إبادة الكتب... التاريخ المخزي للقرن العشرين

مارستها الأنظمة المستبدة وفي مقدمتها النازية

مثلما يحدث للبشر لم تسلم الكتب من حروب إبادة على مدار التاريخ
مثلما يحدث للبشر لم تسلم الكتب من حروب إبادة على مدار التاريخ
TT

إبادة الكتب... التاريخ المخزي للقرن العشرين

مثلما يحدث للبشر لم تسلم الكتب من حروب إبادة على مدار التاريخ
مثلما يحدث للبشر لم تسلم الكتب من حروب إبادة على مدار التاريخ

مثلما يحدث للبشر، لم تسلم الكتب من حروب إبادة على مدار التاريخ، فها هو باول جوزف غوبلز،‏ وزير الدعاية السياسية في عهد أدولف هتلر، صاحب العبارة الشهيرة «كلما سمعت كلمة ثقافة تحسست مسدسي»، يخاطب مجموعة من شبانه الموالين للنظام وهم يحرقون آلاف الكتب على مرأى ومسمع من الجميع، في طقس احتفالي حماسي فرضته النازية الألمانية، ضمن ما فرضت من إبادة وتطهير عرقي، قائلاً «لقد أبْلَيْتُم أيها الطلاب بلاءً حسناً في هذه الليلة بإلقاء آثار الماضي هذه في قلب النيران... الماضي يرقد هنا في قلب النيران... واليوم تظلنا هذه السماء وأمام هذه الألسنة من اللهب سنقسم قسماً جديداً»، لتكون الحقبة الهتلرية الحالة المثالية لتدمير الكتب والمكتبات في القرن العشرين.
هذه الواقعة وغيرها ضمن ما يرصده كتاب «إبادة الكتب... تدمير الكتب والمكتبات برعاية الأنظمة السياسية في القرن العشرين» الصادر حديثاً عن سلسلة «عالم المعرفة» في الكويت لمؤلفته ربيكا نوث، الأستاذة بجامعة هاواي والمختصة بعلوم المكتبات، وترجمه للعربية الباحث المصري عاطف سيد عثمان.
يروي الكتاب عشرات الوقائع المأسوية لإحراق وإبادة الكتب والمكتبات خلال القرن العشرين، الذي يوصف بأنه «الأكثر دموية بين القرون جميعاً؛ إذ كان فيه القتل الجماعي للمدنيين هو سبب معظم الوفيات خلاله»، وهو القرن الذي شهد إبادات جماعية مماثلة للكتب، وكل ما يمثل الثقافة والحضارة.
وتضمّن ربيكا نوث كتابها الكثير من الاعترافات المخزية والمؤسفة من جهة، والنادمة والمعتذرة من جهة أخرى للذين شاركوا في مثل هذه المحارق للكتب، ففي لحظة ندم يتذكر الكاتب الصيني با جين هذه الحالة الهياجية لإحراق الكتب أثناء الثورة الثقافية الصينية تحت حكم ماو تسي تونغ قائلاً «دمرت الكلاسيكيات الأدبية كأنها فئران تمر عبر الشوارع... بيدي دمرت كتباً ومجلات وخطابات ومخطوطات كنت أحتفظ بها لسنوات باعتبارها كنوزاً... تنكرت لذاتي... واعتقدت أن المجتمع المثالي هو المجتمع الذي لا مكان فيه للثقافة ولا المعرفة ولا الأعمال الأدبية».
ويصف أحد القيّمين على المكتبة الوطنية في العاصمة البوسنية سراييفو، الذي صار وزير العلم في البوسنة بعد ذلك، ما فعله الصرب بتراثهم الفكري، بإحراق مكتبتهم؛ إذ يروي أن «الهجوم استمر أقل من نصف ساعة، واستمرت النيران مشتعلة حتى اليوم التالي، وتناثر الورق المحترق في أرجاء المدينة... وكانت بقايا صفحات هشة تتساقط كأنها ندف ثلج أسود قذر».
وتستخدم المؤلفة مصطلح «الإبادة» لتوصيف تدمير الكتب والمكتبات على أيدي الأنظمة السياسية، رابطة بين «إبادة البشر» و«إبادة الكتب»، فكلاهما ينتج الآخر، مستندة لتراث البشرية في «أنسنة الكتب» ومعاملتها معاملة البشر، وبالأخص من الأطفال، مبرهنة بما يظهره البشر من «عبارات الانتحاب والرثاء أسفاً على التدمير المتعمد للكتب».
ولطالما ربط البشر بين قتل الإنسان وإتلاف تراثه أو كتبه، فكما يقول جون ميلتون، فإن «قتل كتاب أشبه بما يكون بقتل إنسان، بل إن من يقتل إنساناً يقتل مخلوقاً عاقلاً. أما من يدمر كتاباً نافعاً فهو إنما يقتل العقل نفسه». ويقول هاينريش هاينه «عندما يقدمون على حرق الكتب فسوف يؤول بهم الأمر إلى حرق البشر أنفسهم». وتبرهن ربيكا نوث على أن ما يحدث من عمليات لإبادة البشر، يسبقه أو يتبعه كوارث تدمير الكتب والمكتبات والإرث الحضاري، فـ«إبادة الكتب تشترك فعلياً في المجال النظري ذاته مع الإبادة... والأنظمة السياسية التي ترتكب الإبادات الجماعية هي ذاتها التي تدمر أيضاً الثمرة المادية لثقافة الضحايا وكتبهم ومكتباتهم».
وتسوق المؤلفة 5 نماذج للبرهنة على أن العنف الذي يمارس ضد البشر يسبقه أو يلحقه بالضرورة «عنف يمارس ضد الكتب»، وهو ما حدث في: ألمانيا النازية، والصين خلال الثورة الثقافية، والتبت، والكويت أثناء الاحتلال الصدّامي، والبوسنة أثناء الحرب الصربية.
وتبحث المؤلفة عن دوافع حروب «إبادة الكتب»، وترجعها لأسبابها الاجتماعية والثقافية والاستبدادية، فغالباً ما تنجم عمليات التدمير «عن تضافر بين بيئة اجتماعية مضطربة وزعامة تسلطية أو استبدادية وأيدلوجيات وسياسات متطرفة تخلق الظروف المتفسخة على مستوى قومي بيئة يستشري فيها العنف. في هذه البيئة يتطلع السكان المنهكون الهائمون بلا هدف إلى الزعماء الذين يعدِونهم بالخلاص عن طريق بنية سياسية اجتماعية جديدة قائمة على أفكار قادرة على تحويل وجه الحياة... وتسوغ هذه الأفكار التي قد تكون رجعية (قومية متعصبة أو إمبريالية أو عسكرية أو عنصرية أو دينية أو ثورية شيوعية)، استخدام العنف للوصول إلى غايات مثل التحقق القومي أو تحقيق عالم يوتوبي... ومع إحكام الأنظمة سيطرتها، تسعى إلى وضع المكتبات والكتب في دائرة الشك بوصفها إما مصدر إثارة للفتن أو أداة بيد العدو أو كبش فداء لأمة أو جماعة إثنية أو طبقة تحبط سياسات تلك الأنظمة، وعلى ذلك يصبح نهب الكتب ووضع اليد عليها وتدميرها تدميراً عنيفاً من الممارسات المقبولة».
وتحصر أستاذة علوم المكتبات، أسباب تدمير الكتب والمكتبات في الدوافع «القومية والآيديولوجية والدينية والعسكرية العدوانية والزعامة الفردية»، ممثلة على كل ذلك في نماذجها الخمسة التي اختارتها للتمثيل على ارتباط إبادة البشر بإبادة الأفكار. فالقومية «النازية» التي أسسها أدولف هتلر بقيادة الحزب القومي الاشتراكي، لطالما وظفت التدمير العمدي للكتب والمكتبات بوصفها واحدة من استراتيجيات الحرب، كما يرد في الدليل العسكري النازي، فإن «الحرب لا يمكن أن تشن ضد مقاتلي العدو فقط، بل يجب أن تسعى لتدمير الموارد المادية والفكرية الكاملة».
واقترفت جيوش هتلر الكثير من المآسي، فكي تكسر إرادة السكان في مدينة نابولي الإيطالية سكبت الغازولين بطريقة ممنهجة في كل غرف الجمعية الملكية في نابولي فدمر زهاء 200 ألف كتاب من أثمن كنوز التاريخ الإيطالي. وأعاد الألمان إحراق مكتبة لوفين في بلجيكا للمرة الثانية، بعدما كانوا أحرقوها في الحرب العالمية الأولى، ودمروا على مدار 6 أيام 230 ألف مجلد، «تحذيراً لأعداء ألمانيا واستعراضاً لقوتها أمام العالم».
ولتدمير الكتب بالطبع دوافع «آيديولوجية»؛ خوفاً من أن يلجأ (الفرد) إلى أفكار تقع خارج المنظومة الآيديولوجية للحكام، وينشأ هذا الخوف من الكتب التي هي في نظرهم تكون مناهضة لسياساتهم.
فالشيوعية التي نشأت على مبادئ ثقافية ثورية سرعان ما تحولت في روسيا لينين وستالين، إلى «آيديولوجية متعصبة سوّغت تدمير جميع مناهضيها من البشر والمؤسسات»، ومورست على المكتبات الروسية على الأخص بدءاً من العام 1924 حملات تطهير استهدفت مؤلفات «أفلاطون وكانط وتولستوي ودستوفيسكي وغيرهم»، وهو ما اعتبره الكتاب الروسي مكسيم غوركي عمليات «مص دماء الفكر»؛ إذ اعتبرت كروبسكايا زوجة لينين وأحد الرقباء أنه «من المرغوب فيه تطهير كتب الفلاسفة لأنها تروج لأفكار ضارة... كما أن الكتب الأخرى خبيثة ومهلكة لأنها تتحدث عن الدين أو هراء الأنظمة التقليدية أو موضوعات ولى زمنها».
وكانت للثورة الصينية الثقافية هي الأخرى عواقب وخيمة على الكتب والمكتبات، مدفوعة بأسباب آيديولوجية متطرفة، دافعة في الوقت ذاته الملايين من الشباب «الأحمر» ومن الجماهير للمشاركة في حملات إبادة ضد أي شخص يعارض سياسات ماو وأفكاره، كما نشرت صحيفة «الشعب» اليومية عام 1966. وعليه؛ انتزعت من الأرفف 4 ملايين كتاب «صنفت باعتبارها عشباً ساماً».
وجمعت الكتب التي كوَّنت، كما يروي أحد أفراد الحرس الأحمر، «جبلاً صغيراً» وأشعلوا النيران فيها و«صاحب الشعارات المهتاجة والانفعالية الدخان الكثيف المتصاعد من السماء... وشعر أفراد الحرس الأحمر بأن مجرد إحراق الكتب ليس فعلاً ثورياً بما يكفي فسيق أفراد العصابة السوداء (المعلمون) وأجبروا على الوقوف هناك خافضين رؤوسهم راكعين؛ حتى يحاكموا أمام لهيب الثورة الثقافية الكبرى».
وللزعامة الفردية، رصيدها المخزي ضمن حروب إبادة الكتب، وتسوق ربيكا نوث مثال الرئيس العراقي الأسبق صدام حسين في غزوه دولة الكويت؛ للتدليل على ما يمكن أن تفعله الزعامة الفردية «البعثية»، المختبئة خلف متاريس فكرية قومية وآيديولوجية ودينية، التي ارتكبت مئات الجرائم بحق المثقفين المخالفين أو المستقلين، حتى أنها في عام واحد عام 1979 «اعتقلت 200 شاعر وقاص وموسيقي ومخرج وفنان. ومات كثير منهم تحت وطأة التعذيب أو سمموا بالثاليوم وهو سم جرذان كان النظام يفضله أداة للتصفية». هذه الزعامة الفردية المجنونة بجنون العظمة التي احتلت دولة الكويت دفعت جنودها إلى ارتكاب جرائم تدمير البنى التحتية الكويتية، وكان أكثر ما استهدف المكتبات والمتاحف والمؤسسات الثقافية. «ففي جامعة الكويت، في المبنى الذي ضم كليتي القانون والآداب أقيم مركز اعتقال واستجواب... ودمر الجنود ما يقرب من مليون كتاب أطفال وكتب تعليمية... كما مارسوا تفكيك المكتبات العامة ونهبها... وفقد ما يزيد على 133 ألف مجلد... وكان الدمار الأسوأ في المكتبات الأكاديمية، فأتلف جزء كبير من مقتنيات مكتبة جامعة الكويت التي ضمت 24410 مراجع، وما يزيد على 5 ملايين مجلد وتقرير ورسالة ودورية ومواد سمعية وبصرية».


مقالات ذات صلة

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

ثقافة وفنون غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية.

أنيسة مخالدي (باريس)
ثقافة وفنون تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء...

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق الرئيس السوري استقبل وزير الثقافة السعودي والوفد المرافق له بقصر المؤتمرات في دمشق الخميس (واس)

السعودية وسوريا تؤكدان عمق علاقاتهما الثقافية

التقى الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة السعودي، نظيره السوري محمد ياسين صالح، خلال زيارته الرسمية إلى دمشق لحضور معرضها الدولي للكتاب 2026.

«الشرق الأوسط» (دمشق)
كتب إقبال كبير على المعرض (رويترز)

«القاهرة للكتاب» يحتفي بأصوات جديدة في الإبداع والنقد والنشر

حقق معرض القاهرة الدولي للكتاب في ختام دورته الـ57 رقماً قياسياً جديداً في عدد الزوار الذين تخطوا حاجز الستة ملايين زائر على مدار 13 يوماً.

رشا أحمد (القاهرة)
كتب عمر مرزوق

الباحث الجزائري عمر مرزوق يسبر ثقافتنا التراثية التقليدية

يعتبر الباحث الجزائري الدكتور عمر مرزوق أحد كبار المثقفين العرب المضيئين لعصرنا؛ عصر الظلمات الداعشية.

هاشم صالح

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.