الكونغرس لتشديد الرقابة على الاستثمارات الصينية في أميركا

مخاوف من زيادة استحواذ بكين على شركات التكنولوجيا في «وادي السيليكون»

الكونغرس لتشديد الرقابة على الاستثمارات الصينية في أميركا
TT

الكونغرس لتشديد الرقابة على الاستثمارات الصينية في أميركا

الكونغرس لتشديد الرقابة على الاستثمارات الصينية في أميركا

يقترب المشرعون الأميركيون من وضع اللمسات الأخيرة على تشريع جديد يهدف إلى تشديد الرقابة على الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة، في إطار عدد من التوصيات التي تقدمت بها «اللجنة المشتركة بين الوكالات للاستثمار الأجنبي»، بهدف حماية الأمن القومي الأميركي من الصفقات التي يقوم بها المستثمرون الصينيون للاستحواذ على شركات التكنولوجيا في وادي السيليكون بالولايات المتحدة.
وتقدم اللجنة أيضا توصياتها للرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن توقيت منع الصفقات الأجنبية لأسباب تتعلق بالأمن القومي. وبينما تركز السلطات الفيدرالية الأميركية بشكل تقليدي على مراقبة عمليات الاستحواذ الأجنبية، فإن التشريع الجديد للكونغرس سيعزز سلطة اللجنة المشتركة لمراجعة استثمارات وأنشطة الأقليات من الكيانات الأجنبية، خصوصا الصين، بما في ذلك صناديق رأس المال الاستثماري في التكنولوجيا الحساسة، التي تمثل تهديدا كبيرا للأمن القومي الأميركي.
وكان الكونغرس قد وافق، في وقت سابق، على فرض مراجعات أكثر صرامة على الصفقات الصينية في الولايات المتحدة للحفاظ على الهيمنة الأميركية على قطاع التكنولوجيا حول العالم. وكان البيت الأبيض قد اقترب من فرض مجموعة من القيود الجديدة الصارمة على الاستثمارات الصينية في الولايات المتحدة خلال يونيو (حزيران) الماضي، بما في ذلك صناديق رأس المال الاستثماري، إلا أنه تراجع في اللحظة الأخيرة، معتمدا على تشريعات الكونغرس المقترحة ذات الأهداف المماثلة.
ويقول النائب الجمهوري روبرت بيتنغر، من ولاية كاليفورنيا، الذي قدم مشروع القانون للكونغرس، إن الصين تبتكر طرقا لاختراق النظام الأميركي، وأضاف: «الصينيون عدوانيون... منسقون بشكل جيد، ومبدعون في إيجاد طرق لاستغلال نظامنا»، موضحا في بيان، حث فيه الولايات المتحدة على أن تظل يقظة ومرنة: «سواء كان ذلك عبر الهجمات الإلكترونية أو التجسس أو من خلال تشويش، تدخل الحكومة الصينية في هياكل الاستثمار، فسيواصلون محاولاتهم لتفريغ قدراتنا العسكرية والاستخباراتية.. نحن نواجه هذه التهديدات غير المتماثلة».
وحددت ورقة بحثية لوزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) العام الماضي، عددا من القطاعات الساخنة في وادي السيليكون التي يهدد الاستثمار الأجنبي فيها الأمن القومي الأميركي، بما في ذلك الذكاء الاصطناعي، والقيادة الذاتية، والواقع الافتراضي. وأشارت الورقة إلى أن كثيرا من الشركات البارزة ذات القيمة العالية في تلك القطاعات حصلت على أموال صينية في تشكيل رأسمالها. ومن بينها شركة «ماجيك ليب»، التي تتخذ من فلوريدا مقراً لها، وتعمل منذ سنوات على تطوير سماعة رأس تهدف إلى مزج الصور الرقمية مع العالم المادي. وقد جمعت الشركة، التي تقدر قيمتها بنحو 6 مليارات دولار، أكثر من ملياري دولار من مستثمرين أجانب، بما في ذلك أكثر من 400 مليون دولار من شركة «علي بابا» الصينية.
ويرى الصقور في الإدارة الأميركية أن الاستثمار الصيني يشكل تهديدا كبيرا للولايات المتحدة، لأن الكيانات التي تقوم بهذه الاستثمارات قد تكون موجهة ومدعومة من قبل حكومة الصين، المنافس الاقتصادي والعسكري الأكبر للولايات المتحدة.
وكشف دراسة أميركية جديدة أن حجم الاستحواذات الصينية في شركات التكنولوجيا الأميركية ارتفع بشكل كبير خلال العام الماضي، مضيفة أن حجم الأموال التي تضخها الصين في شركات التكنولوجيا الأميركية الحديثة ارتفع بوتيرة قياسية خلال العام الحالي، من خلال استثمارات رأسمالية خاضعة لرقابة ضعيفة.
وطبقا للدراسة التي قامت بها شركة «روديوم غروب»، وهي شركة استشارية عملاقة في نيويورك، فإنه «على الرغم من تراجع حجم الاستثمار الأجنبي الصيني في الولايات المتحدة الناتج عن صفقات الاستحواذ، خلال الخمسة أشهر الماضية، فإن الأرقام تشير إلى اهتمام الصين المستمر بالاستحواذ على شركات التكنولوجيا الأميركية، من خلال استهدافها الاستثمارات غير المقيدة نسبياً في الشركات الناشئة في وادي السيليكون وفي مناطق أخرى».
وبلغ حجم رأس المال الاستثماري الصيني في الولايات المتحدة نحو 2.4 مليار دولار خلال الفترة من يناير (كانون الثاني) إلى مايو (أيار) 2018، وهو ما يعادل إجمالي الاستثمارات الصينية في أميركا خلال عام 2015 بالكامل. وخلال الفترة من عام 2000 حتى مايو 2018، أظهر تقرير «روديوم» أن المستثمرين الصينيين قاموا بالمساهمة في تمويل أكثر من 1300 شركة تكنولوجية ناشئة في الولايات المتحدة برأسمال يقدر بنحو 11 مليار دولار، من إجمالي حجم الاستثمار الصيني في أميركا. وأشار التقرير إلى أن ثلاثة أرباع هذه الصفقات تم تنفيذها خلال الأربعة أعوام الماضية فقط، لافتا إلى أن إجمالي عدد صفقات الاستحواذ التي تشمل المستثمرين الصينيين تراجعت بشكل طفيف خلال الفترة من 2016 إلى 2017.
ويعرف رأس المال الاستثماري، أو المغامر، من خلال الاستثمارات في الشركات الناشئة، خصوصا التكنولوجية، التي تتطلب مبالغ كبيرة من المال في بداية نشأتها، حيث تقوم مجموعات من المستثمرين بالمساهمة في رأسمال الشركة، مقابل حصص يتم احتسابها بناء على نصيب كل مستثمر من إجمالي رأس المال، ويتم ضخ مزيد من رأس المال بشكل تدريجي مع نمو الشركة.
وطبقا لتقرير «روديوم»، فإن المستثمرين الصينيين الذين يشاركون في تمويل الشركات الناشئة في أميركا يركزون استثماراتهم في قطاعات تكنولوجيا المعلومات والاتصالات، تليها قطاعات الصحة والأدوية والتكنولوجيا الحيوية، فضلا عن شركات التقنيات الحديثة في مجالات الطباعة ثلاثية الأبعاد والروبوتات والذكاء الاصطناعي، ومؤخرا زاد اهتمام المستثمرين الصينيين بشركات الأدوية والأبحاث الطبية مثل شركة «جرايل»، وهي شركة متخصصة في اكتشاف السرطان، في وادي السيليكون.
ويستهدف المستثمرون الصينيون الشركات التي تتبع هياكل قانونية معقدة ولديها متطلبات محدودة للإفصاح، حتى يتجنبوا الإعلان عن حجم الاستحواذات الحقيقية التي يقومون بها في السوق الأميركية.
ويخشى المستثمرون في رأس المال الاستثماري في الولايات المتحدة من أن يؤدي التشريع الجديد للكونغرس إلى تباطؤ الصفقات الجديدة للشركات الناشئة، أو دفع الشركات الناشئة إلى تجنب التعامل مع بعض المستثمرين الأجانب؛ وخصوصا الصينيين.
ويقول جيف فاره، المستشار العام في «الرابطة الوطنية لرأس المال المغامر»: «كثير من السلوك الاستثماري سيتغير في هذا العالم الجديد»، في إشارة إلى ما تقوم به الصين في وادي السيليكون. وأضاف أن «المخاطر كبيرة بالنسبة للمستثمرين الصينيين في الشركات الناشئة، لأنه لا يوجد في الحقيقة أي بديل لوادي السيليكون على مستوى العالم». ويبقى السؤال المهم هو: ما أنواع الشركات الناشئة التي ستتأثر بتشريع الكونغرس الجديد إذا أصبح قانونا، ومن هم المستثمرون الذين سيتأثرون بشكل أكبر بهذا التشريع؟ وطبقا لتقرير «روديوم»، فإن 15 في المائة من صفقات المشروعات الصينية يمكن أن تخضع لمراجعة اللجنة المشتركة بموجب التشريع الجديد، ولكن إذا تم اتخاذ نهج أوسع نطاقاً، فإن نحو ثلاثة أرباع هذه الصفقات يمكن أن تندرج تحت الصلاحيات الموسعة للجنة المشتركة للرقابة على الاستثمار الأجنبي.
من ناحية أخري، أدى ازدياد التوتر التجاري بين الولايات المتحدة والصين، إلى تحويل المستثمرين الصينيين وجهتهم إلى أوروبا، حيث بلغت عمليات الاندماج والاستحواذ الصينية المعلنة حديثاً في أوروبا 22 مليار دولار في الأشهر الستة الأولى من العام الحالي، مقابل 2.5 مليار دولار فقط في أميركا الشمالية، وفقاً لتقرير مشترك من قبل شركة «روديوم» وشركة «بيكر ماكنزي» للمحاماة.



«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
TT

«وول ستريت» تسجل أطول سلسلة خسائر منذ 4 سنوات

متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)
متداول يعمل في بورصة نيويورك (رويترز)

واصلت الأسهم الأميركية تراجعها، يوم الجمعة، مع تعثر «وول ستريت» في ختام أسبوعها الخامس على التوالي من الخسائر، في أطول سلسلة خسائر منذ نحو أربع سنوات.

وهبط مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.8 في المائة في مستهل التداولات، موسّعاً خسائره، عقب تسجيله في الجلسة السابقة أكبر تراجع له منذ اندلاع الحرب مع إيران. كما خسر مؤشر «داو جونز» الصناعي 402 نقطة؛ أي ما يعادل 0.9 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت شرق الولايات المتحدة، في حين انخفض مؤشر ناسداك المركب بنسبة 1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وتعكس هذه الخسائر تحولاً عن نمط التداول خلال الأسبوع، حيث تأرجحت السوق الأميركية يومياً بين الصعود والهبوط مع تبدّل الآمال بشأن إمكانية إنهاء الحرب.

وبعد دقائق من إغلاق جلسة الخميس القاتمة، أطلق الرئيس الأميركي دونالد ترمب إشارة جديدة عُدّت بمثابة بارقة أمل، إذ قرر تمديد المهلة التي حددها لنفسه لـ«تدمير» محطات الطاقة الإيرانية حتى السادس من أبريل (نيسان) المقبل، في حال لم تسمح طهران لناقلات النفط باستئناف المرور من الخليج العربي عبر مضيق هرمز إلى المياه المفتوحة.

وعقب الإعلان، تراجعت أسعار النفط مؤقتاً؛ في إشارة إلى تفاؤل حذِر بإمكانية استعادة بعض الاستقرار في مضيق هرمز. غير أن هذا التفاؤل سرعان ما تبدَّد، لتعاود الأسعار الارتفاع مع انتقال التداولات من آسيا إلى أوروبا، ثم إلى «وول ستريت».

ورغم إعلان ترمب تأجيلاً ثانياً خلال الأسبوع، استمرت المواجهات في الشرق الأوسط دون بوادر تهدئة، في وقتٍ لم تُظهر فيه إيران أي استعداد للتراجع، بينما لوّحت إسرائيل بـ«تصعيد وتوسيع» هجماتها.

وقال دوغ بيث، استراتيجي الأسهم العالمية بمعهد «ويلز فارغو» للاستثمار: «إن التباين في المسار الدبلوماسي بين الولايات المتحدة وإيران، هذا الأسبوع، أثار استياء المستثمرين، ومع نهاية الأسبوع لم يعد بإمكانهم تحمُّل ضبابية المشهد».

من جهته، كتب جيم بيانكو، رئيس استراتيجيات الاقتصاد الكلي بشركة «بيانكو» للأبحاث، أن «أي تصريحات إضافية من ترمب بشأن اتفاق محتمل لن يكون لها تأثير يُذكر على الأسواق، ما لم يؤكد الجانب الإيراني أن المفاوضات تمضي في الاتجاه الصحيح».

وارتفع سعر خام برنت بنسبة 2.2 في المائة ليبلغ 104.15 دولار للبرميل، مقارنة بنحو 70 دولاراً قبل اندلاع الحرب، في حين صعد خام غرب تكساس الوسيط الأميركي بنسبة 3 في المائة إلى 97.28 دولار.

ويخشى المستثمرون من أن تؤدي الحرب إلى اضطرابات ممتدة في إنتاج ونقل النفط والغاز بالخليج العربي، ما قد يحجب كميات كبيرة من الإمدادات عن الأسواق العالمية، ويشعل موجة تضخم حادة. ولن يقتصر أثر ذلك على ارتفاع أسعار الوقود، بل سيمتد إلى زيادة تكاليف النقل والشحن، ما يدفع الشركات لرفع أسعار منتجاتها.

وتشير تقديرات محللي «ماكواري» إلى أن أسعار النفط قد تصل إلى 200 دولار للبرميل في حال استمرت الحرب حتى نهاية يونيو (حزيران) المقبل، وهو مستوى قياسي غير مسبوق.

وقد بدّدت هذه المخاوف، إلى حد كبير، رهانات المستثمرين على خفض أسعار الفائدة من قِبل «الاحتياطي الفيدرالي»، هذا العام، إذ إن أي تيسير نقدي قد يُغذي الضغوط التضخمية بدل كبحها.

ومع ارتفاع أسعار النفط، صعدت عوائد سندات الخزانة الأميركية طويلة الأجل، حيث ارتفع العائد على السندات لأجل 10 سنوات إلى 4.46 في المائة، مقارنة بـ4.42 في المائة في ختام تعاملات الخميس، ومن 3.97 في المائة فقط قبل اندلاع الحرب.

وقد انعكس هذا الارتفاع، بالفعل، على تكاليف الاقتراض، مع صعود أسعار الفائدة على الرهون العقارية والقروض، ما يضيف ضغوطاً إضافية على النشاط الاقتصادي.

وفي «وول ستريت»، تراجعت غالبية الأسهم، حيث انخفضت أربعة من كل خمسة أسهم ضِمن مؤشر «ستاندرد آند بورز 500». في المقابل، كان سهم «نتفليكس» من بين الاستثناءات القليلة، مرتفعاً بنسبة 0.8 في المائة، عقب إعلانه زيادة أسعار خدماته. وعلى الصعيد العالمي، تراجعت الأسهم الأوروبية، في حين جاءت التداولات الآسيوية متباينة.


غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
TT

غيوم حرب إيران... بين أسواق مضطربة ومستثمرين بلا ملاذ آمن

متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)
متداولون في بورصة وول ستريت بمدينة نيويورك الأميركية (رويترز)

تبدو غيوم حرب إيران في غاية السوء بالنسبة للمتعاملين في الأسواق العالمية شرقاً وغرباً. وبالنسبة لوانغ يابي على سبيل المثال، فإن الأمر كله يتعلق بالنوم الهانئ ليلاً. فقد قام مدير الصندوق، ومقره شنغهاي، بتقليص مراكزه بشكل حاد في مواجهة موجة بيع شديدة اجتاحت الأسواق العالمية مع استمرار الحرب في الشرق الأوسط.

وقال وانغ، مدير صندوق «زيجي» الخاص، في إشارة إلى الانهيار الحاد الذي شهدته الأسهم الصينية يوم الاثنين: «لا أحب التقلبات الحادة... كان الافتتاح سيئاً، لذلك خفّضت مراكز المحفظة إلى نحو 30 في المائة». وأضاف: «ثم شعرت بارتياح كبير».

وعلى الرغم من انتعاش طفيف في وقت لاحق من الأسبوع، لا ينوي وانغ إضافة أي مراكز استثمارية جديدة نظراً للتقلبات الحادة وغير المتوقعة في جميع فئات الأصول عالمياً، من الأسهم إلى النفط والسندات والذهب.

ويقول وانغ: «اليوم، تسعى لاقتناص الفرص عند أدنى مستويات الأسعار، وفي اليوم التالي، تعاني من موجة بيع أخرى. عندما يسود عدم اليقين، تُقلل من حيازاتك لتنعم براحة البال». ووانغ ليس الوحيد الذي يواجه هذه التحديات، فمن شنغهاي إلى نيويورك، يعاني المتداولون والمستثمرون ومديرو الثروات والمصرفيون من ليالٍ بلا نوم، وعمل في عطلات نهاية الأسبوع، واجتماعات مطولة مع العملاء، وتقلبات سريعة في المحافظ الاستثمارية، وتوتر في اللحظات الأخيرة عند تنفيذ الصفقات.

وتنبع هذه التحديات أساساً من عدم اليقين بشأن مدة استمرار الحرب الأميركية الإسرائيلية مع إيران، وتأثيرها على أسعار النفط -التي تجاوزت بالفعل 100 دولار للبرميل- بالإضافة إلى التضخم وأسعار الفائدة وإجراءات البنوك المركزية. والحرب، التي توشك على دخول أسبوعها الخامس، دفعت الذهب، الملاذ الآمن التقليدي، نحو تسجيل أكبر انخفاض شهري له منذ عام 2008، بانخفاض قدره نحو 16 في المائة. وارتفعت عوائد سندات الخزانة الأميركية بمقدار 46 نقطة أساس هذا الشهر، وهو أكبر مكسب لها منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

وبينما يعتمد بعض المشاركين في السوق على تجارب سابقة، بما في ذلك الحرب الروسية الأوكرانية التي اندلعت عام 2022 وتداعيات جائحة كوفيد-19، يجد معظمهم أن الاستراتيجيات القديمة لم تعد مجدية.

الأصول الآمنة

ويقول راجيف دي ميلو، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «غاما» لإدارة الأصول، والذي يعمل خلال عطلات نهاية الأسبوع ويعقد اجتماعات فريق أطول من المعتاد: «هناك عدد قليل جداً من الأصول الآمنة... سندات الخزانة لا تجدي نفعاً، والعملات الآمنة التقليدية مثل الين والفرنك السويسري لا تجدي نفعاً أيضاً. والذهب والفضة كذلك لا يُسهمان في تحسين الوضع».

وأدت الحرب التي استمرت قرابة شهر، والتي اندلعت إثر الضربات الأميركية الإسرائيلية المشتركة على إيران في أواخر فبراير (شباط)، إلى إغلاق طهران فعلياً لمضيق هرمز، وهو ممر مائي يمر عبره خُمس تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال في العالم. وقد أثار ذلك شبح الركود التضخمي (التضخم المرتفع مع ضعف النمو)، ودفع المستثمرين إلى بيع كل شيء تقريباً باستثناء الدولار الأميركي. ويقول دي ميلو، المقيم في سنغافورة: «منذ اندلاع الحرب، خفضنا استثماراتنا في الأسهم لأنه لا يوجد مكان للاختباء».

وقد تضررت الأسهم الآسيوية بشدة؛ إذ انخفضت الأسهم الكورية الجنوبية بنحو 13 في المائة هذا الشهر، بينما انخفض مؤشر نيكي الياباني بنحو 9 في المائة. في المقابل، كان أداء الأسهم الأميركية أفضل، حيث انخفضت بنسبة 6 في المائة فقط. وقد اجتذب هذا الأداء الأفضل قليلاً للأسهم الأميركية بعض المستثمرين.

وقال كينيون تسيه، رئيس قسم مبيعات التداول في بنك «يو بي إس» بهونغ كونغ، يوم الثلاثاء، إن مكتب التداول التابع لشركته شهد يومياً منذ بداية مارس (آذار) عمليات بيع صافية في أسهم شركة «تي إس إم سي»، أكبر شركة آسيوية من حيث القيمة السوقية، والتي تمثل أكبر انكشاف للمستثمرين العالميين على تايوان.

وقال ماتياس شايبر، من شركة «أولسبرينغ غلوبال إنفستمنتس» في لندن، إنه قلّص مراكزه في الأسواق الناشئة، وزاد بشكل تكتيكي من انكشافه على الولايات المتحدة، لكنه حذر من أن الضغوط قد تتفاقم إذا حذت البنوك المركزية العالمية حذو أستراليا في رفع أسعار الفائدة.

أما بالنسبة لمن كانوا على الجانب الخاسر من اضطرابات السوق، فقد كانت الأمور بالغة الصعوبة. وقال أحد المتداولين في شركة طاقة إن اندلاع الحرب تسبب في ليالٍ بلا نوم، حيث كانت شركته تحتفظ ببعض المراكز التي راهنت على انخفاض أسعار النفط.

وأضاف المتداول: «لم أستطع النوم حرفياً في تلك العطلة الأسبوعية التي بدأت فيها الحرب»، مشيراً إلى أن الأسبوع التالي كان شديد التوتر وسط تقلبات حادة وتزايد في الاجتماعات الداخلية. وتحدث المتداول شريطة عدم الكشف عن هويته لعدم حصوله على إذن بالتحدث إلى وسائل الإعلام.

صدمة غير مسبوقة

وبالنسبة لكينيث جوه، مدير إدارة الثروات الخاصة في بنك «يو أو بي كاي هيان»، تسببت الحرب في ليالٍ بلا نوم تقريباً، ليس بسبب رهانات خاسرة، بل بسبب إدارة محافظ العملاء في ظل صدمة غير مسبوقة. وقال جوه: «الأمر متواصل بلا توقف. إن حالفني الحظ، أنام عند منتصف الليل. وإلا، أنام في الثانية أو الثالثة أو الرابعة صباحاً. لكن هذه هي الحياة التي اخترتها». وأثرت حالة عدم اليقين المستمرة بشأن الصراع في الشرق الأوسط على الصفقات الجديدة في أسواق ائتمان الشركات. وفي نيويورك، قامت البنوك بضمان ديون بقيمة 18 مليار دولار تقريباً للاستحواذ على شركة تطوير ألعاب الفيديو «إلكترونيك آرتس» مقابل 55 مليار دولار.

وتابعت السلطات عن كثب التطورات المتعلقة بالمهلة التي حددها الرئيس الأميركي دونالد ترمب يوم الاثنين لشنّ ضربات على شبكة الكهرباء الإيرانية. وتزامن هذا الموعد النهائي مع المراحل الأخيرة من تسويق سندات شركة الكهرباء الإيرانية للمستثمرين في بداية الأسبوع، وكان من الممكن أن يؤدي إلى شروط أقل ملاءمة للمقترضين، وفقاً لما ذكره مصرفيان مطلعان على الأمر.

وأوضح المصرفيان أن المصرفيين المشاركين في الصفقة خلال عطلة نهاية الأسبوع كانوا يستعدون لاحتمال شنّ ضربات على البنية التحتية الإيرانية، وما قد يتبع ذلك من ارتفاع محتمل في أسعار سندات شركة الكهرباء الإيرانية. وبعد إعلان ترمب يوم الاثنين تأجيل الضربات لمدة خمسة أيام، تمكنت البنوك من خفض تكاليف الاقتراض على جزء السندات عالية العائد المقوّمة بعملات مختلفة، والذي يبلغ نحو 6.6 مليار دولار، حسب المصرفيين. ويوم الخميس، أعلن ترمب تعليق الهجمات المُهددة على محطات الطاقة الإيرانية لمدة عشرة أيام حتى السادس من أبريل (نيسان). وقد أدى هذا التقلب المستمر إلى إجبار المستثمرين على متابعة السوق عن كثب. ويقول موكيش ديف، كبير مسؤولي الاستثمار في شركة «أرافالي» لإدارة الأصول: «يجب عليك باستمرار مراقبة السوق والتفاعل معه، وهذا يؤثر بلا شك على قدراتك الذهنية». وأضاف ديف، المقيم في سنغافورة، أنه شهد تقلبات مماثلة في عام 2008 وخلال الأزمة المالية الآسيوية في أواخر التسعينات، لكنه لم يُجزم ما إذا كان الوضع الحالي يُضاهي تلك اللحظات -في الوقت الراهن. وقال: «إذا استمر هذا الوضع لأسبوع آخر أو نحوه، فسنرى. لا مجال للخطأ، فالأخطاء غير مقبولة بتاتاً».


الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
TT

الحرب الإيرانية تهدد اقتصاد الاتحاد الأوروبي بالركود التضخمي

فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)
فالديس دومبروفسكيس، يحضر مؤتمرًا صحفيًا عقب اجتماع افتراضي لمجموعة اليورو في بروكسل (إ ب أ)

حذَّر المفوض الاقتصادي الأوروبي، فالديس دومبروفسكيس، من أن اقتصاد الاتحاد الأوروبي يواجه خطر الركود التضخمي نتيجة ارتفاع أسعار الطاقة الناجم عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

وقال دومبروفسكيس في مؤتمر صحافي عقب اجتماع وزراء مالية الاتحاد الأوروبي: «التوقعات محاطة بغموض كبير، لكن من الواضح أننا معرضون لخطر صدمة ركود تضخمي، أي سيناريو يتزامن فيه تباطؤ النمو مع ارتفاع التضخم»، وفق «رويترز».

وأضاف: «حتى لو كانت اضطرابات إمدادات الطاقة قصيرة الأجل نسبياً، تشير تحليلاتنا إلى أن نمو الاتحاد الأوروبي في 2026 قد يكون أقل بنحو 0.4 نقطة مئوية عن توقعاتنا الاقتصادية السابقة، مع احتمال ارتفاع التضخم بنحو نقطة مئوية واحدة».

وتابع: «إذا تبيَّن أن الاضطرابات أكثر جوهرية وأطول أمداً، فإن العواقب السلبية على النمو ستكون أكبر، وقد ينخفض النمو بنسبة تصل إلى 0.6 نقطة مئوية في كل من عامي 2026 و2027».

وأكد دومبروفسكيس أن نطاق الحرب وشدتها وتأثيرها قد ازدادت منذ آخر اجتماع لوزراء مالية الاتحاد الأوروبي قبل أكثر من أسبوعين؛ ما يزيد غموض التوقعات الاقتصادية.