصل الاجتماعي في مصر خلال الأيام الماضية موجة من الرسائل والتعليقات على خلفية الاعتداءات الحوثية الأخيرة على المطارات السعودية، عبّر خلالها مصريون عن تضامنهم الكامل مع المملكة، ودعمهم لها قيادةً وشعباً وجيشاً وحكومة، مؤكدين متانة الروابط التاريخية التي تجمع البلدين.

جاء هذا التفاعل متوافقاً مع الموقف الرسمي المصري المعلَن تجاه المملكة، حيث نشر مستخدمون آلاف التدوينات وصوراً تجمع قادة البلدين، عبر عدة «هاشتاغات» داعمة للمملكة على مختلف المنصات، حظيت بتفاعل واسع، جاء أبرزها: «#كلنا_مع_السعودية»، «#مصر_والسعودية_ايد_واحدة»، #لن_ترونا_إلا_معا»، «#مصر_السعودية_أشقاء».

وتركَّز الجانب الأكبر من التعليقات المصرية على إبداء التأييد والتضامن مع المملكة فيما تواجهه من هجمات استهدفت بنيتها التحتية ومواطنيها، مع إدانة للممارسات الحوثية وتصنيفها أعمالاً إرهابية وجرائم تخالف الأعراف الإنسانية والدينية، مع إعلان الدعم الكامل للمملكة في إجراءاتها للدفاع عن نفسها.

كما أبرزت تعليقات أخرى المكانة الوجدانية للمملكة لدى الشعب المصري، مستخدمين لغة صادقة تعكس الشعور بالألم المشترك والمساندة النفسية في أوقات الأزمات، مؤكدين أن ما يجمع البلدين «علاقة دم ومصير واحد وليس تحالفاً مؤقتاً».

وأكد قطاع واسع من رواد المنصات أن العلاقات الثنائية تستند إلى عمق تاريخي وجغرافي لا يتأثر بمحاولات الوقيعة الرقمية بين البلدين، مشددين على أنها «علاقة أقوى من تأثير الذباب الإلكتروني».

كما استعاد مغردون مواقف تاريخية متبادلة بين البلدين في أوقات الأزمات والتحديات، مؤكدين أن التضامن المتبادل يظل إحدى أبرز سمات هذه العلاقة، مستحضرين محطات طويلة من التعاون والتنسيق بين القاهرة والرياض.

وركز آخرون على أن استقرار المملكة مسؤولية تهم كل عربي ومسلم، كونها أرض الحرمين الشريفين، لافتين إلى أن السعودية وطن ثانٍ للمصريين، وتجمع الشعبين روابط اجتماعية وإنسانية وثقافية متجذرة عبر عقود.

الرئيس عبد الفتاح السيسي يستقبل الأمير محمد بن سلمان في القاهرة الشهر الماضي (الرئاسة المصرية)

بينما جاءت أبرز رسائل المحبة والمساندة المصرية للسعودية مع نشر السفارة السعودية بالقاهرة بياناً لمواطنيها بشأن مساعدة المتضررين منهم من إلغاء الرحلات الجوية مع اضطراب حركة الطيران في السعودية، حيث دعت السفارة المواطنين السعوديين الذين تأثرت رحلاتهم الجوية أو تعذر وصولهم إلى وجهاتهم بسبب الإلغاء أو التأخير، إلى التواصل معها لطلب المساعدة، وهو ما أثار ردود فعل واسعة من المصريين.

وأظهرت التفاعلات رفض الشارع المصري التعامل مع المواطن السعودي على أنه «غريب»، مع إطلاق دعوات ترحيب بمن يوجدون على الأراضي المصرية، لافتين إلى أن «بيوتنا مفتوحة... والدار داركم».

وأشار مغردون على مواقع التواصل الاجتماعي إلى أن للمملكة محبّة راسخة في قلوب المصريين، مؤكدين أن «السعودي في مصر بين أهله».

وأشار الإعلامي والبرلماني مصطفى بكري، في تغريدة على «إكس»، إلى تلقيّ سفير خادم الحرمين الشريفين بالقاهرة، صالح بن عيد الحصيني، عقب نشر بيان السفارة، اتصالات وبرقيات عديدة من المصريين يعلنون فيها التضامن مع أشقائهم في المملكة في مواجهة العدوان الحوثي ضد المدنيين.

في المقابل، تفاعل مدونون سعوديون مع تلك الدعوات والتعليقات المصرية، لافتين إلى عدم شكهم في حب المصريين للسعودية وأهلها، بينما أكد آخرون المحبة والأخوّة بين الشعبين.

كما تفاعل الأمير عبد الرحمن بن مساعد، على تعليقات المصريين على بيان السفارة، معلقاً عبر حسابه الرسمي في منصة «إكس»: «ردود المصريين على ما نشرته السفارة السعودية في القاهرة تثلج الصدر، أُشهد الله على حبك يا مصر وحب أهلك».


ضربات جوية وكمائن دامية تنهك حشود الحوثيين في تعز

ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)
ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)
TT

ضربات جوية وكمائن دامية تنهك حشود الحوثيين في تعز

ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)
ضربات الطيران الحربي تتصدى للزحف الحوثي نحو مدينة تعز (إعلام عسكري)

دخلت العملية العسكرية اليمنية «فجر اليمن» يومها الثامن، الاثنين، مع اتساع المواجهات في جبهات محافظة تعز، وتكثيف الضربات الجوية على مواقع الحوثيين وتحركاتهم العسكرية، بالتزامن مع معارك كرّ وفرّ في الريف الجنوبي والغربي للمدينة، حيث تسعى القوات الحكومية إلى استعادة مواقع فقدتها خلال الساعات الماضية، ومنع الجماعة المدعومة من إيران من توسيع اختراقاتها.

وفي موازاة القتال في تعز (جنوب غرب) تواصل القوات الحكومية عملياتها النوعية في جبهات مأرب والجوف، وسط إعلان الجيش تنفيذ آلاف الاستهدافات الجوية والمدفعية والمسيّرة منذ بدء التحركات الهجومية، ومقتل وإصابة أعداد كبيرة من الحوثيين، وفق بيانات عسكرية يمنية.

وعلى الساحل الغربي، تسعى القوات الحكومية إلى تثبيت مكاسبها في ذوباب ومحيط باب المندب، مع استمرار المواجهات حول مواقع وتحصينات لا تزال الجماعة تتحصن فيها، مستفيدةً من الألغام والتضاريس.

وأعلنت القوات المسلحة اليمنية تنفيذ 1732 عملية استهداف دقيقة ومباشرة ضد مواقع عسكرية حوثية، باستخدام الطيران الحربي والمسيّر والمدفعية والراجمات، بالتزامن مع تقدم الوحدات المقاتلة على محاور العملية، خلال 24 ساعة.

القوات الحكومية اليمنية تثبت مكاسب الساحل في ثامن أيام بدء عملية «فجر اليمن» (أ.ب)

وقال المتحدث الرسمي باسم القوات المسلحة، العقيد الركن ماجد النزيلي، إن العمليات شملت تحصينات ومراكز قيادة وسيطرة ونقاط مراقبة واستطلاع ومرابض مدفعية ومناطق حشد وتعزيز، إضافة إلى مخازن أسلحة وذخائر وآليات ووسائط إمداد وأهداف عسكرية في العمق.

وأضاف النزيلي أن الاستهدافات أسفرت عن تحييد أكثر من 900 عنصر من الحوثيين، وتدمير أو إعطاب أكثر من 287 آلية ومعدة ووسيلة عسكرية، فضلاً عن إسكات مصادر نيران وإرباك منظومة القيادة والسيطرة وتعطيل حركة التعزيزات والإمداد. وأكد استمرار اختراق المواقع الدفاعية للجماعة وتوسيع نطاق التقدم وفق الخطة العملياتية.

تأتي هذه الحصيلة المعلنة في وقت تتوزع فيه المواجهات على جبهات متعددة، من أرياف تعز إلى جنوب مأرب وغربها، بينما تتركز المعارك الأكثر حساسية على خطوط الاقتراب من المدينة والطرق التي تربط مركز المحافظة بمديرياتها الريفية.

معارك استنزاف في تعز

شهدت تعز، خلال الساعات الماضية، ضربات جوية ومواجهات عنيفة على امتداد محاور القتال، شملت غرب المدينة وشمالها وشرقها، إلى جانب المسراخ والأقروض والضباب. وأعلن محور تعز تنفيذ غارات جوية استهدفت مواقع وآليات وتعزيزات حوثية في مناطق ميلات والمزارع وأطراف الصياحي غرباً، وشارع الستين شمالاً، وتلال سوفتيل والسلال شرقاً.

ضربات جوية مكثفة تستهدف زحف الحوثيين حول مدينة تعز (إعلام محلي)

كما أفادت تقارير عسكرية بأن الطيران الحربي استهدف تجمعات ومواقع للجماعة في الحوبان وتبة سوفتيل والمقرمي والجعشة، فضلاً عن مواقع أخرى شمال المدينة وغربها. وقالت مصادر عسكرية إن الضربات أوقعت خسائر بشرية ودمرت عدداً من الآليات.

وفي ريف تعز الجنوبي، احتدمت المواجهات في مديرية المسراخ، خصوصاً في منطقتي طالوق وسائلة طالوق، عقب محاولات تسلل حوثية من اتجاه نجد قسيم. وأفادت مصادر ميدانية بأن القوات الحكومية والمقاومة نفذت كمائن ضد المهاجمين، أوقعت قتلى وجرحى في صفوفهم وأجبرت بعضهم على الانسحاب.

وتزامنت هذه الاشتباكات مع معارك في منطقة الأقروض، حيث أعلنت القوات الحكومية استعادة مواقع كانت الجماعة قد سيطرت عليها خلال الساعات السابقة، إلى جانب استعادة تلَّتَي مهيوب ثابت ووثيب، ومدرسة الفرقان في قرية الذنيب، وفق المعلومات العسكرية الواردة من الجبهة.

الحكومة اليمنية تعهدت باستمرار العمليات العسكرية حتى إنهاء التهديد الحوثي (إعلام محلي)

وتكتسب هذه المناطق أهمية ميدانية بسبب اتصالها بشبكة الطرق التي تربط مدينة تعز بريفها الجنوبي، فيما يزيد تقدم الحوثيين في منطقة نجد قسيم من حساسية المعركة، نظراً إلى موقعها على طريق رئيسي يخدم عدداً من مديريات المحافظة.

وفي جبهة الضباب، أفادت المعلومات الميدانية بأن القوات الحكومية ثبّتت مواقعها في جبل هان، مع استمرار الاشتباكات في أطراف المنطقة وتنفيذ كمائن ضد مجموعات حوثية.

وتكشف هذه التطورات عن اتساع رقعة المواجهات في محيط تعز، حيث تتداخل الضربات الجوية مع الاشتباكات المباشرة والكمائن، في وقت تحاول فيه القوات الحكومية احتواء الاختراقات واستعادة المواقع التي شهدت تغيراً في خطوط التماس.

الساحل ومأرب والجوف

على امتداد الساحل الغربي، تواصل قوات ألوية العمالقة و«درع الوطن» تثبيت مواقعها في ذوباب ومحيط باب المندب، وسط مواجهات مع مجموعات حوثية لا تزال تتحصن في جيوب ومواقع صغيرة خلف الألغام والتلال المطلة على المضيق، وفق المعلومات الميدانية الواردة من المنطقة.

كانت القوات الحكومية قد أعلنت في الأيام الماضية تحقيق مكاسب في محاور الساحل، بالتوازي مع تأمين مواقع مرتفعة في كهبوب وتوسيع الضغط على تجمعات الحوثيين. غير أن استمرار الاشتباكات في بعض الجيوب يفرض على القوات مواصلة عمليات التمشيط وتثبيت المواقع، في ظل مخاطر الألغام والتحصينات التي تعوق الحركة.

الحوثيون يتكبدون خسائر بشرية كبيرة جراء الضربات البرية والجوية في تعز (إعلام عسكري)

وفي محافظة مأرب، استهدفت القوات الحكومية مواقع وآليات حوثية في الجبهتين الجنوبية والجنوبية الغربية، باستخدام المدفعية والطيران المسيّر، فيما شن الطيران الحربي غارات على ثكنات ومخازن تابعة للجماعة.

ونقلت وسائل إعلام عسكرية يمنية عن مصادر في عمليات المنطقة العسكرية الثالثة أن الضربات أدت إلى تدمير وإعطاب آليات قتالية، واستهداف مربض مدفعية حوثي، مما أسفر عن تدمير المدفع ومقتل طاقمه. كما تحدثت المصادر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الجماعة، في حين أعلنت القوات الحكومية مقتل ثلاثة من أفرادها وإصابة آخرين خلال المواجهات.

وفي الجوف، تواصلت العمليات الجوية والمدفعية وهجمات الطائرات المسيّرة على مواقع وتحصينات ومراكز قيادة ومخازن أسلحة حوثية، وفق البيانات العسكرية الحكومية.


الحكومة اليمنية تحشد دعماً دولياً وإقليمياً لإنهاء التهديد الحوثي

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تحشد دعماً دولياً وإقليمياً لإنهاء التهديد الحوثي

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)
جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)

وسَّعت الحكومة اليمنية تحركها السياسي والدبلوماسي بالتوازي مع العمليات العسكرية التي تخوضها القوات الحكومية ضمن عملية «فجر اليمن»، مستهدفة حشد مواقف عربية وإسلامية ودولية لمواجهة الحوثيين، بالتزامن مع إقرار مشروع قانون لتصنيف الجماعة «منظمة إرهابية» وتجريم أنشطتها وتمويلها، في خطوة تعكس انتقال المواجهة من جبهات القتال إلى مسارات سياسية وقانونية أوسع.

وجاءت هذه التحركات مع تأكيد الحكومة أن استعادة مؤسسات الدولة وإنهاء الانقلاب الحوثي المدعوم من إيران، يمثلان هدفاً مركزياً للمرحلة الحالية، وسط تصاعد المخاوف من تداعيات الهجمات التي تستهدف المنشآت المدنية والمطارات، وتهدد أمن الملاحة الجوية والبحرية في المنطقة.

وفي تحرك دبلوماسي متزامن، أجرت وزيرة الخارجية وشؤون المغتربين اليمنية، أفراح الزوبة، اتصالات مع القائم بأعمال السفارة الأميركية لدى اليمن نيل هوب، والأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل فهمي، والأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي إسماعيل ولد الشيخ أحمد، لبحث التطورات العسكرية والإنسانية، وتداعياتها على الأمن الإقليمي والممرات البحرية الدولية.

وجاءت الاتصالات الثلاثة لتضع أمن اليمن والمنطقة في صدارة المشاورات، مع تركيز الحكومة على ما تصفه بالتهديدات الحوثية المرتبطة بالأجندة الإيرانية، والدعوة إلى تنسيق دولي وعربي وإسلامي يتجاوز الإدانات إلى إجراءات عملية.

وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة (سبأ)

وأكدت أفراح الزوبة، خلال اتصالها بالمسؤول الأميركي، أن أي تسوية سياسية مستدامة يجب أن تستند إلى المرجعيات الوطنية والإقليمية والدولية، وأن تضمن حصرية السلاح واحتكار الدولة قرارَي الحرب والسلام، بما يمنع إخضاع مستقبل اليمن لإرادة جماعة مسلحة.

تنفيذ القرارات الدولية

ودعت وزيرة الخارجية اليمنية إلى تنفيذ قرارات مجلس الأمن المتعلقة باليمن، وفي مقدمها القرار 2216، وتعزيز التدابير الرامية إلى وقف تدفق الأسلحة والتمويل والخبرات العسكرية الإيرانية إلى الحوثيين، ومنع استخدام الأراضي اليمنية منطلقاً لتهديد دول المنطقة والممرات البحرية.

كما شددت على ضرورة حماية الملاحة الدولية وتأمين خطوطها الحيوية؛ خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، مشيرة إلى ما وصفته بالانتصارات التي حققها الجيش والقوات المساندة له في دحر الحوثيين من المنطقة.

الحوثيون يدفعون بحشودهم المسلحة لتشديد الحصار على مدينة تعز (أ.ف.ب)

من جانبه، جدد القائم بالأعمال الأميركي موقف بلاده الداعم لوحدة اليمن وأمنه واستقراره، ومساندتها الحكومة اليمنية، وأدان الممارسات الحوثية بحق المدنيين، مؤكداً أهمية استمرار التنسيق لحماية الملاحة الدولية وتعزيز الاستقرار الإقليمي.

وفي اتصالاتها مع جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامي، دفعت الوزيرة أفراح الزوبة باتجاه توحيد المواقف العربية والإسلامية إزاء الهجمات التي تستهدف اليمن والسعودية والمنشآت الحيوية، معتبرة أن تداعياتها تتجاوز حدود دولة واحدة، وتمس الأمن الإقليمي ومصالح شعوب المنطقة.

ودعت إلى تفعيل آليات العمل العربي المشترك، وتعزيز التواصل مع المؤسسات الدولية، في حين أكد فهمي أن التحديات الراهنة تهدد الأمن القومي العربي، وأبدى استعداده لمواصلة التشاور بشأن التحركات المطلوبة. كما أكد الأمين العام لمنظمة التعاون الإسلامي أهمية استمرار التنسيق مع اليمن إزاء التطورات الراهنة.

«حكومة معركة»

على المسار الداخلي، اتخذ مجلس الوزراء اليمني، برئاسة رئيس الحكومة شائع محسن الزنداني، خطوات قال إنها تستهدف رفع جاهزية مؤسسات الدولة، وتوفير متطلبات استمرار العمليات العسكرية وحماية السكان والمنشآت.

وأشاد المجلس بتقدُّم «ألوية العمالقة» الجنوبية وقوات «درع الوطن» والمقاومة الشعبية، بإسناد من «تحالف دعم الشرعية»؛ مشيراً إلى تحرير ذوباب ومواقع استراتيجية في محيط باب المندب، وقطع الطريق بين ذوباب والمخا. واعتبر أن هذه التطورات تمثل تحولاً استراتيجياً في أحد أهم الممرات المائية في العالم، من شأنه تقليص قدرة الحوثيين على استخدام تهديد الملاحة الدولية ورقة ضغط.

وقال الزنداني إن ضربات «فجر اليمن» والخسائر التي تكبدها الحوثيون في باب المندب، دفعت الجماعة إلى نقل المعركة نحو المدنيين والمنشآت المدنية. وشدد على أن الحكومة لا تتعامل مع المرحلة بوصفها حالة دفاعية مؤقتة؛ بل بوصفها معركة لاستعادة سلطة الدولة.

حشد من الحوثيين في صنعاء حيث العاصمة اليمنية المختطفة (أ.ف.ب)

ووجَّه رئيس الوزراء أجهزة السلطة التنفيذية بالخروج من منطق رد الفعل إلى العمل الاستباقي، ورفع الجاهزية، وتوفير احتياجات القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والأمن والمقاومة الشعبية، إلى جانب ضمان استمرار الخدمات وحماية السكان.

ووافق المجلس على مشروع قانون بشأن تصنيف جماعة الحوثي «منظمة إرهابية» وتجريم أنشطتها وتمويلها، ووجّه باستكمال الإجراءات الدستورية والقانونية اللازمة للمصادقة عليه.

كما استمع المجلس إلى إحاطة من وزير الدفاع بشأن المستجدات الميدانية والاحتياجات اللازمة لمواصلة العمليات، مؤكداً دعمه للعملية وتسخير إمكانات الدولة لإسنادها، ومشدداً على استمرارها حتى استكمال أهدافها وتحرير ما تبقى من الأراضي، وصولاً إلى صنعاء.