روحاني يحذر ترمب من {اللعب بالنار}... ويهدد بإغلاق {مضايق كثيرة}

خيّر واشنطن بين {أم المعارك} و{أم السلام} واتهمها بالسعي لإسقاط النظام وتقسيم إيران

روحاني ووزير خارجيته خلال ملتقى الوفود الدبلوماسية الإيرانية في طهران أمس (موقع روحاني)
روحاني ووزير خارجيته خلال ملتقى الوفود الدبلوماسية الإيرانية في طهران أمس (موقع روحاني)
TT

روحاني يحذر ترمب من {اللعب بالنار}... ويهدد بإغلاق {مضايق كثيرة}

روحاني ووزير خارجيته خلال ملتقى الوفود الدبلوماسية الإيرانية في طهران أمس (موقع روحاني)
روحاني ووزير خارجيته خلال ملتقى الوفود الدبلوماسية الإيرانية في طهران أمس (موقع روحاني)

غداة تأييد المرشد علي خامنئي لتهديدات مضيق هرمز، اتهم الرئيس الإيراني حسن روحاني، أمس، الولايات المتحدة بالسعي وراء الإطاحة بالنظام وتقسيم إيران، وقال إن بلاده «تملك مضايق كثيرة، أحدها مضيق هرمز»، وخاطب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقوله إن «الحرب مع إيران ستكون أم الحروب، وإن السلام معها سيكون أم السلام»، محذراً إياه من «ندم التلاعب بالنار».
وقال روحاني في خطاب أمام حشد من الدبلوماسيين الإيرانيين إن «الإطاحة بالنظام وتقسيم إيران من ضمن السياسات الأساسية التي تتابعها الإدارة الأميركية».
واستدعت الخارجية الإيرانية طاقم سفاراتها استعداداً للمرحلة الأولى من العقوبات الأميركية، والعقوبات الأوسع التي يفترض أن تبدأ مع حلول نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، موعد تصفير العقوبات النفطية، حسب إعلان إدارة ترمب.
وجدد روحاني تهديداته للولايات المتحدة حول الخطوة الإيرانية ضد العقوبات التي تستهدف صادرات النفط الإيراني، وقال في هذا الصدد: «من يعرف السياسة قليلاً، لا يمكن أن يقول إنه يمنع صادرات النفط الإيرانية، لدينا مضايق كثيرة، أحدها مضيق هرمز»، وذلك بعد 24 ساعة من تبني المرشد الإيراني علي خامنئي تهديدات سابقة وردت على لسان روحاني خلال جولته في جنيف.
وقال خامنئي، أول من أمس، إن تهديدات روحاني عن إغلاق مضيق هرمز خلال زيارته الأخيرة إلى أوروبا «مهمة، وتعبر عن سياسة ونهج النظام»، مطالباً الخارجية الإيرانية بمتابعة «جدية» لمواقف الرئيس الإيراني، التي حظيت بترحيب واسع من قادة «الحرس الثوري» الذين أعلنوا استعدادهم لطي الخلافات مع حكومة روحاني، والتعاون معها لاتخاذ خطوات عملية لتهديدات روحاني. وقال قاسم سليماني إنه يقبل يد الرئيس الإيراني على موقفه، مضيفاً أنه «روحاني الذي كنا نعرفه، وما ينبغي أن يكون».
وسجلت تهديدات روحاني تراجعاً كبيراً عن مواقفه في الانتخابات الرئاسية 2017. وكان روحاني قد وجه انتقادات واسعة لـ«الحرس الثوري» خلال حملته الانتخابية بسبب تجربة الصواريخ الباليستية، بعد أسبوعين من دخول الاتفاق النووي حيز التنفيذ، منتصف يناير (كانون الثاني) 2017. حينذاك، اتهم روحاني قادة «الحرس الثوري» بمحاولة قلب الطاولة على مساعي حكومته لتطبيع العلاقات الإيرانية مع الدول الغربية، عبر استعراض مواقع تحت الأرض، وصفها نائب قائد «الحرس الثوري» بـ«غابة الصواريخ».
وقال روحاني إن «عمل» الولايات المتحدة يشكل «تآمراً ضد إيران والشعب الإيراني الكبير»، كما جدد دفاعه عن إبرام الاتفاق النووي، ووجه انتقادات ضمنية لمعارضي الاتفاق في الداخل الإيراني، مشيراً إلى أنه كان «قراراً موحداً من كل أركان النظام»، وتابع أن «مؤامرة أميركا الأخيرة محاولة لاستتباع الشعب الإيراني، لكن يجب أن تعرف أن الشعب الإيراني سيد نفسه، ولكن يكون تابعاً لأحد»، مضيفاً أن «على الأميركيين أن يعرفوا أن السلام مع إيران أم السلام، والحرب معها أم الحروب».
ومع ذلك، قال روحاني إن بلاده ترفض التعرض للتهديد، إلا أنه في الوقت نفسه، خاطب الرئيس الأميركي قائلاً: «السيد ترمب، نحن نضمن أمن الممر الإقليمي على مدى التاريخ، لا تلعب بالنار، ستندم».
وتطرق روحاني إلى علاقات طهران مع السعودية والإمارات والبحرين «في ظل الظروف الراهنة»، قائلاً إن هناك «فرصة لتنمية العلاقات مع الجيران أكثر من السابق»، لكنه رهن ذلك بوقف ما وصفه بـ«العناد»، وإعادة النظر في السياسات، وإبداء رغبة في إقامة العلاقات، مضيفاً: «يجب أن نحل الخلافات، ونقيم الصداقة».
ووجه روحاني رسائله للإدارة الأميركية قبل ساعات من وجود وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو بمدينة لوس أنجليس، بين أكبر جالية إيرانية في الولايات المتحدة، لمخاطبة الإيرانيين تحت عنوان «صوت إيران»، يتطرق فيه بشكل الأساسي للأوضاع الداخلية للمواطن الإيراني، والأوضاع الاقتصادية، وسياسات النظام في التعامل مع القوميات والأقليات الدينية.
وهي المرة الثالثة التي يوجه فيها بومبيو خطاباً للإيرانيين منذ بداية مهمته في منصب وزير الخارجية الأميركي في مايو (أيار) الماضي، وقد بدأها بإعلان استراتيجية لمواجهة إيران، في 12 فقرة شملت البرنامج النووي الإيراني، وتطوير الصواريخ الباليستية، إضافة إلى نشاط «الحرس الثوري الإقليمي»، كما خصص تغريدات لمخاطبة الشارع الإيراني على مدى الشهر الماضي، معلناً دعم واشنطن للحراك الشعبي ضد النظام.
وفي هذا الشأن، قال روحاني إن الإدارة الأميركية «لا تملك تحريض الشعب الإيراني ضد الأمن والمصالح الإيرانية. تعلنون الحرب على الشعب الإيراني وتدعون دعمه؟ تمددتم في كل المنطقة، يجب أن تستوعبوا معنى ما تقولون»، وأشار إلى أن إيران بين خيار الاستسلام أو المقاومة، معتبراً الحوار مع الإدارة الأميركية يعني «الاستسلام ونهاية الإنجازات الإيرانية»، وقال: «إذا استسلمنا أمام الجماعة التي تحكم في الولايات المتحدة، وتراجعنا خطوة إلى الوراء، ستنهب كل ثروات أمتنا. وفي ظل هذه الأوضاع، لن نخاف، وسنقف حتى آخر قطرة دم».
وعن قرب انطلاق العقوبات الأميركية، قال روحاني مخاطباً الوفود الدبلوماسية الإيرانية: «يوماً ذهبياً للدبلوماسيين أن يرتبطوا مع الشركات الكبيرة والصغيرة. أبواب إيران مفتوحة إلى التكنولوجيا والاستثمار. على السفراء تدشين الحركة الجديدة».
ويأتي التصعيد بين الجانبين قبل أيام قليلة من بداية المرحلة الأولى من العقوبات الأميركية. ومن المفترض أن تستهدف الحزمة الأولى من العقوبات الذهب والمعادن الأخرى، إضافة إلى صناعة السيارات، في الرابع من أغسطس (آب) المقبل.
وأشارت تقارير من وسائل الإعلام الإيرانية أمس إلى أن أسعار السبائك الذهبية تخطت 3 ملايين ريال، كما عاد الدولار لتخطي 90 ألف ريال، ويتوقع الخبراء أن تواصل الأسعار كسر الأرقام القياسية، بالتزامن مع عودة العقوبات.
وتتطلع الإدارة الأميركية إلى أن تؤدي الضغوط الاقتصادية إلى تحرك الشارع الإيراني لتعديل سلوك النظام الإيراني.
وقد تفاقمت الأزمة الاقتصادية الإيرانية بعد إعلان ترمب الانسحاب من الاتفاق النووي في الثامن من مايو الماضي. وتواجه حكومة روحاني ضغوطاً متزايدة من الأطراف الداخلية لتعديل فريقها الاقتصادي، إلى جانب تبادل الاتهامات بين الأطراف السياسية حول تفشي الفساد في إيران.
ولفت روحاني إلى أن مساعي الإدارة الأميركية «أخفقت في إقناع الأوروبيين بتعديل الاتفاق النووي»، مضيفاً أن «ترمب حاول كثيراً، لكن أجبر على الانسحاب وحيداً من الاتفاق النووي». وزعم الرئيس الإيراني أن بلاده «تعاملت بذكاء مقابل ترمب غير الناضج»، مضيفاً أن «أميركا تواجه العالم ضد الاتفاق النووي. أميركا المعزولة يجب ألا تلتقط الأنفاس»، كما اعتبر سلوك الإدارة الأميركية الحالية «يتضمن مخاطر كبيرة للعالم، لكن توجد فرص كبيرة في قلب هذه المخاطر».
ولم يوضح روحاني الفرص التي يمكن أن تستفيد منها طهران، لكنه رفض تراجع طهران عن دورها الإقليمي. وفي إشارة ضمنية إلى واشنطن، قال: «إن الأعداء يعلنون أنهم يريدون الوقوف بوجه النفوذ الإيراني، إقليمياً وعالمياً»، مشيراً إلى أن «العمق الاستراتيجي لإيران يمتد شرقاً من شبه القارة الهندية، وغرباً على البحر المتوسط، وجنوباً من المحيط الهندي والبحر الأحمر، وشمالاً حتى آسيا الوسطى والقوقاز».
وقال روحاني إن قوات بلاده حاضرة في سوريا والعراق بطلب من الحكومات السورية والعراقية «لمكافحة الإرهاب»، وقال إن إيران «تفتخر بأعمالها في سوريا والعراق ولبنان».
من جهة ثانية، حاول روحاني الرد على النقاش الدائر حول العلاقات الروسية والإيرانية، وقال رداً على ما أثارته صحيفة «كيهان»، الأربعاء الماضي، حول النهاية الموضوعية لشعارات النظام الإيراني في الثمانينات (لا شرقية ولا غربية.. جمهورية إسلامية): «إننا لا نستسلم للغرب ولا للشرق، وشعار (لا شرقية ولا غربية) لا يتعارض مع تنمية التعاون مع دول العالم. نحن لا ننظر على روسيا على أنها شرقية أو قوة كبيرة، بل ننظر إليها كجار، ونرى أن حسن الجوار وتنمية العلاقات مع موسكو في صالح البلدين»، معتبراً روسيا المستفيد الأكبر من العلاقات مع إيران.
وتتقابل تصريحات روحاني مع التيار المحافظ، لا سيما مستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية علي أكبر ولايتي، الذي يحمل لواء استراتيجية «التطلع نحو الشرق»، وهي تهدف إلى تقارب إيراني مع الصين وروسيا كخيار استراتيجي لمواجهة العقوبات الغربية، لا سيما للحصول على مكاسب من الدول الأوروبية.



خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
TT

خامنئي يتحدى الحصار... وترمب يدرس الخيارات

رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)
رجل ينظر إلى ناقلة «ديش غاريما» في أثناء تفريغ حمولتها من النفط في مومباي أمس بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

تحدّى المرشد الإيراني مجتبى خامنئي، الحصار الأميركي، بإعلانه عن تشكل «فصل جديد» في الخليج العربي ومضيق هرمز، بينما طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب خطة لإنشاء تحالف بحري يعيد فتح الممر الحيوي أمام الملاحة.

وقال خامنئي في بيان تلاه التلفزيون الرسمي، إن الوجود الأميركي «أهم عامل لانعدام الأمن»، وإن مستقبل المنطقة سيكون «بلا أميركا». وبدوره، ذكر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أن الحصار «محكوم بالفشل»، فيما رأى رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف أن إدارة إيران لـ«هرمز» ستضمن مستقبلاً خالياً من الوجود الأميركي.

ويدرس ترمب خيارات تشمل ضربات محتملة وخطة للسيطرة على جزء من المضيق لإعادة فتحه تجارياً. وقال مسؤول أميركي إن كبار القادة العسكريين، سيعرضون على ترمب إمكانية اتخاذ إجراء عسكري ضد إيران. وقال قائد قيادة «سنتكوم» براد كوبر إن الحصار البحري «فعال للغاية» بعد اعتراض 42 سفينة ومنع 41 ناقلة من مغادرة إيران.

في سياق متصل، دعت «الخارجية» الأميركية، دولاً شريكة، إلى الانضمام إلى «هيكل الحرية البحرية» لضمان الملاحة، عبر تقديم معلومات فورية وإرشادات أمنية وتنسيق مشترك.

وفي الأثناء، قالت مصادر باكستانية لوكالة «رويترز» إن طهران تدرس اتفاقاً محتملاً وطلبت مهلة للرد.


مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
TT

مضيق هرمز... بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل

زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)
زورق سريع يعبر بالقرب من سفينة شحن في مضيق هرمز قبالة جزيرة قشم الإيرانية (أ.ب)

تبدو لحظة هرمز الراهنة أقل وضوحاً من أن تُقرأ بوصفها تهدئة صافية أو مقدمة مباشرة لانفجار عسكري جديد؛ فانسحاب الحاملة «فورد»، يتقاطع مع دعوة واشنطن إلى تشكيل تحالف بحري لفتح المضيق، ومع تلويح البيت الأبيض بخيارات عسكرية «سريعة وقوية»، في وقت يصرّ فيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب على أن الحصار البحري أكثر فاعلية من القصف، ويطالب إيران بـ«الاستسلام الآن».

في المقابل، تردّ طهران بخطاب مزدوج: رفض قانوني وسياسي للحصار بوصفه «محكوماً بالفشل»، وتحذير عسكري من أن أي ضربة أميركية، ولو محدودة، ستفتح صراعاً طويلاً ومؤلماً ضد القوات الأميركية في المنطقة، وفق ما يرى محللون.

لذلك، لا يبدو المشهد انتقالاً من الحرب إلى السلم، بل انتقالاً إلى طور أكثر تعقيداً، وهو تفاوض تحت الحصار، وردع تحت التهديد، ومحاولة من كل طرف لإقناع الآخر بأنه يملك النفس الأطول، مما يضع مضيق هرمز بين تفاوض متوتر وتصعيد مؤجل.

«فورد» انسحاب أم إعادة تموضع؟

حاملة الطائرات الأميركية الأكبر في العالم «جيرالد فورد» تبحر بجانب سفينة إمداد (أرشيفية - رويترز)

يمنح تضارب الأنباء حول سحب الحاملة «فورد» مساحة واسعة للتأويل السياسي؛ فهناك من يقرأ الخطوة كإشارة إلى خفض التصعيد أو تقليص احتمالات استئناف العمليات الكبرى، فيما يراها آخرون مناورة ضمن إدارة المهلة الدستورية والسياسية المتاحة أمام ترمب.

لكن تقدير باتريك كلاوسون، مدير برنامج إيران في معهد واشنطن، في حديث مع «الشرق الأوسط»، يضع المسألة في إطار أكثر برودة: «فورد» كان عليها أن تغادر، بعدما طال انتشارها أكثر مما هو مألوف لحاملة طائرات، وربما كان من أطول الانتشارات، وطاقمها يحتاج إلى الراحة.

الأهم في كلامه أن انسحابها لا يعني بالضرورة تراجع القدرة الأميركية؛ فالقوات المتبقية، وفق تقديره، «أكثر من كافية» لفرض الحصار، خصوصاً أن المهمة تعتمد بدرجة كبيرة على الاستخبارات والمسيّرات لتحديد السفن، ثم استخدام المروحيات وفرق الصعود عند الحاجة.

بهذا المعنى، قد يكون خروج الحاملة أقل أهمية من البنية العملياتية التي تُبقي الحصار قائماً.

فالحصار لا يحتاج دائماً إلى مظاهر القوة الكبرى نفسها التي تحتاج إليها حملة جوية شاملة. يكفي أن تقتنع شركات الشحن بأن المرور صار مخاطرة غير محسوبة، وأن تدرك إيران أن واشنطن قادرة على منع صادراتها ووارداتها البحرية من دون العودة فوراً إلى نمط القصف الواسع.

حرب استنزاف بلا إعلان حرب

يرى كلاوسون أن التصعيد «انحسر»؛ لأن الطرفين دخلا فيما يشبه الحصار الطويل؛ فلا واشنطن تريد استئناف حرب كاملة، ولا طهران أظهرت استعداداً لتسوية سريعة. وبينهما، تراجعت فرص المبادرات الوسطية، بما فيها مقترحات باكستان والصين، لأن كلاً من الطرفين يعتقد أنه قادر على الصمود أكثر من الآخر.

هذا هو جوهر المرحلة: الولايات المتحدة تراهن على ضغط اقتصادي وبحري وسياسي متراكم يجبر إيران على إبداء مرونة في الملف النووي. وفي المقابل، إيران تراهن على عامل الوقت، وعلى خوف الأسواق من إغلاق هرمز، وعلى تردد الشركاء الدوليين في الانخراط عسكرياً إلى جانب واشنطن.

لذلك لا يصبح السؤال: هل انتهت الحرب؟ بل: هل دخلت الحرب شكلاً جديداً أقل ضجيجاً وأكثر إنهاكاً؟

ترمب نفسه عزز هذا الانطباع حين قال إن الحصار «أكثر فاعلية إلى حد ما من القصف»، وإنه مستعد للإبقاء عليه ومواصلة الحرب ما لم توافق إيران على عدم امتلاك سلاح نووي. ومن جانبه، يحذر الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان من أن الحصار البحري سيزيد الاضطرابات في الخليج، ولن يعزز الأمن الإقليمي، بل سيصبح مصدراً دائماً للتوتر.

الكونغرس ومهلة ترمب

ترمب خلال خطاب «حال الاتحاد» أمام الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تكتسب المهلة الزمنية أهمية خاصة؛ لأنها تمنح كل خطوة عسكرية أو بحرية معناها السياسي الداخلي؛ فمع اقتراب نهاية مهلة الـ60 يوماً، في 1 مايو (أيار)، يصبح ترمب أمام خيارات حساسة: تمديد إضافي محدود، أو طلب غطاء من الكونغرس، أو استخدام الضغط العسكري قبل أن تتحول القيود القانونية والسياسية إلى عبء على قراره.

من هنا يمكن فهم تسريب موقع «أكسيوس» الإخباري عن إحاطة عسكرية يقدمها قائد القيادة المركزية، الأدميرال براد كوبر، للرئيس بمشاركة رئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال دان كاين.

فالإحاطة لا تعني بالضرورة أن الضربة وشيكة، لكنها تعني أن البيت الأبيض يريد إبقاء الخيار العسكري حياً على الطاولة، خصوصاً إذا لم يؤد الحصار إلى تنازلات إيرانية سريعة.

وتشير التسريبات إلى خطط عدة، منها: موجة ضربات «قصيرة وقوية»، قد تشمل بنى تحتية، وعملية للسيطرة على أجزاء من مضيق هرمز لإعادة فتحه أمام الملاحة، وربما عملية خاصة لتأمين مخزون إيران من اليورانيوم العالي التخصيب. هذه الخيارات تبدو مختلفة في طبيعتها، لكنها تخدم هدفاً واحداً، وهو كسر الجمود التفاوضي وإقناع طهران بأن انتظار انتهاء المهلة الأميركية ليس استراتيجية مضمونة.

«تحالف هرمز»

في موازاة الضغط العسكري، تتحرك واشنطن دبلوماسياً عبر طرح تشكيل تحالف دولي بحري يهدف إلى استئناف حركة الملاحة في المضيق.

ووفق البرقية الدبلوماسية التي أوردتها صحيفة «وول ستريت جورنال»، تريد الإدارة من الدول الأخرى مشاركة المعلومات، والتنسيق دبلوماسياً، وربما المشاركة عسكرياً، مع قيام وزارة الخارجية بدور مركز العمليات الدبلوماسية، وتوفير «سنتكوم» الوعي البحري اللحظي والتنسيق بين الجيوش الشريكة.

لكن هذا التحالف يكشف عن مفارقة في موقف ترمب؛ فهو من جهة ينتقد الأوروبيين وحلف «الناتو» لأنهم لم يساعدوا واشنطن وإسرائيل خلال الحرب، بل وصل به الأمر إلى القول إن على الأوروبيين أن يذهبوا بأنفسهم إلى المضيق و«يأخذوه».

ومن جهة أخرى، تعود واشنطن الآن إلى طلب مشاركة دولية؛ لأن فتح هرمز وإدارته لا يمكن أن يكونا عبئاً أميركياً منفرداً من دون كلفة سياسية وعسكرية واقتصادية عالية.

التحالف، إذن، ليس فقط أداة بحرية، بل هو محاولة لتدويل الضغط على إيران وتوزيع المسؤولية عن أمن الطاقة، وإظهار أن طهران لا تواجه واشنطن وحدها، بل شبكة مصالح عالمية متضررة من تعطيل المضيق.

طهران لإدارة هرمز بدل فتحه

زورق يحمل مشاة بحرية «الحرس الثوري» الإيراني بجوار سفينة احتجزت في أثناء عبورها مضيق هرمز (أ.ف.ب)

الخطاب الإيراني المقابل لا يوحي باستعداد للتراجع السريع؛ فالمرشد الإيراني مجتبى خامنئي يتحدث عن «فصل جديد» في الخليج ومضيق هرمز، وعن مصير مشترك مع الجيران، لكنه يقرن ذلك برفض الوجود الأميركي، وبالقول إن مكان الأميركيين في الخليج هو «في قاع مياهه».

أما رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف فيقدم «إدارة» إيران للمضيق بوصفها طريقاً إلى مستقبل خالٍ من التدخل الأميركي.

هذا الخطاب يستهدف جمهورَين في آن واحد. داخلياً، يحاول النظام تقديم الحصار لا بوصفه خنقاً لإيران بل فرصة لإعادة تعريف ميزان القوة في الخليج بعد الحرب. وخارجياً، يوجّه رسالة إلى دول الخليج بأن أمنها ينبغي أن يدار إقليمياً لا أميركياً.

غير أن هذه الرسالة تصطدم بحقيقة أن تعطيل الملاحة وفرض رسوم أو شروط على العبور يهددان مصالح هذه الدول نفسها، ويزيدان اعتمادها على قوة خارجية قادرة على حماية الممرات.

الأخطر، وفق ما يرى محللون، هو تهديد قائد القوات الجوفضائية في «الحرس الثوري»، مجيد موسوي، بأن أي هجوم أميركي، حتى لو كان محدوداً، سيقابل بضربات طويلة ومؤلمة ضد المواقع الأميركية في المنطقة، مع إشارة مباشرة إلى السفن الحربية.

وهذا يعني أن ضربة أميركية «قصيرة» قد لا تبقى قصيرة إذا قررت طهران الرد عبر قواعد أو سفن أو وكلاء أو موجات صاروخية جديدة.

الخلاصة أن المشهد لا يعكس تراجعاً كاملاً للتصعيد العسكري، ولا اندفاعاً حتمياً إلى الحرب الشاملة، هو أقرب إلى إدارة تصعيد محسوبة داخل عملية تفاوضية بالقوة.

فواشنطن تضغط بحصار طويل، وتلوّح بضربة موجزة، وتبحث عن تحالف دولي، بينما طهران تراهن على الصمود، وتحوّل المضيق إلى ورقة سياسية، وتلوّح بتوسيع الألم إذا عادت الضربات.

قد يستمر هذا الوضع، كما يقول كلاوسون، لفترة طويلة، لكنه قد «ينفجر في وقت قصير». فكل طرف يعتقد أنه يملك قدرة تحمّل أكبر، وهذا تحديداً ما يجعل الأزمة خطرة، فالحروب لا تنفجر فقط عندما يقرر طرف الهجوم، بل عندما يسيء طرفان تقدير حدود صبر الآخر.


هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

هل هدف «إسقاط النظام الإيراني» سبّب أزمة بين واشنطن وتل أبيب؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكنيست (أرشيفية - أ.ف.ب)

تكشف التطورات المرتبطة بالحرب الأخيرة على إيران عن فجوة متزايدة بين الأهداف المعلنة للعملية العسكرية وما تقول مصادر إسرائيلية وأميركية إنه كان الهدف الحقيقي للحرب، وفق ما ذكر موقع «واي نت» الإسرائيلي. فبحسب مسؤولين أمنيين واستخباراتيين، دخلت الولايات المتحدة وإسرائيل المواجهة وهما تراهنان على إضعاف النظام الإيراني إلى حد تهديد بقائه، رغم نفي القيادتين السياسيتين في البلدين وجود خطة مباشرة لإسقاط الحكومة في طهران.

وتشير تسريبات ووثائق مرتبطة بعملية الحرب التي أُطلقت في 28 فبراير (شباط)، إلى أن النقاشات بين واشنطن وتل أبيب تجاوزت حدود الردع العسكري التقليدي، ووصلت إلى بحث سيناريوات تغيير النظام. كما تحدثت تقارير عن اجتماع في غرفة العمليات بالبيت الأبيض، جمع الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قُدمت خلاله تصورات استخباراتية حول إمكانية إسقاط النظام الإيراني.

ونقل موقع «واي نت» عن مسؤول استخباراتي إسرائيلي رفيع المستوى قوله إن استهداف قيادات عليا وعناصر من قوات «الباسيج» الإيرانية لا يمكن تفسيره إلا في إطار محاولة إضعاف النظام من الداخل وتهيئة الظروف لاضطرابات سياسية واسعة.

استبعاد إسرائيل

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خلال فعالية في القدس 21 أبريل 2026 (رويترز)

لكن الرهان على انهيار النظام الإيراني لم يتحقق. ومع تراجع احتمالات إسقاط السلطة في طهران، بدأت الخلافات الأميركية - الإسرائيلية بالظهور إلى العلن، قبل أن تتخذ واشنطن خطوة اعتبرتها أوساط إسرائيلية «إقصاءً كاملاً» لتل أبيب من مسار المفاوضات اللاحقة مع إيران.

وبحسب مسؤولين إسرائيليين، لم تعد إسرائيل شريكاً فعلياً في مناقشات وقف الحرب أو شروط التسوية، كما لم تعد تتلقى معلومات كافية حول مسار الاتصالات الأميركية - الإيرانية. ويقول مسؤول أمني إسرائيلي إن «القرار أصبح بالكامل بيد الأميركيين، بينما لا تعرف إسرائيل حقيقة ما يجري أو إلى أين تتجه الأمور».

وترى دوائر إسرائيلية أن واشنطن كانت ستتعامل بصورة مختلفة مع تل أبيب لو نجحت خطة إضعاف النظام الإيراني أو إسقاطه، لكن فشل هذا السيناريو دفع الإدارة الأميركية إلى إعادة ترتيب أولوياتها بعيداً عن الرؤية الإسرائيلية.

وزاد من شعور إسرائيل بالعزلة خطاب رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، دان كين، عقب انتهاء العمليات، حين شكر حلفاء واشنطن في الخليج من دون أن يذكر إسرائيل ضمن قائمة الشركاء.

سيناريو ثالث لإنهاء الحرب

جندي إيراني يقف أمام لوحة دعائية تظهِر المرشد الجديد مجتبى خامنئي وقادة عسكريين في طهران (إ.ب.أ)

في ظل تعثر خيار الحسم العسكري الكامل، وتعقيد فرص التوصل إلى اتفاق شامل بين واشنطن وطهران، بدأ يتبلور ما تصفه مصادر إسرائيلية بـ«السيناريو الثالث»، وهو تثبيت حالة هدوء غير معلنة، من دون اتفاق نهائي أو عودة مباشرة إلى القتال.

ويقوم هذا السيناريو على أن يعلن كل طرف تحقيق أهدافه، بينما يستمر نوع من التهدئة المتبادلة في الخليج والمنطقة. ووفق هذا التصور، تواصل الولايات المتحدة ضغوطها السياسية والاقتصادية على إيران، في حين تحتفظ طهران ببرامجها الصاروخية وقدراتها النووية الأساسية، مع تجنب الانزلاق إلى مواجهة واسعة جديدة.

ويرى مسؤولون إسرائيليون، وفق ما ذكر موقع «واي نت»، أن هذا الخيار، رغم محدودية نتائجه، قد يكون أقل سوءاً من اتفاق شامل يمنح إيران مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة. كما أنه يترك الباب مفتوحاً أمام استئناف العمليات العسكرية مستقبلاً إذا تغيرت الظروف.

لكن معارضين لهذا التوجه داخل إسرائيل يعتبرون أن العودة إلى سياسة «الجولات المؤقتة» تتناقض مع التعهدات التي أطلقتها القيادة الإسرائيلية بعد هجمات 7 أكتوبر (تشرين الأول)، والقائمة على منع تكرار الحروب الدورية المفتوحة.

أزمة الاتفاق النووي والصواريخ

مفاعل «بوشهر» النووي الإيراني (رويترز)

وتشير التقديرات الإسرائيلية إلى أن المفاوضات الجارية تركز بصورة أساسية على البرنامج النووي الإيراني، بينما يغيب ملف الصواريخ الباليستية تقريباً عن الطاولة، بعدما رفضت طهران إدراجه ضمن أي تفاوض.

وبحسب المعلومات المتداولة في إسرائيل، فإن المقترحات المطروحة تتضمن تخلّي إيران عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب، سواء عبر تخفيض نسبة التخصيب أو نقل المواد إلى دولة أخرى تحت إشراف «الوكالة الدولية للطاقة الذرية»، مقابل رفع للعقوبات الاقتصادية.

كما يجري الحديث عن وقف طويل الأمد لعمليات التخصيب، وسط خلاف حول مدة الالتزام بين الطرح الأميركي والرؤية الإيرانية، مع دخول وسطاء إقليميين على خط البحث عن تسوية وسط.

غير أن السيناريو الذي يثير القلق الأكبر في إسرائيل يتمثل في احتمال التوصل إلى اتفاق محدود يقتصر على إنهاء الحرب وفتح الملاحة في مضيق هرمز، مقابل تعهدات إيرانية عامة بعدم تطوير سلاح نووي ورفع العقوبات الأميركية، على أن تُرحّل الملفات الأكثر تعقيداً إلى مفاوضات لاحقة.

وترى أوساط إسرائيلية أن مثل هذا الاتفاق سيمنح النظام الإيراني فرصة لالتقاط الأنفاس، واستعادة استقراره الاقتصادي والسياسي، وإعادة بناء نفوذه الإقليمي، بما في ذلك دعم حلفائه في المنطقة وعلى رأسهم «حزب الله».

وفي الوقت نفسه، تعتقد هذه الأوساط أن أي هجوم أميركي جديد، إذا وقع، سيكون على الأرجح محدوداً واستعراضياً أكثر منه حرباً شاملة، خصوصاً في ظل الضغوط المرتبطة بمخزون الصواريخ الاعتراضية لدى الولايات المتحدة وإسرائيل، ما يجعل احتمالات الحسم العسكري الكامل أقل واقعية من أي وقت مضى.