نماذج من أعمال تنيسي ويليامز على الشاشة

شخصيات متناقضة تحب وتكره في وقت واحد

من «قطة فوق صفيح ساخن» (2018)
من «قطة فوق صفيح ساخن» (2018)
TT

نماذج من أعمال تنيسي ويليامز على الشاشة

من «قطة فوق صفيح ساخن» (2018)
من «قطة فوق صفيح ساخن» (2018)

قبل أربع دقائق من نهاية «قطة فوق سطح صفيح ساخن» لرتشارد بروكس يلخص بريك بوليت، كما يؤديه بول نيومان، كل ما سبق للفيلم أن حواه من مواقف وعواطف وأحداث. يقول: «الأزمات العائلية تكشف عن الأفضل والأسوأ في كل عائلة». يوافقه أخوه غوبر (جاك كارسون). يدخل بريك غرفته وينادي على زوجته ماغي (إليزابيث تايلور) «تعالي هنا». تبتسم وتقولYes, sir ‬ إيذاناً بأن ما بدأ كأزمة انتهى إلى وئام من جديد.
«قطة فوق سطح صفيح ساخن» (العنوان تردده إليزابيث تايلور في ذلك الفيلم) من تلك الأعمال الأدبية المؤفلمة التي تغيب ثم تظهر. وآخر ظهور لها كان في الشهر الثاني من هذا العام عبر تصوير حي للمسرحية قام بندكت أندروز بإخراجها في لندن لعبت فيها سيينا ميلر دور مارغوت وجاك أوكونيل دور بريك، وعكس الممثل المعروف برايان غليسون شخصية أب الأسرة. الفيلم، وإن لم يكن صياغة عضوية، بل مجرد تصوير تم توليفه عن المسرحية، عرض في بعض صالات لندن (شوهد في صالة «لندن فيلم ثيتر») وحمل مجدداً تلك القيم الأدبية والإبداعية للكاتب تنيسي ويليامز كما لغته البديعة المستخدمة في الوصف (في النص المكتوب) وفي الحوار.
- المؤلف هو الأساس
تنيسي ويليامز توفي قبل 25 سنة (عن 72 سنة) تاركاً وراءه أكثر من 25 فيلماً مقتبساً عن أعماله (ونحو 65 عملاً تلفزيونياً)، خصوصاً تلك الأشهر من بين أعماله مثل «عربة اسمها الرغبة» و«ليلة إيغوانا» و«المجموعة الزجاجية» و«فجأة الصيف الأخير» لجانب اقتباسات كثيرة لمسرحيات ونصوص أقل شهرة، مثل «طائر الشباب العذب» و«ذا بالوكا» و«وشم الوردة».
مثل شكسبير وديكنز ودوستويفسكي، وجدت السينما في أعمال ويليامز ضالتها من الدراما. ويليامز كان أكثر هؤلاء نزوعاً إلى الميلودراما. أكثرهم بحثاً في العواطف والقرارات التي تثمر عنها، لكن هذا لم يجعله أقل قيمة بين الأدباء ولا دفع به لتبرير ميوله صوب البحث في العواطف الملتاعة لشخصياته.
والأفلام التي تناولت تلك الأعمال، استندت إلى قوة النص والجيد منها، مثل نسخة إيليا كازان من «عربة اسمها الرغبة» (1951) بطولة ممثل كان لا يزال في مطلع العشرينات من عمره اسمه مارلون براندو، جاء خالياً من التفاوت والهفوات.
في ذلك الفيلم، والأفلام المستوحاة كافة من أعمال ويليامز هذه، المزيد من تصدع العائلة تحت مطارق العاطفة التي تمزق أفرادها. لكن اللافت هو أن الفيلم بقدر ما يُـكنى باسم مخرجه ويذكره الهواة كإحدى دلالات عبقرية براندو وفيفيان لي وكيم هنتر، إلا أنه واحد من تلك الأعمال التي تكنى كذلك باسم مؤلفيها.
الواقع أن الأفلام المصوّرة من نصوص أدبية كلاسيكية تُبنى على أساس مؤلفيها. «روميو وجولييت» هو نص شكسبيري بصرف النظر عن الفيلم الذي تم اقتباس حكايته عنه. «جريمة وعقاب» يتبع دوماً اسم مبدعه فيودور دوستويفسكي قبل أن نتذكر أو نكترث لاسم مخرج كل نسخة تم تحقيقها عن تلك الرواية.
أعمال تنيسي ويليامز في غالبيتها تدخل هذا الإطار حين يتم تصويرها أفلاماً. تسطو على المساحة التي عادة ما يشغلها المخرج أو الممثل بحضوره. وبعد ثلاثة أعوام ظهر براندو في فيلم آخر لإيليا كازان هو «على الميناء» استمد أداءه فيه من تلك النفحة المسرحية ذاتها، ولو أن النص لم يكن مسرحياً ولا علاقة لتنيسي ويليامز به (كتبه بد شولبيرغ).
إليزابيث تايلور كان لها ظهور آخر في فيلم مقتبس عن أحد أعمال ويليامز (لجانب «قطة فوق سطح صفيح سخن») هو «فجأة، الصيف الأخير» الذي أنجزه جوزف مانكوفيتز سنة 1959. هي وكاثرين هيبورن ومونتغمري كليفتت وألبرت داكر توزعوا أدوار البطولة في تلك الدراما التي تقع حول الأرملة الثرية التي لديها ما تخفيه عن ابنة شقيقتها (تايلور) ولا تستطيع. حين تكتشف الفتاة الشابة ما تحاول عمتها إخفاءه تسقط تحت ثقل المفاجأة وفقد التمييز بين تناقضات الموقف.
أما بول نيومان فقد أقدم، سنة 1985 من تمثيل «قطة على سطح صفيح ساخن» على إخراج «المجموعة الزجاجية» (The Glass Menagerie) ملتصقاً بالنص المسرحي وموزعاً شخصياته على أربع ممثلين، هم (زوجته) جوان وودوورد، وجون مالكوفيتش، وكارن ألن، وجيمس نوتون.
لكن لا شيء في هذا الفيلم يمكن أن يكون تابعاً لمخرجه. ليس فقط أن باع نيومان في الإخراج محدود جداً (خمسة أفلام كان هذا العمل آخرها وفيلم تلفزيوني واحد)، بل إن مفرداته الخاصة لا وجود لها لأن نيومان اكتفى بالنقل عن المسرحية مانحاً الكاتب الإدارة الفعلية عبر نصه وشخصياته. كذلك عبر القدر من البؤس الذي يكتنف المادة أساساً والمنتقلة بكاملها إلى هذا الفيلم.
- شخصيات وحيدة
لا يجب هنا لوم نيومان على خلو الفيلم من أي ما هو قدرة فنية شخصية. أولاً لكون نيومان ممثل في الأساس وليس مخرجاً؛ ما يجعل من طبيعة الحال صرف اهتمامه على الكيفية التي يدير بها ممثليه، وثانياً لأن المخرجين المحترفين الذين تعاملوا مع نصوص ويليامز، مثل كازان (في «عربة اسمها الرغبة» وبروكس («قطّـة فوق…») وجون هيوستون («ليلة الإغوانا») جوزف لوزاي (Boom المقتبس عن رواية «قطار الحليب لم يعد يتوقف هنا») وسيدني لوميت («النوع اللاجئ»)، منحوا ويليامز دور البطولة الفعلية وانساقوا تحت رايته حتى مع الأخذ بعين الاعتبار أن كل منهم استخدم مفرداته التعبيرية التي أجاد.
الاستثناء هو سيدني بولاك عندما حقق سنة 1966 «هذه الملكية مدانة» (This Property is Condemned) كونه استوحى الأحداث، من مسرحية من فصل واحد، ولم ينقلها.
في ذلك يتساوى المخرجون بصرف النظر عن أساليبهم ومشاربهم. عشر نسخ من «المجموعة الزجاجية» بما فيها محاولة تركية وأخرى هندية، سلمت رايتها أيضاً للكاتب عوض المخرج. ولا مناص من ذلك؛ لأن المادة بأسرها ذات وجهة واحدة مكتوبة للسينما استناداً لنصها الأصلي وليس استيحاء منه.
أبطال ويليامز الرجال يكشفون عن ضعفهم حال وقوعهم في أزمات الحياة. تطلعاتهم الواسعة تتحوّل إلى مربعات صغيرة. قدراتهم الشخصية الفائقة تُطوى تحت جناح التأثير المدهم. والممثلون، براندو والآخرين، وجدوا في تلك الشخصيات المناسبات التي يستطيعون عبرها التأكيد على ملكياتهم الفنية وإطلاقها من عقالها. بالتالي، هي كلمات ومواقف تنيسي ويليامز التي تصنعهم في تلك اللحظات بجانب قدراتهم على صياغة أدائهم في حدود تلك الكلمات وضمن نطاق تلك المشاعر.
بعض ما يستوقفنا في شخصيات ويليامز المترجمة إلى صور متحركة هي مقدار التصاقها بالأصل. في روايات ومسرحيات ويليامز كافة نجد شخصياته وحيدة حتى ولو كانت محاطة بالشخصيات الأخرى. تتنوع الأمكنة (من غرف صغيرة إلى دور شاسعة ومن جنوب أميركا إلى المكسيك)، لكن تلك المواقع المحدودة أو الرحبة لا تعكس ما تشعر به الشخصيات الواردة. حين يصرخ براندو ملتاعاً في «عربة اسمها الرغبة» مناشداً حب فيفيان لي، في ذلك المشهد الشهير، يعكس ضعفه أمام الحب بقدر ما تعكس هي حيرتها حياله. وفي حين تبدو شخصية براندو واثقة (ولو مرحلياً) من حبها، تتضح شخصية فيفيان لي التي تكن شعورين متناقضين: هي في الحب وخارجه.
فوق ذلك، فيفيان لي (أكثر من سواها من الممثلات اللواتي ظهرن في أفلام منسوجة من روايات تنيسي) عرفت كيف تعصر الرغبات المتناقضة في صدرها كما أرادها الكاتب. هي في هذا الفيلم مخلصة وخائنة. وديعة وثائرة. محبة وأنانية. وكما في سواه من أفلام مقتبسة عن أعمال ويليامز يتركنا «عربة اسمها الرغبة» نقرأ كلمات وأدب المؤلف بالصور المعبرة. المخرج هنا يكتفي، إذا كان جيداً، بفعل الترجمة والحرص على أن يجسد النص كما أريد له أن يتجسد.


مقالات ذات صلة

«ذاكرة لا تنطفئ»... احتفاء كبير بمئوية يوسف شاهين في باريس

يوميات الشرق خلال ندوة بورتريه وإرث شاهين (حساب المخرج نمير عبد المسيح بفيسبوك)

«ذاكرة لا تنطفئ»... احتفاء كبير بمئوية يوسف شاهين في باريس

يحتفي معهد العالم العربي في باريس بالذكرى المئوية لميلاد المخرج المصري يوسف شاهين من خلال تنظيم مهرجان تحت عنوان «يوسف شاهين... قرن من الحرية».

انتصار دردير (القاهرة )
يوميات الشرق الملصق الدعائي لفيلم محمد سعد الجديد (حسابه على فيسبوك)

دعاية مبكرة لأفلام موسم عيد الفطر بمصر

أطلقت عدد من شركات الإنتاج في مصر حملات دعائية مبكرة لأفلام موسم عيد الفطر السينمائي، مع الإعلان عن 4 أفلام حتى الآن.

أحمد عدلي (القاهرة )
يوميات الشرق ملصقات الفيلم الوثائقي «ميلانيا» الذي يُظهر السيدة الأولى للولايات المتحدة ميلانيا ترمب في مدينة نيويورك (رويترز)

من البيت الأبيض إلى هوليوود: تفاصيل إطلاق فيلم ميلانيا ترمب

كشفت تقارير إخبارية أن فيلم السيدة الأولى الأميركية، ميلانيا ترمب، من إنتاج «أمازون إم جي إم ستوديوز»، سيُعرض للمرة الأولى في 20 دار عرض سينمائي.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
يوميات الشرق تيموثي شالاميه في «مارتي سوبريم» (A24 - أ.ب)

ترشيحات «الأوسكار» ترفع حرارة التوقعات بالفائزين

أُعلنت بالأمس ترشيحات جوائز «الأوسكار» للدورة 98، والتي ستقام في الخامس عشر من شهر مارس (آذار) المقبل. القوائم توحي بأن «الأوسكار»، كحفل وكناصية تقدير…

محمد رُضا (بالم سبرينغز (كاليفورنيا))
يوميات الشرق مخرجة الفيلم التونسية كوثر بن هنية ترفع جائزة الأسد الفضي من مهرجان البندقية (إ.ب.أ)

«صوت هند رجب» يصل إلى القائمة النهائية لـ«الأوسكار»

نجاح جديد أحرزه الفيلم التونسي «صوت هند رجب» بصعوده للقائمة النهائية لترشيحات الأوسكار الـ98 وهو الترشيح الثالث الذي تحققه المخرجة كوثر بن هنية.

انتصار دردير (القاهرة)

مهرجان «برلين» المقبل ينشد استعادة مكانته

من «شذب الورد» (ذا ماتش فاكتوري)
من «شذب الورد» (ذا ماتش فاكتوري)
TT

مهرجان «برلين» المقبل ينشد استعادة مكانته

من «شذب الورد» (ذا ماتش فاكتوري)
من «شذب الورد» (ذا ماتش فاكتوري)

بعد مهرجان «برلين» في دورته الـ76، التي تبدأ في 22 فبراير (شباط)، ينطلق المهرجان انطلاقة جديدة بعد سنوات من تعرّضه لعثرات إدارية وفنية جعلته يتأرجح بين المكانة العالمية التي احتلّها سابقاً وبين الانتقال إلى وضع أدنى مقلق لا يتلاءم مع تاريخه الناصع. في العام الماضي، تعهّدت مديرة المهرجان الجديدة، تريشا تاتل، بأن تُعيد للمهرجان بريقه ودوره الريادي، وقد أنجزت بعض ذلك الوعد إلى حدّ مقبول، والمنتظر استكماله هذا العام.

معركة

في لقائها مع الصحافة قبل 3 أيام، ذكَّرت رئيسة المهرجان تاتل بأن دور المهرجانات اليوم هو الحفاظ على نبض السينما المستقلة في مواجهة المتغيّرات: «إنها معركة لضمان أن ثقافة السينما تستطيع الاحتفاظ بأنفاسها». وأضافت: «صالات السينما هي أقوى وسيلة ليعرض المبدع عمله. من المهم حقاً أن نشترك في مشاهدة الأفلام في الصالات، لأننا بحاجة إلى مزيد من التواصل والقليل من العزلة».

في الواقع، إن الوضع القائم مع انتشار سلطة المنصّات وجاذبيتها يؤيِّد ما تذهب إليه تاتل. فلولا جميع المهرجانات (تلك الغربية على وجه الخصوص)، لما بقي للسينما ذات التوجّهات الفنية شكل، وللجادة مضمون يُذكر.

ما يأمله المهرجان الألماني هو- على الأقل - تثبيت مكانته بين مهرجاني «كان» و«ڤينيسيا»، اللذين يقودان الحركة السينمائية البديلة عالمياً. ويُعدّ نجاح هذه الدورة أساسياً في صلب هذا الهدف.

فيلم الافتتاح هو «تقليم الورد» (Rosebush Pruning) لكريم عينوز (من أب جزائري وأم برازيلية)، الذي استقبل المهرجان له أفلاماً سابقة باستحسان عام. هذه السنة يعود بفيلم عن صراع الأقارب على إرث الأم بعد وفاتها. وغالباً ما يكون من نوع الأفلام التي تدور في مناسبة تجتمع فيها شخصيات سرعان ما تُبدي ما كانت تخفيه من مشاعر وأسرار.

إنه واحد من 22 فيلماً في المسابقة الرسمية، 20 منها لم يسبق عرضها عالمياً. الفيلمان الوحيدان اللذان شهدا عروضاً في مناسبة أخرى هما «جوزفين» لبِث دي أرايجو، الذي شارك في عروض مهرجان «صندانس» هذا الشهر، و«وولفرام» لوورويك تومتون، الذي عُرض في مهرجان «أديلايد» في أستراليا قبل 3 أشهر.

«ملكة عند البحر» (ذ ماتش فاكتوري)

أزواج وزوجات

سنشاهد فيلمين من إخراج سينمائيين تركيَّين، هما «رسائل صفراء» (Yellow Letters) للتركي إلكر شلق، عن رجل وزوجته يتعرّضان لحملة حكومية في يوم افتتاح مسرحيّتهما، ما يؤدي إلى زعزعة أركان حياتهما المشتركة.

والثاني فيلم شاركت السعودية في تمويله إلى جانب تركيا وفرنسا واليونان والسويد وهولندا، بعنوان «خلاص» لأمين ألبر، عن نزاع بين شقيقين حول الوسيلة التي يمكن من خلالها الدفاع عن بلدة تسودها عصابة.

في موقع آخر، يوفّر الفيلم النمساوي «الرجل الأكثر وحدة في البلدة» (The Loneliest Man in Town) لتيزا كوفي حكاية عازف أغنيات بلوز يعيش بمنأى عن العالم المحيط، إلى أن يقرّر فعل شيء لإنقاذ شقته المهدّدة بالهدم.

في الفيلم الألماني «زوجتي تبكي» (My Wife Cries) قصة عامل بناء يهرع إلى المستشفى حال تلقيه اتصالاً من زوجته. وفي موضوع قريب ولو مختلف، يأتي «ذباب» (Flies)، دراما مكسيكية لفرناندو أيمبك عن رجل يستأجر شقة ليكون قريباً من المستشفى الذي ترقد فيه زوجته.

إنها معركة لضمان أن ثقافة السينما تستطيع الاحتفاظ بأنفاسها

هناك فيلم رسوم من إخراج الياباني يوشيتوشي شينوميا بعنوان «فجر جديد»، حول عامل في مصنع مهدّد بالإغلاق ومحاولته تجنّب البطالة بالكشف عن سر اختفاء والده من دون أثر.

ثلاثة أفلام عن المرأة، أولها «نينا روزا» للكندية جنڤييڤ ديلودي دي سيلاس، عن رجل يحاول معرفة ما إذا كانت الرسّامة التي أثارت اهتمامه بلوحاتها فنانة أصيلة أم لا.

الثاني هو «ملكة البحر» (Queen at Sea) للانس هامر، ومن بطولة جولييت بينوش، التي تلعب دور زوجة مصابة بسرطان متقدّم ومحاولة زوجها وابنتها مساعدتها في هذا المصاب. وهناك «هناك بحر آخر» (At the Sea)، فيلم مجري-أميركي عن امرأة (آمي أدامز) تعود لزيارة أهلها لتجد أمامها صدّاً بسبب عملها راقصة.

الفيلم الياباني «فجر جديد» (ملف مهرجان برلين)

مقابل غائب

ترسم هذه الأفلام صيغة البحث عن توافق عائلي، أو في بعض الحالات عمّا يهدّد حياتها المشتركة، كون العديد منها، والأخرى التي لا يتّسع المجال لذكرها، تدور في رحى ما يجمع أو ما يفرّق بين العائلات الغربية أو تلك التي تعيش في الغرب.

المقابل الغائب هو تلك النفحة من الأفلام التي سبق عرضها في الدورات الثلاث الماضية وما قبلها، والتي عمدت إلى طرح مسائل سياسية ساخنة، كالقضية الفلسطينية أو تاريخ التمييز العنصري ضد اليهود.

وبالتأكيد، هناك أفلام في برامج موازية للمهرجان ستوفّر بديلاً لما تعرضه المسابقة، وهو ما يجب البحث عنه خلال عروض المهرجان.


شاشة الناقد: 3 أفلام عن مدارات الفضاء وأحلام الثراء والأخوة

«النصب» (نتفليكس)
«النصب» (نتفليكس)
TT

شاشة الناقد: 3 أفلام عن مدارات الفضاء وأحلام الثراء والأخوة

«النصب» (نتفليكس)
«النصب» (نتفليكس)

THE RIP

النصب ★★★ إخراج: ‪ جو كارناهان ‬

الولايات المتحدة | تشويق بوليسي

حول ثروة ضخمة وخيارات قليلة

«it‪’‬s a rip» يقول أحد أفراد البوليس الذين اقتحموا منزلاً ووجدوا فيه أكثر من 22 مليون دولار. في القواميس معنى كلمة «Rip» هو «تمزيق» أو «شق». حسب التعبير الأميركي تعني حيلة ونصباً، لذلك يصرخ أحدهم بتلك العبارة محذّراً الآخرين من الوقوع في فخ محكم.

حكاية «نصب» بسيطة في الجوهر ومعقدة في التنفيذ: 5 أفراد من رجال ونساء البوليس يستهدفون منزلاً في مدينة ميامي تبعاً لوشاية بأنه يحتوي على مئات آلاف الدولارات. يكتشفون أن هناك أكثر من 22 مليون دولار مخبأة في غرفة سرية محصَّنة. القلق يسري في عروق هؤلاء لأن المبلغ يغري بتوزيعه بينهم باستثناء بعضهم، ولأن هناك قوة خارجية مجهولة تتربص بهم خارج المنزل.

لو أن المخرج جو كارناهان اختار لفيلمه أن يبقى داخل ذلك المنزل، لأنجز عملاً أفضل على الأرجح، لكنه بعد نحو 95 دقيقة يختار الانتقال بفيلمه إلى الشارع للكشف عمن يريد سرقة الغلّة.

على ذلك يحافظ الفيلم على مهارة وتشويق. بن أفلك هو التحري الذي يتبنى رفض سرقة الغلّة، بينما مات دامون يثير حوله غموض الموقف. الباقون بينهم رجل شرطة فاسد وامرأتان يتذكّران ماذا كانا سيفعلان بحصة من هذا المال لو أتيح لهما ذلك.

المداولات ناجحة رغم كثرة الحوار، والموضوع مثير بحد ذاته من زاويتين: ماذا لو أن رجال القانون، مع كل متاعبهم المادية وأحلامهم بغد أفضل، سمحوا لأنفسهم بالغنيمة؟ وهل سيفعلون ذلك أم سيقاومون الإغراء؟

قبل أن أنسى، هناك كلب مدرَّب على شم المال ونراه يكتشف أن البيت ملغوم بالدولارات، لكن بيننا، هل يمكن لأي كلب اكتشاف ذلك من وراء جدار تم بناؤه لعزل الغرفة السرية؟ لا أعتقد.

BUGONIA

بوغونيا ★★★ إخراج: ‪ يورغوس لانتيموس ‬

الولايات المتحدة | كوميديا سوداء

عن خطر العيش مع الغرباءفيلم المخرج اليوناني يورغوس لانتيموس الذي كوّن لنفسه صيتاً عالمياً كبيراً، الأخير تحذير من سقوط الإنسان في ورطة غزو من قوى خارجية تسيطر على مقدّراته. لا نأخذ هذه الرسالة بحذافيرها لأن القوى الخارجية قد تكون، لو نجح المخرج في الترميز، من يملك مقادير الحياة على الأرض من الساسة ومبدعي الصناعات الإلكترونية والسوشيال ميديا وكبار شركات الأدوية.

إيما ستون في «بوغونيا» (فوكاس فيتشرز)

فيلم المخرج اليوناني يورغوس لانتيموس، الذي كوّن لنفسه صيتاً عالمياً كبيراً، هو الأخير تحذير من سقوط الإنسان في ورطة غزو من قوى خارجية تسيطر على مقدراته. لا نأخذ هذه الرسالة بحذافيرها، لأن القوى الخارجية قد تكون، لو نجح المخرج في الترميز، من يملك مقادير الحياة على الأرض من الساسة ومبدعي الصناعات الإلكترونية والسوشيال ميديا وكبار شركات الأدوية.

لكن لانتيموس لا يريد أن يقترب من الواقع بأي شكل، ولا حتى الإيحاء به. يبني حكايته على أن رجلين هما تَدي (جسي بليمونز) ودوني (آيدن دلبس) يخطفان ميشيل (إيما ستون) وينقلانها إلى منزل منعزل. تَدي محارب في سبيل نقاوة الإنسان على الأرض، ودوني أضعف من أن يعترض. إنه تابع مخلص، وإذا ما طلب منه تَدي مراقبة ميشيل المقيّدة إلى كرسي بتهمة أنها ليست في الحقيقة بشراً بل هبطت من السماء لتسيطر على حياتنا، فإنه سيفعل ذلك بكل قناعة (إلى أن تتبدد هذه القناعة لاحقاً).

كان بالإمكان للفيلم أن يرسم ملامح أقرب إلى الحقيقة قبل الوصول إلى نهايته، حيث سنتعرف على ما إذا كانت ميشيل بشراً أم لا، من دون أن يتبنَّى الواقعية بشكل مباشر. لكن لانتيموس، الذي يحرص على حماية أسلوبه ومنواله الإخراجي، يفضل أن يبقى ضمن فانتازيا داكنة يدرجها تحت نوع من الكوميديا السوداء، مشحونة بأسلوب سبق أن وجد له أتباعاً كثيرين. أسلوبه يحمل سادية في التعبير؛ فهو مخرج يرى من الطبيعي تعريض أبطاله، خصوصاً إيما ستون، التي سبق أن ظهرت في فيلمين من أعماله هما «Poor Things» و«Kind of Kindness» لأوجاع بدنية ونفسية. تمنحه ستون كامل ثقتها ليمنحها موقعاً متميزاً ضمن مسيرتها الفنية، لكن ما نراه في الواقع قد يكون موجعاً أكثر من كونه مستحقاً.

السؤال الذي يطرأ أثناء متابعة مشاهد تعذيب شخصيتها هو: هل هذه التفاصيل ضرورية لنا أو للفيلم نفسه؟ ألم يكن بالإمكان أن يوحي بها المخرج بدلاً من عرضها صراحة؟

قد يتمتع لانتيموس بخيال جريء، لكن هذا لا يجعله بالضرورة فناناً عميقاً. أفلامه، عند إزالة القشور والانتباه إلى ما وراء المشاهد المخصصة للإبهار، لا تقدم أكثر من رؤية لما هو غريب وجديد، دون عمق حقيقي يستحق الثناء ذهب إليه نقاد عرب وغربيون على حد.

BROTHER

أخ ★★ إخراج: ‪ ماكياي سوبجنشكنسي

بولندا- 2025 | دراما عائلية

عن أم وطفلين ومتاهةدراما تعكس جهداً كبيراً من المخرج في تحليل العلاقات الأسرية بين ثلاثة أفراد (الأم وولديها) في غياب الزوج الذي يقضي عقوبة في السجن. تتعرّف الأم على أستاذ ابنها ديڤيد وتقيم علاقة معه.

من «أخ» (آبل فيلم برودكشنز)

الابن الأكبر يظهر ميولاً للعنف في المدرسة، فيسأله أستاذ الرياضة عن السبب، ومن خلال هذا الحوار يتواصل مع والدته، ما يؤدي إلى تطور تلك العلاقة. لكن ديڤيد يظل محور الفيلم، حيث يبحث المخرج في نشأة الصبي وسط أسئلته الحائرة التي يقدّمها الفيلم بشكل صامت.

حضور الأب في ذهن الأم وولديها أقوى من حضوره على الشاشة، وقد نجح المخرج في تقديم موضوع مثير للاهتمام على صعيد الحكاية وما يطرحه. غير أن التنفيذ كان مختلفاً، إذ يتبع المخرج أسلوب سرد يعتمد على انتقالات مستعجلة قبل أن يحقق كل مشهد هدفه بالكامل، في حين تبدو الكاميرا مشغولة بمشاهد استعراضية بلا سبب فعلي.

★ ضعيف | ★★: وسط| ★★★: جيد | ★★★★ جيد جداً | ★★★★★: ممتاز


العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)
رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)
TT

العلاقة اللولبية بين دونالد ترمب والسينما

رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)
رونالد ريغان كما في «صف الملوك» (وورنر)

ما بين عامي 2004 و2017، ظهر دونالد ترمب في حلقات تلفزيونية أسبوعية بعنوان «المتدرّب». كان المستضيف ومدير النقاشات والمعلّق والمنتج المنفّذ. المسلسل كان من النوع القائم على المباريات والألعاب التلفزيونية الكوميدية. في مطلع كل موسم، تُقدّم مجموعة من المشتركين (بعضهم معروف) في مسابقات ومواقف مثيرة، ومن ينجح في الإجابات ينتقل إلى الأسبوع التالي، ومن يخسر لا يعود.

الهدف النهائي هو بقاء رابح واحد يؤول إليه المال والشهرة، وضيافة الرجل الذي بات لاحقاً رئيس الولايات المتحدة الأميركية.

دونالد ترمب في حلقة من «المتدرب» (إم جي إم تليفزيون)

بين ترمب وريغان

خلفية ترمب في «الشو بزنس» سبقت هذا المسلسل واستمرت بعده. في الواقع، ظهر ممثلاً في «وحيد في البيت 2» (Home Alone 2) سنة 1992. ثم شُوهد في دور صغير في آخر فيلم أخرجه وودي آلن بعنوان «مشهور» (Celebrity). لم يظهر ممثلاً يؤدي شخصية أخرى، بل بشخصيته هو، كما فعل في فيلم كوميدي آخر بعنوان «أسبوعا إنذار» (Two Weeks Notice) سنة 2002.

حقيقة أنه مثّل بشخصيته نفسها توحي بأنه اعتبر باكراً أن الكاميرات الوحيدة التي يريد الوقوف أمامها هي كاميرات وسائل الإعلام. لم يرغب في شق طريقه ممثلاً محترفاً، كما كان حال الرئيس الأسبق رونالد ريغان، بل في توظيف شخصه إعلامياً بمنهج سياسي محدد. هذه نقطة الاختلاف الأهم بينه وبين رونالد ريغان، الممثل الذي انتقل من أدوار ثانوية في السينما ابتداءً من عام 1937، ثم اعتزل التمثيل ليصبح حاكم ولاية كاليفورنيا عام 1967، تمهيداً لتوليه رئاسة الجمهورية الأميركية عام 1981 (خلفاً لجيمي كارتر) حتى عام 1989 (حين تلاه جورج بوش الأب).

كلاهما، ترمب وريغان، انتميا إلى الحزب الجمهوري، ولو أن ريغان بدأ توجهه السياسي عضواً في الحزب الديمقراطي قبل أن يستقيل منه وينتمي إلى الحزب المناوئ.

بعد سنوات من الأدوار الصغيرة، بدأ ريغان يُعزِّز حضوره على الشاشة بأدوار مساندة، كما في «سرب دولي» (International Squadron، للويس سايتر،1941)، ومن ثم تقدّم نحو أول بطولة له مشاركاً روبرت كامينغز في «صف الملوك» (Kings Row، لسام وود، 1941).

كان ريغان جاداً في رغبته بالنجاح في مهنة التمثيل، لكن مسيرته تعرَّضت للتراجع بسبب انضمامه إلى جهود الحرب العالمية الثانية، حيث خدم في وحدة الأفلام العسكرية منتجاً موادَّ تدريبية ودعائية، مما أبعده عن الشاشة لسنوات. وعندما عاد إلى الحياة المدنية، كان عليه أن يبدأ من جديد. وجد نفسه في منتصف الخمسينات في سلسلة من الأدوار المساندة، وأدرك أنه لن يستطيع تعويض ما فاته.

في المقابل، أدرك ترمب أن آماله ليست في الأفلام، على عكس ريغان الذي كان يرغب في أن يتبوأ النجومية لأطول فترة ممكنة.

جورج كلوني مبتسماً (نتفليكس)

استعادة الحلم الأميركي

يعود بعض الفوارق بين الرئيسين إلى اختلاف الظروف والمشكلات التي واجهها كل منهما خلال فترة حكمه. تبدو المرحلة الريغانية أكثر انسجاماً مع رغبات ذلك الرئيس في تحقيق هدف أساسي هو استعادة المبادئ الأخلاقية لأميركا. فقد تعرَّضت هذه المبادئ لهزّة كبيرة بسبب حرب ڤيتنام، التي كانت موضوعاً لأفلام عدّة مناوئة لها، إلى جانب الحراك الشعبي والإعلامي. ما هدف إليه ريغان كان استعادة إيمان الأميركيين بأميركا، وقد أنجز هذا الهدف بنجاح.

كذلك سعى إلى الحد من هيمنة الحكومة على الاقتصاد المحلي من ناحية، ومواجهة الاتحاد السوفييتي من ناحية ثانية، في إطار الحرب الباردة التي شهدها العالم بين القوتين العظميين.

ومثل كثير من الممثلين والمخرجين وأصحاب المهن السينمائية الأخرى في هوليوود، من بينهم جون واين، والمخرج سام وود، والممثل روبرت تايلور، وآخرون عديدون، كان ريغان عدواً لدوداً للشيوعية. أيَّد موقف اللجنة المكارثية التي حقّقت في انتماءات سينمائيي هوليوود ومسرحيي وكتّاب نيويورك، وما إذا كانوا يمهّدون لهوليوود «حمراء» أم لا.

أفلام كثيرة لريغان في تلك الفترة حملت مضامين إعلامية يمينية التوجه، وبدأ ذلك مع «جهاز الجو السري» (Secret Service of the Air) عام 1938، و«سرب دولي» (1941)، و«هذا هو الجيش» (This Is the Army) سنة 1943. كما تولى التعليق الصوتي لفيلم تسجيلي بعنوان «القتال لكسب السماء» (The Fight for the Sky)، إلى جانب أعمال أخرى.

صفر تسامح

يختلف منهج ريغان عن منهج ترمب في نوعية ممارسة السياسة الداخلية والخارجية. فعند الرئيس الحالي، هناك «صفر تسامح» مع كل نقد يوجَّه إليه، والأمثلة خلال الفترة القصيرة منذ توليه الحكم كثيرة: من مقاضاة مؤسسة «بي بي سي» البريطانية، إلى تقييد حرية تناول حياته الشخصية في الإعلام الأميركي، وصولاً إلى هجومه على إعلاميين تلفزيونيين انتقدوه، والتسبب في إحالتهم المبكرة إلى التقاعد.

إحدى أبرز هذه المحطات تمثّلت في خلافه الشديد مع الممثل جورج كلوني، الذي بدأ بوصف الرئيس له بأنه ممثل «رديء من الصنف الثاني».

وفي حفل «غولدن غلوبز» الأخير، سنحت الفرصة لكلوني لنقل خلافه مع الرئيس إلى مستوى آخر، حين تحدّث بالفرنسية أثناء تقديمه جائزة أفضل فيلم درامي، نكاية بتعليق سابق لترمب سخر فيه من كلوني وزوجته، اللذين نالا الجنسية الفرنسية.

وكان كلوني قد علّق سابقاً على سياسة ترمب قائلاً: «نعم، سنبني أميركا أولاً في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل»، وهو الموعد المحدد للانتخابات الثانية.

حتى اليوم، ومنذ توليه السلطة، عمد ترمب إلى تحديد أولوياته سريعاً وبحزم، ومن بينها محاولته إصدار تشريع يفرض ضريبة ثقيلة على كل فيلم أميركي المنشأ يُصوَّر خارج الولايات المتحدة. عدم منطقية هذا القرار لا تعني أنه لن يعود إليه في المستقبل.