قمة الأطلسي تنطلق غداً وسط مخاوف أوروبية من «مفاجآت» ترمب

المساهمات المالية ومواجهة السلوك الروسي والتجارة أبرز القضايا الخلافية

صورة أرشيفية لاجتماع «الناتو» السابق الذي شارك فيه ترمب ببروكسل (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لاجتماع «الناتو» السابق الذي شارك فيه ترمب ببروكسل (أ.ف.ب)
TT

قمة الأطلسي تنطلق غداً وسط مخاوف أوروبية من «مفاجآت» ترمب

صورة أرشيفية لاجتماع «الناتو» السابق الذي شارك فيه ترمب ببروكسل (أ.ف.ب)
صورة أرشيفية لاجتماع «الناتو» السابق الذي شارك فيه ترمب ببروكسل (أ.ف.ب)

تنطلق قمة الحلف الأطلسي غدا في بروكسل، وسط مخاوف أوروبية من «مفاجآت» قد يقدم عليها الرئيس الأميركي دونالد ترمب وتزيد من ثقلها الأجواء الملبدة بين ضفتي الأطلسي، بسبب ما أصبح يعرف بـ«الحرب التجارية» بين الحلفاء.
وما يزيد من قلق الطرف الأوروبي أن القمة تأتي قبل أربعة أيام فقط من قمة ترمب مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين التي ستستضيفها هلسنكي في 16 من الشهر الجاري، وخاصة «التنازلات» التي قد يقدمها ترمب للرئيس الروسي «من وراء ظهر» الحلفاء. كذلك لا يريد الأوروبيون أن تسود القمة الأطلسية أجواء شبيهة بما عرفته قمة مجموعة السبع الشهر الماضي في كندا، التي شهدت مشادات عنيفة بين ترمب وحلفائه وانتهت بأن سحب الأخير توقيعه عن البيان الختامي حال مغادرته الأراضي الكندية. ولذا، فإن ترمب سيكون «محور» القمة، حيث سترصد كل تحركاته وأقواله.
وأمس، قالت مصادر رئاسية فرنسية في معرض تقديمها للقمة، إن مسألة المفاجآت «واردة»، وإنه «يصعب على الأوروبيين استشرافها»، وبالتالي «لا يمكن استبعادها رغم أن التحضير لقمة تم وفق القنوات العادية». وما تريده باريس ومعها العواصم الأوروبية هو «إظهار وحدة الحلف الأطلسي وفعاليته في التعاطي مع البؤر الساخنة وتحديث التزام كل طرف بتنفيذ الالتزامات التي تعهد بها». ومن الناحية العملية، سيتم الإعلان في قمة بروكسل عن إطلاق الأطلسي لبرنامج تدريبي وتأهيلي لموظفي وزارة الدفاع العراقية المدنيين لمرحلة مع بعد الحرب على «داعش»، بناء على طلب رسمي من الحكومة العراقية. إلا أن البدء بالبرنامج مرهون، وفق الإليزيه، بتشكيل الحكومة العراقية لما بعد الانتخابات. يضاف إلى ذلك أن الحلف سوف يعلن عن «سلة من المبادرات» لجنوب الأطلسي، أي لأفريقيا والشرق الأوسط، وسيعهد لمقر الحلف في مدينة نابولي الإيطالية بقيادته وبناء الشراكات وتنسيق النشاطات مع بلدان الجنوب». وأبعد من جنوب الأطلسي، سيلتقي زعماء الأطلسي الرئيس الأفغاني من أجل مناقشات حول دور الحلف في هذا البلد، كذلك رئيسي أوكرانيا وجورجيا اللذين تربطهما «شراكة» معه. وما يجمع بينهما هو أنهما على نزاع مع روسيا إما مباشرة أو بالواسطة.
تتوقع باريس أن يكون ملف «توزيع الأعباء المالية» أحد أبرز الملفات المطروحة في القمة، بسبب مواقف الرئيس ترمب الذي يأخذ على الأوروبيين تهربهم من الوفاء بالتزاماتهم المالية. ويريد ترمب من الشركاء الأوروبيين أن يرفعوا مصاريفهم العسكرية إلى 2 في المائة. وقد استبقت واشنطن قمة الغد برسائل وجهت إلى تسعة أعضاء في الحلف، أبرزهم ألمانيا، لمطالبتهم بزيادة إنفاقهم الدفاعي للوصل إلى 2 في المائة من الناتج الداخلي الخام بحلول العام 2024، ويرد الإليزيه على ذلك بتأكيد أن الأوروبيين قاموا بجهود حقيقية للاقتراب من هذا الهدف، وبينهم فرنسا التي وعدت بأن تصل إلى سقف الـ2 في المائة في العام 2025، وهي اليوم بحدود 1.8 في المائة.
وثمة ورقة ضغط «إضافية» يستطيع الرئيس الأميركي اللجوء إليها بعد غد، وهي قرار تخفيف الحضور العسكري الأميركي في أوروبا. وتنشر واشنطن 35 ألف جندي في ألمانيا، و65 ألف جندي في مجمل أوروبا. وتتركز الانتقادات الأميركية بالدرجة الأولى على ألمانيا لأسباب تجارية (فائض 60 مليار دولار لصالح برلين وعلى حساب واشنطن)، ولسياستها تجاه إشكالية اللجوء والهجرات، وأخيرا بسبب ضعف المساهمة الألمانية في ميزانية الحلف. وفي 5 من الشهر الجاري، توجه ترمب بالحديث مباشرة للمستشارة الألمانية في خطاب له قائلا: «أنت تعرفين يا أنجيلا أننا نوفر لكم الحماية، وهذا يعني الكثير بالنسبة إليكم، ولكن لا أعي ما هي الحماية التي نحصل عليها نحن عن طريق حمايتكم». وخلص ترمب إلى القول: «سأقول لقادة الحلف: عليكم أن تبدأوا بدفع فواتيركم، لأن الولايات المتحدة لن تستمر في التكفل بكل شيء».
ليست اتهامات ترمب للأوروبيين بالتهرب من دفع المتوجب عليهم للحلف جديدة، إذ إنه أثار الموضوع في قمة العام الماضي. لكن الجديد هو أجواء التوتر السائدة مع الأوروبيين بسبب قضايا المناخ والتجارة وإيران والعلاقة مع روسيا، وكلها مواضيع خلافية. وأبرز دليل على ذلك فشل قمة مجموعة السبع. وبالنظر لاتساع الهوة مع واشنطن، فإن الأوروبيين بدفع من فرنسا يسعون لبناء «قوة ذاتية» مع الاستمرار بالقول إنها تعمل «بالتكامل» مع الحلف الأطلسي وليس بديلا عنه. وآخر ما حققه الأوروبيون هو الاتفاق على إطلاق «المبادرة الأوروبية للتدخل» المشترك التي ضمت تسع دول بينه الثلاث الكبار (ألمانيا وفرنسا وبريطانيا). وهدف المبادرة تشكيل قوة تستطيع التدخل العسكري في الأزمات الناشئة ومحاربة الإرهاب والمساعدة لدى وقوع الكوارث الطبيعية. لكن هذه القوة ليست إلا في بداية الطريق، وتحتاج إلى الكثير من الوقت حتى تتحول إلى واقع.
كل هذه الخلافات الكامنة والبينة لن تمنع الأطلسيين من معالجة الملفات المدرجة على جدول أعمالهم، وأحدها تحديا «الشراكة الأطلسية - الأوروبية» التي سيصدر بشأنها بيان مسهب. كذلك، ستتم مناقشة ملف العلاقة مع روسيا التي يمكن تلخيصها بكلمتين: تشدد وحوار. وثمة قناعة أن ترمب لن يقبل أن يصدر عن القمة ما من شأنه «إفساد» لقائه بالرئيس الروسي بالنظر لأهمية هذه القمة، وما لها من انعكاسات على العلاقات الثنائية الأميركية - الروسية، وخصوصا على الملفات الإقليمية مثل الملف النووي الإيراني ومستقبل سوريا والحرب في شرق أوكرانيا. كذلك، ستتناول القمة ملف «الدفاع الجماعي والردع»، والرد على التحديدات الاستراتيجية وما تتطلبه من تعديلات على «هندسة» الحلف. وأخيرا، ستعالج القمة موضع «سياسة الباب المفتوح» التي تعني ضم أعضاء جدد إلى الحلف، وأبرز الموجودين على اللائحة جمهورية مقدونيا التي نجحت أخيرا بالتوصل إلى تفاهم مع اليونان حول اسمها الرسمي.



الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
TT

الدنمارك ترى إمكانية لاتفاق مع أميركا بشأن غرينلاند يحترم «الخطوط الحمراء»

وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)
وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن يتحدث خلال مؤتمر صحافي في غرينلاند (رويترز)

قال وزير الخارجية الدنماركي لارس لوكه راسموسن، يوم السبت، إنه يعتقد أن المفاوضات مع الولايات المتحدة بشأن غرينلاند يمكن أن تفضي إلى حل يحترم وحدة أراضي الجزيرة القطبية وحقها في تقرير المصير.

وأطلقت الولايات المتحدة والدنمارك وغرينلاند محادثات، أواخر الشهر الماضي، بشأن مستقبل المنطقة الدنماركية التي تحظى بحكم شبه ذاتي، بعد تهديدات متكررة من الرئيس دونالد ترمب بالسيطرة عليها.

وقال راسموسن في مؤتمر صحافي بنوك، عاصمة غرينلاند: «لقد أوضحنا منذ البداية أن أي حل لا بد أن يحترم خطوطنا الحمراء».

وأضاف: «رغم ذلك، بدأنا المحادثات. إنني أرى هذا علامة واضحة على أنه من المحتمل أن يتم التوصل إلى حل يحترم الخطوط الحمراء»، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

وقالت وزيرة خارجية غرينلاند فيفيان موتزفيلدت إن «غرينلاند لم تصل بعد إلى المكان الذي ترغب فيه. إنه طريق طويل، لذلك فإنه من المبكر للغاية أن نحدد أين سينتهي».

والتقت موتزفيلدت بوزيرة الخارجية الكندية أنيتا أناند في نوك، اليوم (السبت). وافتتحت كندا قنصلية في غرينلاند، أمس (الجمعة)، وكذلك فرنسا.

ووصف راسموسن القنصلية الكندية الجديدة بأنها «بداية جديدة» و«فرصة جيدة لتعزيز تعاوننا القائم بالفعل».


الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
TT

الصين تلغي عقوبة الإعدام بحق كندي في قضية مخدرات

الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)
الكندي روبرت لويد شيلينبرغ خلال إعادة محاكمته بتهمة تهريب المخدرات في محكمة بمدينة داليان بمقاطعة لياونينغ شمال شرقي الصين في يناير 2019 (أرشيفية- أ.ف.ب)

أكدت كندا أن الصين ألغت حكم إعدام صدر بحق مواطن كندي، في مؤشر جديد على تحسن العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وسط سعي رئيس الوزراء مارك كارني لتعزيز العلاقات التجارية مع بكين.

وكانت الصين قد أوقفت روبرت لويد شيلينبرغ عام 2014 بتهمة تهريب المخدرات، قبل أن تتدهور العلاقات الصينية الكندية إلى أدنى مستوياتها، مع توقيف المديرة المالية لشركة «هواوي» مينغ وان تشو، في فانكوفر عام 2018، بناء على مذكرة توقيف أميركية.

وأثار توقيف مينغ غضب بكين التي أوقفت بدورها كنديين اثنين آخرين، هما مايكل سبافور ومايكل كوفريغ بتهم تجسس، وهو ما اعتبرته أوتاوا بمثابة إجراء انتقامي.

وفي يناير (كانون الثاني) 2019، أعادت محكمة في شمال شرقي الصين محاكمة شيلينبرغ الذي كان يبلغ حينها 36 عاماً.

وزار كارني الذي تولى منصبه العام الماضي، الصين، في يناير، في إطار جهوده لفتح أسواق التصدير أمام السلع الكندية، وتقليل اعتماد كندا التجاري على الولايات المتحدة، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وأعلنت المتحدثة باسم الخارجية الكندية ثيدا إيث في بيان، أن الوزارة على علم بقرار محكمة الشعب العليا في الصين فيما يتعلق بقضية شيلينبرغ. وأضافت أن الوزارة «ستواصل تقديم الخدمات القنصلية لشيلينبرغ وعائلته»، مشيرة إلى أن «كندا سعت للحصول على عفو في هذه القضية، كما تفعل مع جميع الكنديين المحكوم عليهم بالإعدام».

وقضت محكمة صينية بإعدام شيلينبرغ، بعد أن اعتبرت أن عقوبته بالسجن لمدة 15 عاماً بتهمة تهريب المخدرات «متساهلة للغاية».

وخلال زيارته بكين، أعلن كارني عن تحسن في العلاقات الثنائية مع الصين، قائلاً إن البلدين أبرما «شراكة استراتيجية جديدة» واتفاقية تجارية مبدئية.

وقالت إيث: «نظراً لاعتبارات الخصوصية، لا يمكن تقديم أي معلومات إضافية». وأُطلق سراح كل من مينغ وسبافور وكوفريغ في عام 2021.


بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
TT

بعد طيّ صفحة «نيو ستارت»... كيف سينقذ العالم نفسه من خطر الفناء النووي؟

الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)
الرئيس الأميركي باراك أوباما ونظيره الروسي ديمتري ميدفيديف يتصافحان بعد توقيع معاهدة «نيو ستارت» في براغ يوم 8 أبريل 2010 (أ.ب)

كان الخامس من فبراير (شباط) 2026 يوماً تاريخياً؛ لأنه طوى صفحة آخر اتفاق للحد من الأسلحة النووية بين روسيا والولايات المتحدة، وأدخل العالم مرحلة جديدة من القلق.

في الثامن من أبريل (نيسان) 2010، وقَّع الرئيسان: الأميركي باراك أوباما، والروسي ديميتري ميدفيديف، في براغ، معاهدة «نيو ستارت» التي دخلت حيز التنفيذ في الخامس من فبراير 2011، ثم مُدِّدت 5 سنوات في عام 2021. وعرَّفت المعاهدة أنظمة الأسلحة النووية الاستراتيجية بأنها تلك «العابرة للقارات»، أي القابلة للإطلاق من أوروبا لتنفجر في الولايات المتحدة مثلاً، وبالعكس.

وضعت المعاهدة سقفاً للولايات المتحدة وروسيا يبلغ 1550 رأساً نووياً استراتيجياً منشوراً، موزَّعة على 700 وسيلة إيصال نووية (تشمل الطائرات، والصواريخ الباليستية العابرة للقارات، والغواصات)، إضافة إلى 800 منصة إطلاق منشورة وغير منشورة لتلك الصواريخ والطائرات القادرة على حمل أسلحة نووية.

صورة مأخوذة من فيديو وزَّعته في 9 ديسمبر 2020 وزارة الدفاع الروسية لعملية إطلاق صاروخ باليستي عابر للقارات من قاعدة في شمال غربي روسيا (أ.ب)

وفي حين أنَّ المعاهدة عالجت الأسلحة النووية الاستراتيجية والمنشورة، فإن كلا البلدين يمتلك ترسانات نووية أكبر «موضَّبة»؛ إذ يُقدَّر أن روسيا تمتلك نحو 5459 رأساً نووياً، بينما تمتلك الولايات المتحدة نحو 5177 رأساً.

ونصَّت المعاهدة أيضاً على إجراء عمليات تفتيش ميدانية منتظمة بعد إخطارات سريعة، وعلى تبادل للبيانات بين البلدين مرتين سنوياً.

لا اتفاق على السقوف

بموجب شروط المعاهدة، لم يكن بالإمكان تمديد «نيو ستارت» إلا مرة واحدة، لذلك كان معروفاً منذ البداية أنها ستنتهي في 5 فبراير 2026. غير أنَّ روسيا والولايات المتحدة كانتا قادرتين على تلافي الفراغ عبر التوصل إلى اتفاق جديد يحل محل «نيو ستارت». وفي سبتمبر (أيلول) 2025، اقترحت روسيا أن تتفق الدولتان على الالتزام بسقوف المعاهدة لمدة عام إضافي، وهو ما قوبل في البداية بردٍّ إيجابي من الرئيس الأميركي دونالد ترمب. ولكنه أبدى لاحقاً رغبته في التفاوض على اتفاق جديد يضمُّ الصين أيضاً.

وبينما كان الجانبان ملتزمين على مرِّ السنوات بالقيود التي تفرضها المعاهدة، فإن أحكام التحقُّق المنصوص عليها فيها لم تُنفَّذ منذ فترة. ففي 2020، وبسبب جائحة «كوفيد-19»، علَّق الطرفان عمليات التفتيش الميداني. ومع تصاعد التوتر بين البلدين على خلفية الغزو الروسي لأوكرانيا والدعم العسكري الأميركي لكييف، أكدت الولايات المتحدة في شباط 2023 أنَّ روسيا لا تمتثل للمعاهدة، وبعد أسابيع من ذلك أعلن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن بلاده ستعلِّق امتثالها، رافضة عمليات التفتيش وتبادل البيانات مع الولايات المتحدة. وردَّت واشنطن بقرار التوقف عن تشاطُر المعلومات مع موسكو.

غواصة نووية روسية تخترق جليد القطب الشمالي خلال تدريبات عسكرية في موقع غير محدد (أ.ب)

يمكن تأكيد أن النظام النووي العالمي يشهد ضغوطاً متزايدة في أكثر من اتجاه. فبالإضافة إلى الطرفين الأساسيين، من المعروف أن كوريا الشمالية وسَّعت ترسانتها، بينما يبقى خطر التصعيد النووي في الحرب الأوكرانية الروسية مرتفعاً، ولا أحد يدرك بالضبط حال البرنامج النووي الإيراني بعد الضربة الأميركية في 22 يونيو (حزيران) 2025، ولا ينحسر على الإطلاق التوتر بين الجارتين النوويتين الهند وباكستان، بسبب قضية كشمير وغيرها.

وفي موازاة ذلك، لا نرى أن الدول الخمس الدائمة العضوية في مجلس الأمن تحقق أي تقدُّم في مجال نزع السلاح النووي لحماية الكوكب، مع العلم بأنها ملزَمة بذلك بموجب معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية التي اعتُمدت عام 1968، وجُدِّد العمل بها إلى أجل غير مسمَّى عام 1995. وستُجرى المراجعة المقبلة لهذه المعاهدة في أبريل ومايو (أيار) المقبلين في نيويورك؛ حيث يتعيَّن على الدول المالكة للأسلحة النووية أن تفصح عما أحرزته من تقدُّم في تنفيذ التزاماتها بموجب المعاهدة خلال السنوات الخمس الماضية، وكيف تعتزم المضي قدماً في الوفاء بهذه الالتزامات خلال السنوات الخمس المقبلة.

خطاب عدواني

كتب المدير السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي، في ديسمبر الماضي: «لم تفشل الدول الكبرى المالكة للأسلحة النووية في السعي إلى ضبط التسلُّح ونزع السلاح فحسب؛ بل هي تمضي علناً في مضاعفة الرهان على تحديث ترساناتها وتوسيعها، بما يواكب خطابها ذا النزعة العدوانية المتزايدة. أما الهياكل العالمية الهشَّة التي يُفترض أن تمنع فناءنا الذاتي، فهي تتداعى أمام أعيننا».

ما يقلق المراقبين أن الجهود الدبلوماسية بين الولايات المتحدة وروسيا بشأن اتفاقٍ يخلف «نيو ستارت» تكاد تكون معدومة، باستثناء تصريحات مقتضبة صدرت عن الرئيسين. فبعد يومين فقط على بدء ولايته الحالية، تحدث ترمب عن التحدث مع روسيا والصين حول مستقبل ضبط التسلُّح، قائلاً: «يُنفَق مقدار هائل من الأموال على الأسلحة النووية، والقدرة التدميرية أمر لا نرغب حتى في الحديث عنه... نريد أن نرى ما إذا كان بإمكاننا نزع السلاح النووي، وأعتقد أن ذلك ممكن جداً».

صورة مركَّبة لعسكري من القوات الجوية الأميركية يعاين صاروخ «مينتمان» في داكوتا الشمالية وصاروخاً باليستياً عابراً للقارات خلال عرض عسكري في وسط موسكو (أ.ف.ب)

وفي سبتمبر، أعلن بوتين أن روسيا «مستعدة لمواصلة الالتزام بالقيود الكمية الأساسية» لمدة عام واحد بعد انتهاء «نيو ستارت»، ولكن بشرط أن «تتصرف الولايات المتحدة بالروح نفسها»؛ لكن إدارة ترمب لم ترد على العرض، بينما بعث الرئيس الأميركي برسائل متباينة في تصريحاته، ففي أكتوبر (تشرين الأول)، قال ترمب تعليقاً على عرض بوتين: «يبدو لي أنها فكرة جيدة»، ولكنه قال في مقابلة مع «نيويورك تايمز» في يناير (كانون الثاني) عن «نيو ستارت»: «إذا انتهت فليكنْ. سنُبرم اتفاقاً أفضل».

وقالت داريا دولزيكوفا، من برنامج منع الانتشار والسياسة النووية التابع للمعهد الملكي للخدمات المتحدة في المملكة المتحدة، إن انتهاء العمل بمعاهدة «نيو ستارت» أمر «مقلق؛ لأن لدى الطرفين دوافع تدفعهما إلى توسيع قدراتهما الاستراتيجية». وأضافت في مقال نشرته أخيراً: «لدى روسيا مخاوف بشأن قدرتها على اختراق منظومات الدفاع الجوي الأميركية، وهي مخاوف تفاقمت مع خطط الرئيس دونالد ترمب لبناء (القبة الذهبية) لحماية أميركا الشمالية من الأسلحة بعيدة المدى. وفي المقابل، تعمل روسيا أيضاً على تطوير أسلحة جديدة صُممت لتجاوز أنظمة الدفاع الجوي، من بينها (بوسيدون)، وهو طوربيد ذاتي التشغيل عابر للقارات، يعمل بالطاقة النووية ومسلَّح نووياً، ويُطلق من تحت الماء، إضافة إلى (بوريفيستنيك)، وهو صاروخ (كروز) يعمل بالطاقة النووية، ومزوَّد برأس نووي. كذلك تُطوِّر الولايات المتحدة وروسيا والصين صواريخ فرط صوتية بعيدة المدى، قادرة على المناورة بسرعات تتجاوز 4 آلاف ميل في الساعة (6437 كيلومتراً)، ما يجعل اعتراضها أكثر صعوبة بكثير».

ورأت دولزيكوفا أن هذا التوسُّع في القدرات العسكرية «لن يؤدي إلا إلى جعل التوصل إلى معاهدة جديدة للحد من الأسلحة أكثر صعوبة»، إلى جانب «ازدياد أهمية الأسلحة النووية». وأضافت أن دولاً أخرى تبدو راغبة في امتلاك هذه الأسلحة بوصفها أداة ردع.

الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون وابنته كيم جو آي يشرفان على تجربة إطلاق نظام صواريخ في موقع غير محدَّد بكوريا الشمالية يوم 27 يناير 2026 (إ.ب.أ)

ليس خافياً على أحد أن التوتر يتعاظم على مستوى العالم. وفي وقت كهذا، تزداد أهمية تدابير نزع السلاح، أو على الأقل ضبطه. فالوضع المتردِّي للأمن الدولي ليس ذريعة للتقاعس؛ بل ينبغي أن يكون حافزاً لاتخاذ إجراءات عاجلة تُطمئن البشر؛ خصوصاً الذين هالهم ما سمعوه أخيراً عن «النخب الغربية».