اختتم الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، مؤتمراً دولياً رفيع المستوى لا سابق له حول مكافحة الإرهاب، استمر أسبوعاً في مقر المنظمة الدولية في نيويورك، بدعوة الدول الأعضاء إلى التكاتف من أجل التصدي للتهديدات الإرهابية التي تتطور باستمرار. وحض المجتمع الدولي والقطاع الخاص والأوساط الأكاديمية على تبادل المعارف والخبرات والموارد بغية «منع التكنولوجيات الجديدة من أن تصبح أسلحة إرهابية فتاكة».
وكان الأسبوع قد بدأ باعتماد المراجعة السادسة لاستراتيجية الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، واختُتم بمناقشات عملية حول بعض أهم التحديات. وجرى خلال المناقشات اقتراح حلول جديدة وإقامة شراكات ضمن 25 نشاطاً على هامش المؤتمر رفيع المستوى الذي شارك فيه 185 وفداً و25 منظمة، إضافة إلى رؤساء أجهزة مكافحة الإرهاب من أنحاء العالم، بغية المساهمة في تحسين التعاون الدولي وتبادل المعلومات وبناء شراكات جديدة قادرة على إيجاد الحلول العملية لتحدي الإرهاب والتطرف العنيف.
واعتمدت الجمعية العامة المراجعة السادسة للاستراتيجية الشاملة لمكافحة الإرهاب، في إطار عملية يسّرتها المندوبة الأردنية الدائمة لدى الأمم المتحدة سيما بحوث، ونظيرها الفنلندي كاي سوير.
وقال غوتيريش: «نحن نعلم أنهم يبحثون في شن هجمات إلكترونية واستخدام طائرات من دون طيار لشن هجمات كيميائية أو بيولوجية أو إشعاعية»، مضيفاً أنه من أجل استباق خطط الإرهابيين، يجب على الشركاء المتناغمين عبر كل القطاعات أن يتخذوا إجراءات سريعة. وأكد أنه «يجب بذل المزيد من الجهود لمعالجة الظروف التي تعزز الإرهاب والتطرف العنيف، بما في ذلك الافتقار إلى الفرص والتهميش وعدم المساواة والتمييز والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان».
وشدد على أهمية دور الشباب في مكافحة الرسائل التي ينشرها الإرهابيون وضرورة إعادة تأهيل المتشددين. وقال: «يتعين أن نشارك النساء في مكافحة الإرهاب، فهن غالباً ما يكنّ سباقات في رصد مؤشرات مبكرة للتشدد بين الشباب أو المستضعفين».
وأشار إلى مشاركة منظمات المجتمع المدني في المؤتمر، مؤكداً ضرورة التعلم منها. وأضاف أنه يدرس إنشاء وحدة جديدة في مكتب مكافحة الإرهاب لضمان إدماج رؤى المجتمع المدني بشكل كامل في سياسات وبرامج مكافحة الإرهاب. ورحب بإنشاء المنتدى الدولي للإنترنت لمكافحة الإرهاب، وغيره من الشراكات المشابهة لمنع نشر محتوى التطرف العنيف على الإنترنت.
وكذلك قال إن «الهزيمة العسكرية لـ(داعش) في العراق وسوريا، العام الماضي، تعني أن المقاتلين الإرهابيين الأجانب يتنقلون ليعودوا إلى أوطانهم أو التوجه إلى مناطق صراعات أخرى. وبينما يمكن أن ينبذ البعض منهم العنف، لا يزال آخرون مصممين على المواصلة لينقلوا تجاربهم في ميدان المعركة ويجنّدوا أعضاء جدداً وينفّذوا هجمات». وأضاف: «الإرهابيون المحليون أيضاً يمثلون اختباراً لقدرات وكالات الأمن والاستخبارات. وبينما يواصل تهديد الإرهاب تطوره، يتعين علينا التكيف والتعلم من الممارسات الناجحة وغيرها».
وأكد رئيس الدورة الحالية للجمعية العامة للأمم المتحدة ميروسلاف لايتشاك، عدم ارتباط الإرهاب بأي دولة أو دين أو عِرق، وعدم وجود نهج واحد يصلح لجميع الظروف. وقال إن «الاستراتيجية ليست حلاً دولياً أو سحرياً بعد اعتماد الجمعية العامة بالإجماع قراراً حدّثت فيه استراتيجية الأمم المتحدة الدولية لمكافحة الإرهاب التي اعتُمدت عام 2006»، مشدداً على أهمية التعاون الدولي. وأضاف أن «الاستراتيجية تتيح الفرصة للعمل المشترك وتحدد الأهداف والأولويات والرؤية للمستقبل».
منظمة التعاون الإسلامي
وتحدث ممثل المملكة العربية السعودية عبد المجيد عبد الرحمن محمد أبابطين، باسم منظمة التعاون الإسلامي، فأكد أن الإرهاب لا يزال يقوض الأهداف المشتركة لعالم يسوده السلام والازدهار. وقال إن القرار الذي اتخذته الجمعية العامة أخيراً استشرف بواعث القلق حيال التهديدات الناشئة، مقترحاً بذل جهود مناسبة، مع تأكيد ضرورة معالجة كل العوامل المحلية والخارجية للإرهاب دون اتباع نهج انتقائي. ولفت إلى أن منظمة المؤتمر الإسلامي تشدد على الحاجة إلى مزيد من المعلومات التحليلية في تقارير الأمين العام بشأن الموارد اللازمة لتقديم الدعم لبناء قدرات الدول الأعضاء، داعياً إلى تقديم اقتراحات ملموسة لحشد الموارد لمثل هذه المشاريع. ولفت إلى أن المنظمة اعترفت بالتهديدات التي يشكّلها الإرهاب على النساء والشباب والأطفال. وأعرب عن قلقه حيال تزايد التعصب والتمييز ضد المسلمين في أنحاء العالم.
وخلال ترؤسه جلسة عن «تعزيز العمل العالمي لمنع التطرف العنيف، بما في ذلك مشاركة الشباب ومنع إساءة استخدام التكنولوجيات الجديدة والإنترنت من جانب الإرهابيين»، أثار مدير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي أكيم شتاينر، موضوع المخاوف بشأن العديد من التهديدات المتطورة، مستشهداً بالتقرير الأخير الذي وضع ميزانية للوقاية تتراوح بين 5 مليارات و70 مليار دولار سنوياً. وقال إنه «يجب بذل الجهود لاستخدام التكنولوجيات الجديدة، التي لديها إمكانات هائلة للمساعدة في معالجة الأسباب الجذرية والعوامل الدافعة للتطرف العنيف من خلال تعزيز شفافية المؤسسات العامة، وتوسيع نطاق المشاركة الهادفة والمشاركة في صنع القرارات العامة وتعزيز فهم القضايا العامة».
وتحدثت وكيلة الأمين العام المديرة التنفيذية لهيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة فومزيله ملامبو – نغوكا، عن المشاريع الـ27 في أنحاء العالم لمنع الإرهاب والتطرف العنيف، موضحة أنها تتعلق بجمع البيانات حول الأسباب الجذرية لجهود بناء القدرات التي تستهدف الرجال والفتيان والنساء والفتيات. وقالت إن «هناك قوالب نمطية ساهمت في خيارات الإرهابيين، بما في ذلك الزواج بالإكراه من النساء والفتيات المختطفات وطرق التجنيد العنيفة التي تستهدف الرجال والفتيان».
وقال المدير التنفيذي لمكتب الأمم المتحدة المعنيّ بالمخدرات والجريمة يوري فيدوتوف، إن المؤتمر ينعقد «بالتزامن مع تحقيق نتائج مهمة في مكافحة الإرهاب، بما في ذلك هزيمة (داعش) في العراق وسوريا». لكنه أضاف أن «التهديدات المتطورة تتطلب تقييماً صارماً ورؤية استراتيجية متجددة لكيفية العمل معاً بشكل أفضل لمواجهة التحديات المشتركة».
أما وكيل الأمين العام لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب فلاديمير فورونكوف، فأشار إلى أنه «منذ أن أنشأ الأمين العام المكتب الجديد، يقود مركز الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب أكثر من 35 مشروعاً لبناء القدرات لمساعدة المتضررين من الإرهاب».
وعلى هامش المؤتمر، عقدت بعثاتٌ دبلوماسية منتدى حول «التعاون الدولي لمكافحة ومنع استخدام الإنترنت لأغراض الإرهاب» بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الإرهاب، ومكتب الأمم المتحدة المعنيّ بالجريمة والمخدرات. وركّز المنتدى على سبل مكافحة الإرهاب عن طريق نشر رسائل التسامح من خلال وسائط التواصل الاجتماعي، فضلاً عن دور القطاع الخاص وشركات التقنية مثل «تويتر» و«فيسبوك» في مكافحة استخدام الإنترنت لأغراض التطرف.
ولفتت بحوث إلى أن «الاستراتيجية الدولية تمثل الإطار الدولي الأشمل» في مجال مكافحة الإرهاب، موضحةً دور المملكة وفنلندا في تيسير إجراء المفاوضات التي أفضت إلى اعتماد المراجعة السادسة للاستراتيجية. وسبق ذلك عدد كبير من اللقاءات مع الوفود الدائمة والمجموعات الإقليمية ومنظمات المجتمع المدني والشرطة الدولية (إنتربول) وغيرها، للوقوف على شواغلهم وتطلعاتهم، وهو ما كان له تأثير كبير على إجراء مفاوضات شفافة وشاملة لم تستثنِ أياً من الأفراد المعنيين». وأملت في أن يكون قرار المراجعة «هو المرجع الأساسي للمشاركين والمشاركات في هذا المؤتمر للخروج بتوصيات عملية قابلة للتطبيق تنتهي بالتوافق على إنشاء قنوات التواصل بين الحكومات وأجهزة الأمن في كل أنحاء العالم لمكافحة الإرهاب والقضاء عليه». وأوضحت أن تلك المراجعة شملت موضوعات مهمة منها معالجة عودة المقاتلين الإرهابيين الأجانب وبناء قدرات الدول الأعضاء والتصدي لرواية الإرهابيين وتمويل الإرهاب.
وأكدت أن الأفكار المغلوطة عن الإسلام والمسلمين تصبّ في خدمة أجندة الإرهابيين الساعية إلى إشعال الفتنة بين الشعوب وتعميق وتغذية الانقسام والطائفية والتي لا بد من محاربتها والتصدي لها بكل الأشكال، و«الاستمرار في توضيح ونشر أفكار الدين الإسلامي الحقيقي المبنيّ على التسامح والمحبة والسلام».
وقال مدير إدارة التعاون الأمني الدولي بوزارة الخارجية في دولة الإمارات المتحدة ورئيس اللجنة الوطنية لمكافحة الإرهاب سالم الزعابي، إنه رغم التقدم الذي أحرزه المجتمع الدولي في هزيمة الإرهاب على الأرض فإن الإرهابيين لا يزالون وبصورة مستمرة يستخدمون الإنترنت للترويج، ودعم أفعال العنف ونشر آيديولوجيات التطرف، وتدريب وتجنيد المقاتلين، والتمويل والتخطيط لشن الهجمات. يُذكر أن الولايات المتحدة كانت قد خفضت مستوى تمثيلها في المؤتمر احتجاجاً على تراجع دور المجتمع المدني فيه.

