معاناة العائدين من شبعا اللبنانية... تحبط الباقين

{الشرق الأوسط} ترصد أوضاع السوريين الهاربين من بيت جن

عمر الساعدي (58 عاماً) نازح يرعى نساء وأطفال العائلة في شبعا بعد مقتل اثنين من أبنائه بسبب الحرب
عمر الساعدي (58 عاماً) نازح يرعى نساء وأطفال العائلة في شبعا بعد مقتل اثنين من أبنائه بسبب الحرب
TT

معاناة العائدين من شبعا اللبنانية... تحبط الباقين

عمر الساعدي (58 عاماً) نازح يرعى نساء وأطفال العائلة في شبعا بعد مقتل اثنين من أبنائه بسبب الحرب
عمر الساعدي (58 عاماً) نازح يرعى نساء وأطفال العائلة في شبعا بعد مقتل اثنين من أبنائه بسبب الحرب

لا يكترث عمر الساعدي (58 عاماً) للدعوات المتزايدة الموجهة للسوريين النازحين في بلدة شبعا الحدودية مع سوريا، في جنوب شرقي لبنان، المطالبة بالعودة إلى بلدة بيت جن السورية، إثر استعادة النظام السوري سيطرته على البلدة الواقعة في جنوب غربي دمشق. بالنسبة إليه «لا شيء يشجع على العودة، بل ستزداد حالتي سوءاً»، بالنظر إلى غياب أي داعم أساسي للأسر المعدومة في بلدته السورية، حتى الآن، وهو في حاجة ماسة لدواء، له ولزوجته، ولشقيقتين طاعنتين في السن تحتاجان الدواء أيضاً، ولـ4 أطفال أيتام من أحفاده يحتاجون إلى الرعاية والاهتمام.
في منزل يسكنه 25 شخصاً، بينهم رجل واحد مريض هو عمر الساعدي، يمكث أيتام ومرضى. يصمد الساعدي في شبعا، من غير أن يتخذ قراراً بالمغادرة حتى الآن، ذلك أنه «من الصعب أن يعيل رجل واحد (ابنه الثالث الوحيد الباقي على قيد الحياة في العائلة) 10 أنفس، مرضى وأطفال»، علماً بأن الولد الباقي يعمل راعياً للماعز في بيت جن، ويرى أن العودة ستكون أكثر معاناة من معاناته هنا، حيث يتوجب تأمين دواء له ولزوجته بنحو 100 دولار شهرياً. ومع ذلك، لا يحمل بعض الأطفال أوراقاً ثبوتية، ما يعني أنه تستحيل عودتهم من دون باصات خضراء.
والساعدي ليس النازح الوحيد الذي تراجعت حماسته للعودة إلى بيت جن، بعد نحو شهرين على عودة الدفعة الأولى من النازحين إلى شبعا، البالغ عددها 482 شخصاً. فالأنباء التي تصل من بيت جن «غير مشجعة»، وهي العبارة التي تتردد على ألسن كثير من النازحين الذين يجمعون على أن بلدتهم «ينهشها الغلاء» و«تغيب فيها أي فرص للعمل»، فـ«البساتين يبست جراء الإهمال، ولا أفق لمساعدات أممية للعائدين»، في ظل معاناة الجميع من الفقر وسوء الأحوال، فضلاً عن المخاوف من اقتياد النظام السوري المطلوبين للخدمة الإلزامية.
لكن هذا الواقع يخالفه الراغبون بالعودة، مستندين إلى تجربة من سبقهم إلى بيت جن. ويسأل نازح يرغب بالعودة: «هل اقتاد النظام أياً من العائدين المطلوبين للخدمة، أو من المنشقين السابقين عن قواته؟»، من غير أن ينفي البطالة والغلاء في بلاده، وهي «واقع موجود في كل مكان».
وشبعا تحولت إلى وجهة للنازحين السوريين منذ بدء الحرب السورية، من بيت جن البعيدة مسافة 11 كيلومتراً إلى الضفة السورية، وقد بدأت باستقبال النازحين الذين وصلوا إليها سيراً على الأقدام وعلى ظهور البغال عبر طريق جبلي، توقفوا خلاله عند حاجز قوات الأمم المتحدة العاملة في الجولان (أندوف) التي زودتهم بالماء، وتحت أعين القوات الإسرائيلية في هضبة الجولان التي «لم تطلق النار علينا»، بحسب ما يقوله نازح، وذلك قبل الوصول إلى الأراضي اللبنانية حيث لم يمانع الجيش اللبناني عبورهم في ذلك الوقت، واستقبلتهم سيارات من أهالي شبعا نقلتهم إلى البلدة.

دفعة جديدة من العائدين
وأقلت 16 حافلة سورية، في أبريل (نيسان) الماضي، 482 نازحاً من بلدة شبعا وبعض قرى العرقوب المجاورة في جنوب لبنان إلى بلدتيهم، في بيت جن ومزرعتها في المقلب الشرقي من جبل الشيخ، المحاذية لهضبة الجولان المحتلة. وتحدث النازحون العائدون عن «ضمانات تلقوها بعدم اقتياد المطلوبين للخدمة العسكرية الإجبارية».
ولا يبالي الراغبون بالعودة في الدفعة الثانية، المتوقع عودتها في يوليو (تموز) المقبل إلى بيت جن، بالأنباء الواردة من الضفة السورية. فالنازح السوري أسعد قبلان يتحضر للعودة مع أفراد عائلته الخمسة وأطفالهم إلى بلدته السورية، رغم الأنباء عن تردي الأحوال في المنطقة السورية، ويقول: «سأعود مع بناتي الثلاث وابني الاثنين، وهما مطلوبان للخدمة الإجبارية». وإذ ينفي تلقيه ضمانات من دمشق حول اقتياد ابنيه (مواليد 1993 و1995) للخدمة الإلزامية، يكتفي بالقول: «سعري من سعر هالناس».
ويبدو قبلان متحمساً للعودة في الدفعة الثانية من المغادرين، ويقول: «البطالة التي يتحدثون عنها موجودة في كل مكان. أملك مساحة زراعية سأستصلحها وأتعيش منها، وأعمل فيها مع عائلتي»، لافتاً إلى وجود «ورشة إعادة إعمار في المنطقة لإصلاح البيوت المتضررة جراء الحرب»، ومشيراً إلى أن منطقة بيت جن ومزارعها «تتألف من آلاف الهكتارات الزراعية، وبساتين الزيتون والتفاح، التي تحتاج إلى رعاية لتجدد إنتاجها»، ومضيفاً: «الأفضل أن نعمل في أرزاقنا، ونستعيد حياتنا من جديد، بعد استقرار الوضع الأمني، عن أن نعمل في أرزاق الناس هنا».
وأنتجت جهود الدولة اللبنانية في تشجيع العودة الطوعية للنازحين إلى سوريا جدلاً واسعاً، وصل إلى حد الصدام بين وزارة الخارجية اللبنانية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، على ضوء الاتهامات الموجهة للمفوضية بـ«تخويف النازحين» من العودة، علماً بأن المفوضية قالت إنها معنية بالشأن الإنساني فقط.
وكان رئيس «التيار الوطني الحر»، النائب جبران باسيل، قد أكد بعد الاجتماع الدوري الأخير لتكتل «لبنان القوي» أن «ملف النزوح يزيد الأزمة الاقتصادية»، وقال: «لن يقوم لبنان اقتصادياً بوجود مليوني شخص، إضافة إلى اللبنانيين». وأضاف باسيل: «لم نطلب يوماً الترحيل القسري للشعب السوري، بل تطبيق القانون. وإذا كانت هناك جهة لا تريد التنازل، لأن هناك اتفاقاً سياسياً لم يعد قائماً، فلا أحد يستطيع أن يرغمها».
ولا ينفي النازحون في شبعا أن ممثلي المفوضية أبلغوا النازحين قبل مغادرة الدفعة الأولى بالوقائع القائمة. ويقول نازح رفض الكشف عن اسمه: «تم إبلاغنا بالواقع الذي يعاني منه العائدون اليوم لجهة البطالة وغلاء الأسعار وغياب المساعدات»، مضيفاً: «العائدون يؤكدون ذلك حين نتواصل معهم، وبعضهم نادم على العودة المبكرة قبل أن تتحسن ظروف الحياة».
ويتواصل سوريون موجودون في المنطقة مع النازحين الراغبين بالعودة، يسجلون أسماءهم ويقدمون القوائم للأمن العام اللبناني لترتيب إجراءات العودة لدى اكتمال الترتيبات. وبعد مغادرة الدفعة الأولى، لم تكتمل الدفعة الثانية بعد. ويقول نازح معني بالتواصل مع السوريين إن الأرقام الأولية «لا تزال مسودات، قابلة لتكون أقل أو أكثر»، وإنها حتى الآن «بالمئات»، مشدداً على أن مهمته «تقتصر على تسجيل الأسماء وتقديمها للأمن العام»، ومؤكداً أن مهمته ليست أكثر من «همزة وصل بين النازحين الراغبين بالعودة والسلطات المعنية بالترتيبات».
وفي حين تتحدث معلومات عن تخويف وتهديد يُمارس بحق المتراجعين عن تسجيل أسمائهم للعودة، يؤكد أن تلك المعلومات «عارية عن الصحة»، وهي «اتهامات غير صحيحة لأن النازحين غير مجبرين، وهي عودة طوعية في حال كان أحدهم راغباً»، مضيفاً: «لا صفة أمنية لي، أنا مجرد همزة وصل، والدليل أن الذين سجلوا أسماءهم قبل المغادرة في الدفعة الأولى كانوا أكثر من 500 شخص، وتراجع بعضهم عن العودة لأسباب شخصية، وكان له حرية الخيار».

العودة طوعية... وملاحظات
يكاد يجمع المعنيون بالملف على أن العودة طوعية، وأن أحداً لم يضغط على أحد لإجباره على العودة، رغم بعض الملاحظات التي يسجلها معنيون أيضاً ساهموا في إغاثة النازحين منذ عبورهم إلى شبعا قبل 5 سنوات، ولا يزالون يقدمون المساعدة لهم.
يقول مدير «الجمعية الإسلامية في شبعا»، محمد الجرار، إننا مع عودة النازحين السوريين، ولكن «مع عودة مشرفة وبكرامة»، مضيفاً: «أغلب الموجودين هنا بيوتهم مدمرة في سوريا، فضلاً عن أنه لا سبيل للعمل هناك، ولا يستطيعون أن يتحركوا بحرية في قراهم بسبب حواجز النظام»، متابعاً: «بعد أشهر قليلة، سيدخل الشتاء، ولا مراكز إيواء تحميهم».
وعما إذا كان البعض يتعرض لتهديدات وضغوط، يقول الجرار: «بعض الراغبين بالعودة قالوا إنهم ينوون الذهاب لرؤية أملاكهم، ودراسة واقع الحال وإمكانية العيش، لكن قيل لهم: إذا غادرتم لا يمكن لكم العودة، بينما البعض الآخر يرغب بالعودة لأن وضعه هنا صعب، ولا يستفيد من الأمم المتحدة، ويدفع الإيجارات. وهناك فئة ثالثة ترغب بالعودة، فضلاً عن المحسوبين على النظام»، ويضيف: «للأسف، الذين غادروا لا يشجعون المنتظرين هنا على العودة، بالنظر إلى أنه لا فرص عمل، ولا مدارس ولا إنشاءات، إضافة إلى الغلاء الكبير بالمعيشة».
ولا ينفي الجرار أن تصريحات وزير الخارجية اللبنانية جبران باسيل بخصوص النازحين، وتأكيده أنه «لا عودة عن العودة»، أشعر الناس بحالة من الرهبة النفسية والمخاوف من إعادتهم بالقوة أو التضييق عليهم، فضلاً عن «شائعات يطلقها سوريون تدخل في إطار الترهيب النفسي، تتحدث عن تغييرات بالهويات السورية، ما يضعهم تحت خطر فقدان الجنسية في وقت لاحق». وإذ انتقد مبادرة بعض السوريين لتسجيل الأسماء، طالب بأن يُحصر التسجيل «بالسلطات الرسمية اللبنانية، كالأمن العام أو البلديات، ومنع أي أحد غير رسمي من التدخّل بالموضوع، وذلك لمنع المقربين من النظام من بث الشائعات أو فرض ضغوط نفسية على النازحين وتخويفهم».

ضغوط على المجتمع المضيف
وتظهر ملامح الضغوط الاقتصادية والاجتماعية بسهولة في شبعا. فالبلدة التي يسكنها في الشتاء نحو 8 آلاف شخص، و15 ألف صيفاً، استقبلت 8 آلاف سوري منذ بدء الحرب السورية، غادر منهم 482 في أبريل الماضي.
ويؤكد رئيس بلدية شبعا، محمد صعب، أن البلدية والفعاليات والأهالي «لم يترددوا منذ بدء وصول النازحين في رعايتهم ومساعدتهم واستقبالهم»، لكنه لا ينفي الضغوط الاقتصادية التي ترتبت على وجود أكثر من 7 آلاف نازح في البلدة، ويقول: «على سبيل المثال، كان عدد عمال النظافة في البلدية 7 موظفين قبل وصول النازحين. أما الآن فهناك 25 موظفاً، وهي تكلفة إضافية على البلدية»، فضلاً عن الضغوط في الخدمات، التي تشمل التغذية الكهربائية ومياه الشفة والنفايات وإمدادات الصرف الصحي. ويضيف: «الدول المانحة أعطت تقديمات للنازحين، لكنها لم تساهم في تنمية المجتمع المضيف هنا»، مشدداً على أن البلدية «تعمل باللحم الحي، وتمارس تقشفاً لخدمة الجميع»، لافتاً إلى أن التغذية الكهربائية عبر المولدات التي يدفع أبناء شبعا اللبنانيين بدلاً شهرياً لها «تقدم للسوريين بالمجان»، في حين تعمل البلدية على تنفيذ مشاريع تنموية، مثل توسعة الطرقات «لاستيعاب الضغط الجديد على الطرقات»، وحفر آبار لمياه الشفة، وتأمين الكهرباء حين تنقطع كهرباء الدولة، وتوسعة شبكات الصرف الصحي، وذلك «للتعامل مع الواقع المستجد، وإدارة الأزمة بجهود فردية، رغم الثقل الاقتصادي على البلدية وعلى المجتمع المضيف».
ويقيم هؤلاء في منازل يملكها لبنانيون، وتؤهلها الأمم المتحدة، لقاء مكوث السوريين فيها لفترة مؤقتة، ويستأجر سوريون آخرون بيوتاً يقطنون فيها. كما وفّرت «الجمعية الإسلامية» منازل لعائلات عاجزة ومعدومة، وآوت أيتاماً فيها بالمجان.
وتمثل عائلة عمر الساعدي واحدة من تلك العائلات. ويقضي الساعدي يومياته في شبعا مراقباً 4 أطفال من أحفاده يلهون أمام المنزل، فقد بات معيلاً لـ4 أطفال «تيتموا باكراً». وهو، على كبر سنّه ومعاناته الصحية، تحمّل مسؤولية رعاية متأخرة لأطفال قضى آباؤهم بسبب الحرب، ونزحوا وأمهاتهم إلى البلدة الحدودية، وباتوا أيتاماً لأبوين؛ أحدهما قتل بسقوط قذيفة على منزله في بيت جن، والثاني قتل حين علق بالثلج في أثناء محاولاته الفرار إلى شبعا في شتاء 2014.



مخاوف يمنية أمنية ومعيشية من دخول الحوثيين الحرب إسناداً لإيران

الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
TT

مخاوف يمنية أمنية ومعيشية من دخول الحوثيين الحرب إسناداً لإيران

الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)
الجماعة الحوثية تنشر صوراً عملاقة للمرشد الأعلى علي خامنئي في صنعاء عقب مقتله (رويترز)

يعيش اليمنيون في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، حالة من الترقب على وقع الحرب المشتعلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وتتزايد مخاوفهم من وصول آثار هذه المواجهة إليهم في حال ذهب الحوثيون إلى المشاركة فيها، والتسبب في مزيد من المعاناة على مختلف المستويات.

وبينما يبدي السكان في مناطق سيطرة الجماعة، قلقاً واضحاً من حدوث تأثيرات على الأوضاع الاقتصادية في ظل ما تشهده هذه المناطق من تدهور معيشي وخدمي، ظهرت ملامح نزوح من المدن الرئيسية أو داخلها، خصوصاً من المناطق القريبة من المواقع العسكرية والمقرات والمنشآت التابعة للجماعة، خوفاً من تعرضها للقصف.

وترتبط هذه المخاوف باحتمال عودة التوترات والاضطرابات إلى البحر الأحمر، على الرغم من أن الجماعة الحوثية لم تدخل المواجهة الدائرة حالياً في المنطقة، واكتفت بتصريحات وتلميحات بالمشاركة فيها، ووصف العملية الأميركية - الإسرائيلية بالانتهاك الصارخ لسيادة إيران والتجاوز الخطير للأعراف والقوانين الدولية.

وذكرت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط»، أن عدداً من الناشطين السياسيين والإعلاميين والأفراد المنتمين إلى الأحزاب أو المنظمات الحقوقية، لجأوا إلى مغادرة المدن الرئيسية التي تسيطر عليها الجماعة، والانتقال إلى منازل أقاربهم في الأرياف، أو في مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها خوفاً من اتهامهم بالتجسس، في حال مشاركة الجماعة في الحرب الدائرة.

مظاهرة حوثية في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء بعد مقتل علي خامنئي (إعلام حوثي)

ومقابل مغادرة هؤلاء الناشطين يعجز العشرات من نظرائهم وزملائهم عن الاقتداء بهم، نظراً لوضعهم تحت الإقامة الجبرية وإخضاعهم للرقابة وتقييد تحركاتهم.

هواجس الاعتقال والاتهام

في ظل هذه المخاوف والقيود الحوثية، يخضع العشرات من العاملين في الوكالات الأممية والمنظمات الدولية، إضافة إلى مئات من الناشطين السياسيين والحقوقيين للإقامة الجبرية وإجراءات رقابة مشددة، ويخشى هؤلاء من تعرضهم للاعتقال وتوجيه اتهامات لهم بالتجسس على غرار ما يواجهه نظراؤهم في السجون.

وتتضاعف هذه المخاوف في ظل الاتهامات للجماعة باتباع هذا النهج، لتأكيد مزاعمها بوجود مؤامرة كبرى عليها، وتبرير الخسائر التي تلحق بها، إلى جانب استغلالها سابقاً للضربات الأميركية والإسرائيلية لتوسيع حملات الاعتقالات وتبريرها.

السكان في مناطق سيطرة الحوثيين متخوفون من نقص الوقود جراء الحرب الإقليمية (رويترز - أرشيفية)

وكانت الجماعة الحوثية اعتقلت خلال الأعوام الماضية، عشرات العاملين في المنظمات الأممية والدولية، إضافة إلى عشرات آخرين من السكان في مختلف المهن والتخصصات، ووجهت لهم تهماً بالتجسس والتخابر لصالح دولاً خارجية، ونقل إحداثيات المواقع التي قصفتها الولايات المتحدة وإسرائيل.

وأصدرت محاكم حوثية أحكاماً قاسية، بحق عدد من هؤلاء المختطفين، بعد محاكمات وصفتها جهات حقوقية بغير العادلة والمسيسة.

واكتفى زعيم الجماعة الحوثية بإعلان وقوف جماعته مع إيران، وعدّ الحرب الأميركية - الإسرائيلية عليها استهدافاً مباشراً لـ«محور المقاومة»، مؤيداً الهجمات الإيرانية على مختلف الدول في المنطقة، وتوعد بمواصلة المواجهة مع إسرائيل، واستمرار «التأهب والاستعداد» لأي خيارات ضرورية تفرضها طبيعة المواجهة الحالية.

وكشفت مصادر أخرى لـ«الشرق الأوسط»، أن أعداداً كبيرة من العائلات بدأت التحضير للنزوح من قرب المعسكرات والمقرات الأمنية التابعة للجماعة الحوثية، خصوصاً تلك التي تعرضت للقصف الأميركي والإسرائيلي خلال العام الماضي، وأن أغلب هذه العائلات كانت ممن تعرضت مساكنها لأضرار أو تعرض بعض أفرادها لمخاطر ذلك القصف.

المخاوف تتزايد في أوساط اليمنيين من تصعيد الحوثيين حملات الاعتقالات واتهامات التجسس (إ.ب.أ)

واستهدفت إسرائيل بالضربات الجوية عدداً من المنشآت الحيوية والاقتصادية عدة مرات خلال العام الماضي، وتسببت ضرباتها في سقوط مدنيين وإصابة بنايات سكنية بأضرار متفاوتة، إلى جانب اغتيال عدد من قيادات الجماعة وتدمير مقرات ومنازل خاصة بها.

مخاوف السلامة والمعيشة

على الرغم من أن الضربات الأميركية استمرت نحو شهرين خلال ربيع العام الماضي، فإنه لم تُسجّل إصابات في أوساط المدنيين سوى في مرات معدودة وعلى نطاق محدود.

ويقول أحد السكان لـ«الشرق الأوسط» إنه، ومنذ بدء التحضيرات الأميركية - الإسرائيلية للحرب الجارية الآن، بدأ هو وعدد من أقاربه التحضير للانتقال إلى منازلهم في الريف، بعد أن عاشوا صدمة قاسية وأوقاتاً صعبة خلال استهداف الطيران الإسرائيلي لمقر الإعلام الحربي التابع للجماعة وسط العاصمة المختطفة صنعاء في سبتمبر (أيلول) الماضي، بسبب وقوع منازلهم هناك.

منذ سنوات تواصل الجماعة الحوثية إعلان تمسكها بدورها ضمن المحو الإيراني (إ.ب.أ)

من جهته، يبدي محمود، وهو طالب دراسات عليا في صنعاء، قلقاً شديداً من عودة الجماعة الحوثية للمواجهة مجدداً مع إسرائيل، نظراً لفقد أحد أصدقائه في استهداف إسرائيلي سابق، وتسبب تلك الحادثة في صدمة شديدة لوالدته وحالة طبية لم تتعافَ منها حتى الآن.

ويبين لـ«الشرق الأوسط»، أنه كان على موعد مع صديقه في مؤسسة بالقرب من المبنى لإجراء أبحاث خاصة بدراستهما، إلا أن تأخره عن الوصول إلى المكان أنقذه من مصير صديقه الذي أصيب في القصف وتوفي في الحال، وبمجرد سماع والدته بالحادثة تعرضت للإغماء ونُقلت إلى المستشفى، حيث اتضح تعرضها لجلطة دماغية.

وشهدت العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، وعدد من المدن التي تخضع لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الماضية، عودة للطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي، في حين شهدت الأسواق حركة شراء متزايدة، رغم عدم ظهور بوادر أزمات تموينية بعد أيام من اندلاع المواجهة العسكرية في الشرق الأوسط نهاية فبراير (شباط) الماضي.

مجمع الأمم المتحدة في صنعاء حيث اعتقل الحوثيون العشرات من موظفي المنظمة (رويترز)

وذكر شهود لـ«الشرق الأوسط»، أن الطوابير أمام محطات الوقود والغاز المنزلي ليست طويلة، وتشهد تفاوتاً بين حين وآخر ومن محطة لأخرى، وتضاعفت حركة الشراء في أسواق المواد الغذائية بشكل لم يكن مشهوداً منذ أشهر، بما في ذلك عند دخول شهر رمضان، بسبب تراجع القدرة الشرائية للسكان.

وطبقاً للمصادر، فإن الطوابير أمام محطات الوقود والغاز، ورغم أنها لم تكن طويلة أو شديدة الازدحام، فإن ظهورها في هذه الفترة يزيد من حالة القلق والترقب، ويدفع مزيداً من السكان إلى الالتحاق بها مع مرور الوقت.


زعيم الحوثيين يلوّح بالانخراط في الحرب إلى جانب إيران

حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
TT

زعيم الحوثيين يلوّح بالانخراط في الحرب إلى جانب إيران

حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)
حشد من الحوثيين في صنعاء يرفعون صور المرشد الإيراني علي خامنئي بعد مقتله (رويترز)

في تطور لافت في خطاب الجماعة الحوثية تجاه الحرب الدائرة بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، لوّح زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي، الخميس، بالانخراط في الحرب إلى جانب النظام الإيراني، مؤكداً أن مقاتليه «أيديهم على الزناد»، وأن الجماعة «ستتحرك في أي لحظة تقتضيها التطورات».

وجاءت تصريحات الحوثي، الخميس، خلال محاضراته الرمضانية اليومية؛ إذ أعلن الوقوف إلى جانب إيران. وقال إن الجماعة «تتحرك في مختلف الأنشطة، وأيديها على الزناد فيما يتعلق بالتصعيد والتحرك العسكري في أي لحظة تقتضي التطورات ذلك»، زاعماً أن المعركة الدائرة «هي معركة الأمة كلها».

وأشاد الحوثي في الوقت نفسه بما وصفها بـ«العمليات القوية» التي نفّذها «حزب الله» اللبناني، لافتاً إلى أن الفصائل العراقية الموالية لإيران «تواصل عملياتها العسكرية». كما دعا أنصاره إلى الخروج في مظاهرات حاشدة، الجمعة، في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الجماعة.

وتأتي هذه التصريحات بعد أيام من انتظار لافت في موقف الجماعة منذ اندلاع الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، وهو ما فسره مراقبون بحسابات سياسية وعسكرية معقدة تتعلق بمخاطر الانخراط المباشر في مواجهة إقليمية واسعة.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء داعمة للنظام الإيراني (أ.ف.ب)

ترسانة صاروخية

تحولت الجماعة الحوثية خلال السنوات الأخيرة من حركة تمرد محلية إلى قوة عسكرية تمتلك قدرات تسليحية متقدمة نسبياً، جعلتها إحدى أبرز أذرع إيران في المنطقة.

وتشير تقديرات مراكز دراسات عسكرية إلى أن الجماعة تمتلك ترسانة متنوعة من الصواريخ الباليستية والجوالة، بعضها مطور محلياً انطلاقاً من نماذج إيرانية على أيدي خبراء إيرانيين ومن «حزب الله» اللبناني.

وتشمل هذه الترسانة صواريخ بعيدة المدى مثل «طوفان»، الذي يُقدّر مداه بما يتراوح بين 1350 و1950 كيلومتراً، بالإضافة إلى صواريخ «فلسطين» الجوالة في نسخها المختلفة التي يمكن أن يصل مداها إلى نحو 2000 كيلومتر.

أحد الصواريخ ضمن ترسانة الحوثيين خلال استعراض في صنعاء (رويترز)

أما الصواريخ المتوسطة وقصيرة المدى فتشمل منظومات «بركان» المشتقة من عائلة الصواريخ الإيرانية «شهاب» و«قيام»، التي تصل مدياتها إلى نحو 1200 كيلومتر، إلى جانب صواريخ «بدر» قصيرة المدى.

كما طوّرت الجماعة صواريخ مضادة للسفن، مثل «عاصف» و«تنكيل»، وهي نسخ معدلة من صواريخ إيرانية مزوّدة برؤوس حربية ثقيلة، مما منح الحوثيين قدرة على استهداف السفن في البحر الأحمر وخليج عدن خلال مدة انخراطهم في الحرب على غزة.

سلاح المسيرات

تُعدّ الطائرات المسيرة الركيزة الأساسية في الاستراتيجية العسكرية للحوثيين، نظراً إلى انخفاض تكلفتها مقارنة بالصواريخ الباليستية وقدرتها على إحداث تأثيرات اقتصادية ونفسية كبيرة.

ومن أبرز هذه المنظومات طائرات «صماد» في نسخها المختلفة، ولا سيما «صماد-3» الانتحارية التي يصل مداها إلى ما بين 1500 و1800 كيلومتر، وقد طُورت نسخ منها لقطع مسافات أبعد. كما ظهرت نماذج أحدث مثل «صماد-4» القادرة على حمل ذخائر موجهة.

أحد أنواع الطائرات المسيّرة الحوثية التي تطلق عليها الجماعة «يافا» (إعلام حوثي)

وتستخدم الجماعة أيضاً طائرات «وعيد» الانتحارية التي تشبه إلى حد كبير الطائرة الإيرانية «شاهد-136»، ويُقدر مداها بما يتراوح بين 2000 و2500 كيلومتر. كما تنتشر طائرات «قاصف-2K» قصيرة المدى التي تستخدم بكثافة في العمليات التكتيكية.

ويقول خبراء عسكريون إن فاعلية هذه المسيرات لا تكمن في قدرتها التدميرية فقط، بل في قدرتها على إرباك الدفاعات الجوية وإحداث خسائر اقتصادية كبيرة عبر استهداف السفن أو المنشآت الحيوية بتكاليف منخفضة نسبياً.

قدرات بحرية

شهدت القدرات البحرية للحوثيين تطوراً ملحوظاً خلال العامين الماضيين؛ إذ أدخلت الجماعة بدعم من خبراء إيرانيين تقنيات جديدة تشمل الزوارق المسيرة والألغام البحرية المتطورة.

وتضم هذه القدرات زوارق انتحارية مسيرة مثل زورق «طوفان»، وهي زوارق سريعة محملة بمتفجرات يمكن التحكم بها عن بعد، بالإضافة إلى مركبات غاطسة مسيرة قادرة على استهداف السفن من الأسفل لتجاوز أنظمة الرصد السطحية.

كما يمتلك الحوثيون أنواعاً متعددة من الألغام البحرية التي تُزرع في الممرات الملاحية، وهو ما يشكّل تهديداً مستمراً لحركة التجارة الدولية في البحر الأحمر.

طوربيد بحري استعرضه الحوثيون ضمن ترسانة أسلحتهم الموجهة ضد الملاحة (إعلام حوثي)

وحسب تقديرات عسكرية، يعتمد الحوثيون على منصات إطلاق متنقلة مخفية داخل شبكة واسعة من الأنفاق والكهوف في مناطق شمال وغرب اليمن.

وإلى جانب ذلك يملك الحوثيون ترسانة من الأسلحة التقليدية موجهة باتجاه الداخل، مع وجود أكثر من 300 ألف مجند في صفوف الجماعة، فضلاً عن مسلحي القبائل الموالين حيث تنفق الجماعة معظم الموارد في مناطق سيطرتها على التجنيد والتعبئة منذ سنوات.

وكان رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، رشاد العليمي، قد وصف الجماعة بأنها «مسلحة حتى الأسنان» بأسلحة إيرانية محظورة دولياً، لافتاً إلى أنها تحولت من حركة تمرد محلية إلى «منظمة إرهابية عابرة للحدود» تمتلك ترسانة متطورة.

ويرى مراقبون أن أي قرار حوثي بالانخراط المباشر في الحرب الدائرة في المنطقة قد يفتح جبهة جديدة في البحر الأحمر، ويزيد من تعقيد المشهد الأمني في أحد أهم الممرات الملاحية في العالم.


الحكومة اليمنية تقرّ برنامج عمل شاملاً لعام 2026

مجلس الوزراء اليمني يناقش برنامج عمل الحكومة لعام 2026 (سبأ)
مجلس الوزراء اليمني يناقش برنامج عمل الحكومة لعام 2026 (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تقرّ برنامج عمل شاملاً لعام 2026

مجلس الوزراء اليمني يناقش برنامج عمل الحكومة لعام 2026 (سبأ)
مجلس الوزراء اليمني يناقش برنامج عمل الحكومة لعام 2026 (سبأ)

أقر مجلس الوزراء اليمني، مشروع برنامج عمل الحكومة لعام 2026، في خطوة وُصفت بأنها تمثل إطاراً تنفيذياً لمرحلة جديدة من الإصلاحات الاقتصادية والمؤسسية، وتعزيز الاستقرار السياسي والخدمي في البلاد، وذلك خلال اجتماع للحكومة في العاصمة المؤقتة عدن.

ويرتكز مشروع البرنامج على الالتزام بالهدف العام للدولة المتمثل في تحقيق الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي وتخفيف معاناة المواطنين، مع التركيز على انتظام دفع الرواتب، وترشيد الإنفاق العام، وحماية العملة الوطنية، وتهيئة الحد الأدنى من اليقين الاقتصادي لضمان استدامة الاستقرار وانعكاسه على حياة المواطنين.

وتترجم خطوة الحكومة اليمنية ما أفصح عنه رئيسها في حوار موسع مع «الشرق الأوسط بودكاست» غداة أداء حكومته اليمين الدستورية في فبراير (شباط) الماضي إنه يرنو لبناء حقيقي.

كما ينطلق البرنامج من رؤية سياسية وإدارية واضحة تهدف إلى تعزيز مؤسسات الدولة ورفع كفاءة الأداء الحكومي وإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، عبر حزمة إصلاحات هيكلية ومؤسسية شاملة تركز على تحسين الإدارة العامة وتعزيز الشفافية وربط الأداء الحكومي بمؤشرات قياس واضحة.

وحدد برنامج عمل الحكومة اليمنية لعام 2026 ست أولويات استراتيجية متكاملة تشكل الإطار العام للسياسات الحكومية خلال المرحلة المقبلة، في مقدمتها ترسيخ الاستقرار السياسي والأمني، وبسط سيادة الدولة على كامل التراب الوطني.

الحكومة اليمنية تواجه تحديات متشابكة على أصعدة الأمن والاقتصاد والخدمات (سبأ)

كما تشمل الأولويات تحقيق الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي، واستعادة النمو الاقتصادي المستدام والمنصف، إلى جانب الحفاظ على استدامة الخدمات الأساسية وتحسين جودتها وضمان عدالة الوصول إليها لجميع المواطنين.

وتضمنت الأولويات أيضاً تعزيز الحوكمة المؤسسية والتحول الرقمي وسيادة القانون، إضافة إلى دعم التماسك المجتمعي، وتمكين رأس المال البشري، فضلاً عن تعزيز الشراكة الفاعلة مع المجتمع الدولي، وتطوير علاقات التعاون التنموي والدبلوماسي بما يسهم في تحقيق التعافي والتنمية.

وأشاد مجلس الوزراء اليمني - بحسب الإعلام الرسمي - بجهود اللجنة الوزارية التي تولت إعداد البرنامج برئاسة وزير الإدارة المحلية، مؤكداً أهمية استيعاب الملاحظات التي قدمها أعضاء المجلس بهدف تطوير البرنامج وضمان قابليته للتنفيذ خلال الفترة المقبلة.

التزام وطني

أكد رئيس مجلس الوزراء اليمني الدكتور شائع الزنداني أن مشروع برنامج عمل حكومته لعام 2026 لا يمثل وثيقة نظرية أو إعلاناً سياسياً عاماً، بل يعد التزاماً وطنياً واضحاً أمام الشعب اليمني ومجلس القيادة الرئاسي والشركاء الإقليميين والدوليين.

وأوضح أن الحكومة تعمل وفق منهج واضح يقوم على تحديد الأولويات، وربط الأهداف بالإمكانات المتاحة، ضمن مقاربة واقعية تراعي الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية المعقدة التي تمر بها البلاد.

وأشار الزنداني إلى أن البرنامج يشكل الإطار التنفيذي الذي سيحول الموازنة العامة إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع، من خلال ترجمة التوجهات العامة للحكومة إلى برامج عمل محددة زمنياً ومرتبطة بمؤشرات أداء قابلة للقياس.

ولفت إلى أن إقرار البرنامج يأتي بعد أيام قليلة من إقرار مشروع الموازنة العامة للدولة للسنة المالية 2026، التي وصفها بأنها أول موازنة منتظمة منذ سنوات طويلة بعد أن فرضت الحرب وتعقيدات المرحلة واقعاً استثنائياً أربك أدوات التخطيط المالي، وأثر في انتظام المالية العامة.

وأكد أن إقرار الموازنة يمثل خطوة مهمة في مسار استعادة مؤسسات الدولة لدورها الطبيعي في إدارة الموارد العامة، وتحديد أولويات الإنفاق وفق رؤية مسؤولة ومنهج مؤسسي منضبط.

إصلاحات اقتصادية

أوضح رئيس الحكومة اليمنية أن البرنامج يستند إلى الإطار العام لخطة التعافي الاقتصادي لعامي 2025 – 2026، وإلى قرار مجلس القيادة الرئاسي بشأن أولويات الإصلاحات الاقتصادية، مع الاستفادة من التجارب السابقة، ومراجعة التحديات التي واجهت التنفيذ خلال المرحلة الماضية.

وأشار الزنداني إلى عزم حكومته مواصلة العمل على تعزيز الاستقرار الاقتصادي والمالي والنقدي من خلال ضبط الإنفاق العام وترشيده، وتعزيز الإيرادات العامة، إضافة إلى دعم دور البنك المركزي في حماية العملة الوطنية، وتحقيق الاستقرار النقدي.

الزنداني يترأس اجتماع مجلس الوزراء في العاصمة المؤقتة عدن (سبأ)

وتسعى الحكومة اليمنية بحسب رئيسها إلى استعادة التوازنات المالية، وكبح التضخم، وحماية القوة الشرائية للمواطنين، مع ضمان انتظام صرف الرواتب، وخلق قدر أكبر من اليقين الاقتصادي في الأسواق.

وأكد الزنداني اعتزام تطوير بيئة الأعمال، وتحفيز الاستثمار المحلي والأجنبي، ودعم القطاعات الإنتاجية والمشروعات الصغيرة والمتوسطة بما يسهم في خلق فرص عمل، وتحقيق نمو اقتصادي أكثر شمولاً واستدامة.

وفي هذا السياق، أشاد رئيس الحكومة بالدعم الذي تقدمه السعودية ضمن «تحالف دعم الشرعية»، مؤكداً أن المساندة المالية السعودية، خصوصاً دعم عجز الموازنة والمساهمة في تمويل الرواتب، شكلت ركيزة أساسية لصمود مؤسسات الدولة خلال مرحلة معقدة.

وأوضح الزنداني أن حكومته ملتزمة تحسين واستدامة الخدمات الأساسية للمواطنين، وفي مقدمتها خدمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب رفع الكفاءة التشغيلية لمؤسسات الخدمات، وإعادة تأهيل البنية التحتية في مختلف المحافظات.

وأشار إلى وجود أولوية خاصة للمناطق الأكثر تضرراً والفئات الأكثر احتياجاً، مشيراً إلى أن العاصمة المؤقتة عدن يجب أن تتحول إلى نموذج حقيقي للدولة من حيث مستوى الإدارة والخدمات والانضباط المؤسسي.

وفي إطار الإصلاح الإداري، شدد رئيس الوزراء اليمني على أن نجاح أي برنامج إصلاحي يتطلب إصلاحاً إدارياً حقيقياً يعزز الحوكمة المؤسسية وسيادة القانون، مشيراً إلى أن الحكومة ستعمل على تطوير الهياكل التنظيمية لمؤسسات الدولة وإصلاح نظام الموارد البشرية على أساس الكفاءة والجدارة.

وأوضح الزنداني أن الحكومة ستسعى إلى تبسيط الإجراءات الإدارية، وتعزيز التحول الرقمي في العمل الحكومي، إضافة إلى إنشاء لجنة عليا للإصلاح المؤسسي، وتعزيز الحوكمة بما يسهم في ترسيخ مبادئ الشفافية والمساءلة وربط الأداء بالنتائج.

تعزيز الشراكة الدولية

في سياق آخر، عقد رئيس الوزراء اليمني اجتماعاً عبر الاتصال المرئي مع رئيس بعثة الاتحاد الأوروبي لدى اليمن باتريك سيمونيه وعدد من سفراء الدول الأوروبية، حيث جرى بحث سبل تعزيز التعاون لدعم جهود الحكومة في تنفيذ برنامجها لعام 2026.

الزنداني اجتمع عبر الاتصال المرئي مع سفراء الاتحاد الأوروبي لمناقشة دعم حكومته (سبأ)

وأكد الاجتماع أهمية تكثيف الجهود الدولية لدعم مسار السلام والاستقرار في اليمن، وتعزيز التنسيق مع الشركاء الدوليين لدعم التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة.

وأعرب الزنداني عن تقديره للشراكة الاستراتيجية القائمة مع الاتحاد الأوروبي والدول الأوروبية، داعياً إلى توسيع مجالات التعاون لدعم الحكومة في مواجهة التحديات الاقتصادية والإنسانية الراهنة.

ونقل الإعلام الرسمي أن السفراء الأوروبيين أكدوا دعمهم الكامل للحكومة اليمنية وخططها للإصلاح، مشيدين بإقرار مشروع الموازنة العامة وبرنامج عمل الحكومة لعام 2026 بوصفهما خطوتين مهمتين في مسار الإصلاح المؤسسي، وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين.