السدود الإيرانية ذراع تغذي البرنامج النووي

مشروعات من مناطق الأقليات إلى «العصب الفارسي»... وتأكيدات بوجود «مافيا من المتنفذين»

السدود الإيرانية ذراع تغذي البرنامج النووي
TT

السدود الإيرانية ذراع تغذي البرنامج النووي

السدود الإيرانية ذراع تغذي البرنامج النووي

قد تختلف وسائل الإعلام الرسمية؛ سواء المقربة من حكومة حسن روحاني، أو المقربة من «الحرس الثوري»، حول بعض الأمور، لكنها تتفق حول جذور أزمة المياه... روحاني يتحدث عن دور سياسات بناء السدود في تركيا وأفغانستان، ووسائل الإعلام الحكومية تصر دوماًَ على إلقاء المسؤولية على الجفاف الذي يعدّه وزير الطاقة ومساعدوه الأسوأ منذ 40 عاماً. في المقابل، تتحدث وسائل إعلام «الحرس الثوري» عن «مؤامرة الأعداء» في تجفيف إيران.
لكن الواقع أن ضياع 40 في المائة من مياه الشرب في المدن بسبب تآكل شبكات أنابيب نقل المياه، وإهدار 30 في المائة من مياه الزراعة بسبب تأخر إيران في أساليب الري؛ بين أهم أسباب تلف الذخائر المائية وتأزم الوضع في البلاد. وهما النقطتان الأساسيتان اللتان تعدّ الحكومة والمؤسسات الرسمية مسؤولة عنهما، فهي ضالعة في إهدار نحو 40 مليار متر مكعب من المياه سنويا، وهو ما يعادل 33 في المائة من حجم المياه المستهلكة في إيران، وبطبيعة الحال أكثر من نصف مخزون المياه خلف السدود. وقد يكون العامل الأكثر أهمية في أزمة المياه وتغير المناخ في إيران، هو سياسات إنشاء السدود ومشروعات نقل المياه.
قصة إنشاء السدود الإيرانية غريبة ومحزنة. رغم أن زمن سياسة بناء السدود قد انقضى في العالم، فإن موجتها لا تزال قوية في إيران؛ سياسة بدأها الرئيس الأسبق أكبر هاشمي رفسنجاني واستمرت في الحكومات التالية على الرغم من المعارضة الواسعة والمحذورات البيئية. على مدى فترة رفسنجاني والرئيس الإصلاحي الأسبق محمد خاتمي تضاعف عدد السدود الإيرانية حتى بلغ 1330 بین سدود مشیدة وسدود في مراحل التشیید، تتسع لنحو 65.3 ملیار متر مكعب.
وبين هذا العدد يعمل الآن 673 سدا، ويعتقد الخبراء أن كثيرا منها لم يكن تشییده خاطئا فحسب؛ وإنما كان من الأسباب الرئيسة التي أدت إلى انتشار ظاهرة الجفاف والتصحر في كثير من المناطق، خصوصا في بعض المناطق الخصبة. فعلی سبیل المثال؛ في محافظات شمال غربي البلاد (أردبیل وأذربيجان الغربية وأذربیجان الشرقية وکردستان)، أنشأت الحكومة 56 سدا تتسع مخازنها لنحو 2.1 ملیار متر مكعب من الماء؛ مما أدی إلی جفاف أكبر بحیرة وتقلص مساحتها بنحو 88 في المائة حتى عام 2016، وفقا للأبحاث.
أما علی مستوی الجنوب الغربي، فقد شمل مخطط الحكومة لإدارة المياه إنشاء 50 سدا علی نهر الكرخة؛ أكبر أنهار إيران من حيث منسوب المياه السنوي، دخل 14 منها المراحل العملية، ويبلغ حجم مخزونها نحو 10.2 ملیار متر مكعب، لتؤدي إلى جفاف نهر الكرخة الذي كان يصب في الهور العظيم بين الأحواز وميسان العراق. لكن أكبر مخطط للحكومة استهدف نهر كارون أكبر أنهار البلاد من حيث الطول، بإنشاء 90 سدا، يعمل حاليا منها 40 سدا بسعة تخزين تبلغ 24 ملیار متر مكعب من الماء، ليوشك على الجفاف الشريان الأساسي لإقليم الأحواز، لا سيما مناطقه الشمالية ووسطه وصولا إلى جنوب غربي الإقليم في مدينتي عبادان والمحمرة عندما ينتهي به المطاف في شط العرب.
أما حكاية مشروعات نقل المياه فأكثر مأساوية من حكاية إنشاء السدود؛ إذ تعد الحلقة المكملة لمشروع السدود. فمنذ عقود عملت الحكومات الإيرانية المتعاقبة على تنفيذ مشروعات عملاقة لنقل المياه من بعض المناطق إلى مناطق أخرى تقع في المناطق الأكثر جفافا وسط البلاد، ولم يكن الغرض ينحصر في توفير مياه الشرب للمواطنين أو الزراعة فحسب؛ وإنما كانت تتابع أهداف اقتصادية ومشروعات صناعية بحاجة إلى وفرة المياه، مثل البرنامج النووي، ومشروعات الصلب والنحاس والمناجم الأخرى.
وتنفذ إيران مشروعات لنقل المياه من جنوب غربي وغرب وشمال غربي البلاد؛ أي من محافظات ذات أغلبية من الأقليات العرقية (الأحواز وكردستان وكرمانشاه وإيلام وأذربيجان الغربية وأذربيجان الشرقية)، إلى «فلات فارس» المركزية (محافظات قم وأصفهان وكرمان ويزد وسمنان وهمدان).
من بين أهم المشروعات يمكن الإشارة إلى مشروع «بهشت آباد» الثلاثي لنقل المياه من الأحواز إلى محافظة يزد، ومشروع «كوهرنغ» لنقل المياه من الأحواز إلى أصفهان، ومشروع «ونك» لنقل المياه من الأحواز إلى كرمان، ومشروع «قم رود» لنقل المياه من محافظة لرستان إلى محافظة قم، ومشروع «سد آزاد» لنقل المياه من كردستان إلى محافظة همدان.
ولم تكن حصيلة المشروعات المذكورة في نقل المياه من مناطق الإثنيات غير الفارسية بمن فيهم العرب والكرد والترك، إلى حوض إيران المركزي الذي يعد موطن الغالبية الفارسية، سوى ازدياد السخط الاجتماعي، وتفعيل الشروخ القومية، وتكريس الانطباع بأن سياسات نقل المياه خطوة باتجاه الحرب ضد القوميات غير الفارسية.
والسؤال المطروح في إيران: لماذا تستمر هذه المشروعات على الرغم من كل آثارها الكارثية وتحذيرات الخبراء من تأثيرها البيئي؟ الرد قد يصعب لمن لا يعرف طبيعة المجتمع والسياسة الإيرانية، ومع ذلك قد تساعد المعطيات التالية على فهم الموضوع:
تقدر نفقات مشروع «كوهرنغ» الذي من المقرر أن ينقل مياه كارون الأحواز إلى أصفهان بأكثر من مليار و700 مليون دولار أميركي. أما ميزانية مشروع «بهشت آباد» العملاق فهي 5 أضعاف مشروع «كوهرنغ»؛ إذ تتجاوز 8 مليارات دولار. نفقات المشروعات المشابهة لا تقل عن ذلك. مشروع نقل مياه بحر عمان (العرب) إلى محافظة كرمان يقدر بـ6 مليارات دولار. تقدر الحركة المالية لمشروعات انتقال المياه التي تعد استراتيجية بـ23 مليار دولار. وإذا أضفنا نفقات إنشاء السدود تكتمل الصورة. فنفقة سد بختياري فقط من بين 11 سدا عملاقا في طور البناء على أنهار الأحواز، يقدر بـ2.2 مليار دولار، وهذا يعني أننا بصدد حركة مالية تفوق 20 مليار دولار.
الواقع أن مشروعات إدارة المياه، إلى جانب المشروعات النفطية والبتروكيماوية، تعد من بين أكبر المشروعات على صعيد الحركة المالية. وعليه؛ فإنها تجمع منظومة من الاقتصاد القوي بيد مجموعات متنفذة في إيران تملك نفوذا معقدا في الحكومة والأجهزة العليا في السلطة، إلى مستوى جعل الخبراء يتحدثون عن مافيا مياه لاعبوها الأساسيون تركيبة من الوزراء ومساعدي الرئيس والشركات والأذرع الاقتصادية العملاقة.
نظرة خاطفة على قائمة مقاولي مشروعات المياه وبناء السدود تظهر طبيعة هذه المافيا، بحسب اعتقاد نشطاء وخبراء في إيران. إن تتبع المقاولين في أغلب مشروعات نقل المياه وبناء السدود يظهر أنها تقع على عاتق شركات تتبع 3 أجهزة رئيسية في البلد: «مجموعة خاتم الأنبياء»؛ الذراع الاقتصادية لـ«الحرس الثوري»، و«هيئة القدس الرضوي» و«مؤسسة المستضعفين» التابعتان لسلطة المرشد الإيراني علي خامنئي. هذا يظهر بوضوح أن اللاعب الأساسي في هذا المجال «الحرس الثوري» و«مؤسسة» المرشد الإيراني. الفاعل الأساسي الآخر صناع قرار النظام السياسي في إيران؛ وهم الحكومة والأجهزة التابعة لها، والتي تدر الأرباح الأساسية من مشروع نقل المياه لخزانة وزارة الطاقة ووزارة الزراعة والرئيس الإيراني وفريق مساعديه الذين يسيطرون على اللجنة العليا لإدارة المياه، وينحدر أغلب هؤلاء من محافظات أصفهان وكرمان ويزد وسمنان، وهي محافظات تواجه شحّاً في المياه، لكنها الرابح الأكبر في مشروعات المياه والزراعة بسبب المجموعة المتنفذة في دوائر صنع القرار.
تعد محافظة يزد نموذجا بارزا لهذه المحافظات المستفيدة؛ محافظة تواجه الفقر المطلق في المياه، لكن بواسطة النفوذ في الحكومة والأجهزة المؤثرة في سياسات المياه، تحتل المراكز الأولى في صناعة الفولاذ التي تحتاج إلى وفرة مياه، إلى جانب مراتب متقدمة في الزراعة.
وتشير الأبحاث المستقلة للمنظمات البيئية إلى أن مجموعة من المتنفذين في السلطة يسعون وراء نقل المياه إلى مناطق «فلات فارس» المركزية. والشركات والكارتلات الاقتصادية التي تستحوذ على مكاسب كبيرة من مشروع نقل المياه وإنشاء السدود، تمضي قدما في المشروعات على الرغم من المشكلات الاجتماعية والمخاطر البيئية.
ورغم حديث أجهزة رسمية عن «مؤامرة من الأعداء وراء الجفاف» ومشكلة المياه، فإن فريقا كبيرا من المعنيين بها يميلون إلى «ضرورة البحث عن جذورها في نظام إدارة المياه»، كما يجمع كثيرون في إيران على أن «المافيا التي تدمر المستقبل من أجل المال والأهداف الإقليمية تحول إيران إلى صحراء قاحلة»؛ إذ إن «70 في المائة سيجبرون على الهجرة بسبب أزمة المياه» على حد تعبير مستشار الرئيس الإيراني في مجال المياه.



لندن تتهم طهران باستهداف «قاعدة فيرفورد»

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

لندن تتهم طهران باستهداف «قاعدة فيرفورد»

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)

أعلن رئيس الوزراء البريطاني، آندي بيرنهام، أن التهديد الأمني الذي استهدف «قاعدة فيرفورد» الجوية، التي يستخدمها الجيش الأميركي في الحرب على إيران، جرى «بتوجيه شبه مؤكد» من «الحرس الثوري» الإيراني.

واستدعت لندن أمس، السفير الإيراني لديها للتعبير عن احتجاجها، كما أدرجت مواطنين إيرانيين اثنين على قائمة العقوبات، «لدورهما في تسهيل أنشطة عدائية نيابة عن النظام الإيراني، بقصد التهديد بشن هجمات في الخارج أو التخطيط لها أو تنفيذها»، وذلك على خلفية الحادثة الغامضة التي وقعت في 27 سبتمبر (أيلول).

وحذّرت الولايات المتحدة وشركاؤها، ومنهم أستراليا وكندا وفرنسا وألمانيا، إيران من الإقدام على أعمال عدائية على أراضيها. وقال البيان المشترك الذي وقعته 29 دولة، إن «أي محاولة من جانب إيران لتهديد أشخاص على أراضينا، أو إسكاتهم، أو ترهيبهم، أو مضايقتهم، أو إلحاق الأذى بهم، أو إكراههم.... يُعدّ أمراً غير مقبول».


حادثة قاعدة «فيرفورد» كانت بتوجيه من «الحرس الثوري» الإيراني

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
TT

حادثة قاعدة «فيرفورد» كانت بتوجيه من «الحرس الثوري» الإيراني

قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)
قاذفة أميركية من طراز «بي 1 بي لانسر» في قاعدة «فيرفورد» الجوية بمقاطعة غلوسترشير البريطانية يوم 27 سبتمبر 2026 (رويترز)

قال رئيس الوزراء البريطاني، آندي بيرنهام، الاثنين، إن التهديد الأمني الذي استهدف قاعدة «فيرفورد» الجوية، التي يستخدمها الجيش الأميركي في الحرب على إيران، جرى «بتوجيه شبه مؤكد» من «الحرس الثوري» الإيراني.

وفي هذا السياق، أعلنت لندن استدعاء السفير الإيراني فيها، وإدراج مواطنَين إيرانيين اثنين على قائمة العقوبات، على خلفية الحادثة الغامضة التي وقعت في 27 سبتمبر (أيلول) الماضي.

وكانت الولايات المتحدة قد أعلنت الأسبوع الماضي، بشكل مفاجئ، سحب جميع قاذفاتها من طراز «بي1» من القاعدة التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني، عقب الحادثة.

وقال بيرنهام أمام «مجلس العموم (البرلمان)»: «تقييمنا هو أنه من المرجح للغاية أن يكون قد جرى التنسيق في إيران، وبتوجيه شبه مؤكد من (الحرس الثوري) الإيراني». وأضاف: «لن نتسامح مع هذه التهديدات على أراضينا. سنتصدى بحزم لاستخدام إيران الشبكات الإجرامية، مستخدمين كامل صلاحياتنا لاستهدافها واستهداف قنوات تمويلها».

وأعلنت وزارة الخارجية البريطانية استدعاء السفير الإيراني في لندن.

شرطيان بريطانيان في محيط قاعدة «فيرفورد» الجوية (رويترز)

وقال وزير الخارجية البريطاني، إد ميليباند: «نعلن أيضاً تصنيف مواطنَين إيرانيين اثنين؛ لدورهما في تسهيل أو الانخراط في أنشطة عدائية نيابة عن النظام الإيراني، بقصد واضح يتمثل في التهديد بشن هجمات في الخارج أو التخطيط لها أو تنفيذها».

وأثارت الواقعة تكهنات واسعة منذ استدعاء الشرطة إلى القاعدة الواقعة في جنوب غربي إنجلترا، بعدما أبلغ مزارع عن وجود مجموعة من الرجال معهم شاحنات صغيرة بيضاء، يمارسون نشاطاً وصفه بأنه «مريب».

ورغم إجراء شرطة مكافحة الإرهاب تحقيقاً موسعاً، فإنه قد أُفرج بكفالة عن المشتبه فيهم الـ7 الذين أوقفوا على مدى أيام، ومن بينهم مواطن بريطاني - إيراني، من دون توجيه اتهامات إلى أي منهم.

وصنّفت السلطات البريطانية الواقعة، في حينها، حادثةً «كبيرة»؛ مما أدى إلى إخلاء قرية مجاورة للقاعدة، غير أن مصدر التهديد وطبيعته ظلا يكتنفهما الغموض.

ولم يعثر المحققون على أي متفجرات داخل الشاحنات الصغيرة، لكنهم عثروا على كمية من البنزين، وفق ما ذكره مسؤولون.

وذكّر ميليباند بأن المملكة المتحدة قد «صنّفت (الحرس الثوري) الإيراني بموجب صلاحياتنا الجديدة المتعلقة بتهديدات الدول، وفرضت عقوبات كبيرة على المسؤولين عن أنشطة إيران الخبيثة».


تباعد موقفَي واشنطن وطهران يُبقي إنهاء الحرب بعيداً

فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
TT

تباعد موقفَي واشنطن وطهران يُبقي إنهاء الحرب بعيداً

فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)
فرص نجاح جولة جديدة من المحادثات بين واشنطن وطهران لا تزال غامضة (رويترز)

يتباعد موقفا طهران وواشنطن حول شروطهما للعودة إلى التفاوض، مما يجعل فرص إنهاء الحرب تبدو بعيدة في الوقت الحالي. وقالت إيران إنها ما زالت تواصل دراسة الرد الأميركي على مقترحها الرامي إلى إعادة فتح مضيق هرمز خلال 7 أيام وإنهاء الحرب، وسط تعثر الجهود الدبلوماسية بسبب الخلاف على شروط استئناف المفاوضات، لا سيما إصرار واشنطن على بحث الملف النووي الإيراني منذ البداية، وليس في مرة لاحقة.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، في مؤتمر صحافي يوم الاثنين، أن بلاده لا تزال تدرس الرد الأميركي، وأنها ستنقل موقفها إلى واشنطن عبر الوسطاء فور الانتهاء من تقييمه، مؤكداً استمرار تبادل الرسائل بين الطرفين من دون تقديم تفاصيل إضافية.

وتضطلع قطر وباكستان بدور الوساطة، إلى جانب أطراف أخرى أبرزها روسيا التي عادت إلى ساحة الوساطة بقوة مؤخراً في مسعى يرمي إلى إنهاء الحرب التي دخلت شهرها الثامن.

خلاف على الشروط

لافتة مناهضة للولايات المتحدة تحمل صورة ترمب في شمال طهران (إ.ب.أ)

تأتي التصريحات الإيرانية في وقت تواجه فيه الجهود الدبلوماسية صعوبات في التوصل إلى صيغة مشتركة لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز بصورة كاملة. وكانت طهران قد قدمت مقترحها في منتصف سبتمبر (أيلول)، وأكدت لاحقاً تلقيها رداً أميركياً، لكن الاتصالات لم تحقق تقدماً ملموساً منذ ذلك الحين.

من جانبه، قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني محسن رضائي، إن الردَّ الأميركي على الشروط السبعة الواردة في المقترح الإيراني بفتح مضيق هرمز خلال 7 أيام، «غيرُ كافٍ». وأضاف أن واشنطن وافقت على بعض الشروط الإيرانية، لكنها لم توضح موقفها من بقية الشروط، من دون أن يحدد أي الشروط التي وافقت عليها واشنطن وتلك التي لن توافق عليها.

وأضاف أن بعض المسائل لا تزال بحاجة إلى توضيح، من دون الكشف عن طبيعتها.

وأشار رضائي إلى أن إيران لن تعود إلى النهج الدبلوماسي السابق، قائلاً إن «دبلوماسية إيران تغيّرت»، في إشارة إلى تمسك بلاده بموقفها في المفاوضات.

وتكتسب الأزمة أهمية دولية بالنظر إلى الدور الاستراتيجي للمضيق، الذي كان يمر عبره قبل الحرب نحو خُمس التجارة العالمية من النفط والغاز الطبيعي المسال، مما يجعل استعادة حركة الملاحة فيه عاملاً رئيسياً في أي تسوية محتملة.

توسيع نطاق المواجهة

بزشكيان ورضائي يحضران اجتماعاً بشأن إعادة الإعمار (الرئاسة الإيرانية)

وبالتزامن مع تعثر المسار الدبلوماسي، صعّد رضائي لهجته تجاه الولايات المتحدة، متهماً إدارة الرئيس دونالد ترمب بالفشل في تحقيق أهدافها العسكرية المتعلقة بالمضيق، وموجهاً انتقادات حادة إلى لعمليات الأميركية.

كما حذّر من أن تجدد القتال على نطاق واسع قد يدفع إيران إلى استهداف بنى تحتية في المنطقة، تشمل الكابلات ومراكز البيانات ومنشآت الذكاء الاصطناعي ومواقع أخرى، في تهديد من شأنه توسيع نطاق المخاطر الأمنية والاقتصادية المرتبطة بالصراع.

ولم يقدم رضائي تفاصيل إضافية عن طبيعة الأهداف المحتملة أو توقيت تنفيذ هذه التهديدات، التي تأتي في ظل استمرار التوترات وتعثر الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق.

ويتمثل أحد أبرز مواضع الخلاف في ترتيب الملفات المطروحة على طاولة التفاوض؛ إذ تصر الولايات المتحدة على مناقشة البرنامج النووي الإيراني منذ البداية، بينما تريد طهران إعطاء الأولوية لإعادة فتح مضيق هرمز واستعادة الأمن في الممر المائي، على أن يُبحث الملف النووي ضمن مسار المفاوضات لاحقاً.

حوار أميركي ـ إسرائيلي بشأن ضرب إيران

لافتة إعلانية كبيرة مناهضة لإسرائيل في خلفية ميدان وسط طهران 12 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

من جهة ثانية، أكدت مصادر سياسية في تل أبيب أن الاتصالات بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن توجيه ضربة إسرائيلية منفردة إلى إيران، في ظل الاستعدادات للانتخابات الإسرائيلية، لا تزال مستمرة، وأنه لم يُحسم بعد اتجاهها النهائي.

وقالت المصادر نفسها إن الملف لا يزال مطروحاً بجدية، رغم تقديرات ترى أن تسريب تفاصيل هذه الاتصالات قد يكون جزءاً من حرب نفسية تستهدف إرباك القيادة الإيرانية، وزيادة الضغوط على طهران. في المقابل، يتعامل مسؤولون إسرائيليون مع احتمال تنفيذ الضربة بجدية، في ضوء حاجة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى تطور أمني كبير قد يعزز موقعه عشية الانتخابات.

وحسب هذه التقديرات، قد لا تنجح الضربة بالضرورة في تأجيل الانتخابات أو إنقاذ نتنياهو من الهزيمة، لكنها قد ترفع أسهمه لدى الناخبين، وتساعده على استعادة أصوات انتقلت إلى المعسكر المنافس.

كان الكاتب في صحيفة «معاريف»، بن كسبيت، المعروف بصلاته بمصادر سياسية في تل أبيب، قد كشف عن أن مسؤولين أميركيين قالوا إن إسرائيل هي المتحمسة لاستئناف الحرب، فطلبوا منها مهاجمة إيران منفردة، كي تتحمل هي الأعباء والمخاطر السياسية المترتبة على الهجوم، بدلاً من أن يتحملها الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يستعد لخوض الانتخابات النصفية للكونغرس.

وأضاف بن كسبيت أن رئيس الأركان الإسرائيلي، إيال زامير، أبلغ الأميركيين بأن ضربة من هذا النوع قد تؤدي إلى تأجيل الانتخابات الإسرائيلية، مشيراً إلى أن واشنطن تراجعت عن طلبها في تلك المرحلة.

استعادة إنتاج المسيّرات والصواريخ

لافتة تحمل صورة ترمب بجوار منظومة صواريخ إيرانية في ساحة آزادي بطهران (رويترز)

جاء الطلب الأميركي بهجوم منفرد تقوم به إسرائيل، وفقاً لتقرير صحيفة «معاريف»، على خلفية تطورات تشير إلى أن إيران تعمل على استعادة قدراتها في إنتاج الطائرات المسيّرة والصواريخ الباليستية، على الرغم من الغارات التي استهدفتها خلال الأشهر الماضية، وفق ما أوردته وسائل إعلام أميركية.

كانت وكالة «بلومبرغ» الأميركية للأنباء قد ذكرت مؤخراً أن إيران تمكنت من الحفاظ على مصانع للصواريخ والطائرات المسيّرة، رغم تعرضها لغارات إسرائيلية وأميركية على مدى أشهر، نقلاً عن أشخاص مطلعين على التفاصيل.

وحسب التقرير، استطاعت طهران إعادة بناء جزء من ترسانتها خلال الفترة التي توقفت فيها إدارة ترمب عن شن مزيد من الغارات، مع انشغال واشنطن بالاستعداد للانتخابات النصفية للكونغرس. ونقل التقرير عن مصادر غربية أن إيران لا تزال قادرة على إنتاج الأسلحة، وتجديد مخزوناتها.

وأشار أحد المصادر إلى أن إيران لا تزال تمتلك مخزوناً كبيراً من الصواريخ الباليستية والأسلحة البحرية المضادة للسفن، وأنها قادرة على زيادة مخزونها بسرعة، كما أفادت المعلومات التي أوردها التقرير بأن روسيا تزود طهران بصواريخ، استناداً إلى معلومات نُشرت في يونيو (حزيران) الماضي.

وتتعارض هذه التقديرات، وفق «بلومبرغ»، مع تصريحات متكررة لترمب وأعضاء في إدارته، أكدوا فيها أن الغارات الجوية ألحقت دماراً واسعاً بالقدرات الإيرانية التي تهدد القواعد الأميركية وحلفاء واشنطن في المنطقة.

تصعيد في «هرمز»

القوات الأميركية قالت إنها ساعدت أكثر من 2000 سفينة تجارية على عبور مضيق هرمز (سنتكوم)

في غضون ذلك، أعلن «الحرس الثوري» أن قواته استهدفت، يوم الاثنين، سفينة كانت تحاول عبور مضيق هرمز، مما أدى إلى اشتعال النيران فيها. وقالت بحرية «الحرس الثوري» في بيان نُشر على موقعه الإلكتروني «سباه نيوز»، إن «ناقلة نفط عملاقة تعرضت لضربة في مضيق هرمز واشتعلت فيها النيران».

وأضاف البيان أن السفينة المستهدفة «حاولت العبور بعد تعطيل أجهزة التعرّف والتتبع الخاصة بها، وأنها تجاهلت التحذيرات الصادرة عن بحرية (الحرس الثوري)».

تصاعدت التوترات في مضيق هرمز وخليج عُمان مع تجدد الهجمات على السفن التجارية وناقلات النفط؛ مما أدى إلى انخفاض عدد السفن العابرة للمضيق إلى أدنى مستوياته في أكثر من شهرين، وفقاً لما أوردته «رويترز»، وذلك بعدما بلغت الهجمات على ناقلات النفط، الأسبوع الماضي، أعلى مستوى لها منذ اندلاع الحرب.

وأعلن «الحرس الثوري» أيضاً أن ناقلة نفط انفجرت، واشتعلت فيها النيران بعد اصطدامها بلغم بحري في أثناء عبورها المضيق مساء يوم الأحد، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز عبر المسار الجنوبي. وأفادت وكالة أنباء الطلبة الإيرانية شبه الرسمية (إسنا) بأن هذه هي ثالث ناقلة نفط «مخالفة» تشتعل فيها النيران منذ يوم السبت، خلال عبورها مساراً غير مسموح به في مضيق هرمز.

وأكدت الوكالة أن «جميع السفن الموجودة في نطاق مضيق هرمز التي تطفئ أنظمة الملاحة والتعريف الخاصة بها ستُصنف على أنها معادية، وسيتم التعامل معها بحزم وشدة».

منافسة على التحكم في المضيق

من جانبها، أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، يوم الأحد، استهداف سفينة شحن تجارية في خليج عُمان في أثناء محاولتها اختراق الحصار البحري المفروض على إيران، بعدما تجاهلت التحذيرات الأميركية.

وأوضحت «سنتكوم» في بيان نشرته عبر منصة «إكس»، أن مقاتلة أميركية أطلقت ذخيرة دقيقة مستهدِفةً مؤخرة السفينة «أوشن موليكا»، التي ترفع علم بنما، وتُعرف أيضاً باسم «أريكا صن»؛ مما أدى إلى «تعطيل نظام الدفع، من دون إلحاق أضرار كاملة بالسفينة وطاقمها».

كما أفادت هيئة عمليات التجارة البحرية البريطانية، يوم السبت، بتعرض ناقلة لإطلاق نار في «هرمز» بمقذوف مجهول أصاب جانبها الأيسر، وأدى إلى اندلاع حريق على متنها، وفقاً لإفادة قبطانها.

ومنذ بداية الحرب، استهدفت إيران مراراً سفناً حاولت عبور مضيق هرمز من دون الحصول على إذن منها.

كان قائد القوات البحرية في «الحرس الثوري» علي عظمائي، قد حذّر خلال عطلة نهاية الأسبوع من أن أي سفينة تُغلق أجهزة التتبع لتجنب رصدها في أثناء عبور المضيق ستُعد هدفاً معادياً.

وقيّدت إيران حركة الملاحة في هذا المضيق الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، منذ بدء الحرب في 28 فبراير (شباط)، وفي المقابل، فرضت واشنطن حصاراً على الموانئ الإيرانية. وأصبحت الملاحة في المضيق والتحكم بها إحدى نقاط التجاذب الأساسية بين طهران وواشنطن، إذ تتمسك الأولى بأن تكون هي المشرفة على حركة العبور عبر مسار تحدده، في حين ترفض الثانية وأطراف عدة أخرى هذا الأمر.

وتتبادل الولايات المتحدة وإيران إجراءات الضغط البحري وسط مخاوف من تداعيات أمنية واقتصادية على إمدادات الطاقة العالمية.

وتعكس المواقف الإيرانية في مضيق هرمز والمفاوضات والملف النووي اتساع الفجوة مع واشنطن، مما يزيد من نطاق التوترات الإقليمية، في وقت لا تزال فيه فرص التوصل إلى تسوية للحرب مرتبطة بتجاوز الخلافات بشأن شروط التفاوض وترتيب أولوياته.

غير أن التهديدات باستهداف البنى التحتية الإقليمية، إلى جانب تصاعد الهجمات، تُبرز حجم المخاطر التي قد تواجه أي جهود لاحتواء الصراع ومنع امتداده إلى جبهات جديدة.