بالحرية والمساواة والتنوع... هكذا فازت فرنسا بكأس العالم

ديشامب حول مسار المنتخب المليء بالمواهب إلى فريق متكامل بعد معاناة من عدم القدرة على التنافس

مبابي وبوغبا وغريزمان... نجوم قادوا فرنسا إلى لقب البطولة العالمية
مبابي وبوغبا وغريزمان... نجوم قادوا فرنسا إلى لقب البطولة العالمية
TT

بالحرية والمساواة والتنوع... هكذا فازت فرنسا بكأس العالم

مبابي وبوغبا وغريزمان... نجوم قادوا فرنسا إلى لقب البطولة العالمية
مبابي وبوغبا وغريزمان... نجوم قادوا فرنسا إلى لقب البطولة العالمية

عندما انطلق باتريس إيفرا مسرعا في خروجه من ملعب التدريب في الوقت الذي اختفى زملاؤه بالفريق خلف ستائر حافلة الفريق بدا الطريق طويلا للغاية نحو الفوز بكأس العالم. وقد اختفت ملامح وحدة الصف تماما، ولم تكن هذه المرة الأولى. لطالما تمتعت فرنسا بالمواهب لكنها نادرا ما تميزت بالتناغم مثلما تجلى في نكسة جنوب أفريقيا عام 2010. وعليه أدرك ديدييه ديشامب عندما تولى تدريب المنتخب الفرنسي عام 2012 وعلى مدار الـ6 سنوات التي تولى خلالها تدريب المنتخب أن هذا الأمر له أهمية كبيرة لتناغم صفوف الفريق قبل أي شيء آخر تقريبا. وأي شخص كان يهدد تناغم الفريق كان يجري إبعاده على الفور. وفازت فرنسا بكأس العالم بفضل مواهب لاعبيها وكذلك إخلاص ديشامب للروح التي سمحت لهذه الموهبة بالازدهار.
كانت رحلة المنتخب الفرنسي إلى جنوب أفريقيا عام 2010 كارثية. تعرض فلوران مالودا للإقصاء من المباراة الافتتاحية أمام أوروغواي والتي انتهت دون أهداف بعدما دخل في مواجهة مع المدرب الذي كثيرا ما كانت تصرفاته تبدو غير مفهومة، ريمون دومينيك. كما طرد اتحاد الكرة الفرنسي نيكولا أنيلكا بعدما رفض الاعتذار لمدربه عن تعديه عليه بالسباب بين الشوطين أثناء مباراة فرنسا والمكسيك والتي انتهت بالهزيمة بنتيجة 2 - 0. كما شاهد مئات المشجعين أثناء جلسة تدريب مفتوحة إيفرا يوشك على توجيه اللكمات إلى مدرب اللياقة البدنية روبرت دوفرن ورفض أفراد الفريق مغادرة الحافلة اعتراضا على الأمر. وانتهى الموقف بملهاة عندما خرج دومينيك ليقرأ بيانا غريبا من اللاعبين موجها إلى الصحافة يشرح غضبهم الشديد إزاء أسلوب التعامل الذي تعرض له أنيلكا.
وقد ترك دومينيك، الذي كان من المقرر له سلفا الرحيل عن المنتخب بعد البطولة، خلفه فريقا مشتتا ومنقسما على نفسه. وتجاوزت الفضيحة مجال كرة القدم وأصبحت فضيحة وطنية. وعندما تولى لوران بلان مسؤولية تدريب المنتخب بعد بطولة كأس العالم بجنوب أفريقيا تخلى عن جميع عناصر فريق كأس العالم الـ23 وذلك خلال أول مباراة للمنتخب تحت قيادته والتي انتهت بهزيمة فرنسا أمام النرويج بنتيجة 2 - 1 الأمر الذي ظهر وكأنه عقاب رمزي.
ورغم تأهل فرنسا نهاية الأمر لبطولة «يورو 2012» بسهولة لم تختف تماما نزعة التدمير الذاتي داخل الكرة الفرنسية. خلال اجتماع مع مسؤولي اتحاد كرة القدم الفرنسي عام 2011 أدلى بلان بتعليقات رآها آخرون فجة وعنصرية. وبدا أن بلان يتحسر على وضع الأكاديميات الرياضية في فرنسا لتركيزها على اللاعبين الصاعدين المتميزين بالقوة والسرعة أكثر من التكنيك والذكاء وأكد على أن هؤلاء اللاعبين عادة ما يكونوا داكني البشرة.
وخلال اللقاء قال بلان: «إنهم يدربون نفس النوعية من اللاعبين ذوي البنية الجسمانية الضخمة والقوية. من اليوم يتميز بهذا البنيان الضخم والقوي؟ إنهم أصحاب البشرة السمراء. هكذا تسير الأمور. هذه الحقيقة السائدة الآن. ويعلم الله أن مراكز التدريب ومدارس كرة القدم تمتلئ بهذه الفئة من اللاعبين». وحمل حديث بلان إيحاءات بأن اللاعبين داكني البشرة أفضل بدنيا لكنهم أقل من الناحية الذهنية، رغم أنه شعر بغضب عارم حيال هذا التفسير. وجاءت تعليقات بلان في ظل مناخ سياسي مفعم بالخطابات المناهضة للهجرة وقضايا قائمة منذ أمد بعيد تتعلق بالعرق.
على النقيض نجد أن الفريق الفائز بكأس العالم عام 1998 جرى النظر إليه كقوة واحدة تمثل عن حق التنوع العرقي الواسع داخل فرنسا وهو فريق كثيرا ما كانت تجري الإشارة إليه بعبارة «أسود وأبيض وعربي». وتولى ديدييه ديشامب قائد المنتخب الفرنسي عام 1998 مسؤولية تدريب الفريق خلفا لبلان عقب الخروج المخزي من بطولة «يورو 2012» من دور الثمانية. ومن العناصر الأساسية في سياسة إدارته للفريق حرصه على الحفاظ على وحدة الصف والتخلص من أي احتمال لتعرض صفوف الفريق للانقسام. وكان النبذ المستمر لكريم بنزيمة أوضح مثال على ذلك.
ورغم الدهشة البالغة التي أثارها استبعاد نجمي الدوري الإنجليزي الممتاز ألكسندر لاكازيت وأنتوني مارسيال من المنتخب الفرنسي فإن هذه الدهشة لم تمتد إلى داخل فرنسا ذاتها. لقد حرص ديشامب على اختيار المجموعة الأكثر تناغما داخل وخارج الملعب وليس مجرد استدعاء أفضل 23 لاعبا متاحا. واليوم يبدو أنه حتى أكثر قرار استبعاد أثار الدهشة وهو ذلك الخاص بأدريان رابيو مبررا تماما بالنظر إلى رد الفعل الغريب والطفولي الذي أبداه اللاعب تجاه استبعاده ورفض لاعب خط الوسط حتى وجود اسمه على قائمة الانتظار.
وبذلك أصبح المناخ العام داخل المنتخب أشبه ما يكون بناد. ومع أن هذا عادة ما يكون الهدف الذي يسعى وراءه أي مدرب فإن قليلين من يتمكنوا من تحقيقه. ولا يمكن التقليل من حجم الإنجاز الذي حققه ديشامب بمزجه عناصر فريقه اجتماعيا وفنيا ليحولهم إلى فريق مؤهل لحصد البطولات. وكشف أسلوب تدفق بنجامين ميندي وزملائه من لاعبي الاحتياطي على الملعب للاحتفال بكيليان مبابي بعدما وضع اللمسة الأخيرة على هجمة مرتدة ضد الأرجنتين مدى تماسك الفريق ووحدة صفوفه.
ومع هذا كان ديشامب بحاجة لتحقيق بعض التوازن خاصة أن فريقه لم يخل من اللاعبين الذين يميلون إلى الغرور وكان الإنجاز الأكبر لديشامب نجاحه في إقناع اللاعبين الأكثر سعيا لجذب الأضواء بالتضحية من أجل الفريق واللعب على نحو ييسر مهمة أقرانهم بدرجة أكبر عما اعتادوه على مستوى أنديتهم. وبدا أن الانتقادات التي تعرض لها بول بوغبا منذ عودته إلى مانشستر في وقت جابه صعوبة للتكيف مع دور أكثر انضباطا ويحمل صبغة دفاعية أكبر لم يكن لها أي وجود في روسيا.
ومع أن بوغبا لم يظهر التألق الساحر الذي سبق له تقديمه أثناء صعود نجمه في يوفنتوس فإنه أثبت أنه نجح أخيرا في أن يصبح اللاعب الديناميكي صاحب الحضور الديكتاتوري الذي لطالما بحث عنه جوزيه مورينيو داخل مانشستر يونايتد. وبالمثل تولى أنطوان غريزمان عن طيب خاطر دور صانع ألعاب في نقطة أعمق من الملعب ليترك بذلك كيليان مبابي على الطرف الحاد من خط الهجوم الفرنسي. واضطلع غريزمان بدور محوري في أدوار التصفيات وحصل على جائزة أفضل لاعب بالمباراة في مباراة النهائي عن استحقاق.
وانعكس هذا التغيير في التوجه العام والذي بدأ منذ بطولة يورو 2012 على تصريحات بوغبا قبل مباراة النهائي عندما قال: «لن أكذب عليكم. في بطولة اليورو ظننا أن الأمر قد حسم بالفعل. وأخبرنا أنفسنا أننا فزنا بالبطولة بالفعل بعد فوزنا على ألمانيا وأن هذه كانت مباراة النهائي الحقيقية بالنسبة لنا. ولا نريد أن نكرر هذا الخطأ من جديد اليوم. وسنتعامل مع هذه المباراة على نحو مختلف».
من بين التشابهات الأخرى بعام 1998 أن هذا الفريق كان يمثل بالفعل التنوع العرقي داخل فرنسا. وحسب الأرقام فإن 17 على الأقل من بين إجمالي الـ23 لاعبا كانوا مؤهلين للعب باسم دولة أخرى واليوم مثلما كان الحال منذ 20 عاما نال هؤلاء الفرصة للعمل كقوة موحدة في بلاد لا تزال تحاول إيجاد حلول لقضاياها الاجتماعية. ومثلما ذكر بليز ماتويدي الأسبوع الماضي فإن: «التنوع الذي نتميز به داخل الفريق يعكس صورة بلادنا الجميلة. إننا نمثل بفخر فرنسا. وبالنسبة لنا هذا أمر رائع».
ومع انطلاق البطولة بدأت فرنسا ببطء وبدا وكأن ديشامب يواجه صعوبة في دمج أفضل لاعبيه في التشكيل الأساسي لكن سرعان ما بدل أسلوبه وأعطى الأولوية لفكرة التوازن والتي شكلت حجر الزاوية بنجاحه مع المنتخب الفرنسي. وتقوم الفكرة على أنه ليس هناك أي فرد أهم من التوازن العام للفريق أو وحدة صفوفه. ومع تتابع مباريات البطولة نجح ديشامب في صياغة فريق فاعل وبرجماتي تدعم عناصره بعضها البعض. أما صيغة الفوز فقد اتبعها المدرب منذ فترة ويمكن إيجازها في: الحرية والعدالة والإخاء. من جانبه قال بنجامين ميندي: «لدينا في الفريق مجموعة جيدة من اللاعبين لكن هذا ليس الأمر كله. إننا أسرة حقيقية ونحمل بيننا مشاعر رائعة خارج الملعب. ويعود الفضل عما حدث إلى الجميع».



نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
TT

نقابة الصحافيين المصرية تتضامن مع أعضائها ضد حسام حسن

حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)
حسام حسن وإبراهيم حسن (الاتحاد المصري لكرة القدم)

أعلنت «نقابة الصحفيين» المصرية تضامنها مع أعضائها الذين قدم ضدهم المدير الفني لمنتخب مصر لكرة القدم، حسام حسن، ومدير المنتخب إبراهيم حسن بلاغات تتضمن اتهامات بنشر أخبار كاذبة و«تحريض الجماهير» على خلفية تناول 3 من النقاد الرياضيين أداء المنتخب خلال الفترة الماضية.

وأعربت «نقابة الصحفيين» المصرية أنها تتابع ببالغ الاستياء ما تم تداوله بشأن قيام الكابتن حسام حسن (المدير الفني للمنتخب الوطني) والكابتن إبراهيم حسن (مدير المنتخب) بتقديم بلاغات ضد الزملاء: أبو المعاطي زكي، وأحمد عبد الباسط، ومحمد المهدي، وذلك على خلفية نشرهم أخباراً ومعلومات تخص الشأن الرياضي.

وأكدت النقابة في بيان نشره النقيب خالد البلشي على صفحته بموقع «فيسبوك» تضامنها الكامل مع الزملاء، وتمسكها بحقهم في ممارسة عملهم الصحافي بحرية ومسؤولية، وأنها تُدين هذه الممارسات التي من شأنها تصعيد الأزمة، وتحويل الخلاف المهني إلى نزاع قانوني.

«نقابة الصحفيين» المصرية (فيسبوك)

وشددت النقابة على أن «النقد الرياضي ليس جريمة، بل هو حق أصيل، وأن تقييم أداء الأجهزة الفنية والقرارات المتعلقة بالمنتخبات الوطنية جزء من الدور، الذي تضطلع به الصحافة الرياضية، مع الالتزام بأصول المهنة ومواثيقها» وأكد البيان أن ما يقوم به الصحافيون الرياضيون هو جزء أصيل من العمل الصحافي، وهم أحد أعمدة الرياضة المصرية، وقد كانوا دائماً السند الحقيقي للمنتخبات الوطنية في مختلف المحافل.

وعدَّت النقابة تقديم بلاغات ضد أعضائها الثلاثة بسبب نشر أخبار أو آراء نقدية، حتى إن كانت مخالفة للرأي العام، أو لوجهة نظر الأجهزة الفنية، يمثل خروجاً عن السياق العام للعلاقة بين الجهاز الفني للمنتخب، والصحافة الرياضية. ولفتت إلى أن القانون ومواثيق الشرف الصحافي تؤكد أن الأصل في التعامل مع أي خلاف مهني هو «حق الرد»، وليس اللجوء الفوري للتقاضي.

وأضافت النقابة أن الأولى بحسام وإبراهيم حسن، إذا كان لديهما اعتراض على ما نُشر أو أُذيع، أن يقدما روايتهما والحقائق التي يستندان إليها، أو يتقدما بشكوى إلى «نقابة الصحفيين» بصفتها الجهة المهنية المعنية بفحص الشكاوى المتعلقة بالعمل الصحافي.

وليست هذه هي الواقعة الأولى التي يتقدم فيها حسام حسن وشقيقه إبراهيم حسن ببلاغات أو شكاوى ضد الصحافيين والإعلاميين؛ فقد سبق أن تقدما بشكاوى ضد إعلاميين بسبب تناول بعض التفاصيل الفنية المرتبطة بأداء المنتخب، وكان المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، برئاسة المهندس خالد عبد العزيز، قد قرر في أغسطس (آب ) الماضي حفظ الشكوى المقدمة من الكابتن حسام حسن، المدير الفني لمنتخب مصر، ضد بعض وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، بشأن ما تضمنته من تناول لأخبار عدَّها تعدياً على حرمة حياته الخاصة، في واقعة مصوَّرة في مكان عام، ورأى المجلس تدخله ضد وسائل الإعلام في هذه الحالة يمثل مساساً بحرية الصحافة والإعلام المكفولة وفق الأطر القانونية والدستورية.

فيما قرر المجلس في سبتمبر (أيلول) الماضي، اتخاذ إجراءات حيال التناول الإعلامي المتعلق بالحياة الخاصة بأسرة الكابتن حسام حسن، المدير الفني للمنتخب الوطني.

حسام حسن خلال إحدى المباريات (الاتحاد المصري لكرة القدم)

وبينما يُبدي الناقد الرياضي المصري أسامة صقر اختلافه مع بيان النقابة، يفسر ذلك بأن المخالفات ليست مرتبطة بالصحافة والجرائد المقروءة وإنما ببرامج فضائية أو رقمية يطرح خلالها البعض وجهات نظرهم. وقال لـ«الشرق الأوسط»: «النقابة أصدرت بياناً لدعم زملائنا الصحافيين، وإذا كان هؤلاء الصحافيون اختاروا نشر الأخبار محل الجدل في برامجهم الفضائية التي يتكسبون منها، فلماذا لم يعبّروا عن رأيهم في جرائدهم أو مواقعهم الإلكترونية الصحافية؟».

وتابع أنه «يجب أن تكون هناك ضوابط لنشر الأخبار والمعلومات، وفي ظل الشد والجذب الذي يحدث لم نصل إلى أصل الموضوع؛ هل هذه الأخبار والمعلومات حقيقية أم كاذبة؟ يجب وضع آليات وضوابط لحسم هذه المسألة، فإن لم تكن لدى الصحافي أو الإعلامي معلومة كافية وموثقة ومؤكدة لا ينشرها، ونحن نرى حالياً المعركة الدائرة بين محمود الخطيب ومدحت شلبي للأسباب نفسها وهي عدم التيقن من حقيقة الخبر». فيما طلب الناقد الرياضي المصري، سعد صديق، من المدير الفني لمنتخب مصر حسام حسن، التنازل عن كل القضايا وفتح صفحة جديدة مع النقاد الرياضيين.

وقال لـ«الشرق الأوسط»: «أتمنى منه التركيز في مهمته مع منتخب مصر لأن اتهامه للزملاء قرار غير موفق وعليه أن يكون أكثر هدوءاً في تعاملاته، وأن يعمل على لمّ الشمل مع الإعلام وكذلك مع عدد من اللاعبين على رأسهم محمد الشناوي حارس مرمى نادي الأهلي».


هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
TT

هل تعود كأس أمم أفريقيا لنظام العامين؟

رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)
رئيس الاتحاد الأفريقي لكرة القدم «الكاف» باتريس موتسيبي ورئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو يحييان الجماهير من المنصة الشرفية خلال بطولة كأس الأمم الأفريقية 4 يناير 2026 (أ.ب)

لم يكد الحِبر الذي كُتب به قرار تحويل بطولة كأس الأمم الأفريقية إلى نظام السنوات الأربع يجفّ حتى خرج رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي ليفجّر مفاجأة من العيار الثقيل، مُعلناً رغبة «الاتحاد» في التراجع والعودة إلى النظام التقليدي التاريخي: إقامة البطولة كل عامين.

هذا التحول الدراماتيكي يعكس صراعاً مكتوماً بين الرغبة في الحفاظ على الهوية الأفريقية الشعبية، والضغوط المالية والروزنامات الدولية التي تفرضها الأندية الأوروبية والاتحاد الدولي «فيفا».

أبعاد القرار... زلزال في الرأس الأخضر يخلط أوراق الأجندة الدولية

تأتي تصريحات موتسيبي، التي أطلقها، اليوم الجمعة، خلال «المؤتمر الاستراتيجي للاتحاد الأفريقي لكرة القدم» بجزيرة «سال» في الرأس الأخضر، بحضور رئيس الـ«فيفا» جياني إنفانتينو، ونخبة من خبراء اللعبة، لتؤكد أن القرار القارّي ليس مجرد تنظيم مواعيد، بل هو مسألة استراتيجية ترتبط بمداخيل الاتحادات الوطنية التي تعتمد على هذه البطولة كمصدر تمويل رئيسي لتطوير اللعبة والمنشآت.

ويبدو أن التراجع السريع نحو نظام العامين يكشف عن مراجعة عميقة للتوجه السابق للاتحاد الأفريقي، إذ كان الهدف من ذلك التغيير استيعاب نظام جديد لإقامة بطولة دوري الأمم الأفريقية سنوياً لتملأ الأجندة الدولية، وهو ما قال موتسيبي حينها إنه سيكون أكثر ربحية للمؤسسة القارية والاتحادات التابعة لها. فالتفكير في إلغاء نظام السنوات الأربع يوضح أن «الكاف» استشعر خطورة غياب «الكان» لفترات طويلة على الشغف الجماهيري والقيمة التسويقية للمسابقة القارية الأولى، مفضلاً التمسك بخصوصية قارتهم وعدم التنازل عن إرثهم الكُروي تلبية لرغبات أندية القارة العجوز.

رئيس «الكاف» باتريس موتسيبي يتابع قمة صن داونز والأهلي المصري من مدرجات ملعب «لوفتوس فيرسفيلد» بجنوب أفريقيا 19 سبتمبر 2026 (رويترز)

تاريخ البطولة... من 3 منتخبات في الخرطوم إلى قمة التنافس القاري

لفهم عمق هذا الإرث، يجب العودة بالذاكرة إلى شتاء عام 1957، حين انطلقت الشرارة الأولى للبطولة في العاصمة السودانية الخرطوم بمشاركة 3 منتخبات فقط هي مصر، والسودان، وإثيوبيا، عقب تأسيس الاتحاد الأفريقي.

ومنذ تلك النسخة التي تُوّج الفراعنة بلقبها الأول، تحولت البطولة إلى تظاهرة ثقافية ورياضية تُعبر عن استقلال الشعوب الأفريقية وتماسكها القاري، حيث استمرت تلعب بانتظام شديد كل عامين، مقدمةً للعالم أساطير كُروية حفرت أسماءها في السجلات العالمية.

وطوال عقود، صمد هذا الموعد الثابت أمام كل التحديات السياسية والاقتصادية، ليصبح بمثابة «الأولمبياد الأفريقي»، الذي لا يمكن لعشاق الساحرة المستديرة في القارة العيش من دونه.

خريطة الأبطال والدول المشارِكة... صراع العمالقة على عرش السمراء

عبر تاريخها الطويل، شهدت البطولة تحولات جذرية في عدد الدول المشارِكة، إذ قفز العدد من 3 منتخبات ليصبح 8 في السبعينيات، ثم 12، و16، وصولاً إلى النظام الحالي الذي يضم 24 منتخباً يتنافسون في نهائيات شرسة تقام على ملاعب القارة.

وتتربع مصر على عرش الأرقام القياسية كأكثر الدول فوزاً باللقب برصيد 7 كؤوس، يليه منتخب الكاميرون «الأسود غير المروَّضة» بـ5 ألقاب، ثم غانا بـ4 ألقاب، وتأتي نيجيريا وساحل العاج في المراتب التالية بـ3 ألقاب لكل منهما، في خريطة تنافسية تعكس تقلب موازين القوى الرياضية بين شمال القارة وغربها ووسطها.

لوائح وقوانين اللعبة... تطور تنظيمي يواكب معايير الاحتراف العالمي

لم يقتصر التطور على عدد المنتخبات، بل امتد إلى القوانين المنظِّمة وتوقيتات المسابقة، فبعد عقود من إقامة البطولة في شهريْ يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) وسط الموسم الكُروي الأوروبي، مما كان يثير أزمات حادة مع الأندية الكبرى التي تضم النجوم الأفارقة، اتجه «الكاف»، في السنوات الأخيرة، إلى ترحيل البطولة لتقام في فصل الصيف تماشياً مع الأجندة الدولية، وإن كانت بعض النسخ تعود للشتوية لظروف الطقس الاستوائي.

وتخضع المسابقة راهناً لأحدث قوانين الاتحاد الدولي، بما في ذلك تطبيق تقنية الفيديو المساعد «VAR» منذ الأدوار الأولى، ونظام المجموعات الست التي يتأهل منها المتصدر والوصيف وأفضل أربعة ثوالث إلى دور الستة عشر، وهي حزمة من القوانين التي نقلت «الكان» من العشوائية التاريخية إلى قمة الاحترافية التنظيمية العالمية.


لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
TT

لندن تستضيف «أسبوع القادة الرياضي»... وعيون صناع القرار تتجه نحو استراتيجيات «السيادي السعودي»

جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)
جانب من فعاليات أسبوع القادة الرياضي في لندن (الشرق الأوسط)

انطلقت في العاصمة البريطانية لندن، أعمال قمة «أسبوع القادة الرياضي» (Leaders Week London) الممتدة على مدار يومين في معقل نادي تشيلسي الإنجليزي «ستامفورد بريدج»، وسط حضور استثنائي يضم أكثر من 100 متحدث من كبار الرؤساء التنفيذيين والمستثمرين وصناع القرار في قطاع الرياضة والأعمال حول العالم.

وتأتي نسخة هذا العام لتناقش ملفات ساخنة تُعيد رسم خريطة الاقتصاد الرياضي العالمي، وفي مقدمتها تدفقات رؤوس الأموال الجريئة، والتحولات الرقمية المدفوعة بالذكاء الاصطناعي، بجانب القفزات التجارية غير المسبوقة التي تشهدها الرياضة النسائية.

ثقل سعودي في المشهد الرياضي الدولي

وتتجه أنظار المراقبين والمشاركين في القمة نحو المشاركة السعودية الحيوية، التي تجسد العمق الاستراتيجي للمملكة كقوة تحولية في صناعة الرياضة العالمية. ويبرز اسم صندوق الاستثمارات العامة (PIF) كأحد أهم محاور النقاش في أروقة القمة، نظراً للدور المحوري الذي يلعبه الصندوق في صياغة نماذج استثمارية مستدامة عابرة للقارات.

وتأتي هذه المشاركة في وقت نجحت فيه الرياضة السعودية في فرض نفسها كمركز جذب رئيسي للأحداث الرياضية الكبرى عالمياً، تماشياً مع مستهدفات «رؤية السعودية 2030» التي وضعت القطاع الرياضي كأحد الروافد الأساسية لتنويع الاقتصاد، وبناء الشراكات الدولية، وتعزيز جودة الحياة.

إعادة تعريف «اقتصاد الرياضة» والاستثمار الجريء

وتشهد جلسات القمة نقاشات موسعة حول صعود صناديق الثروة السيادية ومجموعات الملكية الخاصة، حيث يستعرض قادة قطاع المال والرياضة آليات تقييم الأندية والبطولات وتطوير البنية التحتية للمسابقات.

ويرى خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن النموذج السعودي في الاستثمار الرياضي، والقائم على الموازنة بين الاستحواذات الدولية النوعية وتطوير المواهب المحلية، بات يشكل مرجعية دراسية في كيفية تحويل الرياضة من مجرد نشاط ترفيهي إلى قطاع اقتصادي منتج ومستدام.

الذكاء الاصطناعي ومستقبل البث الرقمي

المحور التقني لم يغب عن الأجندة؛ حيث تفرد القمة مساحات واسعة لبحث دمج الذكاء الاصطناعي في تحليل الأداء الرياضي وتخصيص تجربة المشجعين. وتناقش الجلسات كيف يمكن للأندية والاتحادات الكبرى الاستفادة من البيانات الضخمة لتعزيز الإيرادات التجارية وتطوير البث الرقمي عبر منصات العرض المباشر للمستهلك (DTC)، وهي خطوة تسعى من خلالها المؤسسات الرياضية إلى جذب الأجيال الجديدة التي باتت تفضل المحتوى الرقمي التفاعلي والقصير على حساب البث التلفزيوني التقليدي.

استدامة مالية ونمو تاريخي للرياضة النسائية

وفي سياق متصل، تسلط القمة الضوء على «الانفجار التجاري» للرياضة النسائية، وميلاد عهد جديد يعتمد على فصل الحقوق التجارية والرعايات للأندية النسائية عن فرق الرجال. ويبحث المجتمعون سبل الحفاظ على وتيرة هذا النمو التاريخي، وتطوير البنى التحتية الإدارية والفنية لتواكب القيمة السوقية المتصاعدة للبطولات النسائية حول العالم.

وتختتم القمة أعمالها ببحث التوسع الجغرافي للمسابقات الكبرى، وبناء الشراكات العابرة للحدود، في وقت يجمع فيه خبراء المال والرياضة على أن لغة الاستثمار الرياضي باتت المحرك الأساسي للدبلوماسية الناعمة وبناء الجسور الاقتصاديّة بين شرق العالم وغربه.