عنبرة سلام الخالدي رائدة النهضة النسائية ومترجمة «الأوديسة» و«الإلياذة»

«غوغل» يحتفي بمرور 121 سنة على مولدها

عنبرة سلام الخالدي
عنبرة سلام الخالدي
TT

عنبرة سلام الخالدي رائدة النهضة النسائية ومترجمة «الأوديسة» و«الإلياذة»

عنبرة سلام الخالدي
عنبرة سلام الخالدي

تستحق عنبرة سلام الخالدي التي احتفت بها شركة «غوغل» على صفحتها الأولى في لبنان وعدد من الدول العربية، أكثر من تكريم وتذكار وإعادة كتابة لسيرتها التي لا شك كانت مفصلية لنساء لبنان وفلسطين، علماً وأدبا. بل هي واحدة من المناضلات الوطنيات اللواتي كن يعرفن جيداً أن عليهن مقاومة الغبن الواقع على أمتهن بالعمل الاجتماعي، كما بالفكر والمقالة والترجمة والخطابات التحررية، حتى يوم كانت النساء محجوبات في بيوتهن.
مولدها في بيروت عام 1897 لأب متنور، منفتح، له مقامه ووجاهته وحبه للعلم هو سليم علي سلام الذي كان رئيساً لبلدية بيروت، كما رئيساً لجمعية المقاصد، وأم متعلمة من عائلة معروفة بمعرفتها الدينية هي كلثوم البربير، جعل عنبرة تجمع بين التعليم التقليدي، والمعرفة الغربية الحديثة، في وقت كانت البنات فيه أميات يمنع عليهن الخروج من المنزل. عرفت الحجاب صغيرة كما بنات جيلها، وحفظت القرآن طفلة، لكن هذا لم يمنعها وبمساعدة من والدها أن تخطو صوب ما لم يكتب إلا لندرة من بنات جيلها، وعرفت كيف تستفيد من الفرصة. هي أخت أحد ألمع رؤساء وزراء لبنان صائب سلام وأكبر منه سناً، نشأت بين ثمانية صبيان وأختين، وتعلمت في مدرسة مار يوسف، وتتلمذت في مدرسة المقاصد على يد الرائدة جوليا طعمة دمشقية، التي كان لها أكبر الأثر عليها.
لا بد أن الغليان السياسي الذي رافق مطلع القرن العشرين، في لبنان والمنطقة، وما أحاط بالصبية اليانعة من فوران دفع بها للتفكر فيما حولها، خاصة أن الحرب العالمية الأولى كانت قد اندلعت. تعلمت الفرنسية والرقص والعزف على البيانو، وحرص الوالد على تعليم فتياته في البيت حين كان يتعذر الذهاب إلى المدرسة، فكان لعنبرة أستاذ علمها اللغة وفقهها هو العلامة عبد الله البستاني.
وكانت الحرب العالمية الأولى قد اندلعت. ولمساعدة لاجئي الحرب وفقرائها ومشرديها، وبناء على اقتراح عائلات بيروتية أسست مع رفيقات لها عدداً من الجمعيات منها جمعية «يقظة الفتاة العربية». وفي فترة لاحقة ترأَّست «نادي الفتيات المسْلمات» وبعدها «جمعية «النهضة النسائية». وهو ما ستكمله حتى بعد زواجها.
تروي عنبرة في أماكن متفرقة، وفي كتابها الجميل الذي قدّم له كمال الصليبي»جولة في الذكريات بين لبنان وفلسطين» (بيروت: دار النهار للنشر، 1977) ومن ثم طبعة أخرى عن (منشورات الجمل عام 2015. مع إضافة محاضرة «شرقية في إنجلترا»)، مقاطع من هذا العمر الذي لا يشبه غيره. ويقول الصليبي في مقدمة الكتاب: «إن «تاريخَ بيروت في العصر الحديث لن يكتب دون الرجوع إِلى مذكّرات السّت عنبرة، ولن يكتب تاريخُ النهضة النسائية في العالم العربي الحديث دون الاعتمادِ على هذه المذكّرات بالذات».
في سنة 1925 وأسوة بإخوتها وبصحبة والدها ذهبت إلى إنجلترا، وتعلمت معهم لسنتين على يد أساتذة خصوصيين أصول اللغة الإنجليزية. عن هذه المرحلة، تتحدث كيف أنها غبطت الإنجليزيات لتحررهن، وتساءلت لماذا يفرض عليها ما يعفى منه غيرها. وتقول في أكثر من مكان بأنها كانت تسأل والدها إن كانت تستطيع أن تخلع الحجاب لتلقي خطبها فيقول لها لك ما تريدين، لكنها كانت أحياناً تحتفظ بحجابها لإدراكها أنها في بيئة محافظة وعليها أن تراعي الظروف التي حولها وأن لا تحرج والدها.
كتبت أملي نصر الله في مؤلفها «نساء رائدات: من الشرق» أنه «في سنة 1927. نزعت عنبرة سلام عن وجهها النقاب عند البدء بمحاضرة في «نادي الأحد» في الجامعة الأميركية في بيروت حول زيارتها لإنجلترا، وكانت بعنوان «شرقية في إنجلترا». وكانت أول مسلمة في بلاد الشام تنزع النقاب في مكان عام، الأمر الذي سبب موجة غضب عارمة في الشارع البيروتي المحافظ». لكن الحقيقة أن عنبرة كانت قد تخلت عن النقاب والحجاب معاً في إنجلترا، ولبست القبعة أسوة بالفتيات هناك، وكانت تلتقي الرجال الذين يأتون منزلها. لكن هذه الحادثة بالذات في الجامعة الأميركية أحدثت صدمة في بيروت.
وتروي عنبرة أن القيامة قامت يومها، واتهمت بأنها آتية لتزرع الفساد، وتارة أخرى يجدون لها أسباباً تخفيفية بأنها تفعل ذلك بحثاً عن عريس. ووزعت المناشير ضدها، وتم الاعتداء على نساء لم يلتزمن بالنقاب كما يتوجب. وبقيت عنبرة في البيت درءا لإهانات قد تتعرض لها، لكنها في هذا الوقت كانت تلتقي بالأدباء أمثال أمين الريحاني وخليل رامز سركيس، وكل من يرتاد منزلها من كبار ذاك الزمان.
وبترتيب من أستاذتها جوليا طعمة دمشقية تعرفت عنبرة على مدير «الكلية العربية» في القدس، الفلسطيني أحمد سامح الخالدي، كان ذلك عام 1929 حيث ستنتقل للعيش معه هناك حتى نكبة عام 1948 حيث تركا القدس وعادا مع أولادهما إلى لبنان، لتبقى غصة في حلق الزوج الذي لم يحتمل أن يترك كل إنجازاته التعليمية خلفه وما بناه في وطنه ويسلم الروح فجأة عام 1951. وكتبت عنبرة صفحات مضيئة عن تاريخ فلسطين في تلك المرحلة، حيث تقول بأن الاهتمام بالتعليم كان يفوق عند الأمهات ما كانت قد رأته في لبنان، وأن الوعي السياسي بين الفلسطينيين كان أكبر مما يظنه البعض، لكن الاحتلال الإنجليزي لم يكن يسمح للفلسطيني بحمل عصا، وقمعهم كان هائلاً، فيما كان يتم تسليح اليهود بشكل منتظم وكبير.
عشرون سنة قضتها عنبرة في فلسطين كانت ثمرتها كبيرة. هناك ترجمت «الإلياذة» لهوميروس بعد أن اعتبرت أن ترجمة البستاني لها شعراً ونقلها إلى العربية على هذا النحو، لم يجعلها متاحة للقراء ولا في متناولهم، فوضعتها بالعربية نثراً نقلاً عن الإنجليزية، وكتب لها المقدمة طه حسين يومها. وعنبرة مفتونة بالأساطير منذ صغرها، لذا أكملت المهمة وترجمت أيضا «الأوديسة» وأتبعتها بترجمة «الإنيادة». وإذا كان الكتابان الأولان قد ترجما وطبعا في فلسطين فإن الثالث حملته معها إلى لبنان وأكملته بعد النكبة وصدر في بيروت. وبقيت عنبرة شعلة فيها من الثورة الهادئة، وحب التغيير، وبث العلم في من حولها الكثير، حتى وفاتها في بيروت عام 1986.
لبنان مقصر مع هذه الرائدة في أكثر من ميدان. فالجيل الجديد لا يعرفها ولا يعرف دورها المحوري. ومن حسن الحظ أن حفيدتها عليّة الخالدي، أخرجت مسرحية عن حياة عنبرة منذ سنتين في بيروت وقدمتها على «مسرح بابل» لاقت رواجاً كبيراً من قبل النساء، روت فيها حياة عنبرة من عام 1907 وحتى 1927. ولا بد أنه لا يزال الكثير مما يمكن أن يكتشف ويروى عن حياة هذه الرائدة العربية الكبيرة.



رحيل زينب السجيني… صوت الأمومة والجمال في الفن المصري

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
TT

رحيل زينب السجيني… صوت الأمومة والجمال في الفن المصري

رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)
رحيل الفنانة المصرية زينب السجيني (الشرق الأوسط)

غيّب الموت، اليوم، الفنانة التشكيلية المصرية زينب السجيني عن عمرٍ ناهز 96 عاماً، لتطوي برحيلها صفحة فنانة كان حضورها ممتداً عبر سبعة عقود من العمل الإبداعي والأكاديمي، شكّلت خلالها رؤيتها الخاصة للمرأة والطفولة والبيئة الشعبية المصرية، ورسّخت مكانتها كواحدة من رائدات الفن التشكيلي في مصر والعالم العربي. وُلدت السجيني في القاهرة عام 1930، ونشأت بين أحياء الظاهر والحسين والجمالية، فحملت في تكوينها الأول ملامح المدينة القديمة، وحواريها، وعمارتها الإسلامية، وصُناعها الشعبيين الذين شكّلوا وجدانها البصري المبكر.

كانت الفنانة زينب السجيني تستعيد تلك السنوات بوضوح بالغ، قائلة، في حوار سابق لـ«الشرق الأوسط»، إن طريق طفولتها في تلك الأحياء العتيقة بالقاهرة كان فصلاً مفتوحاً على الجمال والأصالة.

فحين كانت طفلة كانت تسير من حي الضاهر إلى الحسين؛ حيث يوجد بيت جدّها، وتمر على منطقة النحاسين، فترى صُناع الأواني، وتراقبهم وهم يغنّون أثناء العمل، ثم تمر على شارع المعز وترى عمارته الإسلامية، ووجوه الناس البسيطة التي كانت مصادر إلهام أولى سكنت الذاكرة ولم تغادرها، وفق قولها في حديثها السابق.

تلقّت الفنانة المصرية تعليمها في كلية الفنون الجميلة بجامعة حلوان، حيث حصلت على بكالوريوس قسم الزخرفة في عام 1956، ثم واصلت دراستها في المعهد العالي للتربية الفنية، قبل أن تنال درجة الدكتوراه في فلسفة التربية الفنية عام 1978، لتجمع بين الممارسة الفنية والتدريس، وتصبح لاحقاً أحد الأسماء المؤثرة في تشكيل وعي أجيال من الفنانين الشباب.

من أعمال الفنانة زينب السجيني (الشرق الأوسط)

وقد نعتْها الدكتورة جيهان زكي، وزيرة الثقافة المصرية، مؤكدة أن «مصر فقدت قيمة فنية وإنسانية نادرة، وصوتاً مُخلصاً للجمال»، مشيرة إلى أن الرحلة «أسهمت بعطائها الأكاديمي والفني في صياغة رؤية جمالية امتدت لأجيال متعاقبة».

كما وصف وزير الثقافة الأسبق الفنان فاروق حسني رحيلها بأنه «خسارة كبيرة للمشهد الفني»، مُستعيداً أثرها البارز في إثراء الحركة التشكيلية. ولم تكن «قاعة الزمالك للفن» بالنسبة للفنانة الراحلة مجرد مكان اعتاد عرض أعمالها على جدرانه، بل كانت جزءاً من تاريخها؛ فطوال 36 عاماً رافقت القاعة في محطاتها الكبرى، وقدمت عبرها أعمالاً صارت علامات في تاريخها المعاصر. وفق ما جاء في نعي القاعة لها.

وجاء فيه أيضاً: «كانت زينب السجيني قيمة فنية وإنسانية نادرة؛ حملت في أعمالها نبض الحياة وصدق التجربة، وامتد عطاؤها لأجيال من الفنانين، لقد تركت إرثاً خالداً سيبقى شاهداً على عمق تجربتها».

وقد ظل محوراً متكرراً في لقاءاتنا بقاعة الزمالك حيث كانت تقيم معارضها، سؤال الجمهور حول احتفائها بالمرأة والطفولة، وخلوّ أعمالها تقريباً من وجود الرجل.

وكانت تجيب دائماً بأن المرأة بالنسبة لها «مرآة الروح ومَخزن الحنان»، وأن تركيزها عليها «ليس موقفاً ضد الرجل بل هو انحياز للفطرة الإنسانية في أن الأم والطفلة هما جذور الحياة»، كاشفة عن رغبتها في دعم المرأة العربية التي كانت ترى أن «جانباً كبيراً من حقوقها مُهدَر».

رؤيتها للمرأة والطفولة انطلقت من الأوساط الشعبية (الشرق الأوسط)

وكانت تستعيد تأثير عمّها، النحات الكبير جمال السجيني، الذي تعلمت منه الصبر على تشكيل الوجوه الإنسانية، وزوجها الفنان عبد الرحمن النشار، الذي ظل مصدراً للدعم والإلهام. ارتبط مشروع زينب السجيني الفني بفكرة الأمومة بوصفها قيمة وجودية لا تخضع لزمن؛ فمنذ خمسينات القرن الماضي لا تكاد تخلو لوحة لها من حضور المرأة، أو الفتاة الصغيرة، في لحظات تتراوح بين اللعب وتصفيف الشعر والاستعداد للمدرسة والركض في الحارة، أو التنزه في الحدائق.

وكانت ترى أن سر عدم الملل من هذا العالم يعود إلى «قدرة اللوحات على دفع المتلقي إلى أعماق تلك الشخصيات النقية»، مؤكدة أن «الاختلاف في الانفعالات والملابس والألوان يجعل العوالم متجددة مهما تكررت ثيمة الأمومة في لوحاتها». وعن تكرار الرموز الشعبية مثل العروسة القماش والحمام والبيوت القديمة، وصفت هذه الثيمات بأنها «ليست رموزاً مبعثرة، بل هي نسيج متكامل يمثل مصر كما رأتها وانصهرت في داخلها». كانت زينب السجيني تؤمن بأن الفن استعادة للروح، وأن لحظة الإمساك بالفرشاة «هي محاولة لالتقاط جوهر الإنسان قبل ملامحه»، وربما لهذا السبب ظلّ عالمها الفني يحتفظ بقدر كبير من العفوية والحميمية، حتى في أكثر لحظاته شاعرية. برحيل زينب السجيني يفقد الفن التشكيلي واحدة من أبرز أصواته النسائية وأكثرها إخلاصاً للتجربة الإنسانية، لكنها تترك وراءها إرثاً غنياً من الأعمال، وهو إرث سيظل يؤكد أن الفن يمكنه، حين يكون صادقاً، أن يظل حياً رغم غياب أصحابه.


مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
TT

مركز الأرصاد السعودي: لا دلائل على صيف مبكر

درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)
درجات الحرارة ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين اعتباراً من نهاية أبريل (واس)

أكّد المركز السعودي للأرصاد، الثلاثاء، عدم وجود مؤشرات مناخية تدل على صيف مبكر في البلاد، لافتاً إلى تماشي الأنماط الجوية الحالية مع المعدلات الموسمية المعتادة، وفق ما تُظهره النماذج المناخية والتحليلات الحديثة.

وأوضح حسين القحطاني، المتحدث باسم المركز، أن التوقعات تشير إلى أن درجات الحرارة، اعتباراً من نهاية شهر أبريل (نيسان) الحالي، ستكون أقل من المعدل الطبيعي لمدة أسبوعين متتاليين، يعقبها أسبوع تتقارب فيه درجات الحرارة مع معدلاتها الطبيعية على أغلب مناطق السعودية.

وأضاف القحطاني أن التوقعات الفصلية لصيف هذا العام - يونيو (حزيران) ويوليو (تموز) وأغسطس (آب) - تُرجّح تسجيل درجات حرارة أعلى من المعدلات الطبيعية على نطاق واسع بالسعودية، بفارق يتراوح بين 1.0 و2.0 درجة مئوية بمناطق الغرب والجنوب الغربي وأجزاء من الجنوب، فيما يُتوقع أن تكون الزيادة أقل من ذلك في بقية المناطق.

وبيّن المتحدث أن هذه التوقعات تأتي ضمن الدراسات المناخية الموسمية التي يجريها المركز بشكل دوري، مشيراً إلى أنه سيصدر تقريراً مناخياً مُفصَّلاً خلال الفترة المقبلة، يستعرض أبرز ملامح صيف هذا العام والتغيرات المتوقعة.

ودعا القحطاني الجميع إلى متابعة التحديثات الرسمية الصادرة عن المركز، لما لها من أهمية في الاستعداد المبكر والتعامل الأمثل مع المتغيرات المناخية.


«الذهب الأسود»… متحف سعودي يستعرض تاريخ النفط بسردية فنية مبتكرة

يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
TT

«الذهب الأسود»… متحف سعودي يستعرض تاريخ النفط بسردية فنية مبتكرة

يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)
يعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص (هيئة المتاحف)

منذ كان النفط لغزاً غامضاً، حتى تجلّى متلألئاً بدرجات الأخضر والذهبي والأزرق، شكّل اكتشافه رحلةً استثنائية بدأت مع فجر الحياة على هذا الكوكب. ومع مرور الزمن، تعمّق فهم الإنسان هذا المورد؛ فاكتشف أصوله، وتعرّف إلى خصائصه، حتى غدا جزءاً لا يتجزأ من الحياة المعاصرة.

ومن بابل إلى البحر الميت، وصولاً إلى آسيا وما بعدها، ظلّ النفط حاضراً في مسيرة الإنسان منذ أقدم الحضارات، راسخةً مكانته في تاريخ البشرية، من أعماق الأرض إلى أعلى مراكز القرار.

ومن قلب العاصمة الرياض، انطلق «متحف الذهب الأسود»، بتعاون بين وزارتي الثقافة والطاقة في السعودية، وبدعم من «برنامج جودة الحياة»، ليروي قصة النفط وتأثيراته العميقة في المجتمعات والبيئة، عبر سرد فني مبتكر يجسّد العلاقة بين الإنسان والنفط، منذ اكتشافه في مرحلة المادة الخام، وصولاً إلى انعكاساته المعاصرة على الحياة والاقتصاد والبيئة.

الأمير عبد العزيز بن سلمان وعدد من الوزراء في جولة داخل «المتحف» (هيئة المتاحف)

وخلال حفل افتتاح «المتحف»، الذي يقع في مبنى أيقوني صمّمته المعمارية الراحلة زها حديد، داخل «مركز الملك عبد الله للدراسات والبحوث البترولية (كابسارك)» في الرياض، قال الأمير عبد العزيز بن سلمان، وزير الطاقة السعودي، إن هذا المتحف ثمرة تعاون بين منظومة الثقافة، ممثلةً في «هيئة المتاحف»، ومنظومة الطاقة، ممثلةً في «كابسارك»، ليقدّم «قراءة متكاملة لتاريخ البترول وتأثيره الممتد إلى مختلف جوانب الحياة».

من جهته، قال الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة، في كلمته خلال الافتتاح، إن «متحف الذهب الأسود» يمثّل محطة مهمة في القطاع الفني والحوار الثقافي العالمي. وبصفته أول متحف دائم مخصّص للنفط والفن، فإنه «يوفّر مساحة استثنائية للتأمل الملهم والتفكير النقدي، والاحتفاء بالقوة التحويلية للثقافة في تشكيل فهمٍ أعمق للعالم».

الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان وزير الثقافة في كلمته خلال الافتتاح (هيئة المتاحف)

قصة التحول العميق في التاريخ الإنساني

يُعدّ «متحف الذهب الأسود» أول متحف دائم بهذا الحجم والتخصص يستكشف قصة التحوّل العميق الذي أحدثه النفط في تاريخ الإنسانية، من خلال عدسة الفن الحديث والمعاصر وأشكال التعبير الإبداعي.

ويتكوّن المتحف من 4 أقسام رئيسية: اللقاء، والأحلام، والشكوك، والرؤى؛ تقود الزائر إلى فهم نشأة النفط، وتحولات استخدامه، وتعقيدات أثره، وما قد يحمله المستقبل من احتمالات.

ويتناول «المتحف» النفط من منظور إنساني وثقافي وفني، مقدّماً مجموعة دائمة تضم أكثر من 350 عملاً فنياً حديثاً ومعاصراً، أبدعها أكثر من 170 فناناً سعودياً وعالمياً بارزاً من أكثر من 30 دولة، من بينهم: منال الضويان، وأحمد ماطر، ومهند شونو، ومحمد الفرج، وأيمن زيداني، ودوغ أيتكن، وجيمي دورهام، ودينيس هوبر، وألفريدو جار، ورينو لايراك، وجورج صبرة، وباسكال مارثين تايو، وآندي واومان... إلى جانب آخرين.

يستكشف «المتحف» قصة التحول العميق الذي أحدثه النفط في تاريخ الإنسانية (هيئة المتاحف)

كما يضم «المتحف» تركيبات فنية كبرى، وأعمالاً فوتوغرافية، ووثائق تاريخية تتيح للزوار استكشاف أثر النفط في تشكيل المجتمعات والاقتصادات وأنماط الحياة اليومية. ويتضمن أيضاً مشاهد غامرة، وإضاءة متقدمة، وأعمالاً تركيبية بصرية وسمعية، بما يشمل نموذجاً كبيراً للزمن الجيولوجي يصوّر نشأة النفط على مدى ملايين السنين.

ويستعرض المتحف أبرز المواقع التراثية النفطية في السعودية، حيث تُبرز قاعاته ومعارضه معالم وطنية مهمة، من بينها «بئر الدمام رقم 7 (بئر الخير)»، ودور الجيولوجي السعودي خميس بن رمثان، إضافة إلى مشاهد من مسيرتَي «أرامكو» و«أوبك»، وقصة حقل «الغوار».

من «اللقاء» إلى «الرؤى» عبر «الشكوك» و«الأحلام»

في جناح «اللقاء»؛ أولِ أقسام «المتحف»، تُستعرض أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة، إلى جانب رحلته من الجيولوجيا إلى المجتمع.

في جناح «اللقاء» تُستعرض أصول النفط واكتشافه واستخداماته المبكرة (هيئة المتاحف)

ويضم القسم عدداً من الأعمال التركيبية الرقمية الغامرة عن طحالب الدياتوم، ونموذجاً للمقياس الزمني الجيولوجي يوضّح تكوّن النفط ودور أشكال الحياة القديمة، كما يتضمن عروضاً أرشيفية تفاعلية عن استخدام الحضارات القديمة للنفط، بمن فيهم البابليون والرومان والمصريون القدماء.

وفي جناح «الأحلام»، يتحوّل النفط إلى مورد مرغوب يُغذّي تطلعات التقدّم والحداثة والوفرة؛ إذ يستكشف دوره في ابتكار مواد جديدة، وترسيخ ثقافة استهلاكية سائدة، وتعزيز سهولة الحياة الحديثة. كما يبرز كيف أصبحت المنتجات القائمة على النفط «خفية» لكنها أساسية في تفاصيل الحياة اليومية.

وعند الوصول إلى جناح «الشكوك»، يتجلّى الوعي المتنامي بتبعات استخدام النفط، وبالنزعة الاستهلاكية ومفارقة الاعتماد عليه؛ حيث يدعو هذا القسم إلى التفكير النقدي في تأثيراته على البيئة والمجتمع، ويربط بين الفن وحراك الناشطين والأبحاث متعددة التخصصات.

يضم «المتحف» تركيبات فنية كبرى وأعمالاً فوتوغرافية ووثائق تاريخية (هيئة المتاحف)

وأخيراً، يظهر جناح «الرؤى»، حيث تستشرف الأعمال الفنية في هذا القسم مستقبل الطاقة وعلاقة الإنسانية المستمرة بالنفط. ويشارك فيه فنانون وباحثون في بلورة تصوّرات متعددة لمستقبل الطاقة والمجتمع والاستدامة، مستخدمين الفن منصةً للنقاش بشأن تحوّل الطاقة.

وفي المعرض المؤقت الافتتاحي «عندما تتشكّل الطاقة»، الذي أُقيم بإشراف القيّم الفني كريستيان جانيكو وبمشاركة المجموعة الفرنسية «بي بي (BP)»، يُستكشف الحوار الديناميكي بين الفن والنفط والإنسان.

ومن خلال تركيبات فنية تستخدم حاويات ومضخات نفط، وتستحضر النفط بوصفه مادةً ورمزاً في آنٍ معاً، يمهّد هذا المعرض الطريق لسلسلة من المعارض المؤقتة التي ستواصل إثراء السردية المتجددة لـ«المتحف».

وترتبط تجربة القاعات والمعارض بوضوح بجوانب النفط الخفية وتأثيره في تيسير الحياة اليومية الحديثة؛ بدءاً من أنسجة الملابس، ووصولاً إلى مواد تغليف الطعام والأجهزة الطبية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended