كيف يفقد عمال أميركيون وظائفهم بسبب سياسات ترمب؟

كريس برات - مدير في شركة «ميد كونتنانت»
كريس برات - مدير في شركة «ميد كونتنانت»
TT

كيف يفقد عمال أميركيون وظائفهم بسبب سياسات ترمب؟

كريس برات - مدير في شركة «ميد كونتنانت»
كريس برات - مدير في شركة «ميد كونتنانت»

عندما اشترت شركة مكسيكية مؤسسة «ميد كونتينانت نيل كورب» عام 2012، شعر العمال هنا بأنها بداية النهاية، وراودتهم الظنون بأن وظائفهم ستذهب لعمال أقل أجرا في المكسيك، وأن ذلك سيجلب مزيدا من الخسائر للصناعات الأميركية جراء المنافسة في التجارة العالمية.
لكن حدث أن تضاعف حجم مصنع «ميد كونتينانت» منذ صفقة «ديكيرو»، ونظرا لتراجع القيود المفروضة على صادرات الصلب بعد توقيع اتفاقية «التجارة الحرة لدول أميركا الشمالية»، باتت الشركة ترسل شحنات الحديد إلى ولاية ميسوري. كذلك رفعت الشركة أجور العاملين المهرة للاستفادة من كلفة الطاقة الرخيصة في الولايات المتحدة، ومن سهولة توصيل البضائع إلى المستهلك الأميركي.
- نيران ترمب الصديقة
غير أن الرئيس دونالد ترمب فرض تعريفة جمركية 25 في المائة على واردات الصلب، ليرفع بذلك من كلفة الإنتاج، ويدفع شركة «ديكيرو» لإعادة التفكير في تلك الخطوة. وبعدما رفعت شركة «ميد كونتينانت» أسعار المسامير، تراجعت الطلبات عليها بواقع 70 في المائة، مقارنة بالفترة نفسها من العام الماضي، على الرغم من ازدهار صناعة الإنشاءات. وأفاد مسؤولو الشركة بأنه إن لم يجر تخفيف تلك الإجراءات فسيتوقف مصنع ميسوري عن العمل بحلول عيد العمال العالمي، وأن ما تبقى من الإنتاج ربما ينتقل إلى المكسيك أو لأي دولة أخرى.
ولذلك تسببت القيود التجارية الهادفة إلى منع ذهاب فرص العمل الأميركية إلى المكسيك، وإلى غيرها من الدول، في إعاقة جهود الشركة المكسيكية التي تقدر بمليارات الدولارات، وتعطيل مساعيها لخلق فرص عمل في الولايات المتحدة، وهي النتيجة التي لم تقصدها حرب ترمب العالمية التي أظهرت أنه من الصعب الهجوم على الشركاء التجاريين من دون إلحاق الضرر بالعمل داخل الولايات والبلاد.
لقد بدأت عمليات التسريح بالفعل، ويعمل بالشركة حاليا أكثر من 400 عامل، مقارنة بنحو 500 قبل تفعيل التعريفة الجديدة. كذلك أنهيت عقود العمالة المؤقتة، فيما رحل بعض العمال الدائمين إلى أعمال أخرى، في مؤشر على مزيد من التسريح الذي ربما ينتهي بإغلاق المصنع كليا.
وفي هذا الصدد، قال كريس برات، مدير العمليات بشركة «ميد كونتينانت»: «نحن الآن في وضع بتنا نحارب فيه دولتنا. يبدو أننا أصبحنا في معركة لم يكن لنا أن نخوضها من البداية». تحاول شركة «ديكيرو» أن تقرر ما يمكنها فعله لاحقا، وحاليا تستخدم الشركة الصلب الذي صدرته من قبل إلى الولايات المتحدة على هيئة معدات إنتاج أسلاك الحديد للأسواق المحلية، مما يجعل المستقبل غامضا.
وبحسب المتحدث الرسمي للشركة جيم غلاسمان: «من الواضح أن نقل صناعة المسامير إلى المكسيك أو لغيرها من الدول بات أمرا محتملا؛ لكنه يظل بديلا سيئا. شركة (ميد كونتينانت) لا تريد أن تتحرك ولا تنوي ذلك»، مضيفا أن «العمال هناك ما زالوا يأملون ويتوقعون أن ينقذ الرئيس ترمب وظائفهم».
أغرورقت عينا فيليب بينيت (37 عاما)، عامل صيانة بشركة «ميد كونتينانت»، عندما كان يتحدث عن ابنته، أبوري، البالغة من العمر خمسة أعوام، التي ولدت بعيب خلقي في القلب، يتطلب عددا من الجراحات التي يتحتم إجراؤها من خلال التأمين الصحي الذي منحته إياه شركة «ميد كونتينانت». وفي تعليقه على الأوضاع الحالية، قال بينيت، أحد أنصار ترمب: «هناك كثير من الأشياء الجيدة التي يؤديها (ترمب)، لكنه بات يؤثر علي شخصيا، ولا أحب ما يفعل». واستطرد: «أقصد أنني لا أتوقع منه أن يأتي إلى هنا ويطلع على أحوالنا. أتمنى لو أنه رأى تأثير ما يفعله ويرى الضرر الذي لحق بنا».
وفيما يخشى الناس في ولاية ميسوري مزيدا من إجراءات التسريح، لم يجر تسريح عامل مكسيكي واحد من عمله. وفي هذا الصدد، قال لويس ليل، نائب رئيس شركة «ديكيرو» لشؤون التجارة، في مقابلة عبر الهاتف من مقر الشركة بمدينة مونتيري المكسيكية: «لقد ساعدتنا قوة السوق المحلية (في المكسيك)».
- 5.5 دولار إضافية
وقد فرض ترمب تعريفات على واردات الصلب والألمنيوم في 1 يونيو (حزيران)، مستعينا ببند نادرا ما يستخدم، يسمح للرئيس بفرض عقوبات على الواردات بداعي الحفاظ على الأمن القومي. ولأن استخدام ذلك البند تزامن مع إجراءات جديدة استهدفت المكسيك وكندا والاتحاد الأوروبي والصين، وغيرهم من الشركاء التجاريين، فقد جاءت التعريفات الجديدة تنفيذا للوعود التي أطلقها ترمب خلال حملته الانتخابية، والتي بحسب نظره، ستنقذ العمال الأميركيين مما أطلق عليه «المذبحة الأميركية» التي تسببت فيها صفقات التجارة العالمية.
ورغم أن تعريفة 25 في المائة على واردات الحديد قد ساعدت صناعة الصلب الأميركية المحلية – بحسب ما أشارت وزارة التجارة في تصريح بأن كثيرا من مصانع الصلب قد عادت للعمل مجددا فيما توسع البعض الآخر – فإن ذلك قد أدى إلى زيادة الكلفة على الشركات الأميركية. فقد كانت شركة «ميد كونتينانت» تبيع علبة تحوي 50 مسمارا بسعر 27 دولارا، والآن أضافت مبلغ 5.5 دولار لتغطي التعريفة الجديدة، بحسب مسؤولي الشركة.
غير أن الشركات بإمكانها التقدم بطلب لوزارة التجارة للحصول على إعفاءات من تعريفات الصلب والألمونيوم، حال استطاعوا إثبات أن المنتجات التي يبحثون عنها لا يمكن الحصول عليها من داخل الولايات المتحدة بكميات كافية ونوعيات مناسبة.
لكن الحصول على هذه الاستثناءات أمر لا يخلو من الفوضى. فبعد فرض التعريفات في يونيو الماضي، شرعت الوزارة في تدريب 30 فنيا للقيام بعملية التقييم لمراجعة نحو 21 ألف التماس مقدم.
وفي هذا الإطار، أفادت وزارة التجارة بأنها ستتخذ خطوة أخرى فيما يخص مراجعة الالتماسات المقدمة من الشركات للحصول على استثناءات بنهاية الأسبوع الجاري؛ لكن الشركة لا تزال تواجه كثيرا من الصعاب قبل الحصول على الاستثناء. ويُظهر تأثير التعريفات على شركتي «ميد كونتينانت» و«ديكيرو» السبب الذي جعل خبراء الاقتصاد يقولون بصوت عال إن الحمائية يمكنها أن تفعل أكثر من ذلك لتدمير الاقتصاد، وليس نموه. وقال أحد الخبراء إن سياسة ترمب التجارية ستجلب كثيرا من الضرر على الاستثمارات الأجنبية في الولايات المتحدة، نظرا لأن تلك الشركات تتردد كثيرا قبل أن تنفق المال، وسط جو يشوبه الشك وعدم اليقين من القوانين في المستقبل.
- تغلغل الاستثمارات المكسيكية في أميركا
بين عامي 2005 و2016، تضاعفت الاستثمارات المكسيكية الأجنبية المباشرة في الولايات المتحدة أربعة أضعاف، لتصل إلى 17 مليار دولار، وهو التمويل الذي دعم أكثر من 123 ألف فرصة عمل للأميركيين.
الأمثلة واضحة في مختلف أنحاء الولايات المتحدة، حتى لو لم يدرك الأميركان أنهم يشترون منتجات مكسيكية. فشركة «سيميكس» المكسيكية، تعد أحد أكبر شركات إنتاج الإسمنت في الولايات المتحدة. وتمتلك شركة «غروبو إلكترا» شركة «أدفانس أميركا» التي تعد أكبر الشركات المقرضة في الولايات المتحدة. وتنتج شركة المخبوزات المكسيكية «بيمبو» حاليا منتجات شهيرة في الولايات المتحدة، مثل فطائر «سارا لي» وفطائر «أنتينمان» الخفيفة، ويعمل بالشركة 20 ألف عامل.
ويعود الفضل في تلك الاستثمارات إلى اتفاق «نافتا» (اتفاق التجارة الحرة بين دول أميركا الشمالية) وإلى الاقتصاد المكسيكي الحر الذي شجع شركاته على العمل خارج الحدود، بحثا عن فرص استثمارية.
وقد هدد ترمب مرارا بالانسحاب من اتفاقية «نافتا»، ودخلت إدارته في مباحثات مع مسؤولين مكسيكيين وكنديين لإعادة تفعيل اتفاق التجارة الذي أبرم عام 1994. وفي هذا الخصوص، قال أندرو سيلي، رئيس معهد سياسة الهجرة ومؤلف كتاب عن العلاقات المكسيكية: «أعتقد أن العام ونصف العام الماضي قد حمل صدمات لنا، وأرى أنه كان من المفترض أن تكون هذه المنطقة خالية من الخلافات الاقتصادية في ظل اتفاقية (نافتا)».
ومع انتظارها لسماع أنباء عن الإعفاءات، وجدت شركة «ميد كونتينانت» نفسها، وعلى غير المتوقع وبصورة غير مريحة، وسط معركة سياسية تدور رحاها حول حرب ترمب الاقتصادية.
- معركة سياسية في ولاية مؤيدة لترمب
وجاءت السيناتور كلير ماكسكيل (عضو الحزب الديمقراطي عن ولاية ميسوري) التي فازت في معركة انتخابية حامية بنسبة 19 في المائة عام 2016، في ولاية فاز فيها ترمب بغالبية الأصوات، لتستغل ورطة الشركة واستجوبت وزير التجارة، ويلبر روس، خلال جلسة استماع في الكونغرس الشهر الماضي. وتتبعتها وسائل الإعلام الأسبوع التالي في جولتها بمرافق الشركة، على الرغم من حرارة الجو الشديدة.
في الظروف العادية، كانت الشركة ستتوقف عن العمل بعدما ارتفع مؤشر الحرارة إلى ما فوق 105 درجات فهرنهايت (40 مئوية). ولأن زيارة ماكسكيل كانت متوقعة، فقد استمر العمال في العمل وفق نوبات عمل نظمها مديروهم داخل وخارج غرف مكيفة الهواء. وصرحت ماكسكيل بينما ترتدي بدلة أمان، بأن «الوقت قد حان لوضع نهاية لتلك الحرب التجارية». وفيما جعلت ماكسكيل من الشركة سببا لحملتها للاستمرار في منصبها، في الولاية التي منحت أصواتها لترمب، لم يهتم أعضاء الحزب الجمهوري كثيرا بالقضية؛ حيث حاولوا تعزيز تأييدهم لترمب في ظل التهديدات الاقتصادية التي جلبتها التعريفات الجديدة للبلاد.
ووسط الجدال الدائر حول تعريفات ترمب، خضعت الشركة لمزيد من التدقيق أيضا. فعلى مدى سنوات، خاضت شركتا «ميد كونتينانت» و«ديكيرو» حروبا تجارية صغيرة.
وفي تصريح رسمي، أشارت وزارة التجارة إلى أن شركة «ديكيرو» تواجه منذ عام 2009 اتهامات بتعمد إغراق الصلب (ممارسة تجارية تهدف إلى إضعاف المنافسين، ببيع السلعة في دولة أجنبية بسعر يقل عن سعر السوق). وأفاد غلاسمان، المتحدث الرسمي للشركة، بأن المراسلات السابقة بين وزارة التجارة وشركة «ديكيرو» لم يكن لها أي علاقة باستثناء الشركة من التعريفة الجديدة.
وطالبت شركة «ميد كونتينانت» الحكومة في بعض الأحيان بالتدخل في التعامل مع المنافسة الأجنبية. فقد أقام هذا القطاع التجاري دعاوى قضائية ضد مختلف دول العالم، ومنها الصين وكوريا وعمان وماليزيا، يتهمها فيها بتعمد إغراق السوق بالمسامير بأسعار أقل من السوق، مما يضر بالولايات المتحدة، بحسب مسؤولي الشركة.
والآن هناك منافس يعترض على طلب شركة «ميد كونتينانت» للحصول على إعفاء من التعريفة الجديدة. وقد أفاد روجر أورليو، الذي يدير شركة صغيرة لإنتاج المسامير في مدينة «غريفت» بولاية إنديانا، والتي تعيد بيع مسامير شركة «ميد كونتينانت» ومسامير غيرها من الشركات، بأن شركة «ميد» لم تقل سوى نصف القصة في الإعلام. وجادل أورليو بأن شركة «ميد كونتينانت» لم تكن شفافة بشأن حقيقة أنه رغم وقوعها في ولاية ميسوري، فهي شركة مكسيكية الملكية، ومنتجاتها يدون عليها «صنع في الولايات المتحدة» وأنها صنعت من حديد مكسيكي.
ويجادل أورليو كذلك بأنه في حال حصلت شركة «ميد» على إعفاءات ضريبية للاستيراد من المكسيك، فسوف يضعها ذلك في منافسة غير عادلة مع منافسيها.
وجادل أورليو بأن شركة «ميد» تحاول الحصول على مزايا ضريبية، رغم أن مالكيها غير أميركيين. ومن جانبهم رد مسؤولو «ميد» بأن أورليو، الذي يبيع المسامير ولا ينتجها، يستفيد من التعريفة التي تثقل كاهل شركة «ميد» المصنعة؛ لأنه يحصل على سعر أعلى للمسامير.
قال غلاسمان: «اشترى المستثمرون المكسيكيون شركة (ميد كونتيننتال) عام 2012، وأقاموا استثمارات برأسمال كبير، وأنفقوا كثيرا من المال في محاربة منافسة غير عادلة مع آسيا». واستطرد غلاسمان بقوله: «كانت النتيجة وجود 500 عامل، وهو ضعف العدد منذ خمس سنوات، جميعهم أميركيون، ويرعون عائلات أميركية».
وفي غضون ذلك، تسبب بروز شركة «ميد كونتينانت» في تسليط الضوء على مسؤوليها، وبات بعضهم هدفا للتحرش من قبل أعضاء حزب ترمب. وقاد أفاد برات، الذي رفض الإفصاح عن وجهة صوته في الانتخابات الرئاسية الأخيرة، بأنه بدأ يتلقى عشرات المكالمات يوميا من مختلف أنحاء البلاد، يسألون فيها عن سياسته. والرسالة، بحسب برات، كانت تقول: «لقد صوت لصالح ترمب. ما انطباعك الآن؟».
- خدمة «واشنطن بوست»


مقالات ذات صلة

تباطؤ الخدمات الأميركية مع تصاعد ضغوط الأسعار

الاقتصاد يتجمع الناس مع بدء المحكمة العليا دورتها الجديدة في مبنى الكابيتول بواشنطن (أ.ب)

تباطؤ الخدمات الأميركية مع تصاعد ضغوط الأسعار

تباطأ نشاط قطاع الخدمات في الولايات المتحدة خلال سبتمبر (أيلول)، مع استمرار قوة الطلب المحلي في الضغط على سلاسل الإمداد ودفع أسعار مدخلات الشركات إلى الارتفاع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد شعار بورصة نيويورك على أحد مداخلها بالولايات المتحدة (رويترز)

العقود الآجلة للأسهم الأميركية تتراجع مع التقاط أسهم التكنولوجيا الأنفاس

تراجعت العقود الآجلة لمؤشرات الأسهم الأميركية، خلال تعاملات الاثنين، مع التقاط أسهم التكنولوجيا الأنفاس بعد بلوغها مستويات قياسية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
الاقتصاد مدخل وزارة الخزانة الأميركية في واشنطن العاصمة (رويترز)

ارتفاع عوائد السندات الأميركية يضع واشنطن أمام خيارات صعبة

تتحمل الحكومة الأميركية تكاليف اقتراض متزايدة، في حين تتقلص أمامها الخيارات السهلة للحد من هذه التكاليف.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي خلال مؤتمر صحافي مشترك في البيت الأبيض بواشنطن (رويترز)

وزيرة المالية الهندية: مفاوضات اتفاق التجارة مع أميركا بلغت مرحلة الجمود

قالت وزيرة المالية الهندية نيرمالا سيثارامان، يوم الاثنين، إن مفاوضات اتفاق التجارة بين الهند والولايات المتحدة وصلت إلى مرحلة من الجمود.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
الاقتصاد منصة النفط الضخمة «فورتيس ألفا» واحدة من أوائل المنصات في بحر الشمال (أباتشي)

إضراب عمال «بحر الشمال» يهدد إمدادات النفط والوقود البريطانية

أيَّد أكثر من 160 عاملاً بحرياً لدى شركة «أباتشي» الأميركية بأغلبية ساحقة تنفيذ إضراب عن العمل خلال أكتوبر (تشرين الأول).

«الشرق الأوسط» (لندن)

مصر توقع مع «شيفرون» اتفاقية للتنقيب عن الغاز والنفط باستثمارات 88 مليون دولار

خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)
خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)
TT

مصر توقع مع «شيفرون» اتفاقية للتنقيب عن الغاز والنفط باستثمارات 88 مليون دولار

خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)
خلال توقيع الاتفاق بين الجانب المصري و«شيفرون» بحضور وزير البترول والثروة المعدنية (رئاسة الحكومة المصرية)

وقّعت الشركة المصرية القابضة للغازات الطبيعية «إيجاس» وشركة «شيفرون» العالمية اتفاقية جديدة للبحث عن الغاز الطبيعي والزيت الخام واستغلالهما في منطقة لوتس البحرية بالبحر المتوسط، باستثمارات حدها الأدنى 88 مليون دولار، تشمل حفر بئرين استكشافيتين وإعادة معالجة بيانات سيزمية ثلاثية الأبعاد.

وشهد وزير البترول والثروة المعدنية المصري كريم بدوي مراسم توقيع الاتفاقية، التي تأتي في إطار جهود الوزارة لتوسيع نطاق أعمال البحث والاستكشاف وطرح مناطق جديدة أمام شركات النفط والغاز العالمية.

ووقع الاتفاقية العضو المنتدب التنفيذي لـ«إيجاس» سيد سليم، ومدير الاستكشاف في «شيفرون» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا والبحر المتوسط أندرو ديجان، بحضور مدير «شيفرون» في مصر تشانا كوروكولا وعدد من قيادات الوزارة و«إيجاس».

وتقع منطقة لوتس البحرية على بُعد نحو 200 كيلومتر من ساحل البحر المتوسط، وتتراوح أعماق المياه فيها بين 2000 و2800 متر، ولم تشهد المنطقة من قبل حفر آبار استكشافية عميقة، ما يفتح مجالاً أمام استكشاف موارد جديدة من الغاز الطبيعي والزيت الخام.

وقال بدوي إن توسيع خريطة البحث والاستكشاف يمثل محوراً رئيسياً في استراتيجية الوزارة لزيادة الإنتاج المحلي من البترول والغاز، مشيراً إلى استمرار العمل على طرح مناطق جديدة أمام الشركات العالمية والاستفادة من البيانات الجيولوجية والسيزمية المتاحة، إلى جانب تنفيذ برامج جديدة للمسح السيزمي في مناطق واعدة.

وأضاف أن إجراءات الدولة لسداد مستحقات شركاء الاستثمار أسهمت في تعزيز الثقة بقطاع البترول المصري، ودفع الشركات إلى زيادة استثماراتها واستئناف برامج البحث والاستكشاف، بما يسمح بتكثيف أعمال حفر الآبار وتنمية الحقول وتسريع تنفيذ مشروعات الإنتاج.

وأشار الوزير إلى أن الوزارة تعمل على طرح مزيد من الفرص الاستثمارية في البحر المتوسط والصحراء الغربية والدلتا وخليج السويس وسيناء وجنوب مصر، بالتوازي مع برامج المسح السيزمي الجارية والمخطط لها، بهدف توفير بيانات أحدث وأكثر دقة عن التراكيب الجيولوجية وتحديد الفرص الواعدة.

وتعكس الاتفاقية استمرار «شيفرون» في الاستثمار في أنشطة البحث والاستكشاف في مصر، إذ تعمل الشركة حالياً في ست مناطق بحرية للبحث عن الغاز والبترول، تشمل نرجس وشمال الضبعة ولوتس وشمال غربي أتول وشمال سيميان، إلى جانب منطقة شمال كليوباترا البحرية في غرب المتوسط التي تشارك فيها مع «شل».

وشهدت أعمال «شيفرون» في مناطق امتيازها بالبحر المتوسط مؤشرات استكشافية واعدة، من بينها كشف نرجس للغاز، بينما أظهرت أعمال حفر بئر «فيلوكس» في منطقة شمال كليوباترا البحرية مؤخراً مؤشرات واعدة على وجود النفط الخام.


فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
TT

فرنسا وألمانيا تدفعان أوروبا نحو أداة تجارية للرد السريع

أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)
أعلام «الاتحاد الأوروبي» ترفرف خارج مقر «البنك المركزي الأوروبي» في فرانكفورت بألمانيا (رويترز)

اقترحت فرنسا وألمانيا أن يعتمد الاتحاد الأوروبي أداة جديدة تتيح له التحرك بسرعة للرد على الدول التي تلحق ضرراً باقتصاده، في مسعى لتعزيز قدرة التكتل على مواجهة عالم تتحول فيه التجارة بصورة متزايدة إلى أداة للضغط الاقتصادي.

ودعت باريس وبرلين، في وثيقة مشتركة نُشرت الاثنين، إلى تعزيز أدوات الدفاع التجاري الأوروبية وتسريع استخدامها في مواجهة ما وصفته بـ«التشوهات السوقية المنهجية والمستمرة»، التي تهدد الاقتصاد الأوروبي وقاعدته الصناعية وتؤدي إلى خسائر واسعة في الوظائف.

ولا تستهدف المبادرة دولة بعينها، إلا أن الممارسات التي حددتها الوثيقة، ومنها الإغراق والدعم واسع النطاق والقيود على قابلية تحويل العملات، تتطابق مع انتقادات أوروبية متكررة للصين.

وتأتي الوثيقة قبل عشرة أيام من قمة يعقدها قادة الاتحاد الأوروبي في بروكسل لمناقشة الاختلالات التجارية مع الصين، في وقت تتزايد فيه الضغوط على التكتل لتقليل اعتماده على شركاء تجاريين محددين وحماية قاعدته الصناعية.

تحرك خلال أيام

وقال مسؤولون ألمان إن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى أداة تتمتع بقوة مماثلة للرسوم الجمركية الأميركية بموجب المادة 301، أو القيود الصينية على صادرات المعادن الحيوية، بما يسمح له بالرد على الإجراءات التي تضر بمصالحه الاقتصادية.

ودعت فرنسا وألمانيا المفوضية الأوروبية إلى طرح أداتين جديدتين في أقرب وقت، تركز الأولى على تنويع مصادر الإمدادات وتأمين الأمن الاقتصادي، من خلال الحد من اعتماد الشركات الأوروبية على مصدر واحد لبعض السلع الحيوية.

أما الأداة الثانية، فتستهدف الحد من وصول دول إلى السوق الأوروبية الموحدة إذا أخلّت بظروف المنافسة العادلة عبر وسائل سياسية أو اقتصادية، من دون تحديد مسبق للحالات التي يمكن أن تؤدي إلى تفعيلها أو نوع الإجراءات التي ستُتخذ.

واقترحت الوثيقة أن يتم اعتماد أي مقترح من المفوضية لتفعيل إجراءات مضادة ضد دولة أخرى ما لم تعارضه أغلبية مؤهلة من دول الاتحاد، وهو شرط أقل صرامة من بعض الإجراءات التجارية الأخرى.

وقال مسؤولون في الحكومة الألمانية إن المفوضية ينبغي أن تكون قادرة على تفعيل الإجراءات الجديدة بسرعة، بما قد يعني التحرك خلال أيام.

لكن إنشاء الأداة الجديدة سيظل بحاجة إلى موافقة حكومات دول الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي.

«نهاية السذاجة التجارية»

وقال مستشار للرئاسة الفرنسية إن تحرك الاتحاد أصبح ملحاً، معتبراً أن الاختلالات التجارية مع بعض الشركاء أصبحت غير مستدامة، ومؤكداً رغبة باريس وبرلين في استخدام أدوات مكافحة الإغراق القائمة في أسرع وقت ممكن.

وقال المستشار للصحافيين إن فرنسا وألمانيا «حريصتان جداً على وضع حد للسذاجة في التجارة».


الصمود الرقمي... جاهزية سعودية لاستمرار الخدمات الحكومية

مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
TT

الصمود الرقمي... جاهزية سعودية لاستمرار الخدمات الحكومية

مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)
مواطن ينقل الصورة من أحد المؤتمرات في الرياض (واس)

طالب يتابع حصته الدراسية عبر فصل افتراضي، ومريض يحصل على استشارة طبية من منزله، ومستفيد يصل إلى وثيقته الرسمية عبر هاتفه... تفاصيل تختصر كيف أصبحت الخدمات الحكومية الرقمية جزءاً من الحياة اليومية في السعودية. ومع سهولة الوصول إليها، تبرز أهمية استمرارها، فالتعلّم والرعاية وإنجاز المعاملات احتياجات يومية تتطلّب جاهزية تحافظ على توافر الخدمة وتمكّن المستفيد من الاعتماد عليها عند الحاجة.

وفي ظل الأوضاع السياسية الراهنة في المنطقة وما يرتبط بها من مستجدات أمنية، تبرز أهمية هذا الاستعداد في دعم انتظام الحياة اليومية. ومن هنا، يتجاوز الصمود الرقمي مجرد إتاحة الخدمات إلكترونياً، إلى قدرة الجهات الحكومية على مواصلة تقديمها والتعامل مع الاحتياجات المتغيرة، بالاستناد إلى إدارة المخاطر والتخطيط لاستمرارية الأعمال.

طالب يتابع دروسه في منصة رقمية (الشرق الأوسط)

فما الذي تحقق حتى اليوم؟

تدعم هيئة الحكومة الرقمية هذا المسار عبر 3 خدمات مترابطة؛ تشمل تصنيف المنصات حسب أهميتها وتحديد أوقات الاسترداد المستهدفة لخدماتها، وتسجيل نسب توافر الخدمات الرقمية، وتنظيم الإبلاغ عن الانقطاعات عند الحاجة. وتساعد هذه الأدوات الجهات على المحافظة على استمرارية خدماتها، من خلال تحديد الأولويات، ومتابعة التوافر، وتوضيح مسؤوليات الإبلاغ، وفق «التقرير السنوي لهيئة الحكومة الرقمية».

وبالتوازي مع أدوات الجاهزية، بلغت نتيجة مؤشر نضج التجربة الرقمية لعام 2026 نسبة 87.06 في المائة، بعد تقييم 59 منصة. وبين جودة التجربة التي يقيسها المؤشر واستمرارية الأعمال التي تنظمها الضوابط والخدمات، يمتد العمل من تسهيل استخدام المنصة إلى دعم قدرتها على تقديم خدماتها.

المخاطر في صلب التخطيط

تبدأ المعالجة التنظيمية من «ضوابط إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال للحكومة الرقمية»، التي تستهدف التعامل مع المخاطر بصورة استباقية، من خلال بناء نظام لإدارتها وتحسينه باستمرار. وفي جانب استمرارية الأعمال، تتناول الضوابط بناء النظام وتفعيله، والتحقق من فاعليته، ومواصلة تطويره.

وتضع هذه المتطلبات إدارة المخاطر ضمن دورة العمل المؤسسي، فلا تنتهي المهمة بإعداد الخطة، بل تشمل التحقق من فاعليتها وتحسينها. ويرتبط ذلك مباشرة بمواكبة المتغيرات، إذ يصبح الاستعداد عملية مستمرة ترتبط بطريقة إدارة الخدمات، لا إجراء يُستدعى في ظرف بعينه.

ومن هنا، يكتسب الربط بين المخاطر واستمرارية الأعمال أهميته؛ من خلال فهم ما قد يؤثر في الخدمة، وتنظيم الاستعداد للتعامل معه، وتوجيه الموارد والإجراءات نحو الأعمال ذات الأولوية.

للخدمة أولوية ووقت

وعلى مستوى التطبيق، تتيح «خدمة تصنيف المنصات والتطبيقات الحكومية» للجهات تصنيف منصاتها وتطبيقاتها، وتحديد أوقات الاسترداد المستهدفة للخدمات الرقمية، حسب مستوى أهميتها وأثر انقطاعها.

ويضع ذلك طبيعة الخدمة وأثرها أساساً لترتيب الأولويات، فالمنصات لا تُعامل باعتبارها متطابقة في متطلبات الاستمرارية. ويُضاف إلى التصنيف هدف زمني للاسترداد، يحدد ما تستهدف ترتيبات الاستمرارية تحقيقه.

وتكمن أهمية هذه الخطوة في نقل التخطيط من الحديث العام عن الجاهزية إلى متطلبات مرتبطة بخدمة محددة وأهميتها. فالاهتمام لا ينحصر في وجود المنصة، وإنما يشمل موقع خدماتها ضمن أولويات الجهة وما يتطلبه دعم استمراريتها.

التوافر تحت المتابعة

وإذا كان التصنيف يحدد الأولوية فإن خدمة «نسبة توافرية الخدمات» تتيح للجهات الحكومية تسجيل نسب توافر خدماتها الرقمية المقدمة إلى المستفيدين، بهدف متابعة مدى الالتزام. وبذلك يصبح توافر الخدمة جانباً موثقاً في المتابعة، إلى جانب تصنيف المنصة التي تقدمها.

وعند الحاجة إلى الإبلاغ، تتيح «خدمة الإبلاغ عن انقطاع الخدمات الحكومية الرقمية» مساراً محدداً للجهات الحكومية؛ يبدأ بتعيين فريق الأزمة من قِبل قائد تقنية المعلومات في الجهة، ليتولى الفريق مسؤولية تقديم البلاغات.

صورة مولّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي تظهر سيدة تحصل على علاج عبر الإنترنت (تطمين)

وهنا تتضح الصلة بين الخدمات الثلاث؛ فالتصنيف يحدد الأهمية وأوقات الاسترداد المستهدفة، والتسجيل يوفّر بيانات التوافر، والإبلاغ يحدد قناة التواصل والمسؤول عنها. وتتكامل هذه الوظائف في تنظيم استمرارية الخدمات، من التخطيط والمتابعة إلى التعامل مع الحالات التي تستدعي الإبلاغ.

دليلان يساندان التطبيق

وتساند هذه الأدوات إصدارات إرشادية، من بينها دليلان يتصلان مباشرة بإدارة المخاطر وموثوقية التعاملات: «الدليل الاسترشادي لإدارة المخاطر واستمرارية الأعمال للحكومة الرقمية»، و«الدليل الاسترشادي لمكافحة الاحتيال الرقمي».

ويدعم دليل إدارة المخاطر واستمرارية الأعمال الجهات الحكومية في تطبيق المتطلبات التنظيمية ذات الصلة، وتحسين الممارسات الداعمة للخدمات المقدمة إلى المستفيدين. وبذلك تقترن الضوابط بمرجعية استرشادية تساعد الجهات على الانتقال من فهم المتطلبات إلى تطبيقها.

أما دليل مكافحة الاحتيال الرقمي فيضيف جانباً يتصل بأمان التعاملات، من خلال دعم منهجية لإدارة المخاطر وتعزيز الجهود الوطنية للحد من الاحتيال الرقمي. فاستمرارية الوصول إلى الخدمة وموثوقية استخدامها احتياجان متكاملان؛ الأول يتصل بإتاحتها، والآخر بالعناية بالتعامل الذي يجري من خلالها.

حضور في ملتقى الحكومة الرقمية (واس)

جاهزية تواكب احتياجات الناس

وتكشف هذه الأدوات عن مضمون عملي للصمود الرقمي؛ تصنيف يربط الاستعداد بأهمية الخدمة، وبيانات تتيح متابعة توافرها، ومسؤوليات محددة للإبلاغ، وضوابط وأدلة تساند التطبيق. وهي تفاصيل تنظيمية وتشغيلية، لكن أثرها يرتبط مباشرة بقدرة الناس على متابعة شؤونهم.

وعند العودة إلى الطالب في فصله الافتراضي، والمريض الذي يتلقى استشارته، والمستفيد الذي يصل إلى وثيقته، تتضح الغاية من هذا العمل: أن تقترن سهولة الخدمة بجاهزية تدعم استمرارها. فالثقة بالخدمات الرقمية تبدأ من تجربة استخدامها، وتستند إلى ما وراءها من تخطيط ومتابعة؛ لتبقى احتياجات الناس في صلب الاستعداد، وتمضي الحياة رقمياً.