هل هناك حقائق لا يكشفها غير الشعر؟

نظرة على تجربة الشاعر الإسباني خوزيه أنكِل فالِنتي

خوزيه أنكِل فالِنتي
خوزيه أنكِل فالِنتي
TT

هل هناك حقائق لا يكشفها غير الشعر؟

خوزيه أنكِل فالِنتي
خوزيه أنكِل فالِنتي

عطَّلت سنوات الحرب الأهلية الإسبانية (1936 - 1939) مسار الشعر في إسبانيا حتى منتصف القرن الماضي، فالكثير من الشعراء قُتلوا خلالها أو تشتتوا في المنافي، مما حدا بالشاعر ليون فليب أن يعلن من منفاه في المكسيك بأن «الشعر تخلى عن إسبانيا».
بعد انتهاء الحرب خرجت إسبانيا منهكة والكتّاب كانوا يواجهون الرقابة والقمع على يد نظام الجنرال فرانكو.
في هذا السياق أصبحت الاهتمامات السابقة قديمة ونائية، وأصبح الشعر مجزَّأً، إذ راح الشعراء يجربون مقاربات مختلفة لإعادة صياغة نتاجاتهم، فالكتّاب المعارضون للنظام طوروا شعرا احتجاجيا، وآخرون وجدوا ضالتهم في السوريالية أو الوجودية أو غيرهما. وقد سعى الكثير منهم إلى تبني أسلوب مباشر بديلا عن الأساليب القديمة التي بدت لهم مصطنعة وتفتقد خاصية البساطة التي يتميز بها الخطاب العادي. وأخيرا بدأ يظهر إجماع هش يرى أن الشعر هو حول التواصل بالدرجة الأولى، وتناول الهموم الاجتماعية والسياسية.
في هذا المشهد الأدبي المجزَّأ، نشر شاب تخرج للتو من جامعة مدريد ديوانه الشعري الأول: «بصيغة متفائلة، 1953 - 1954». إنه خوزيه أنكل فالِنتي. وقد فاز هذا الديوان بـ«جائزة أدونيس» للشعر، ثم كسب ديوانه الثاني: «أشعار للعازر، 1955 - 1960» «جائزة النقد».
ورغم أن فالِنتي كان في البدء مؤيدا لفرانكو، فإن فقدان والده حظوة النظام آنذاك، دفعه لاختيار المنفى مكانا للعيش، فذهب أولا إلى جامعة أكسفورد حيث درَّس الأدب الإسباني، وحصل هناك على شهادة ماجستير، ولاحقا أقام في جنيف وباريس حيث عمل مترجما لمنظمة الصحة الدولية واليونيسكو.
عام 1972 جرت محاكمة فالنتي غيابيا من قبل محكمة عسكرية إسبانية بسبب انتقادات وجهها للجيش. وقد عاد إلى إسبانيا عام 1986 بعد وفاة فرانكو بعشر سنوات، حيث استقر في الأندلس.
توفي الشاعر الإسباني فالِنتي في جنيف بمرض السرطان عام 2000 عن سن الحادية والسبعين.
يرى فالنتي الشعر بأنه «كشْف لجانب من الواقع لا يمكن الوصول إليه إلا عبر المعرفة الشعرية. وهذه المعرفة تُنتَج عبر اللغة الشعرية وتحقُّقُها يكون في الشعر».
ومع اطلاعه الواسع والعميق لأعمال الروائيين والشعراء من العصر الحديث فإن إتقانه للغات الرومانس السابقة للإسبانية المعاصرة مكنته من الاطلاع على الموروث القديم، كذلك ساعد اطلاعه العميق للأفلاطونية المحدثة وما أنتجته من أشعار وتأويلات فلسفية عبر القرون الوسطى على إغناء قصيدته بأبعاد جديدة توصلها بالديانات والثقافات العالمية المتعددة. ولعل ذلك واضح في الكثير من قصائده. تقول الأكاديمية المغربية فتيحة بن عبد الله، في أطروحتها عن الشاعر الإسباني فالِنتي إنه «عبَّر عن نفس الرؤيا التي نطلق عليها اسم البرزخ من خلال استرداد وإقرار وحدة المتضادات: الجسدي والروحي، المرئي وغير المرئي، ما يمكن قوله وما لا يمكن قوله».
يكتب توماس كريستنسن الذي ترجم نماذج من شعره في مقدمة كتابه «منظر طبيعي مع طيور صفراء» إن الشاعر فالِنتي بعد نزع الأسلوب الباروكي من الشعراء الإسبان القدامى تبنى بعضا من ثيماتهم وصاغها بلغة حادة وواضحة وقائمة في الحاضر». مع ذلك فإنه ظل دؤوبا على الاطلاع العميق للأدب والفكر الحديثين وهذا يظهر كثيراً في استشهاداته كتاباته النثرية إذ إضافة إلى كافكا، هناك أسماء مؤلفين آخرين من بينهم فريدريك هولدرين، وجيمس جويس وخوزيه ليما وبول سيلان وادموند جابيز.
ومع أن فالنتي لم يُقصِ الشأن الاجتماعي تماما من أشعاره، فإنه يراه ثانويا في الأهمية مقارنة بالاستكشاف الميتافيزيقي والفلسفي.
وفي هذه النماذج الشعرية نتلمس بعضاً من بصماته ورؤاه وكشوفاته، دون أن ننسى ضياع الكثير من عناصرها عبر الترجمة بما فيها الوزن والقافية والنسيج اللغوي الأصلي الذي كتبت به.
أول ليلة
وسِّعْ قلبكَ
اِجعله يُفلِس، اِجعله يَعمى،
حتى يولدَ فيه
الفراغ القوي
لما لا يمكن أبدا تسميته.
الليل يهبط
الليل يهبط.
القلب ينزل
سلالمَ لا متناهية،
أقبية شاسعة،
كي لا يجد غير الأسى.
هناك يستريح، هناك
يضطجع؛ هناك، مهزوماً،
يُضجِع كينونته.
يستطيع الإنسان
حملها على كتفيه
للصعود، بشق الأنفس، إلى أعلى ثانية
صوب الضوء:
هو يستطيع أن يمشي إلى الأبد،
يمشي...
أنت القادر على ذلك،
اِمنحنا قيامتنا اليومية!
قصيدة
كل الأشعار التي كتبتُها،
تعود إلى ليلاً
فتكشف أسرارها الأشد حلكة.
ثم تقودني
عبر ممرات بطيئة مملوءة
بظلال بطيئة ممتدة إلى عالم مبهم
لا أحد يعرفه
وحين لا يكون بإمكاني
العودة تسلِّمني المفتاح للغزٍ
في هيئة سؤال من دون جواب
فيُشعِل الضوء في عيني العمياوين.
أوجُ الأغنية.
البلبل وأنتَ
أخيراً سِيَّانِ.
مدخل إلى الرشد
عزلة.
خوفٌ.
هناك فراغٌ
خاوٍ، هناك مكان
من دون منفذ.
هناك أعمى
يجتاحه شوق بين نبضتي قلب،
بين موجتين
من أمواج الحياة هناك أمل
في أن تكون جميع الأبواب
مفتوحة على مصاريعها.
بين العين والشكل
هناك فجوة
قد يقع البصر عليها.
بين الإرادة والفعل تهبط
محيطات من الحلم.
بين نفسي وقدري جدار:
الاستحالة الضارية لما هو ممكن.
وسط عزلة كهذه تتظاهر ذراع قوية
بتوجيه لطمة لكنها لا تضرب شيئا.
في فراغ ما، في مكان ما - أين؟
وضد هجوم مَن؟
النفس لا تتعلق بأي شيء إلا بذاتها،
ضد الخوف، ضد التهديد، وضد التشاؤم.
المزهرية
المزهرية التي تحتوي على أسمى
شكل للواقع،
خُلقت من التراب،
كي تستطيع العين تأمل النضارة.
المزهرية الموجودة لغرض الاحتواء،
تفشل في الاحتواء فتتفتت،
ميتة. شكلها
موجود فقط هكذا،
رنانة عبقة.
المزهرية العميقة
ذات المنحنيات الدقيقة،
جميلة ومتذللة:
مزهرية وقصيدة.
إقرار
يجب أن أموت. ومع ذلك، لا شيء
يموت، لأنْ لا شيء،
لديه إيمان كافٍ
بقدرته على الموت.
اليومُ لا يموت،
بل هو يمرّ؛
ولا الوردة،
بل هي تذبل؛
والشمس تغرب،
لكنها لا تموت.
أنا فقط، الذي لامس
الشمس، والوردة، واليوم،
وله فكر،
أستطيع أن أموت.



«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)
TT

«نوبل الآداب» للكندية آن كارسون

آن كارسون (رويترز)
آن كارسون (رويترز)

تُوّجت الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة نوبل للآداب، أمس (الخميس)، لتجربتها التي وُصفت بأنها «متفردة» وتمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية باحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»، حيث تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية ثيمات الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما عدّه كثيرون «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في كثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، و«إيروس» و«الحلو المر».


محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
TT

محمد الفرج... يحمل الأحساء في حقيبة الذاكرة إلى لندن

من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)
من المعرض... النخيل وصور الذكريات (الشرق الأوسط)

محمد الفرج فنان سعودي يحمل موطنه معه في كل أعماله، يعبر عن بيئة الأحساء التي نشأ فيها بالصور والأفلام القصيرة وبالرسم وبالأعمال التركيبية، يرسم نخلات رشيقات بالفحم على الجدران ويستخدم تراب الواحة الغنية ويحوّله لعناصر حية تتشكل أمامنا وتختزل تلك العلاقة الأبدية ما بين الفنان وموطنه.

في معرضه الفردي الأول في لندن، الذي يحمل عنوان «القلب عش طير والعقل شبكة عنكبوت» يعزف محمد الفرج على النغمات الأثيرة لديه وينجح في جذب الزوار لتلك الواحة الغنية التي توجتها الطبيعة بأشجار النخيل الباسقة.

من العنوان يبدأ الفرج في حكاية قصص أعماله التي ينسجها من خيوط الذاكرة والمشاعر والقصص، الجزء الأول من العنوان، «القلب عش الطير»، يعبر عن الدفء والانتماء، بينما العقل، «شبكة العنكبوت»، ينشغل بالأفكار وتشابكاتها وتفريعاتها. بعنوان مثل هذا خارج من قلب الطبيعة يبدأ الفرج الرحلة معنا لاستكشاف معرضه.

من الأعمال في المعرض (الشرق الأوسط)

صور الذاكرة

يتحدث الفنان عن عمل يشغل مساحة ضخمة في العرض وهو عبارة عن مجموعة من الصور الفوتوغرافية الضخمة الموضوعة على الأرض بشكل متسق وفي الخلفية صورٌ أخرى تحتل جدار بأكمله.

تحتل صورة بالأسود والأبيض أغلب مساحة الجدار الخلفي، تصور أحد شوارع مدينته، نرى المباني والأشجار على جانب الطريق، هناك سيارات، ولكنها محجوبة بفعل صور أخرى موضوعة أمامها، تتقاطع صور الشارع مع صورٍ أخرى صغيرة مثبّتة فوقها؛ إحداها لمنظر غروب، وأخرى لطائر، وثالثة لشخص يتسلّق نخلةً لجني ثمارها.

صور من الذاكرة (الشرق الأوسط)

نعبر ببصرنا من الخلفية للمقدمة حيث تتناول بقية الصور مشاهد حياتية منها صور لنساء وأطفال على الشاطئ، رجل يجلس في غرفة تقليدية الطراز ولقطات أخرى.

يحمل العمل عنوان «كل ما أملكه هو هذه الإطارات، وأخشى أن أرمش فأفقدها»، يعبر عن الذاكرة ومحاولة الاحتفاظ بها. يصف الفنان الذكريات بأنها مثل «حفنة الرمل التي تتسرب من بين أصابعنا»، ويلجأ للكاميرا لمحاولة تجميد تلك اللحظات في صور، يقول: «أسرتني فكرة وجود أداة أو جهاز في حياتنا يتيح لنا الإمساك بذلك الشيء الذي نحاول التشبث به، رغم أن محاولاتنا غالباً ما تكون دون فائدة». ثم يضيف: «رغم ذلك أرى أن الكاميرا تمثل أعظم محاولة لالتقاط تلك الجوهرة».

تبدو طريقة عرض الصور أمامنا كمحاولة من الفنان لعيش التجربة مرة أخرى: «يراودني دائماً شعور بالإحباط بسبب الطبيعة ثنائية الأبعاد للصورة الفوتوغرافية، أي طريقة تمثيلها للذاكرة؛ إذ أتمنى لو كان بوسعي الدخول إلى داخل الصورة ورؤية عناصرها واحداً تلو آخر. وفي هذا العمل التركيبي نحاول تجسيد تلك الفكرة؛ حيث توجد صورة قد تظنها للوهلة الأولى، عند دخولك الغرفة، صورةً واحدةً متصلة، لكنك تكتشف عند الاقتراب منها أنها في الواقع مجزأة».

النخلات الباسقات وصورة العائلة (الشرق الأوسط)

الذاكرة تحمل أيضا تأثير المزارع والآبار وأشجار النخيل، تنطبع كلها بشكل أو بآخر في المعرض، تحضر أشجار النخيل في أكثر من عمل مرسومةً بالفحم على الجدران، تبدو نخلاته رشيقة، وتتدلّى ثمارها مثل أقراط الأذن كأنه يصور نساء عائلته، يشير إلى عملٍ أمامنا ويقول: «النخلة هي مثل برج ذاكرة بالنسبة لي؛ تمثل الصمود والقوة، وفيها كثير من العطاء... هي تمثل، بالنسبة إليّ، أشخاصاً من عائلتي».

العمل يصور 4 نخلات ويحمل عنوان «صورة العائلة»، يعلق أنه يجد في النخيل صور الأجداد والجدات ثم يضيف: «... والخالات بالذات، حتى من توفي منهن، أتذكرهن بصورة رومانسية جداً لأنهن من عالم ومن ثقافة مختلفة، ولهن اتصال عجيب جداً بالأرض».

حكاية البلبل

ننتقل لعمل منفصل يعتمد على مستطيل مكون من الرمل على الأرض وتنعكس عليه مشاهد فيلمية، يحمل اسم «تمرة المعرفة». ومرة أخرى نجد أنفسنا في الواحة بنخيلها ورمالها وطيورها، هذه المرة عبر الصورة والصوت والحركة.

يروي الفنان بصوته حكاية العمل ونستمع له خلال العرض عبر السماعات الشخصية، فتغدو التجربة ملموسة جداً، فالفنان - الراوي يحكي لنا شخصياً قصة العمل.

جانب من عمل «تمرة المعرفة» للفنان محمد الفرج (الشرق الأوسط)

لمحمد الفرج شغف بالحكايات والقصص والأمثال الشعبية، شغف يظهر في أعماله المختلفة وفي هذا العمل نعرف أن الحكاية من تأليفه هو شخصياً.

بطل قصته هو البلبل الذي نرى انعكاس صورته وهو يقفز على الرمل أمامنا، يقول الراوي: «يسمع البلبل حكاية متداولة تقول إن في كل نخلة تمرةً واحدة تحمل المعرفة الكونية كلها. مدفوعاً بالرغبة في الحصول على المعرفة يبدأ البلبل في أكل جميع الثمار في النخيل، وبالفعل يجد التمرة المنشودة ويأكلها ويحصل على المعرفة كما أراد، ولكنه يكتشف أن المعرفة حمل ثقيل جداً. عندما نعرف كل شيء تتحول المعرفة إلى نقمة. نفقد الدهشة والاكتشاف والفضول. عندما تعرف كل شيء، لا تعود قادراً على تغيير أي شيء».

يشير الفنان إلى فكرة القصة، خطرت له بعد نقاش مع أبناء شقيقته الذين تفاخروا بأنهم بمقدورهم معرفة كل شيء بفضل «تشات جي بي تي»، ويعلق: «الفيلم رسالة لي قبل أن يكون رسالة للناس، بأن لا تحاول أن تتحكم في كل شيء، واترك الحياة تسير بإيقاعها الطبيعي».

بالنسبة للبلبل كانت المعرفة الكاملة حملاً لم يستطع حمله فقرر التخلص منه ولجأ لصديق من الطيور ليساعده: «قال له صديقه تعال معي لنخرج للبرّ وسوف أعلمك ما يجب أن تفعله، هناك في الصحراء الخالية أشعل الصديق ناراً، وقال للبلبل: غرد بكل ما تعرفه في النار فهي سيدة النسيان»، ويغرد البلبل وينسى كل ما تعلمه.

ما تعبر عنه الرمال

في جانب من العرض 3 صور تلعب الرمال فيها دور البطولة، تُظهر تشكيلات مختلفة من الرمل، يطلق عليها الفنان عنوان «الرمال الزاحفة».

الفكرة خلف العمل أيضاً تأخذنا لعالم يعرفه الفرج جيداً، ويرتبط بذكريات الطفولة بشكل كبير: «الأمر بسيط للغاية؛ تأخذ حفنة من الرمل، وترميها في الهواء، وتلتقط صورة لها وهي تشكّل منحوتةً تدوم لجزءٍ من الثانية. هي مستوحاة من لعبة يمارسها الأصدقاء في لحظات اللهو. تتحول اللعبة البسيطة لدى محمد الفرج إلى سؤال عميق يحتاج لإجابة: تمثل (الرمية) السؤال، بينما تمثل الصورة التي تلتقطها للرمال المتساقطة الإجابة. الأمر أشبه بزيارة قارئة الطالع التي ترمي الحجارة لتخبرك بشيء ما؛ وما يتشكل من أشكال هو ما تبحث عنه... إنها سلسلة مثيرة للاهتمام للغاية بالنسبة لي؛ لأن الأشكال الناتجة عنها مذهلة وغير عادية».

«الرمال الزاحفة» ولهو الطفولة (الشرق الأوسط)

نخرج من المعرض محمّلين بصورٍ ومعانٍ وإحساسٍ بأننا زرنا واحة الأحساء عبر مشاعر محمد الفرج ولقطاته وتصاحبنا كلماته: «أنظر إلى مفهومي (الوطن) و(العائلة) بمعناهما الأوسع؛ فالحشرات هي أقاربي المفقودون منذ زمن بعيد والذين يرغبون في العيش على حسابي، والأبقار جيراني الصاخبون الذين بيني وبينهم (خلافات)، أما الطيور فتسأل عن أحوالي دائماً».


آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)
TT

آن كارسون تحصد «نوبل للآداب» عبر «تكسير» القواعد التقليدية

آن كارسون (لجنة نوبل)
آن كارسون (لجنة نوبل)

الإعلان عن فوز الأديبة الكندية آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب»، الخميس، أعاد تسليط الضوء على تجربتها التي تمتد عبر ما يقرب من نصف قرن في الاشتغال على الشعر والترجمة وبحوث اللغة والتاريخ والأدب، فضلاً عن دورها في الحياة الأكاديمية كباحثة ومحاضرة متخصصة في الآداب القديمة، لا سيما الأدب الإغريقي.

وبحسب نقاد ومتابعين، فإن أبرز ما يميز تلك التجربة هو براعة كارسون في «تكسير القواعد الأدبية المتعارف عليها»؛ إذ تخطت الحدود التقليدية التي تفصل بين الأنواع المختلفة، وجاءت أعمالها مزيجاً من القصيدة الشعرية والسرد القصصي وكتابة اليوميات والتأملات المفتوحة.

الأديب البارز محمد سلماوي عدّ آن كارسون بمنزلة «الشاعرة التي حوّلت الكلاسيكيات إلى مختبر للفكر المعاصر كما خلقت منه أشكالاً إبداعية حديثة، ومن ثم جاء فوزها بجائزة (نوبل) تتويجاً لمسيرة تمتد لأكثر من ثلاثة عقود، ترسخ خلالها اسمها كواحد من أكثر الأصوات الأدبية إثارة للتفكير في عصرنا».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن «علاقتها بالعالم القديم بدأت في المدرسة الثانوية، عندما وافق مدرس اللاتينية على تعليمها اليونانية خلال استراحة الغداء بناء على طلبها، وقد حصلت على الدكتوراه في الدراسات الكلاسيكية عام 1981، كما درّست الأدب اليوناني واللاتيني في جامعات كبرى مثل ماكغيل وبرينستون».

فوز آن كارسون بجائزة «نوبل للآداب 2026» (لجنة نوبل)

وتهيمن على نصوص الأديبة الكندية «ثيمات» الفقد والحزن عبر لغة مرهفة تمس الوجدان وتحلل الواقع المعاصر، مع استلهام خاص لأجواء الأساطير اليونانية القديمة، وهو ما اعتبره كثيرون بمنزلة «الوجه الآخر» لمسيرتها الأكاديمية الصارمة وبحوثها المخلصة وترجماتها الدؤوبة، وهو ما يتجلى في الكثير من أعمالها، لا سيما «نوكس»، وهي مفردة تعني «الليل» باليونانية القديمة، وتستعيد فيه صدمة فقدها شقيقها المقرب منها.

وأعربت كارسون مراراً، عبر تصريحات إعلامية، عن أنها «لا تسعى إلى مجابهة الموت أو تحديه كقدر محتوم يختطف أحباءنا، وإنما تسعى بكل بساطة لأن تصنع من العجز عن مواجهته حالة أدبية خاصة تتميز بالصدق في التعبير عما يكتنف الروح من جراح لا تبرأ بسهولة».

وُلدت الأديبة المتوجة بـ«نوبل» عام 1950 بمدينة تورنتو، ومن أشهر مؤلفاتها «سيرة ذاتية للأحمر» الذي تتناول فيه وحشاً يظهر في أسطورة «هيركليز» الشهيرة بجناحين حمراوين ويبعث على الخوف، لكنه يتحول عبر سطورها إلى كائن يمتلك مشاعر إنسانية، على نحو يدعو للتعاطف معه.

وأشار الشاعر والمترجم المصري عبد الرحيم يوسف الذي ترجم لآن كارسون كتاب «إيروس- الحلو المر»، الصادر 1986، والمأخوذ عن أطروحتها للدكتوراه بعنوان «أحب وأكره إذن أنا موجود»، إلى أنها «تتناول مفهوم الرغبة والعاطفة عند اليونانيين القدماء»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «عالمها الإبداعي في نفس الوقت لا ينفصل عن إنسان العصر الذي تناقش أزماته الوجودية بعقل الباحثة وروح الشاعرة».

«إيروس» من الأعمال المترجمة لآن كارسون (غلاف الكتاب المترجم)

وعدّ الناشر المصري محمد البعلي، مدير دار «صفصافة» التي صدر عنها كتاب «إيروس»، فوز كارسون بمنزلة «انتصار للأدب الرفيع والجاد والذي يلامس هموماً حقيقية يعاني منها إنسان العصر»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أنها «لم تراهن يوماً على البعد التجاري، ولم تلهث أمام (الموضات) الأدبية مثل (الأكثر مبيعاً)، وركزت فقط على التعبير عن مشاعرها بصدق».

وأوضح سلماوي أنه «ربما كان أهم ما يميز الأديبة الكندية هو رفضها القاطع للتصنيفات الأدبية، والتي قد يضع عليها البعض لافتة (رواية) أو (شعر)، حيث نجد أنها تدمج القصيدة بالنثر بالمقال بالترجمة بالتصوير الدرامي... فضلاً عن تعاونها مع فنانين بصريين ومصممي رقص ومخرجي أوبرا».

ولفت إلى أنها «دائماً ما كانت تردد أن الأدب ليس وظيفته (تخدير القارئ) وإنما (تحريك عقله)، وربما لهذا السبب بالضبط، بعد أربعين عاماً من الكتابة، لا تزال نصوصها تشعرنا بأننا نقرأ أدباً مختلفاً لم يُكتب من قبل».