منير الشرقي... قصة بقايا جسد محترق تختزل إجرام الحوثيين

ذاق طعم الموت في معتقلات الميليشيات

منير الشرقي كما بدا في مؤتمر صحافي عقد بمأرب أمس (سبأ)
منير الشرقي كما بدا في مؤتمر صحافي عقد بمأرب أمس (سبأ)
TT

منير الشرقي... قصة بقايا جسد محترق تختزل إجرام الحوثيين

منير الشرقي كما بدا في مؤتمر صحافي عقد بمأرب أمس (سبأ)
منير الشرقي كما بدا في مؤتمر صحافي عقد بمأرب أمس (سبأ)

عينان زائغتان وروح خائرة ولسان متهدج، هي كل ما تبقى من منير، فربع جسده محترق بماء النار، مع فروة رأس منسلخة، وأقدام ممهورة بوخز المسامير والآلات الحادة، وندوب لا تحصى من آثار التعذيب بالصعق الكهربائي وأعقاب السجائر، وثمة أيضا نبض واهن لقلب فطره إجرام الميليشيات الحوثية.
لم يكن فني المختبرات الطبية، منير الشرقي، يعلم هو أو أصدقاؤه، يوما ما أنه سيكون عرضة لتوحش الميليشيات الحوثية، كما لم يدر بخلد والده وشقيقه وبقية أقاربه أن هذا الشاب المكافح المنتمي إلى صلابة جبال وصاب العالي حيث قريته الواقعة غرب محافظة ذمار سيصح ذات يوم أيقونة مأساوية تكشف عن مدى قبح الحوثيين وانسلاخهم عن القيم الإنسانية!
للوهلة الأولى، لم يكن أهل قريته المسالمون يتصورون أن في جعبة الميليشيات الحوثية من الحقد والسوء والكراهية، ما يجعلهم يفتكون بمنير الشرقي على ذلك النحو الذي أظهرته أولى الصور المتداولة له على مواقع التواصل الاجتماعي، بحسب ما أفادوا في حديثهم لـ«الشرق الأوسط».
يقول (هـ. ن) وهو أحد أبناء قرية منير، الذين تواصلت معهم «الشرق الأوسط» للإدلاء بشهاداتهم، «هذا الإجرام الحوثي، لم نشهد له مثيلا، إنهم وحوش بشرية، ليس لهم قلوب ولا مشاعر، لم يكن منير عدائيا ضد أحد، كان مثالا للشاب المكافح والمثابر، غير أن هذه الجماعة تفتقد للقيم والأخلاق، بل إنها تجردت حتى من أبسط معاني الشهامة والفروسية التي عرف بها اليمنيون».
تبدأ الحكاية، بحسب سكان القرية، قبل نحو عام. اختفى منير الشرقي، فجأة، لم يتمكن أهله من التواصل معه، أو معرفة السبيل التي سلكها، كانت الإجابات غير جازمة عن مصيره، وكلها تدور في سياق التكهنات، لكن الأمل بقي لدى أسرته بأنه سيظهر يوما إن قدرت له الحياة، إذ لا يوجد سبب واضح يجبره على الاختفاء المفاجئ.
لاحقا بعد أن ظهر منير على تلك الهيئة بين الحياة والموت وقد انسلخ جلده حرقا، وأنهكت روحه تحت وطأة التعذيب، تذكر سكان القرية وبعض أصدقاء منير، طرف الخيط الذي رجح لهم أين كان ومن الذي فعل به هذه الأفاعيل متجردا من ثياب الرحمة والإنسانية.
بحسب مقربين من منير محمد قايد الشرقي، وهذا اسمه الكامل، بدأ حياته، بعد تخرجه فنيا في المختبرات الطبية، في العمل في عيادة طبية يملكها أحد أقاربه في العاصمة صنعاء، وذلك قبل أن ينتقل إلى محافظة إب للعمل في أحد مشافي المدينة، وهناك كانت بداية المأساة التي حولته بيد آلة التعذيب الحوثية إلى جسد بلا روح، خائر القوى، واهن العظم، فاقد الإدراك والإحساس بما حوله.
وترجح أقرب الروايات التي تابعتها «الشرق الأوسط» من أصدقاء وأقارب منير ومن حقوقيين يمنيين، أنه اختفى في يونيو (حزيران) 2017. بعد أن طلبت منه عناصر الميليشيات الحوثية أن يلتحق بهم إلى جبهة الساحل الغربي للعمل ضمن الطواقم الطبية التي تعمل على تقديم الرعاية الطبية لجرحاهم المتساقطين أثناء المواجهات مع القوات الحكومية، ولكنه رفض العرض، ومع رفضه، الذي أسر به إلى بعض زملائه، كان في عداد المفقودين.
لم يعلم أحد إلى أين اقتادته الجماعة على وجه التحديد في ظل مئات السجون والمعتقلات التي أنشأتها لممارسة فنون التعذيب والتنكيل بضحاياها. معذبوه وجلادوه، فقط يعرفون التفاصيل الكاملة، أما هو فلا يزال غير قادر على الكلام، جسده فقط بما عليه من آثار وحشية، هو الذي يتكلم، مدليا بشهادته على الجريمة الحوثية التي لا تغتفر.
هذا الشهر وبعد مرور عام كامل، استنفدت الجماعة المتوحشة أغراضها منه، وأشبع الجلادون نهمهم في تعذيبه، وأكملوا مهمة قتله من الداخل فقد انسلخ جلده، وفروة رأسه حرقا، بمادة «الأسيد» (ماء النار)، كما يقدر الأطباء الذين عاينوا حالته، أقدامه، مثخنة بالوخز بالآلات الحادة، وبقية جسده مغمور بآثار الصعق الكهربائي، أما روحه فليست في عالم الوعي، وما زالت كما يبدو محلقة هناك في تمعن عيون الجلادين وضحكاتهم المجلجلة بعد كل جلسة تعذيب، تحاول أن تحفظ جيدا ملامح حقدهم الاستثنائي المنقطع النظير.
طبقا لروايات الشهود، حمل الجلادون الضحية على متن عربة عسكرية، بعد أن أخرجوه من معتقلهم السري، وألقوه في أحد مجاري مياه السيول، في منطقة شرعب، المحاذية لمحافظة إب من الجهة الجنوبية الغربية، وليس في مدينة ذمار كما أشيع عند ظهوره الأول، لتبدأ من هناك لحظة إنقاذه من الموت.
كان بإمكان الإجرام الحوثي، أن يطوي صفحة منير إلى الأبد، بقتله، وإخفائه، لكن الجماعة، بحسب تقديرات مراقبين تعمدت أن تلقيه في ذلك المكان من أجل أن يتم العثور عليه على هيئته تلك، لتوجه رسالة واضحة إلى كل معارضيها بأن «هذا هو مصيركم، إن خالفتم رغبة سيدنا الحوثي ومسيرته الإيرانية المتعطشة لحكمكم أو قتلكم».
وفي تقدير المراقبين، يتسق هذا السلوك الحوثي في إرهاب السكان والناشطين، مع الصنيع نفسه إزاء عدد من الضحايا الذين أفرجت عنهم، كما هو الحال مع الصحافي والناشط أنور الركن الذي أفرج عنه ليموت بعدها بأيام، وكما هو حال ناشطين آخرين أفرجت عنهم في صنعاء وذمار وهم يعيشون لحظات الحياة الأخيرة.
يوم أمس، في مدينة مأرب (غرب صنعاء) كشف الشهود في قضية تعذيب فني المختبرات الطبية منير الشرقي على يد ميليشيات الحوثي الانقلابية عن تفاصيل بالغة الألم منذ العثور عليه وإجراء الإسعافات الأولية وصولا إلى نقله إلى تعز ومن ثم مأرب لاستكمال علاجه.
ففي المؤتمر الصحافي الذي عقد بحضور المجني عليه منير ووكيل محافظة مأرب عبد ربه مفتاح تحدث الطبيب المعالج محمد فازع عن حالة الشرقي منذ وصوله للمركز الطبي بمديرية شرعب.
وقال «تم إيصال الدكتور الشرقي إلى المركز الطبي وجسمه مغطى بالحروق والدود يخرج من أجزاء متعددة من جسده وأنفه والأنسجة محروقة بالكامل في عدة مناطق بظهره ورقبته وعليه آثار تعذيب ووخز بالإبر في أسفل قدميه».
وأضاف «كان منظرة مخيفا ومؤلما للغاية ورائحته منتنة، ولخوفي من هروب المرضى من المركز بسبب رائحته وحالته البشعة اضطررت لإجراء عمليات الإسعافات الأولية المتمثلة بالتنظيف بالمعقمات خارج المركز وبعد ذلك أدخلناه واستكملنا الإسعافات الأولية حتى تم نقله إلى تعز ومن ثم مأرب لتلقي العلاج».
من جهته تحدث عبد الرقيب فازع عن شهادته منذ العثور على منير، ملقيا بالضوء على اللحظة التي وثق فيها جرم الميليشيات، حينما قال «كنت مارا بإحدى المناطق قرب مجرى للسيول وشاهدت طقما عليه جنود يرمون شيئا ما وبعد مغادرة الطقم ذهبت لمعاينة ماذا هناك فوجدته شخصا وكنت أعتقد أنه متوفى لكني لاحظت أنه لا يزال يتنفس».
يضيف الشاهد الأول: «أوقفت سيارة ونقلته إلى المركز الطبي حيث تولى الدكتور محمد فازع إجراء الإسعافات الأولية وتنظيفه ولأنه شخص مجهول اضطررنا لنشر صوره عبر مواقع التواصل الاجتماعي لعل شخصا يستطيع التعرف عليه وبالفعل نجحنا وتواصل معي شقيقه وأتى إلينا وبعد ذلك قمنا بالتنسيق مع بعض الحقوقيين لتسليط الضوء على قضيته والبحث عن طريقة لنقله للعلاج في إحدى المستشفيات الكبيرة».
شقيق منير، تحدث هو الآخر في المؤتمر الصحافي عن كيفية التعرف على صورة شقيقه في مواقع التواصل الاجتماعي وعن حالة الصدمة التي أصيب بها وكافة أفراد أسرته من التعذيب الوحشي الذي تعرض له شقيقه.
ولأن الجماعة الحوثية، ربما استشعرت حجم الجرم الذي ارتكبته بعد أن تصاعدت قضية منير إعلاميا، لجأت إلى محاولة لغسل جريمتها عبر الضغط على والد منير وأقاربه للإدلاء بتصريح لقناة «المسيرة» الناطقة باسم الجماعة، ينفي فيه قيام الجماعة بتعذيب نجله واختطافه والادعاء بأنه مصاب بحالة نفسية وبأنه قام بإحراق نفسه، على حد ما أفاد به شقيقه أمس وأكده سكان قريته في مديرية وصاب العالي.
في منتصف الشهر الجاري، وصل منير الشرقي، الشاهد على واحدة من أبشع جرائم الميليشيات ضد الإنسانية، إلى مستشفى مأرب، لتلقي العناية اللازمة، حيث خصصت له غرفة مستقلة، وبدأت قضيته تطير في الآفاق وسط اهتمام رسمي وحقوقي.
وفي شهادته يقول مدير عام مستشفى مأرب الدكتور محمد القباطي «وصل منير إلى مستشفى مأرب وهو يعاني حروقا من الدرجة الثانية والثالثة إلى جانب أن 25 في المائة من جسده محروقة بمادة حمضية يرجح أنها «أسيد» كما أن أجزاء من المناطق المحروقة أصبحت ميتة».
وتابع القباطي «يعاني الشرقي من جفاف حاد وهذا دليل على أن الميليشيات حرمته من أبسط أنواع التغذي، فقد اتضح بعد إجراء الفحوص الطبية أن نسبة البروتين والأملاح ضئيلة للغاية وهو ما يعني أن المريض قد أهمل لعدة أيام».
وجزم مدير مستشفى مأرب، أن الحالة الطبية للضحية «تؤكد أنه تعرض لتعذيب وحشي بحيث فقد قدرته على التركيز وعدم استشعار من حوله»، وقال: «يحتاج حاليا لعمليات جراحية في مراكز متخصصة خارج اليمن وإعادة بناء جسده وتأهيله نفسيا».
وفيما تقرر - بحسب تصريحات سابقة للقباطي - نقل منير الشرقي قريبا إلى خارج البلاد، ليصبح عهدة مراكز طبية متخصصة تتولى علاجه على نفقة مركز الملك سلمان للإغاثة الإنسانية، ستبقى حكايته - كما يقول حقوقيون يمنيون تحدثوا إلى «الشرق الأوسط» – عنوانا دالا على النهج القمعي للميليشيات الحوثية، بحق آلاف المعتقلين في سجونها ممن لم يكتب لهم حتى الآن النجاة.


مقالات ذات صلة

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

العالم العربي وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي أكد وزير الدفاع اليمني أن التحولات الإقليمية في صالح اليمن ويجب استثمارها (سبأ)

وزير الدفاع اليمني: التحولات الإقليمية لصالح اليمن... ولدينا غرفة عمليات عسكرية موحدة

أكد وزير الدفاع اليمني اللواء الركن طاهر العقيلي أن التحولات الإقليمية والدولية لصالح اليمن وأن التنسيق العسكري بلغ مراحل متقدمة 

عبد الهادي حبتور (الرياض)
الخليج أحبطت الكتيبة محاولة تهريب 450 قرصاً من حبوب «بريجابالين» المخدر (كتيبة أمن المنفذ)

«الوديعة» يحبط محاولة تهريب حبوب مخدرة في طريقها إلى السعودية

معظم شحنات المخدرات المضبوطة عبر المنفذ مصدرها مناطق خاضعة لسيطرة ميليشيا الحوثي الإرهابية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تحليل إخباري عناصر حوثية ترفع العلم الإيراني في صنعاء (إ.ب.أ)

تحليل إخباري هل يؤدي انخراط الحوثيين إقليمياً إلى تحرير ميناء الحديدة؟

دخلت جماعة الحوثي على خط المواجهة، بإعلان تدخلها العسكري دعماً لطهران، عبر إطلاق رشقات صاروخية باتجاه إسرائيل.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي النازحون اليمنيون بمخيمات مأرب يعانون نقصاً شديداً في الغذاء (رويترز)

منحة يابانية تتجاوز 5 ملايين دولار لتحسين أوضاع النازحين في مأرب

المشروع يهدف إلى تحسين الظروف المعيشية للنازحين داخلياً والمجتمعات المستضيفة لهم في محافظة مأرب (وسط البلاد).

«الشرق الأوسط» (الرياض)

محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)

نجا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من استهداف قُبيل بدء زيارته لمدينة بيدوا عاصمة ولاية جنوب غرب (جنوب البلاد)، في أعقاب تغييرات رسمية جذرية أطاحت برئيس الولاية.

ذلك الاستهداف هو الثاني الذي تدبره «حركة الشباب» الإرهابية ضد رئيس الصومال وينجو منه، خلال نحو عام... ويرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يحمل «رسالة مزدوجة من الحركة، بأن لديها قدرة عملياتية وبإمكانها أن تستغل الظرف السياسي المتوتر»، متوقعاً أن تفرض الحكومة إجراءات أشد ضد الحركة، وتُحكم قبضتها السياسية والأمنية مؤقتاً في ضوء هذا الاستهداف.

وأفادت «وكالة بلومبرغ»، السبت، بأن حسن شيخ محمود نجا دون أن يُصاب بأذى، بعد تعرضه ومرافقيه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا جنوب البلاد، مساء الجمعة، بعد وقت قصير من نزول الرئيس من طائرته، وبدئه في تحية وحدات من الجيش والشرطة ومسؤولين حكوميين.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وأطلقت قذائف الهاون على المطار مباشرة بعد هبوط الطائرة الرئاسية أو أثناء وجود الموكب في المنطقة.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت، عناصر الحماية الخاصة بالرئيس الصومالي وهم يطوقونه بسرعة قبل إدخاله إلى مركبة مصفحة ضد الرصاص، كما تم الإبلاغ عن وقوع انفجارات بالقرب من المطار في ذلك الوقت.

وكان الرئيس حسن شيخ محمود في زيارة رسمية إلى المدينة، لتفقد العمليات الأمنية ولقاء قادة محليين، وأعلنت مصادر حكومية، أن الهجوم «فشل في تحقيق هدفه، وأن الرئيس واصل برنامجه دون انقطاع». فيما أعلنت «حركة الشباب» المسلحة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» مسؤوليتها قائلة إنها استهدفت مطار بيدوا بقذائف هاون موجهة نحو الرئيس والوفد المرافق له، وفق إعلام صومالي محلي.

وهذه ثاني محاولة لاغتيال الرئيس الصومالي من «حركة الشباب» الإرهابية، وذلك بعد محاولة فاشلة أولى في مارس (آذار) 2025 بمقديشو باستخدام عبوة ناسفة، أسفرت عن قتلى وجرحى بين المدنيين والأمنيين.

الجيش الصومالي أثناء تنفيذ عملية عسكرية سابقة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الأفريقي والصومالي، عبد الولي جامع بري، أن استهداف موكب حسن شيخ محمود بقذائف هاون «حدث مهم سياسياً وأمنياً؛ لأنه وقع لحظة وصوله إلى المطار خلال زيارة حساسة مرتبطة بترتيبات سياسية في إقليم جنوب غرب».

وأكد أن الحادث يحمل عدة رسائل؛ لأن «(حركة الشباب) هدفت للتأكيد على أن لديها قدرة عملياتية وتستطيع ضرب أهداف عالية المستوى حتى أثناء زيارات رسمية، كما أنها رسالة تحدٍّ للدولة ومحاولة إظهار أنها لا تستطيع السيطرة الأمنية بالكامل، لا سيما خارج العاصمة، ورسالة نفسية للرأي العام لإضعاف ثقة المواطنين».

ولم تؤكد «وكالة الأنباء الصومالية» هذه الأنباء، غير أنها أفادت، السبت، بأن زيارة الرئيس الصومالي المهمة لبيدوا «تأتي في إطار ترسيخ دعائم الدولة، واضعاً ملفات المصالحة الوطنية والتحول الديمقراطي على رأس أولويات الأجندة الرئاسية».

قوات من الجيش الصومالي تنتشر في مدينة بلدوين عقب هجوم سابق من «حركة الشباب» (أ.ب)

وجاءت الزيارة بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة على مدينة بيدوا، وهي العاصمة المؤقتة لولاية (جنوب غرب)، ووصول قوات مسلحة للعاصمة استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين.

ويشير بري إلى أن الهجوم بقذائف الهاون غالباً «ليس عملية اغتيال دقيقة بقدر ما هو عملية استعراض قدرة وإرباك سياسي وإعلامي»، لافتاً إلى «أن التوقيت هنا أهم من الهجوم نفسه، حيث تأتي زيارة الرئيس إلى بيدوا في سياق تغييرات سياسية في إدارة جنوب غرب، وخلافات مع الحكومة وترتيبات انتقالية وإعادة ترتيب النفوذ الأمني في المدينة».

وأضاف: «الهجوم يحمل رسالة مزدوجة ضد الحكومة الفيدرالية، والترتيبات السياسية الجديدة في الإقليم».

ويعتقد بري أنه من المتوقع أن تتعزز شرعية العمليات العسكرية ضد «حركة الشباب» وترتفع لغة التعبئة الوطنية، لافتاً إلى أن الهجوم جاء في لحظة حساسة بعد تغييرات في قيادة الإقليم، «لذلك قد تستخدمه المعارضة للقول إن الوضع الأمني والسياسي غير مستقر نتيجة القرارات الأخيرة، مما قد يتحول إلى ورقة سياسية داخلية».


الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة؛ بهدف ضبط الوضع الاقتصادي بشكل مستدام.

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

ومن المنتظر أن «يؤسس البرنامج لإدارة متكاملة تربط بين استعادة الموارد العامة وحوكمتها، وإلغاء الرسوم والجبايات غير القانونية، إلى جانب إخضاع مختلف الأوعية الإيرادية والكيانات الاقتصادية لرقابة الدولة، بما يعزز كفاءة الإدارة المالية، ويحد من الهدر والتشوهات الاقتصادية».

وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إقرار «المجلس التنفيذي» لـ«صندوق النقد الدولي» نتائج مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2025، عقب انقطاع لأكثر من 11 عاماً، التي تُعدّ نافذة محورية لإعادة دمج الاقتصاد اليمني في المنظومة المالية الدولية.

وأشاد «صندوق النقد الدولي» بـ«الجهود التي بذلتها الحكومة اليمنية، والتي أسهمت في استقرار الاقتصاد وبدء التعافي التدريجي من الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية».

وأشارت وزارة المالية، في بيان، إلى أن هذا التوجه «يمثل استجابة عاجلة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني الناجمة عن الحرب التي فرضتها ميليشيا الحوثي، والتي تسببت في صدمات مالية حادة، أبرزها تعطل مصادر النقد الأجنبي، وتوقف صادرات النفط الخام التي تمثل 65 في المائة من موارد الموازنة العامة للدولة».

كما أدت الحرب إلى «انقطاع تدفق الموارد المركزية إلى الخزانة العامة؛ مما قلّص الحيز المالي للدولة، وحدّ من قدرتها على التدخل الاقتصادي، وزاد من انكشاف الاقتصاد أمام الصدمات الداخلية والخارجية»، وفقاً للوزارة.

أعلنت وزارة المالية إطلاق برنامج تصحيح مالي شامل لاستئناف خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية (سبأ)

وشددت «المالية» اليمنية على أنها تقود «جهوداً حثيثة لإعادة ضبط المسار المالي والاقتصادي، والانتقال من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ المؤسسي الفعلي، متصدرة الجهود لاستئناف الإجراءات العملية بموجب القرار رقم (11) لسنة 2025 الصادر عن مجلس القيادة الرئاسي بشأن خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة».

وتوقعت أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز الشفافية وترسيخ المصداقية الائتمانية للحكومة لدى المانحين والمستثمرين، بما يهيئ بيئة جاذبة للدعم الخارجي والتدفقات الاستثمارية.

وعلى الصعيد المحلي، رجّحت الوزارة أن تسهم الإجراءات في تحسين بيئة الثقة ورفع جودة السياسات الاقتصادية وتهيئة الظروف لاستقطاب الدعم والاستثمارات.

وفي السياق ذاته، أكدت أن نجاح هذه الجهود يتطلب «تفعيل الأدوات الرقابية، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، والسلطة القضائية ممثلة في نيابة الأموال العامة، إلى جانب مختلف الجهات ذات العلاقة».

كما شددت على أهمية إعادة تفعيل «اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات الحكومية»، بما «يعزز الرقابة على المال العام، ويضمن استكمال الدورة المستندية وفق الأطر القانونية، ويسهم في رفع كفاءة الإنفاق العام وضبط صرف المرتبات، ودعم مسارات التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة».

وأكدت وزارة المالية أن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة هذه التوجهات إلى ممارسات مؤسسية مستدامة، بوصفها المدخل الأساسي لإخراج الاقتصاد الوطني من أزمته الراهنة وتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي المنشود.

Your Premium trial has ended


27 ألف يمني تضرروا من الفيضانات خلال أيام

تحذيرات من استمرار غزارة الأمطار في اليمن حتى الشهر المقبل (إعلام محلي)
تحذيرات من استمرار غزارة الأمطار في اليمن حتى الشهر المقبل (إعلام محلي)
TT

27 ألف يمني تضرروا من الفيضانات خلال أيام

تحذيرات من استمرار غزارة الأمطار في اليمن حتى الشهر المقبل (إعلام محلي)
تحذيرات من استمرار غزارة الأمطار في اليمن حتى الشهر المقبل (إعلام محلي)

أظهرت بيانات أممية وأخرى حكومية في اليمن أن 27 ألف شخص على الأقل تضرروا من الفيضانات التي ضربت عدداً من محافظات البلاد خلال الأيام الماضية، وسط تحذيرات من استمرار هطول الأمطار الغزيرة حتى الشهر المقبل.

وعلى الرغم من عدم وجود إحصائية نهائية لعدد المتضررين من الفيضانات التي ضربت مناطق واسعة من اليمن خلال الأيام الماضية، ومع توقعات باستمرار الحالة المطرية خلال الشهر الحالي والذي يليه، أعلنت الأمم المتحدة تمكنها من إيصال مساعدات إنسانية إلى نحو 13 ألف متضرر، في حين أكد الجانب الحكومي تضرر أكثر من 14 ألف شخص في مخيمات النزوح بمحافظة مأرب وحدها.

وفي ظل توقف أنشطة الأمم المتحدة في مناطق سيطرة الحوثيين، عقب اقتحام مكاتبها واعتقال العشرات من موظفيها المحليين، أوضحت المنظمة أنه ومع اشتداد الفيضانات في أنحاء اليمن، فقدت مجتمعات محلية في عدد من المحافظات ملاجئها ومصادر المياه وممتلكاتها الأساسية.

وذكرت أن الوكالات الأممية وجدت ميدانياً لدعم الاستجابة السريعة للأسر المتضررة في خمس محافظات، وتمكنت من الوصول إلى أكثر من 13 ألف شخص.

تمكنت 722 امرأة يمنية من الوصول إلى المياه اللازمة للزراعة (الأمم المتحدة)

من جهتها، ذكرت الوحدة الحكومية المعنية بإدارة مخيمات النازحين أن أكثر من 14 ألف شخص، يمثلون نحو ألفي أسرة، تضرروا جراء العواصف والأمطار الغزيرة والسيول المصاحبة لها في مخيمات النزوح بمحافظة مأرب التي تأوي 60 في المائة من إجمالي النازحين داخلياً جراء الحرب التي أشعلها الحوثيون قبل 11 عاماً، والذين يقترب عددهم من 5 ملايين شخص.

وأشارت الوحدة الحكومية إلى أن الرياح الشديدة التي رافقت هطول الأمطار الموسمية أسفرت عن ثلاث إصابات، فيما تضررت 270 أسرة بشكل كلي، و1820 أسرة بشكل جزئي.

وتنوعت الأضرار بين تدمير مساكن النازحين، بما في ذلك الخيام وأكواخ القش والمأوى المؤقت، إلى جانب تلف المواد الغذائية، وتضرر خزانات المياه وشبكات الصرف الصحي، وفقدان المقتنيات الشخصية للأسر.

احتياجات واستجابة محدودة

ووفقاً للتقرير الحكومي، تركزت الأضرار الأكبر في مخيمات النزوح بمدينة مأرب، عاصمة المحافظة، حيث تضررت 1104 أسر، مقابل 986 أسرة في مخيمات مديرية الوادي المجاورة.

وأشار التقرير إلى أن أبرز الاحتياجات الطارئة تتمثل في توفير 42,234 قطعة طربال، إلى جانب توزيع سلال غذائية ومساعدات نقدية وحقائب إيواء.

المنظمات الإغاثية وصلت إلى 13 ألف يمني متضرر من الفيضانات (الأمم المتحدة)

ودعت الوحدة التنفيذية السلطات وشركاء العمل الإنساني إلى تقديم دعم عاجل للأسر المتضررة، وتكثيف التدخلات لتغطية الاحتياجات، بما يتناسب مع الأوضاع المتدهورة للنازحين في المخيمات.

كما طالبت شركاء كتلة إدارة وتنسيق المخيمات التابعة للأمم المتحدة بتعزيز جهود تأهيل وصيانة المأوى، وإيجاد حلول عاجلة، واستبدال المساكن الطارئة بأخرى انتقالية تتلاءم مع الظروف المناخية القاسية والصحراوية في المحافظة.

توقعات بموسم مطري

بالتوازي، تأتي هذه التطورات وسط توقعات بزيادة غزارة الأمطار خلال الفترة الحالية وحتى مايو (أيار) المقبل، حيث يبلغ متوسط الهطول الموسمي ذروته عند نحو 150 ملم، خصوصاً في المرتفعات الوسطى مثل صنعاء وريمة وذمار.

كما تشير التوقعات إلى احتمال هطول أمطار أعلى من المعدل الطبيعي (تصل إلى +50 في المائة) على امتداد ساحل البحر الأحمر وساحل بحر العرب وخليج عدن والمنحدرات الشرقية، في حين قد تشهد أجزاء من المرتفعات الجنوبية الغربية، بما في ذلك إب وتعز، وشمال البلاد، معدلات هطول أقل من المتوسط (تصل إلى -40 في المائة).

وحسب نشرة المناخ الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة للأغذية والزراعة، يتزامن الموسم المطري المتوقع مع أنشطة زراعية رئيسية، تشمل زراعة الحبوب والخضراوات، وتحسن المراعي للماشية، إلى جانب نشاط الصيد الحرفي في المناطق الساحلية.

وحذرت النشرة من أن الزيادة المتوقعة في هطول الأمطار قد تؤدي إلى فيضانات، خصوصاً الفيضانات المفاجئة، فضلاً عن تآكل التربة، وانتشار الطفيليات بين الماشية، ومخاطر الجراد الصحراوي، إلى جانب قيود السوق، وهو ما قد يؤثر سلباً على سبل العيش ويزيد من تفاقم انعدام الأمن الغذائي.