معاناة العائدين من شبعا اللبنانية... تحبط الباقين

{الشرق الأوسط} ترصد أوضاع السوريين الهاربين من بيت جن

عمر الساعدي (58 عاماً) نازح يرعى نساء وأطفال العائلة في شبعا بعد مقتل اثنين من أبنائه بسبب الحرب
عمر الساعدي (58 عاماً) نازح يرعى نساء وأطفال العائلة في شبعا بعد مقتل اثنين من أبنائه بسبب الحرب
TT

معاناة العائدين من شبعا اللبنانية... تحبط الباقين

عمر الساعدي (58 عاماً) نازح يرعى نساء وأطفال العائلة في شبعا بعد مقتل اثنين من أبنائه بسبب الحرب
عمر الساعدي (58 عاماً) نازح يرعى نساء وأطفال العائلة في شبعا بعد مقتل اثنين من أبنائه بسبب الحرب

لا يكترث عمر الساعدي (58 عاماً) للدعوات المتزايدة الموجهة للسوريين النازحين في بلدة شبعا الحدودية مع سوريا، في جنوب شرقي لبنان، المطالبة بالعودة إلى بلدة بيت جن السورية، إثر استعادة النظام السوري سيطرته على البلدة الواقعة في جنوب غربي دمشق. بالنسبة إليه «لا شيء يشجع على العودة، بل ستزداد حالتي سوءاً»، بالنظر إلى غياب أي داعم أساسي للأسر المعدومة في بلدته السورية، حتى الآن، وهو في حاجة ماسة لدواء، له ولزوجته، ولشقيقتين طاعنتين في السن تحتاجان الدواء أيضاً، ولـ4 أطفال أيتام من أحفاده يحتاجون إلى الرعاية والاهتمام.
في منزل يسكنه 25 شخصاً، بينهم رجل واحد مريض هو عمر الساعدي، يمكث أيتام ومرضى. يصمد الساعدي في شبعا، من غير أن يتخذ قراراً بالمغادرة حتى الآن، ذلك أنه «من الصعب أن يعيل رجل واحد (ابنه الثالث الوحيد الباقي على قيد الحياة في العائلة) 10 أنفس، مرضى وأطفال»، علماً بأن الولد الباقي يعمل راعياً للماعز في بيت جن، ويرى أن العودة ستكون أكثر معاناة من معاناته هنا، حيث يتوجب تأمين دواء له ولزوجته بنحو 100 دولار شهرياً. ومع ذلك، لا يحمل بعض الأطفال أوراقاً ثبوتية، ما يعني أنه تستحيل عودتهم من دون باصات خضراء.
والساعدي ليس النازح الوحيد الذي تراجعت حماسته للعودة إلى بيت جن، بعد نحو شهرين على عودة الدفعة الأولى من النازحين إلى شبعا، البالغ عددها 482 شخصاً. فالأنباء التي تصل من بيت جن «غير مشجعة»، وهي العبارة التي تتردد على ألسن كثير من النازحين الذين يجمعون على أن بلدتهم «ينهشها الغلاء» و«تغيب فيها أي فرص للعمل»، فـ«البساتين يبست جراء الإهمال، ولا أفق لمساعدات أممية للعائدين»، في ظل معاناة الجميع من الفقر وسوء الأحوال، فضلاً عن المخاوف من اقتياد النظام السوري المطلوبين للخدمة الإلزامية.
لكن هذا الواقع يخالفه الراغبون بالعودة، مستندين إلى تجربة من سبقهم إلى بيت جن. ويسأل نازح يرغب بالعودة: «هل اقتاد النظام أياً من العائدين المطلوبين للخدمة، أو من المنشقين السابقين عن قواته؟»، من غير أن ينفي البطالة والغلاء في بلاده، وهي «واقع موجود في كل مكان».
وشبعا تحولت إلى وجهة للنازحين السوريين منذ بدء الحرب السورية، من بيت جن البعيدة مسافة 11 كيلومتراً إلى الضفة السورية، وقد بدأت باستقبال النازحين الذين وصلوا إليها سيراً على الأقدام وعلى ظهور البغال عبر طريق جبلي، توقفوا خلاله عند حاجز قوات الأمم المتحدة العاملة في الجولان (أندوف) التي زودتهم بالماء، وتحت أعين القوات الإسرائيلية في هضبة الجولان التي «لم تطلق النار علينا»، بحسب ما يقوله نازح، وذلك قبل الوصول إلى الأراضي اللبنانية حيث لم يمانع الجيش اللبناني عبورهم في ذلك الوقت، واستقبلتهم سيارات من أهالي شبعا نقلتهم إلى البلدة.

دفعة جديدة من العائدين
وأقلت 16 حافلة سورية، في أبريل (نيسان) الماضي، 482 نازحاً من بلدة شبعا وبعض قرى العرقوب المجاورة في جنوب لبنان إلى بلدتيهم، في بيت جن ومزرعتها في المقلب الشرقي من جبل الشيخ، المحاذية لهضبة الجولان المحتلة. وتحدث النازحون العائدون عن «ضمانات تلقوها بعدم اقتياد المطلوبين للخدمة العسكرية الإجبارية».
ولا يبالي الراغبون بالعودة في الدفعة الثانية، المتوقع عودتها في يوليو (تموز) المقبل إلى بيت جن، بالأنباء الواردة من الضفة السورية. فالنازح السوري أسعد قبلان يتحضر للعودة مع أفراد عائلته الخمسة وأطفالهم إلى بلدته السورية، رغم الأنباء عن تردي الأحوال في المنطقة السورية، ويقول: «سأعود مع بناتي الثلاث وابني الاثنين، وهما مطلوبان للخدمة الإجبارية». وإذ ينفي تلقيه ضمانات من دمشق حول اقتياد ابنيه (مواليد 1993 و1995) للخدمة الإلزامية، يكتفي بالقول: «سعري من سعر هالناس».
ويبدو قبلان متحمساً للعودة في الدفعة الثانية من المغادرين، ويقول: «البطالة التي يتحدثون عنها موجودة في كل مكان. أملك مساحة زراعية سأستصلحها وأتعيش منها، وأعمل فيها مع عائلتي»، لافتاً إلى وجود «ورشة إعادة إعمار في المنطقة لإصلاح البيوت المتضررة جراء الحرب»، ومشيراً إلى أن منطقة بيت جن ومزارعها «تتألف من آلاف الهكتارات الزراعية، وبساتين الزيتون والتفاح، التي تحتاج إلى رعاية لتجدد إنتاجها»، ومضيفاً: «الأفضل أن نعمل في أرزاقنا، ونستعيد حياتنا من جديد، بعد استقرار الوضع الأمني، عن أن نعمل في أرزاق الناس هنا».
وأنتجت جهود الدولة اللبنانية في تشجيع العودة الطوعية للنازحين إلى سوريا جدلاً واسعاً، وصل إلى حد الصدام بين وزارة الخارجية اللبنانية ومفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين، على ضوء الاتهامات الموجهة للمفوضية بـ«تخويف النازحين» من العودة، علماً بأن المفوضية قالت إنها معنية بالشأن الإنساني فقط.
وكان رئيس «التيار الوطني الحر»، النائب جبران باسيل، قد أكد بعد الاجتماع الدوري الأخير لتكتل «لبنان القوي» أن «ملف النزوح يزيد الأزمة الاقتصادية»، وقال: «لن يقوم لبنان اقتصادياً بوجود مليوني شخص، إضافة إلى اللبنانيين». وأضاف باسيل: «لم نطلب يوماً الترحيل القسري للشعب السوري، بل تطبيق القانون. وإذا كانت هناك جهة لا تريد التنازل، لأن هناك اتفاقاً سياسياً لم يعد قائماً، فلا أحد يستطيع أن يرغمها».
ولا ينفي النازحون في شبعا أن ممثلي المفوضية أبلغوا النازحين قبل مغادرة الدفعة الأولى بالوقائع القائمة. ويقول نازح رفض الكشف عن اسمه: «تم إبلاغنا بالواقع الذي يعاني منه العائدون اليوم لجهة البطالة وغلاء الأسعار وغياب المساعدات»، مضيفاً: «العائدون يؤكدون ذلك حين نتواصل معهم، وبعضهم نادم على العودة المبكرة قبل أن تتحسن ظروف الحياة».
ويتواصل سوريون موجودون في المنطقة مع النازحين الراغبين بالعودة، يسجلون أسماءهم ويقدمون القوائم للأمن العام اللبناني لترتيب إجراءات العودة لدى اكتمال الترتيبات. وبعد مغادرة الدفعة الأولى، لم تكتمل الدفعة الثانية بعد. ويقول نازح معني بالتواصل مع السوريين إن الأرقام الأولية «لا تزال مسودات، قابلة لتكون أقل أو أكثر»، وإنها حتى الآن «بالمئات»، مشدداً على أن مهمته «تقتصر على تسجيل الأسماء وتقديمها للأمن العام»، ومؤكداً أن مهمته ليست أكثر من «همزة وصل بين النازحين الراغبين بالعودة والسلطات المعنية بالترتيبات».
وفي حين تتحدث معلومات عن تخويف وتهديد يُمارس بحق المتراجعين عن تسجيل أسمائهم للعودة، يؤكد أن تلك المعلومات «عارية عن الصحة»، وهي «اتهامات غير صحيحة لأن النازحين غير مجبرين، وهي عودة طوعية في حال كان أحدهم راغباً»، مضيفاً: «لا صفة أمنية لي، أنا مجرد همزة وصل، والدليل أن الذين سجلوا أسماءهم قبل المغادرة في الدفعة الأولى كانوا أكثر من 500 شخص، وتراجع بعضهم عن العودة لأسباب شخصية، وكان له حرية الخيار».

العودة طوعية... وملاحظات
يكاد يجمع المعنيون بالملف على أن العودة طوعية، وأن أحداً لم يضغط على أحد لإجباره على العودة، رغم بعض الملاحظات التي يسجلها معنيون أيضاً ساهموا في إغاثة النازحين منذ عبورهم إلى شبعا قبل 5 سنوات، ولا يزالون يقدمون المساعدة لهم.
يقول مدير «الجمعية الإسلامية في شبعا»، محمد الجرار، إننا مع عودة النازحين السوريين، ولكن «مع عودة مشرفة وبكرامة»، مضيفاً: «أغلب الموجودين هنا بيوتهم مدمرة في سوريا، فضلاً عن أنه لا سبيل للعمل هناك، ولا يستطيعون أن يتحركوا بحرية في قراهم بسبب حواجز النظام»، متابعاً: «بعد أشهر قليلة، سيدخل الشتاء، ولا مراكز إيواء تحميهم».
وعما إذا كان البعض يتعرض لتهديدات وضغوط، يقول الجرار: «بعض الراغبين بالعودة قالوا إنهم ينوون الذهاب لرؤية أملاكهم، ودراسة واقع الحال وإمكانية العيش، لكن قيل لهم: إذا غادرتم لا يمكن لكم العودة، بينما البعض الآخر يرغب بالعودة لأن وضعه هنا صعب، ولا يستفيد من الأمم المتحدة، ويدفع الإيجارات. وهناك فئة ثالثة ترغب بالعودة، فضلاً عن المحسوبين على النظام»، ويضيف: «للأسف، الذين غادروا لا يشجعون المنتظرين هنا على العودة، بالنظر إلى أنه لا فرص عمل، ولا مدارس ولا إنشاءات، إضافة إلى الغلاء الكبير بالمعيشة».
ولا ينفي الجرار أن تصريحات وزير الخارجية اللبنانية جبران باسيل بخصوص النازحين، وتأكيده أنه «لا عودة عن العودة»، أشعر الناس بحالة من الرهبة النفسية والمخاوف من إعادتهم بالقوة أو التضييق عليهم، فضلاً عن «شائعات يطلقها سوريون تدخل في إطار الترهيب النفسي، تتحدث عن تغييرات بالهويات السورية، ما يضعهم تحت خطر فقدان الجنسية في وقت لاحق». وإذ انتقد مبادرة بعض السوريين لتسجيل الأسماء، طالب بأن يُحصر التسجيل «بالسلطات الرسمية اللبنانية، كالأمن العام أو البلديات، ومنع أي أحد غير رسمي من التدخّل بالموضوع، وذلك لمنع المقربين من النظام من بث الشائعات أو فرض ضغوط نفسية على النازحين وتخويفهم».

ضغوط على المجتمع المضيف
وتظهر ملامح الضغوط الاقتصادية والاجتماعية بسهولة في شبعا. فالبلدة التي يسكنها في الشتاء نحو 8 آلاف شخص، و15 ألف صيفاً، استقبلت 8 آلاف سوري منذ بدء الحرب السورية، غادر منهم 482 في أبريل الماضي.
ويؤكد رئيس بلدية شبعا، محمد صعب، أن البلدية والفعاليات والأهالي «لم يترددوا منذ بدء وصول النازحين في رعايتهم ومساعدتهم واستقبالهم»، لكنه لا ينفي الضغوط الاقتصادية التي ترتبت على وجود أكثر من 7 آلاف نازح في البلدة، ويقول: «على سبيل المثال، كان عدد عمال النظافة في البلدية 7 موظفين قبل وصول النازحين. أما الآن فهناك 25 موظفاً، وهي تكلفة إضافية على البلدية»، فضلاً عن الضغوط في الخدمات، التي تشمل التغذية الكهربائية ومياه الشفة والنفايات وإمدادات الصرف الصحي. ويضيف: «الدول المانحة أعطت تقديمات للنازحين، لكنها لم تساهم في تنمية المجتمع المضيف هنا»، مشدداً على أن البلدية «تعمل باللحم الحي، وتمارس تقشفاً لخدمة الجميع»، لافتاً إلى أن التغذية الكهربائية عبر المولدات التي يدفع أبناء شبعا اللبنانيين بدلاً شهرياً لها «تقدم للسوريين بالمجان»، في حين تعمل البلدية على تنفيذ مشاريع تنموية، مثل توسعة الطرقات «لاستيعاب الضغط الجديد على الطرقات»، وحفر آبار لمياه الشفة، وتأمين الكهرباء حين تنقطع كهرباء الدولة، وتوسعة شبكات الصرف الصحي، وذلك «للتعامل مع الواقع المستجد، وإدارة الأزمة بجهود فردية، رغم الثقل الاقتصادي على البلدية وعلى المجتمع المضيف».
ويقيم هؤلاء في منازل يملكها لبنانيون، وتؤهلها الأمم المتحدة، لقاء مكوث السوريين فيها لفترة مؤقتة، ويستأجر سوريون آخرون بيوتاً يقطنون فيها. كما وفّرت «الجمعية الإسلامية» منازل لعائلات عاجزة ومعدومة، وآوت أيتاماً فيها بالمجان.
وتمثل عائلة عمر الساعدي واحدة من تلك العائلات. ويقضي الساعدي يومياته في شبعا مراقباً 4 أطفال من أحفاده يلهون أمام المنزل، فقد بات معيلاً لـ4 أطفال «تيتموا باكراً». وهو، على كبر سنّه ومعاناته الصحية، تحمّل مسؤولية رعاية متأخرة لأطفال قضى آباؤهم بسبب الحرب، ونزحوا وأمهاتهم إلى البلدة الحدودية، وباتوا أيتاماً لأبوين؛ أحدهما قتل بسقوط قذيفة على منزله في بيت جن، والثاني قتل حين علق بالثلج في أثناء محاولاته الفرار إلى شبعا في شتاء 2014.



«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
TT

«اليونيسيف»: أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم

«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)
«اليونيسيف» تقول إن أطفال السودان في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم (رويترز)

قال ريكاردو بيريس، المتحدث باسم منظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسيف)، الثلاثاء، إن أطفال السودان «في قلب أكبر كارثة إنسانية في العالم» حالياً، محذراً من أن الوضع يزداد سوءاً يوماً بعد يوم.

وخلال المؤتمر الصحافي نصف الأسبوعي لوكالات الأمم المتحدة في جنيف، قال المسؤول الأممي إن 33.7 مليون شخص في جميع أنحاء السودان حالياً يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، نصفهم من الأطفال، مضيفاً أنه من المتوقع أن يعاني 825 ألف طفل من الهزال الشديد خلال هذا العام، بينما أصبحت أكثر من 70في المائة من المرافق الصحية معطلة.

وتابع بيريس قائلاً: «يجب على العالم أن يكف عن غض الطرف عن أطفال السودان».

وأشار إلى بيانات التصنيف المتكامل لمراحل الأمن الغذائي التي صدرت، يوم الجمعة الماضي، من 3 مناطق في ولاية شمال دارفور، والتي أظهرت «معدلات كارثية لسوء التغذية»، محذراً من أن الجوع الشديد وسوء التغذية يصيبان الأطفال أولاً. وأوضح أن هؤلاء أطفال تتراوح أعمارهم بين 6 أشهر و5 سنوات.

وقال إن أكثر من نصف الأطفال في مناطق شمال دارفور يعانون من سوء التغذية الحاد، مضيفاً: «لم يكن هذا مجرد توقعات أو نماذج، بل حقيقة مؤكدة».

وحذّر بيريس من أن الحرارة والإسهال وإصابات الجهاز التنفّسي والتغطية المحدودة لعمليات التطعيم ومياه الشرب غير الآمنة والأنظمة الصحيّة المنهارة، تحوّل أمراضاً قابلة للعلاج إلى «أحكام بالإعدام لأطفال يعانون بالأساس من سوء التغذية».

وتابع أن «القدرة على الوصول تتضاءل والتمويل شحيح إلى حد يصيب باليأس والقتال يشتد... يجب السماح بالوصول الإنساني، وعلى العالم أن يتوقف عن غضّ الطرف عن أطفال السودان».

في السياق نفسه، حذّرت الأمم المتحدة من أن الوقت ينفد أمام الأطفال الذين يعانون سوء التغذية في السودان داعية العالم إلى «التوقف عن غض الطرف» عن المأساة.

وتنتشر المجاعة في إقليم دارفور بغرب السودان، وفق ما حذّر خبراء مدعومون من الأمم المتحدة، الأسبوع الماضي، في وقت خلّفت الحرب المتواصلة بين الجيش و«قوات الدعم السريع» ملايين الجياع والنازحين المحرومين من المساعدات.

ويفيد خبراء الأمن الغذائي العالمي بأنه تم تجاوز عتبة المجاعة التي تشير إلى سوء التغذية الحاد في منطقتين إضافيتين في شمال دارفور هما أم برو وكرنوي

ومن جانبه، قال ممثّل منظمة الصحة العالمية في السودان شبل صهباني إن البلاد «تواجه تفشي عدة أوبئة بينها الكوليرا والملاريا وحمى الضنك والحصبة، إضافة إلى سوء التغذية».

وأضاف متحدثاً إلى الصحافيين أن العاملين في قطاع الصحة والبنية التحتية الصحية باتوا في مرمى النيران بشكل متزايد.

ومنذ اندلاع الحرب، تحققت منظمة الصحة العالمية من وقوع 205 هجمات على قطاع الرعاية الصحية، ما تسبب بمقتل 1924 شخصاً.

وتزداد الهجمات دموية كل عام. في 2025، تسبب 65 هجوماً بسقوط 1620 قتيلاً. وفي أول 40 يوماً من هذا العام، تسببت 4 هجمات بمقتل 66 شخصاً.

وتزداد حدة القتال في منطقة كردفان (جنوب).

وقال صهباني: «علينا أن نتحرّك بشكل استباقي، وأن نُخزّن الإمدادات مسبقاً، وأن ننشر فرقنا على الأرض لنكون مستعدين لأي طارئ».

وأضاف: «لكن كل هذا التخطيط للطوارئ... ليس سوى قطرة في بحر».


بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
TT

بعد 15 عاماً على تنحيه... أي إرث بقي من حكم مبارك في مصر؟

الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)
الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك (رويترز)

«له ما له وعليه ما عليه»... كلمات باتت تلازم ذكر اسم الرئيس المصري السابق الراحل حسني مبارك، حتى بعد مرور 15 عاماً على تنحيه من منصبه رئيساً للجمهورية إثر «أحداث 25 يناير» (كانون الثاني) عام 2011.

وعلى الرغم من مرور سنوات طوال، فلا يزال إرثه السياسي والاجتماعي والاقتصادي قائماً، سواء من خلال «دولة المؤسسات»، أم عبر عودة رموز من نظامه إلى المشهد العام.

كان يوم 11 فبراير (شباط) عام 2011 يوماً تاريخياً في مصر حين خرج نائب رئيس الجمهورية آنذاك اللواء عمر سليمان ليعلن في بيان متلفز مقتضب قرار مبارك «تنحيه عن منصب رئيس الجمهورية، وتكليف المجلس الأعلى للقوات المسلحة بإدارة شؤون البلاد»، عقب ما وصفه بـ«الظروف العصيبة» التي تمر بها البلاد.

جنازة رسمية للرئيس السابق حسني مبارك في فبراير 2020 (الشرق الأوسط)

وجاء قرار مبارك في أعقاب احتجاجات شعبية اندلعت في 25 يناير 2011، وأشاع تنحيه «فرحة» بين الجموع المحتشدة في الشوارع، والذين عدُّوه يلبي مطالبهم آنذاك بـ«إسقاط النظام».

لكن السنوات التي تلت ذلك وما صاحبها من أحداث سياسية واقتصادية محلية وإقليمية دفعت نحو إعادة قراءة فترة حكم مبارك التي استمرت 30 عاماً، وسط تداول مقاطع فيديو على وسائل التواصل تعكس مواقف الرئيس المصري السابق الذي توفي عام 2020.

«دولة المؤسسات»

حملت تجربة مبارك في الحكم «إيجابيات وسلبيات»، بحسب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو الشوبكي، الذي يرى أن تنحيه عن الحكم «كان يمكن أن يدفع لتغيرات إيجابية لو تم التعامل معه بوعي من جانب المحتجين».

وأضاف الشوبكي لـ«الشرق الأوسط»: «نظام مبارك كان يحمل فرصاً للإصلاح من داخله عبر مؤسسات راسخة ومسار دستوري قانوني واضح»، مشيراً إلى أنه «يختلف عن النظم في دول مجاورة شهدت احتجاجات».

وقال: «المحتجون، لا سيما تنظيم (الإخوان) أهدروا فرصة إصلاح النظام من الداخل؛ ما أحدث خللاً أربك المشهد السياسي في مصر مدة من الوقت».

وشهدت المرحلة التالية لتنحي مبارك استفتاءً على الدستور وانتخابات رئاسية أوصلت تنظيم «الإخوان» إلى الحكم، قبل أن يُطاح به عقب احتجاجات عام 2013، وتدخل مصر حرباً ضد «الإرهاب» وضد التنظيم الذي تصنّفه السلطات «إرهابياً».

وتُعد «دولة المؤسسات» أبرز إرث باقٍ من عهد مبارك، بحسب مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير حسين هريدي الذي قال لـ«الشرق الأوسط» إن مبارك «بنى دولة مؤسسات، ولم يختزل الحكم في شخصه، وهو ما حمى مصر من مصير دول مجاورة شهدت سقوط نظام الحكم».

ويرى هريدي، الذي عاصر مدة حكم مبارك عن قرب بحكم عمله في وزارة الخارجية، أن إرثه باقٍ في مجالات عدة «بدءاً من مؤسسات دولة راسخة وعميقة، مروراً بمشروعات بنية تحتية لا تزال فاعلة وموجودة، وخطوات إصلاح اقتصادي جنت مصر عوائدها، وأسس واضحة لعلاقات مصر الدولية والعربية ما زالت قائمة».

مبارك على نقالة طبية عقب حصوله عام 2017 على حكم البراءة في اتهامه بقتل المتظاهرين (رويترز)

وكانت «دولة المؤسسات» تلك وصناعة «رجل دولة» من أهم أسباب عودة كثير من رموز نظام مبارك إلى المشهد السياسي رغم حالة الاحتقان ضدهم التي ميزت المرحلة التي تلت تنحي مبارك عن السلطة، وامتدت طوال مدة محاكمته ونجليه جمال وعلاء، ليتحول الرفض والنقد إلى احتفاء واضح بظهور نجلي الرئيس الأسبق في أماكن ومناسبات عامة.

وأثار افتتاح «المتحف المصري الكبير» في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي جدلاً عقب تصدر رموز نظام مبارك للمشهد بوصفهم «رعاة للحفل»، وعلى رأسهم رجل الأعمال هشام طلعت مصطفى، ورجل الأعمال أحمد عز الذي كان عضواً بلجنة سياسات «الحزب الوطني» إبان حكم مبارك.

وفي أغسطس (آب) 2024، عاد يوسف بطرس غالي وزير المالية الأسبق إلى المشهد السياسي بعد إدراج اسمه في تشكيل «المجلس التخصصي للتنمية الاقتصادية». ولا يزال كثيرون آخرون من رموز نظام مبارك يشكلون جزءاً رئيسياً في المشهدين السياسي والاقتصادي، سواء رجال أعمال أم أعضاء برلمان أو حكومة.

محطات فارقة

وُلد محمد حسني مبارك في الرابع من مايو (أيار) عام 1928 في كفر مصيلحة بمحافظة المنوفية في دلتا مصر، وتولى رئاسة البلاد عقب اغتيال الرئيس محمد أنور السادات عام 1981؛ لكن إرثه السياسي يسبق مدة رئاسته.

ويبرز هريدي محطات فارقة في حياة الرئيس الراحل، من بينها «دوره العسكري في إعداد جيل من الطيارين المهرة بصفته مديراً للأكاديمية الجوية بعد حرب عام 1967، إضافة إلى دوره في حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973 قائداً للقوات الجوية».

ويشير هريدي إلى «دوره السياسي نائباً للرئيس، ثم رئيساً تولى شؤون البلاد في فترة عصيبة، واستطاع ضبط الأحوال عربياً وإقليمياً وداخلياً». وقال: «هذه الأدوار باقية كإرث عسكري وسياسي لرئيس حاول كثيرون التقليل من إنجازاته، لكن التاريخ أنصفه».

ويقول عمرو الشوبكي: «بعد 15 عاماً يتذكر مصريون مبارك بالخير، لا سيما مواقفه الوطنية في دعم القضية الفلسطينية، وحرصه على المواطن البسيط».

وتبرز هذه الرؤية بين الحين والآخر عبر تعليقات ومنشورات يجري تداولها عبر منصات التواصل الاجتماعي «تعيد قدراً من الاعتبار لنظام مبارك الذي كان يحمل داخله عناصر الإصلاح»، وفق الشوبكي.


مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر تطالب بتسوية سلمية وتوافقية بين أميركا وإيران

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره الإيراني عباس عراقجي في القاهرة العام الماضي (الخارجية المصرية)

في وقت تعوِّل فيه أطراف إقليمية على إمكان إحراز تقدم ملموس في المفاوضات الأميركية - الإيرانية عقب جولة استكشافية عُقدت، الجمعة الماضي، شددت مصر على أهمية التوصل إلى تسوية سلمية توافقية بين واشنطن وطهران، بما يمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة.

وجاء ذلك خلال اتصال هاتفي تلقّاه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي من نظيره الإيراني عباس عراقجي، مساء الاثنين، في إطار اتصالات مكثفة تجريها القاهرة بصورة شبه يومية مع الأطراف المعنية بالمسار التفاوضي بين الولايات المتحدة وإيران.

وأكد عبد العاطي أهمية «مواصلة مسار المفاوضات بين الجانبين الأميركي والإيراني، وصولاً إلى تسوية سلمية وتوافقية تعالج شواغل جميع الأطراف، على أساس الاحترام المتبادل والمنفعة المشتركة»، مشدداً على «ضرورة تجاوز أي خلافات خلال هذه المرحلة الدقيقة»، وعلى أن «الحوار يظل الخيار الأساسي لتفادي أي تصعيد في المنطقة»، وفق بيان لوزارة الخارجية المصرية.

وكان دبلوماسيون أميركيون وإيرانيون قد عقدوا محادثات غير مباشرة بوساطة عُمانية في مسقط، الأسبوع الماضي، في محاولة لإحياء المسار الدبلوماسي، بعد أن أرسل الرئيس الأميركي دونالد ترمب تعزيزات بحرية إلى المنطقة؛ ما أثار مخاوف من عمل عسكري جديد. وأطلع عراقجي نظيره المصري، خلال الاتصال، على تطورات جولة المفاوضات الأخيرة.

ويرى الخبير في الشؤون الإيرانية بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، محمد عباس ناجي، أن تعدد الاتصالات بين مسؤولين مصريين وإيرانيين خلال الأيام الماضية يهدف إلى «تقديم أفكار يمكن أن تسهم في الوصول إلى نقاط تلاقٍ مشتركة بين طهران وواشنطن»، مضيفاً أن «القاهرة تسعى لمنع اندلاع حرب جديدة في المنطقة ستكون إسرائيل المستفيد الأول منها، ومن ثم ستتضرر منها بقية الأطراف الفاعلة في المنطقة، وستقود كذلك إلى أزمات اقتصادية وتهديدات للملاحة في البحر الأحمر والمناطق التي لدى إيران نفوذ فيها».

وأضاف ناجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «تستفيد مصر من وجود علاقات جيدة مع الأطراف الرئيسية في الأزمة خصوصاً مع تحسُّن العلاقات مع إيران، إلى جانب المشاورات المستمرة بين الوزير عبد العاطي ومبعوث الرئيس الأميركي ستيف ويتكوف، إلى جانب العلاقة القوية مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، والتنسيق مع الأطراف الإقليمية والعربية الفاعلة بشأن منع الارتدادات السلبية للتصعيد الراهن».

اتصالات مصرية تستهدف إنجاح الجهود الدبلوماسية بين إيران والولايات المتحدة (الخارجية المصرية)

وفي السياق نفسه، أجرى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي اتصالاً هاتفياً مع نظيره الإيراني مسعود بزشكيان، الأسبوع الماضي، بالتزامن مع انطلاق المفاوضات، مؤكداً دعم مصر الكامل لها، ومشدداً على أنه «لا توجد حلول عسكرية لهذا الملف، وأن السبيل الوحيد يتمثل في الحوار والتفاوض بما يراعي مصالح جميع الأطراف».

كما حرص وزير الخارجية العُماني بدر البوسعيدي على إطلاع عبد العاطي على مجريات المفاوضات، بالتوازي مع اتصالات أجرتها القاهرة مع المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل غروسي.

وكان التصعيد الأميركي - الإيراني حاضراً أيضاً في مؤتمر صحافي عقده عبد العاطي مع نظيره السنغالي شيخ نيانغ، حيث كشف عن «توجيهات يومية ومستمرة من الرئيس السيسي بشأن الملف الإيراني»، في إطار العمل على منع أي تصعيد جديد.

وأكد عبد العاطي أن هذه التحركات تتم «بتنسيق كامل مع السعودية وقطر والإمارات وتركيا وسلطنة عمان»، في سياق حرص مصر على دعم الأمن والاستقرار الإقليمي.

وأوضح ناجي أن القاهرة تستهدف البناء على أجواء أكثر إيجابية بعد استئناف المفاوضات، مع التعويل على إمكان عقد جولات جديدة قريباً، لا سيما مع زيارة أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني علي لاريجاني إلى مسقط، مرجحاً أن تحمل الزيارة رداً إيرانياً على أفكار أميركية طُرحت في الجولة الأولى، لكنه في الوقت نفسه وصف المشهد الحالي بأنه «تخفيض حذر للتصعيد»، في ظل استمرار الحشد العسكري الأميركي، ومساعي إسرائيل للتأثير في المسار التفاوضي، مع بقاء فجوات واسعة بين واشنطن وطهران.

وأشار ناجي إلى أن العودة إلى «اتفاق القاهرة» الموقَّع، العام الماضي، بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية قد تبقى خياراً مطروحاً إذا جرى التوصل إلى صفقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما يتيح تطوير آليات التفتيش بما يتلاءم مع التطورات الحالية.