كيف يفقد عمال أميركيون وظائفهم بسبب سياسات ترمب؟

كريس برات - مدير في شركة «ميد كونتنانت»
كريس برات - مدير في شركة «ميد كونتنانت»
TT

كيف يفقد عمال أميركيون وظائفهم بسبب سياسات ترمب؟

كريس برات - مدير في شركة «ميد كونتنانت»
كريس برات - مدير في شركة «ميد كونتنانت»

عندما اشترت شركة مكسيكية مؤسسة «ميد كونتينانت نيل كورب» عام 2012، شعر العمال هنا بأنها بداية النهاية، وراودتهم الظنون بأن وظائفهم ستذهب لعمال أقل أجرا في المكسيك، وأن ذلك سيجلب مزيدا من الخسائر للصناعات الأميركية جراء المنافسة في التجارة العالمية.
لكن حدث أن تضاعف حجم مصنع «ميد كونتينانت» منذ صفقة «ديكيرو»، ونظرا لتراجع القيود المفروضة على صادرات الصلب بعد توقيع اتفاقية «التجارة الحرة لدول أميركا الشمالية»، باتت الشركة ترسل شحنات الحديد إلى ولاية ميسوري. كذلك رفعت الشركة أجور العاملين المهرة للاستفادة من كلفة الطاقة الرخيصة في الولايات المتحدة، ومن سهولة توصيل البضائع إلى المستهلك الأميركي.
- نيران ترمب الصديقة
غير أن الرئيس دونالد ترمب فرض تعريفة جمركية 25 في المائة على واردات الصلب، ليرفع بذلك من كلفة الإنتاج، ويدفع شركة «ديكيرو» لإعادة التفكير في تلك الخطوة. وبعدما رفعت شركة «ميد كونتينانت» أسعار المسامير، تراجعت الطلبات عليها بواقع 70 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، على الرغم من ازدهار صناعة الإنشاءات. وأفاد مسؤولو الشركة بأنه إن لم يجر تخفيف تلك الإجراءات فسيتوقف مصنع ميسوري عن العمل بحلول عيد العمال العالمي، وأن ما تبقى من الإنتاج ربما ينتقل إلى المكسيك أو لأي دولة أخرى.
ولذلك تسببت القيود التجارية الهادفة إلى منع ذهاب فرص العمل الأميركية إلى المكسيك، وإلى غيرها من الدول، في إعاقة جهود الشركة المكسيكية التي تقدر بمليارات الدولارات، وتعطيل مساعيها لخلق فرص عمل في الولايات المتحدة، وهي النتيجة التي لم تقصدها حرب ترمب العالمية التي أظهرت أنه من الصعب الهجوم على الشركاء التجاريين من دون إلحاق الضرر بالعمل داخل الولايات والبلاد.
لقد بدأت عمليات التسريح بالفعل، ويعمل بالشركة حاليا أكثر من 400 عامل، مقارنة بنحو 500 قبل تفعيل التعريفة الجديدة. كذلك أنهيت عقود العمالة المؤقتة، فيما رحل بعض العمال الدائمين إلى أعمال أخرى، في مؤشر على مزيد من التسريح الذي ربما ينتهي بإغلاق المصنع كليا.
وفي هذا الصدد، قال كريس برات، مدير العمليات بشركة «ميد كونتينانت»: «نحن الآن في وضع بتنا نحارب فيه دولتنا. يبدو أننا أصبحنا في معركة لم يكن لنا أن نخوضها من البداية». تحاول شركة «ديكيرو» أن تقرر ما يمكنها فعله لاحقا، وحاليا تستخدم الشركة الصلب الذي صدرته من قبل إلى الولايات المتحدة على هيئة معدات إنتاج أسلاك الحديد للأسواق المحلية، مما يجعل المستقبل غامضا.
وبحسب المتحدث الرسمي للشركة جيم غلاسمان: «من الواضح أن نقل صناعة المسامير إلى المكسيك أو لغيرها من الدول بات أمرا محتملا؛ لكنه يظل بديلا سيئا. شركة (ميد كونتينانت) لا تريد أن تتحرك ولا تنوي ذلك»، مضيفا أن «العمال هناك ما زالوا يأملون ويتوقعون أن ينقذ الرئيس ترمب وظائفهم».
أغرورقت عينا فيليب بينيت (37 عاما)، عامل صيانة بشركة «ميد كونتينانت»، عندما كان يتحدث عن ابنته، أبوري، البالغة من العمر خمسة أعوام، التي ولدت بعيب خلقي في القلب، يتطلب عددا من الجراحات التي يتحتم إجراؤها من خلال التأمين الصحي الذي منحته إياه شركة «ميد كونتينانت». وفي تعليقه على الأوضاع الحالية، قال بينيت، أحد أنصار ترمب: «هناك كثير من الأشياء الجيدة التي يؤديها (ترمب)، لكنه بات يؤثر علي شخصيا، ولا أحب ما يفعل». واستطرد: «أقصد أنني لا أتوقع منه أن يأتي إلى هنا ويطلع على أحوالنا. أتمنى لو أنه رأى تأثير ما يفعله ويرى الضرر الذي لحق بنا».
وفيما يخشى الناس في ولاية ميسوري مزيدا من إجراءات التسريح، لم يجر تسريح عامل مكسيكي واحد من عمله. وفي هذا الصدد، قال لويس ليل، نائب رئيس شركة «ديكيرو» لشؤون التجارة، في مقابلة عبر الهاتف من مقر الشركة بمدينة مونتيري المكسيكية: «لقد ساعدتنا قوة السوق المحلية (في المكسيك)».
- 5.5 دولار إضافية
وقد فرض ترمب تعريفات على واردات الصلب والألمنيوم في 1 يونيو (حزيران)، مستعينا ببند نادرا ما يستخدم، يسمح للرئيس بفرض عقوبات على الواردات بداعي الحفاظ على الأمن القومي. ولأن استخدام ذلك البند تزامن مع إجراءات جديدة استهدفت المكسيك وكندا والاتحاد الأوروبي والصين، وغيرهم من الشركاء التجاريين، فقد جاءت التعريفات الجديدة تنفيذا للوعود التي أطلقها ترمب خلال حملته الانتخابية، والتي بحسب نظره، ستنقذ العمال الأميركيين مما أطلق عليه «المذبحة الأميركية» التي تسببت فيها صفقات التجارة العالمية.
ورغم أن تعريفة 25 في المائة على واردات الحديد قد ساعدت صناعة الصلب الأميركية المحلية – بحسب ما أشارت وزارة التجارة في تصريح بأن كثيرا من مصانع الصلب قد عادت للعمل مجددا فيما توسع البعض الآخر – فإن ذلك قد أدى إلى زيادة الكلفة على الشركات الأميركية. فقد كانت شركة «ميد كونتينانت» تبيع علبة تحوي 50 مسمارا بسعر 27 دولارا، والآن أضافت مبلغ 5.5 دولار لتغطي التعريفة الجديدة، بحسب مسؤولي الشركة.
غير أن الشركات بإمكانها التقدم بطلب لوزارة التجارة للحصول على إعفاءات من تعريفات الصلب والألمونيوم، حال استطاعوا إثبات أن المنتجات التي يبحثون عنها لا يمكن الحصول عليها من داخل الولايات المتحدة بكميات كافية ونوعيات مناسبة.
لكن الحصول على هذه الاستثناءات أمر لا يخلو من الفوضى. فبعد فرض التعريفات في يونيو الماضي، شرعت الوزارة في تدريب 30 فنيا للقيام بعملية التقييم لمراجعة نحو 21 ألف التماس مقدم.
وفي هذا الإطار، أفادت وزارة التجارة بأنها ستتخذ خطوة أخرى فيما يخص مراجعة الالتماسات المقدمة من الشركات للحصول على استثناءات بنهاية الأسبوع الجاري؛ لكن الشركة لا تزال تواجه كثيرا من الصعاب قبل الحصول على الاستثناء. ويُظهر تأثير التعريفات على شركتي «ميد كونتينانت» و«ديكيرو» السبب الذي جعل خبراء الاقتصاد يقولون بصوت عال إن الحمائية يمكنها أن تفعل أكثر من ذلك لتدمير الاقتصاد، وليس نموه. وقال أحد الخبراء إن سياسة ترمب التجارية ستجلب كثيرا من الضرر على الاستثمارات الأجنبية في الولايات المتحدة، نظرا لأن تلك الشركات تتردد كثيرا قبل أن تنفق المال، وسط جو يشوبه الشك وعدم اليقين من القوانين في المستقبل.
- تغلغل الاستثمارات المكسيكية في أميركا
بين عامي 2005 و2016، تضاعفت الاستثمارات المكسيكية الأجنبية المباشرة في الولايات المتحدة أربعة أضعاف، لتصل إلى 17 مليار دولار، وهو التمويل الذي دعم أكثر من 123 ألف فرصة عمل للأميركيين.
الأمثلة واضحة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، حتى لو لم يدرك الأميركان أنهم يشترون منتجات مكسيكية. فشركة «سيميكس» المكسيكية، تعد أحد أكبر شركات إنتاج الإسمنت في الولايات المتحدة. وتمتلك شركة «غروبو إلكترا» شركة «أدفانس أميركا» التي تعد أكبر الشركات المقرضة في الولايات المتحدة. وتنتج شركة المخبوزات المكسيكية «بيمبو» حاليا منتجات شهيرة في الولايات المتحدة، مثل فطائر «سارا لي» وفطائر «أنتينمان» الخفيفة، ويعمل بالشركة 20 ألف عامل.
ويعود الفضل في تلك الاستثمارات إلى اتفاق «نافتا» (اتفاق التجارة الحرة بين دول أميركا الشمالية) وإلى الاقتصاد المكسيكي الحر الذي شجع شركاته على العمل خارج الحدود، بحثا عن فرص استثمارية.
وقد هدد ترمب مرارا بالانسحاب من اتفاقية «نافتا»، ودخلت إدارته في مباحثات مع مسؤولين مكسيكيين وكنديين لإعادة تفعيل اتفاق التجارة الذي أبرم عام 1994. وفي هذا الخصوص، قال أندرو سيلي، رئيس معهد سياسة الهجرة ومؤلف كتاب عن العلاقات المكسيكية: «أعتقد أن العام ونصف العام الماضي قد حمل صدمات لنا، وأرى أنه كان من المفترض أن تكون هذه المنطقة خالية من الخلافات الاقتصادية في ظل اتفاقية (نافتا)».
ومع انتظارها لسماع أنباء عن الإعفاءات، وجدت شركة «ميد كونتينانت» نفسها، وعلى غير المتوقع وبصورة غير مريحة، وسط معركة سياسية تدور رحاها حول حرب ترمب الاقتصادية.
- معركة سياسية في ولاية مؤيدة لترمب
وجاءت السيناتور كلير ماكسكيل (عضو الحزب الديمقراطي عن ولاية ميسوري) التي فازت في معركة انتخابية حامية بنسبة 19 في المائة عام 2016، في ولاية فاز فيها ترمب بغالبية الأصوات، لتستغل ورطة الشركة واستجوبت وزير التجارة، ويلبر روس، خلال جلسة استماع في الكونغرس الشهر الماضي. وتتبعتها وسائل الإعلام الأسبوع التالي في جولتها بمرافق الشركة، على الرغم من حرارة الجو الشديدة.
في الظروف العادية، كانت الشركة ستتوقف عن العمل بعدما ارتفع مؤشر الحرارة إلى ما فوق 105 درجات فهرنهايت (40 مئوية). ولأن زيارة ماكسكيل كانت متوقعة، فقد استمر العمال في العمل وفق نوبات عمل نظمها مديروهم داخل وخارج غرف مكيفة الهواء. وصرحت ماكسكيل بينما ترتدي بدلة أمان، بأن «الوقت قد حان لوضع نهاية لتلك الحرب التجارية». وفيما جعلت ماكسكيل من الشركة سببا لحملتها للاستمرار في منصبها، في الولاية التي منحت أصواتها لترمب، لم يهتم أعضاء الحزب الجمهوري كثيرا بالقضية؛ حيث حاولوا تعزيز تأييدهم لترمب في ظل التهديدات الاقتصادية التي جلبتها التعريفات الجديدة للبلاد.
ووسط الجدال الدائر حول تعريفات ترمب، خضعت الشركة لمزيد من التدقيق أيضا. فعلى مدى سنوات، خاضت شركتا «ميد كونتينانت» و«ديكيرو» حروبا تجارية صغيرة.
وفي تصريح رسمي، أشارت وزارة التجارة إلى أن شركة «ديكيرو» تواجه منذ عام 2009 اتهامات بتعمد إغراق الصلب (ممارسة تجارية تهدف إلى إضعاف المنافسين، ببيع السلعة في دولة أجنبية بسعر يقل عن سعر السوق). وأفاد غلاسمان، المتحدث الرسمي للشركة، بأن المراسلات السابقة بين وزارة التجارة وشركة «ديكيرو» لم يكن لها أي علاقة باستثناء الشركة من التعريفة الجديدة.
وطالبت شركة «ميد كونتينانت» الحكومة في بعض الأحيان بالتدخل في التعامل مع المنافسة الأجنبية. فقد أقام هذا القطاع التجاري دعاوى قضائية ضد مختلف دول العالم، ومنها الصين وكوريا وعمان وماليزيا، يتهمها فيها بتعمد إغراق السوق بالمسامير بأسعار أقل من السوق، مما يضر بالولايات المتحدة، بحسب مسؤولي الشركة.
والآن هناك منافس يعترض على طلب شركة «ميد كونتينانت» للحصول على إعفاء من التعريفة الجديدة. وقد أفاد روجر أورليو، الذي يدير شركة صغيرة لإنتاج المسامير في مدينة «غريفت» بولاية إنديانا، والتي تعيد بيع مسامير شركة «ميد كونتينانت» ومسامير غيرها من الشركات، بأن شركة «ميد» لم تقل سوى نصف القصة في الإعلام. وجادل أورليو بأن شركة «ميد كونتينانت» لم تكن شفافة بشأن حقيقة أنه رغم وقوعها في ولاية ميسوري، فهي شركة مكسيكية الملكية، ومنتجاتها يدون عليها «صنع في الولايات المتحدة» وأنها صنعت من حديد مكسيكي.
ويجادل أورليو كذلك بأنه في حال حصلت شركة «ميد» على إعفاءات ضريبية للاستيراد من المكسيك، فسوف يضعها ذلك في منافسة غير عادلة مع منافسيها.
وجادل أورليو بأن شركة «ميد» تحاول الحصول على مزايا ضريبية، رغم أن مالكيها غير أميركيين. ومن جانبهم رد مسؤولو «ميد» بأن أورليو، الذي يبيع المسامير ولا ينتجها، يستفيد من التعريفة التي تثقل كاهل شركة «ميد» المصنعة؛ لأنه يحصل على سعر أعلى للمسامير.
قال غلاسمان: «اشترى المستثمرون المكسيكيون شركة (ميد كونتيننتال) عام 2012، وأقاموا استثمارات برأسمال كبير، وأنفقوا كثيرا من المال في محاربة منافسة غير عادلة مع آسيا». واستطرد غلاسمان بقوله: «كانت النتيجة وجود 500 عامل، وهو ضعف العدد منذ خمس سنوات، جميعهم أميركيون، ويرعون عائلات أميركية».
وفي غضون ذلك، تسبب بروز شركة «ميد كونتينانت» في تسليط الضوء على مسؤوليها، وبات بعضهم هدفا للتحرش من قبل أعضاء حزب ترمب. وقاد أفاد برات، الذي رفض الإفصاح عن وجهة صوته في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بأنه بدأ يتلقى عشرات المكالمات يوميا من مختلف أنحاء البلاد، يسألون فيها عن سياسته. والرسالة، بحسب برات، كانت تقول: «لقد صوت لصالح ترمب. ما انطباعك الآن؟».
- خدمة «واشنطن بوست»


مقالات ذات صلة

تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية عقب بيانات تضخم يوليو

الاقتصاد مبنى وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن (رويترز)

تراجع عوائد سندات الخزانة الأميركية عقب بيانات تضخم يوليو

انخفضت عوائد سندات الخزانة الأميركية يوم الأربعاء، بعد أن أظهرت البيانات ارتفاعاً طفيفاً في أسعار المستهلكين في يوليو (تموز).

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد عبوات من الدجاج في أحد المتاجر الكبرى بمدينة هيوستن (أ.ف.ب)

متماشياً مع التوقعات... التضخم الأميركي يتباطأ إلى 3.4 في المائة في يوليو

ارتفعت أسعار المستهلكين في الولايات المتحدة بوتيرة طفيفة في يوليو (تموز)، بما يتماشى مع التوقعات، في تطور قد يضعف مبررات مجلس الاحتياطي الفيدرالي لرفع الفائدة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد متعاملون في بورصة نيويورك يراقبون شاشة تعرض المؤتمر الصحافي لرئيس «الفيدرالي» كيفين وارش عقب إعلان قرار الفائدة 29 يوليو الماضي (رويترز)

هل يفرض تراجع «الفيدرالي» عن توجيهاته المسبقة تكلفة باهظة على الأسواق؟

منذ تولي كيفين وارش رئاسة «الاحتياطي الفيدرالي» في عام 2026، اعتمد البنك المركزي الأميركي استراتيجية تواصل أكثر بساطة، فتخلى عن التوجيهات المستقبلية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
الاقتصاد متداول يراقب شاشات تعرض مؤشرات الأسهم في بورصة نيويورك (أ.ب)

مكاسب محدودة للعقود الآجلة الأميركية قبل بيانات التضخم

ارتفعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية قليلاً يوم الأربعاء قبيل صدور تقرير التضخم الرئيسي الذي قد يؤثر في مسار السياسة النقدية

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد متداولون يعملون في بورصة نيويورك (أ.ب)

«وول ستريت» قرب مستوياتها القياسية مع استمرار تقلبات أسعار النفط

تحوم الأسهم الأميركية قرب مستوياتها القياسية، يوم الثلاثاء، بينما تُواصل أسعار النفط تقلباتها وسط حالة من عدم اليقين بشأن موعد استئناف تدفق الخام بحرية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

«السيادي السعودي» يدخل مرحلة «تحقيق القيمة» مع تعزيز مشاركة القطاع الخاص

برج صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
برج صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«السيادي السعودي» يدخل مرحلة «تحقيق القيمة» مع تعزيز مشاركة القطاع الخاص

برج صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
برج صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

يدخل صندوق الاستثمارات العامة السعودي مرحلة جديدة في مسيرته الاستثمارية، عنوانها الأبرز الانتقال من النمو والتوسع إلى «تحقيق القيمة المستدامة»، مع تركيز أكبر على كفاءة توظيف رأس المال، وتعظيم أداء الأصول القائمة، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، في تحول يعكس وصول عدد من القطاعات والمشاريع التي أسسها الصندوق خلال السنوات الماضية إلى مستويات أكثر نضجاً.

وتكشف استراتيجية الصندوق للفترة من 2026 إلى 2030 عن تحول في طبيعة دوره؛ فمن مرحلة اتسمت بتوظيف رأس المال على نطاق واسع لتأسيس القطاعات والشركات والمشاريع الكبرى، إلى مرحلة يصبح فيها الاستثمار النشط والأداء والانضباط المالي وتكامل المنظومات الاقتصادية محددات رئيسية للقرارات الاستثمارية.

وتأتي الاستراتيجية بعد مرحلة توسع رفعت الأصول تحت الإدارة إلى أكثر من 3.4 تريليون ريال (906.6 مليار دولار) بنهاية 2025، في حين بلغت مساهمة الصندوق نحو 11 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي للمملكة في العام نفسه، ووصلت نسبة المحتوى المحلي لدى الصندوق وشركات محفظته إلى 57 في المائة في 2024.

وقال ياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة، في تقرير الاستراتيجية إن الصندوق ينفرد بطبيعة مهمته بوصفه مستثمراً محلياً ودولياً يسعى إلى تحقيق عوائد طويلة الأمد، وفي الوقت نفسه يمثل محركاً للتحول الاقتصادي في السعودية.

وأكد أن المرحلة الجديدة تستند إلى نهج استثماري طويل الأجل يركز على بناء محفظة متينة، وتعظيم قيمة الأصول، ودعم القطاعات التحولية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، مع توزيع الاستثمارات بصورة منضبطة وتحقيق قيمة مستدامة عبر منظومة الصندوق. وشدد على أن قياس النجاح لا يقتصر على النتائج المالية قصيرة الأجل، بل يمتد إلى تنويع الاقتصاد، وبناء القدرات الوطنية، وتعزيز مرونته على المدى الطويل.

من «النمو» إلى «القيمة»

وتتمثل إحدى أهم رسائل الاستراتيجية في أن حجم الاستثمار وحده لم يعد المعيار الأساسي للمرحلة المقبلة. فالسنوات الخمس حتى 2030 ستشهد تركيزاً أكبر على رفع أداء المحفظة ومرونتها وتعظيم أثرها عبر الدورات الاقتصادية، مع تحقيق توازن بين استمرار نمو أصول الصندوق والتوسع المنضبط في المنظومات الاقتصادية، إلى جانب توطين التقنيات والمعرفة وبناء الشراكات الاستراتيجية.

ويعني ذلك أن الصندوق سيواصل توظيف رأس المال محلياً ودولياً، لكن بصورة أكثر انتقائية، مع التركيز على التوقيت والقطاعات التي توفر فرص نمو واعدة، والحفاظ في الوقت نفسه على القدرة على اقتناص الفرص التي تفرزها التحولات الاقتصادية العالمية.

وتحدد الاستراتيجية سبعة أهداف رئيسية، تشمل تنفيذ الاستثمارات والمشاريع المحفزة للمنظومات الاقتصادية المحلية، والإدارة الفعالة للأصول الاستراتيجية، وتعظيم العوائد المالية المعدلة حسب المخاطر، وتعزيز مصادر التمويل، وزيادة التكامل بين المحافظ الاستثمارية، وتعظيم الأثر الاقتصادي وسلاسل القيمة بالتعاون مع القطاعين الخاص والحكومي، فضلاً عن رفع الكفاءة المؤسسية والاستفادة من الذكاء الاصطناعي والبيانات.

ثلاث محافظ

وتعيد الاستراتيجية تنظيم استثمارات الصندوق ضمن ثلاث محافظ رئيسية: محفظة الرؤية، والمحفظة الاستراتيجية، والمحفظة المالية، في هيكل يهدف إلى تحقيق توازن أوضح بين العوائد المالية والأهداف الوطنية ومستويات المخاطر المختلفة.

وتقود «محفظة الرؤية» جانباً رئيسياً من التنمية المحلية عبر ست منظومات اقتصادية متكاملة، تشمل السياحة والسفر والترفيه، والتطوير العمراني والتنمية الحضرية، والصناعات المتقدمة والابتكار، والصناعة والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية للطاقة النظيفة والمتجددة والمياه، و«نيوم».

أما «المحفظة الاستراتيجية»، فتركز على إدارة وتعظيم عوائد الأصول الاستراتيجية وتحويل شركات الصندوق إلى شركات عالمية رائدة، مع الاستثمار في مجالات مستقبلية مرتبطة بالتقنية والاستدامة والتحول الصناعي، إضافة إلى تعزيز السيولة من خلال الإدراج والأنشطة في الأسواق المالية. في المقابل، تستهدف «المحفظة المالية» تحقيق عوائد مالية مستدامة من الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة عالمياً، وتنويع المحفظة وتعزيز قدرتها على تنمية الثروة الوطنية للأجيال المقبلة.

القطاع الخاص

ولعل الرسالة الاقتصادية الأكثر وضوحاً في الاستراتيجية الجديدة تتمثل في توسيع انتقال دور القطاع الخاص من الشريك والمستفيد إلى قيادة النمو والتشغيل والتوسع في المنظومات التي أسسها الصندوق.

فوفق الاستراتيجية، يتدخل الصندوق في المراحل الأولى لدعم التوسع وتقليل المخاطر وتحفيز الطلب، لكن مع وصول المنظومات إلى مستويات متقدمة من النضج، يفترض أن تتولى شركات القطاع الخاص والمشغلون والمطورون والمصنعون ومقدمو الخدمات والمستثمرون قيادة مراحل التنفيذ والتشغيل والتوسع.

ويترافق ذلك مع تغيير في آليات التمويل، إذ تتجه الاستراتيجية نحو الاعتماد بصورة متزايدة على مزيج من رأس المال المملوك للصندوق، والأرباح المبقاة، والاستثمارات الخاصة المحلية والدولية، بما يسمح بإعادة تدوير رأس المال ورفع كفاءة الميزانية وتحويل الأصول تدريجياً من نموذج تطوير يقوده القطاع العام إلى نمو يقوده القطاع الخاص.

انضباط أكبر في رأس المال

كما تضع الاستراتيجية «الاستثمار النشط» في صميم المرحلة الجديدة، بحيث لا يقتصر دور الصندوق على امتلاك الأصول، وإنما يمتد إلى العمل المباشر مع شركات المحفظة لتحسين الحوكمة وإدارة المخاطر والكفاءة التشغيلية والمكانة الاستراتيجية.

وسيخضع تخصيص رأس المال لمراجعات مستمرة، بما يسمح بإعادة توجيهه وفق الأولويات والجدوى التجارية وقدرة المشاريع على جذب استثمارات من أطراف أخرى. كما قد يشمل تحسين إدارة المحفظة إعادة النظر في الجداول الزمنية للمشاريع، ودمج بعض الأنشطة ذات الصلة وتعزيز التكامل بينها عندما يؤدي ذلك إلى رفع الكفاءة.

ويبرز التوطين كذلك بوصفه أداة للانضباط المالي وليس مجرد هدف مستقل؛ إذ تربطه الاستراتيجية بتطوير الموردين المحليين، وتقوية سلاسل الإمداد، وتقليل مخاطر التنفيذ، وتحسين الكفاءة، وبناء قدرات وطنية أكثر استدامة.

العوائد

وفي رسالة أخرى لافتة، تؤكد الاستراتيجية أن أداء الصندوق، بصفته مستثمراً طويل الأجل، لن يقاس بالنتائج الربعية أو تقلبات الأسواق قصيرة المدى. ورغم أن العائد المالي يظل عنصراً أساسياً، فإنه ليس المعيار الوحيد للنجاح.

فالقياس سيمتد إلى جودة المحفظة، والمساهمة في الاقتصاد غير النفطي، وتنويع الاقتصاد، وبناء القدرات الوطنية، والتوطين، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، إضافة إلى قدرة الاستثمارات على تعزيز متانة الاقتصاد السعودي ومرونته على المدى الطويل.

وبذلك، ترسم استراتيجية 2026 - 2030 تحولاً في وظيفة الصندوق من «بناء القطاعات» إلى «تعظيم قيمة المنظومات»، ومن التوسع في توظيف رأس المال إلى رفع كفاءته، ومن قيادة القطاع العام للمراحل التأسيسية إلى تمكين القطاع الخاص من تولي مساحة أكبر في النمو.

وهو تحول يشير إلى أن المرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بعدد المشاريع الجديدة أو حجم الأموال المستثمرة، وإنما بقدرة الأصول التي بُنيت خلال العقد الماضي على توليد عوائد مستدامة، وجذب رؤوس أموال جديدة، وخلق قطاعات قادرة تدريجياً على النمو والتوسع بآليات السوق، مع استمرار الصندوق في دوره باعتباره مستثمراً طويل الأجل ومحركاً للتحول الاقتصادي في المملكة.


زيادة مفاجئة وكبيرة في مخزونات النفط الأميركية

صهاريج تخزين النفط الخام والبنزين والديزل والمنتجات البترولية المكررة الأخرى في كارسون بكاليفورنيا (رويترز)
صهاريج تخزين النفط الخام والبنزين والديزل والمنتجات البترولية المكررة الأخرى في كارسون بكاليفورنيا (رويترز)
TT

زيادة مفاجئة وكبيرة في مخزونات النفط الأميركية

صهاريج تخزين النفط الخام والبنزين والديزل والمنتجات البترولية المكررة الأخرى في كارسون بكاليفورنيا (رويترز)
صهاريج تخزين النفط الخام والبنزين والديزل والمنتجات البترولية المكررة الأخرى في كارسون بكاليفورنيا (رويترز)

قالت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، إن مخزونات النفط الخام في الولايات المتحدة، باستثناء البراميل الموجودة في الاحتياطي البترولي الاستراتيجي، زادت على نحو مفاجئ محققة أكبر ارتفاع على أساس أسبوعي منذ يناير (كانون الثاني) 2023 في ظل تراجع الصادرات.

وأضافت الإدارة في تقريرها الأسبوعي الذي يحظى بمتابعة واسعة، أن مخزونات النفط الخام ارتفعت 17.4 مليون برميل إلى 424.4 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في السابع من أغسطس (آب) مسجلة أعلى مستوى منذ الخامس من يونيو (حزيران)، مقارنة مع توقعات محللين في استطلاع أجرته «رويترز» بانخفاضها 1.4 مليون برميل.

وارتفعت مخزونات النفط الخام في مركز التسليم في كاشينغ بولاية أوكلاهوما 1.6 مليون برميل.

وتراجعت العقود الآجلة لخامي غرب تكساس الوسيط الأميركي وبرنت بعد صدور التقرير الذي أظهر زيادة مفاجئة وكبيرة في المخزونات.

وأفادت الإدارة بزيادة معدلات استهلاك الخام بالمصافي 26 ألف برميل يومياً خلال الأسبوع، وأن معدلات تشغيل المصافي تراجعت 0.3 نقطة مئوية.

وقالت الإدارة إن مخزونات البنزين في الولايات المتحدة انخفضت مليون برميل خلال الأسبوع إلى 208.7 مليون برميل، مقارنة مع توقعات بتراجعها 1.2 مليون برميل.

وأظهرت بيانات الإدارة أن مخزونات نواتج التقطير، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، انخفضت 10 آلاف برميل خلال الأسبوع إلى 107.1 مليون برميل، مقابل توقعات بتراجعها 1.3 مليون برميل.

وقالت الإدارة إن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام ارتفع 1.77 مليون برميل يومياً.


الصكوك الضريبية في مصر... أداة مالية لتعزيز الإيرادات أم ترحيل آجل للأزمة؟

السيسي خلال اجتماع مع رئيس الحكومة ووزير المالية في مدينة العلمين (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال اجتماع مع رئيس الحكومة ووزير المالية في مدينة العلمين (الرئاسة المصرية)
TT

الصكوك الضريبية في مصر... أداة مالية لتعزيز الإيرادات أم ترحيل آجل للأزمة؟

السيسي خلال اجتماع مع رئيس الحكومة ووزير المالية في مدينة العلمين (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال اجتماع مع رئيس الحكومة ووزير المالية في مدينة العلمين (الرئاسة المصرية)

تتجه مصر إلى طرح صكوك ضريبية قالت إنها «سيتم تمويلها من جانب الممولين وتخصم من التزاماتهم الضريبية المستقبلية على أن يكون العائد عليها بسعر جيد ومناسب بما يساهم في خفض الاحتياجات التمويلية».

تلك الخطوة الجديدة أقرها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، وقال مسؤول حكومي إنها ستطرح خلال أسابيع، وحسب خبراء اقتصاد تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» فإنها آلية مالية جديدة تحمل فرصاً تتمثل في تعزيز الإيرادات، مقابل تحفظات ترى أنها تضخ سيولة في الأجل القصير وتفتح قناة تمويل إضافية، لكنها لا تعالج أصل المشكلة التمويلية، إذ إنها تقوم بترحيل المشكلة فقط مع زيادة الأعباء الآجلة.

وارتفعت الإيرادات الضريبية في موازنة مصر بشكل ملحوظ بنحو 31.4 في المائة خلال أول 7 أشهر من العام المالي الحالي على أساس سنوي إلى نحو 1.408 تريليون جنيه.

وحسب التقرير المالي لوزارة المالية، عن شهر يوليو (تموز) 2026 فإن الإيرادات الضريبية ارتفعت بنسبة 27.5 في المائة مقارنة بالفترة نفسها من العام السابق، لتسجل 2.488 تريليون جنيه خلال أول أحد عشر شهراً من العام المالي (أول يوليو وينتهي آخر يونيو من العام التالي)، بما يعادل 11.7 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

موافقة رئاسية

وافق السيسي على «مقترح إصدار صكوك ضريبية يتم تمويلها من جانب الممولين وتخصم من التزاماتهم الضريبية المستقبلية على أن يكون العائد عليها بسعر جيد ومناسب وبما يساهم في خفض الاحتياجات التمويلية ومن ثم فاتورة خدمة الدين»، وفقاً لبيان للرئاسة المصرية.

ماذا يعني ذلك؟

حسب النائب أشرف عبد الغني، أمين سر اللجنة الاقتصادية في مجلس الشيوخ ومؤسس جمعية خبراء الضرائب المصرية، فإن السيسي وافق على إصدار الصكوك الضريبية لتخفيف الضغط على الموازنة العامة للدولة وتوفير مصدر تمويل جديد لا يعتمد على الاقتراض التقليدي.

وفي المقابل يحصل المستثمر على عوائد من أموال كان سيدفعها لاحقاً في صورة ضرائب، وبذلك يتحول الالتزام الضريبي المستقبلي إلى أداة استثمارية تحقق عوائد، وذلك يتشابه إلى حد كبير مع نظام الدفعات المسبقة، وفق بيان للبرلماني المصري.

وأشار أمين سر اللجنة الاقتصادية في الشيوخ إلى تحديات رئيسية تواجه نجاح الصكوك الضريبية أهمها عدم قدرة المشروعات الصغيرة وأغلب المشروعات المتوسطة علي الاكتتاب في الصكوك لاحتياجها إلي السيولة، فضلاً عن أن الصكوك الضريبية تعد شكلاً من أشكال الدين، وهو ما يؤدي إلى الضغط على الإيرادات لاحقاً بدلاً من خلق موارد حقيقية أو نمو إنتاجي مستدام، بخلاف الضغط على موارد الدولة عند صرف عوائد الصكوك، مما يمثل عبئاً إضافياً على خزانة الدولة.

هندسة مالية

من جانبه يرى الخبير المصرفي محمد عبد العال أن مقترح إصدار الصكوك الضريبية يمثل خطوة متطورة في الفكر المالي للدولة، وهو بمثابة هندسة مالية تهدف في المقام الأول إلى إدارة التدفقات النقدية الفورية وتخفيف الضغط الحالي على تكلفة خدمة الدين، بعيداً عن أدوات الاقتراض التقليدية المكلفة.

بينما يميل الخبير الاقتصادي المصري مدحت نافع إلى التحفظ على طرح الصكوك الضريبية، موضحاً أن جوهر الفكرة يبدو أقرب إلى تقديم إيرادات ضريبية مستقبلية للحصول على سيولة حالية منه إلى خلق مورد مالي جديد.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنها قد توفر للحكومة سيولة في الأجل القصير وتفتح قناة تمويل إضافية، لكنها لا تعالج أصل المشكلة التمويلية، وقد تتحول عملياً إلى شكل من أشكال الاقتراض غير التقليدي إذا كانت الدولة ستدفع مقابلاً أو خصماً للممولين».

تفاصيل الطرح

وعن تفاصيل ذلك الطرح، أوضح وائل السيد، مدير عام ضرائب الدخل بقطاع البحوث الضريبية بمصلحة الضرائب، في تصريحات متلفزة، أن مدة الصكوك الضريبية تبلغ عاماً واحداً، مشيراً إلى أن الصكوك الضريبية تتمتع بالإعفاء من الخضوع للضريبة.

وكشف عن أن الصكوك الضريبية من المتوقع طرحها رسمياً خلال أسابيع قليلة جداً، مؤكداً أن وزارة المالية تستهدف إشراك المجتمع الضريبي في هذه الخطوة، من خلال إعلان الضوابط ومناقشتها مع الممولين، والاستماع إلى مقترحاتهم وآرائهم قبل تطبيقها بما يضمن توافق الضوابط مع احتياجاتهم، وأن تكون قابلة للتطبيق العملي بسهولة ويسر.

ومع ذلك، «يجب أن ننظر إلى هذه الأداة بواقعية اقتصادية؛ فالصكوك الضريبية تعني ببساطة تحصيل 'ضرائب المستقبل اليوم'، وهو ما يفرض تحدياً جوهرياً يتعلق بكيفية تعويض هذه الإيرادات في موازنات السنوات المقبلة»، وفق الخبير المصرفي محمد عبد العال.

ويرى عبد العال أن النجاح الحقيقي لهذه الأداة لا يقاس فقط بحجم السيولة التي ستوفرها الآن، بل بمدى قدرة الدولة على توجيه هذه الأموال نحو مشاريع استثمارية وإنتاجية تولد نمواً حقيقياً، وليس لتمويل مصاريف جارية، مؤكداً أننا أمام أداة مبتكرة، لكنها تتطلب حذراً شديداً وضمانات صارمة لضمان ألا تتحول إلى مجرد ترحيل للأعباء التمويلية.

وينبه الخبير الاقتصادي المصري مدحت نافع إلى أن جاذبية تلك الصكوك للممولين تقف على طبيعة المزايا المصاحبة لها، سواء في صورة عائد أو خصم أو حق في تسوية التزامات ضريبية مستقبلية. لكن كلما زادت هذه المزايا ارتفعت في المقابل التكلفة الحقيقية التي تتحملها الدولة.

وأضاف: «إذا كان الهدف هو سد فجوة تمويلية أو تمويل نفقات جارية، فإن الصكوك الضريبية قد تؤجل المشكلة أكثر مما تحلها، بل قد تنقل عبء التمويل من الحاضر إلى الموازنة في السنوات المقبلة»، مستطرداً: «أما إذا ارتبطت بإيرادات إضافية مؤكدة وبمشروعات تولد عائداً يفوق تكلفة التمويل، فقد يكون لها مبرر اقتصادي محدود، بشرط وجود سقوف واضحة وشفافية كاملة وعدم استخدامها وسيلةً للالتفاف على حدود الدين العام، فضلاً عن ذلك تتضمن الفكرة إشارات سلبية للممولين والمستثمرين على السواء».