«السرقات الأدبية» هاجس يؤرق الأدباء.. ومطالب بتطبيق حازم للملكية الفكرية

تعددت الحيل والأدوات.. والجريمة واحدة

«دار الفكر العربي» أصدرت خلال ثلاث سنوات 154 كتابا هيمن عليها الشباب
«دار الفكر العربي» أصدرت خلال ثلاث سنوات 154 كتابا هيمن عليها الشباب
TT

«السرقات الأدبية» هاجس يؤرق الأدباء.. ومطالب بتطبيق حازم للملكية الفكرية

«دار الفكر العربي» أصدرت خلال ثلاث سنوات 154 كتابا هيمن عليها الشباب
«دار الفكر العربي» أصدرت خلال ثلاث سنوات 154 كتابا هيمن عليها الشباب

تشكل ظاهرة السرقات الأدبية على المستويين الثقافي والإعلامي، ظاهرة تؤرق الأدباء والمثقفين السعوديين، في ظل الحاجة لتعزيز الجانب التشريعي المحلي لتجريم ومعاقبة التجاوزات على المنتج الفكري والأدبي. يُضاف إلى ذلك ما تشهده قاعات المحاكم واللجان المختصة من خصومات حول الملكية الفكرية.
واعتبر عدد من الأدباء والمثقفين السعوديين أن السرقات الأدبية باتت تفاجئهم عبر ما يرصدونه من تجاوزات، سواء بالاقتباس أو الاختصار أو الاستيلاء على موروثهم الأدبي والفكري، معتبرين أن السرقات الأدبية في محتواها المعنوي أصعب ما يمكن أن يتعرض له المبدع في إنتاجه الأدبي، مطالبين الكثير منهم بضرورة تطبيق حقوق الملكية الفكرية، التي تحفظ حقوق الناشر في أي مكان، مجمعين على ضرورة مواكبة حركة حماية هذه الحقوق عالميا، وكان التأخر عن ركبها سببا في مفاقمة مسألة السرقات الأدبية محليا.
عبده خال: من يحمي المؤلف؟
من جانبه، بيَّن الروائي السعودي عبده خال، أنه يفترض أن يكون هناك واقع قانوني يحمي المؤلف، وينتصر لقضاياه وحقوقه في حال تعرض منتجه الفكري لسرقة، مشيرا إلى أن الواقع التشريعي المعمول به محليا لا يوجد كواقع قانوني، وإنما كبنود قانونية تصف الظاهرة دون انتصار لصاحب الحق (المؤلف).
وأوضح خال أنه ظهرت أخيرا بنود قانونية، لكنها لم تنتصر للمؤلف، وإن انتصرت في الداخل، ضاعت في الخارج؛ كون معظم الكُتَّاب السعوديين يقومون بالطباعة خارج المملكة في دور طباعة خارجية، مؤكدا أنه لا توجد جدية لحماية المؤلف، وذلك ليس في السعودية فقط، وإنما هذه مشكلة عامة في العالم العربي، الذي يعاني إهمالا وإهدارا لحقوق المؤلفين.
وقال خال: «إن البنود الثانوية في الحقوق الفكرية لم تستطع حتى الآن الانتصار للمؤلف»، مبينا أن الكثير من المؤلفين الأوروبيين يشكون من السطو على أعمالهم وترجمتها إلى العربية، وتحويلها إلى أعمال درامية، وهذا ما رأيناه في كتابات المؤلف العالمي ماركيز، الذي يشكو ترجمة أعماله الروائية إلى اللغة العربية من دون إذن منه.
وعن الأمور التي يمكن أن يخسرها المؤلف جراء سرقة أعماله، أكد خال أن الخسائر المادية شيء لا يُذكر بجانب الأمور الأخرى، ووصف هذه الخسائر بأنها هزيلة؛ كون المنتج في العالم العربي، سواء كان كاتبا أو مؤلفا يعاني قلة المردود، مبينا أن الخسائر الكبيرة تكون في القيمة، وعدم احترام ملكية المؤلف، وعدم إعطاء الكاتب قيمته المعنوية، فكتاب واحد في أوروبا يمكن أن يصنع المعجزات لمؤلفه، بينما في الوطن العربي قد لا يتمكن مؤلف من استرداد قيمة الطباعة.
وأكد أن الإشكالية ليست مادية بقدر ما هي حماية لحقوق واحترام لإنتاج أدبي إبداعي، والمشكلة أن السرقات الفكرية تعد - في نظر الكثيرين - نقلا للمعلومة ونشرا للخير، وهذا ما ترسخ في الثقافة العربية.

* جنحة ثقافية
وفي السياق ذاته، يقول سعود البلوي، كاتب رأي بصحيفة «الوطن»، وعضو الجمعية السعودية لكتَّاب الرأي: «بالنسبة للسرقات المتعلقة بمقالات الرأي، أقل ما يمكن أن توصف به أنها جنحة ثقافية، على الرغم من أن السرقة عموما، سواء كانت أدبية، أم علمية، أم فكرية جريمة متجاوزة لكل القوانين والأعراف والأخلاقيات المتعلقة بحقوق الملكية الفكرية وأخلاقيات الإعلام».
وأشار البلوي إلى تعرضه لحادث سرقة أدبية، تمثل في السطو على أحد مقالاته، موضحا أن تلك الحادثة كشفت له تعرض كثير من زملاء المهنة لما تعرض له من سطو على منتجهم الأدبي والفكري.
ولفت البلوي إلى أن ما توفره وسائل الاتصال الحديثة وشبكات الإنترنت سهَّل الوصول إلى المعلومة وإمكانية الاستيلاء عليها بطرق غير مشروعة، مؤكدا أن كشف عمليات «السطو الفكري» أصبح متاحا بفضل التقنيات الحديثة التي تكشف هويات لصوص الكلمات والأفكار.
وشدد على ضرورة تكريس مبادئ الملكية الفكرية في الأوساط التربوية والثقافية والإعلامية، عبر غرس أخلاقيات العلم والعمل الإعلامي، وقال: «ربما أستطيع الذهاب إلى أبعد من ذلك، بالقول إنه يمكن من خلال إقرار برامج محو الأمية الإعلامية (التربية الإعلامية) في المناهج الدراسية الارتقاء بالعمل الإعلامي مهنيا وأخلاقيا؛ إذ إن تعليم الإعلام في المراحل التأسيسية يحقق أهدافا عدة، منها وجود الاحترافية والمهنية لدى إعلاميي المستقبل، وتكوين المهارات اللازمة لديهم للتعامل مع الإعلام، ومساعدتهم كذلك على قراءة الرسائل الإعلامية، وتحليل مضامينها، واستقاء المعلومات وردها إلى مصدرها، وبالتالي نشأة حد معقول من المصداقية التي قد تحد من ظاهرة السرقات العلمية والأدبية والفكرية في الصحافة والإعلام تحديدا».

* «سرقة خيرية»
وأكد الأديب محمد زايد الألمعي، أن أسوأ من يتعرض لعمليات السرقات الفكرية هم الكتاب؛ حيث إن الفنانين والموسيقيين أكثر من يجري الحفاظ على إبداعهم، خاصة من خلال «يوتيوب»، أو توثيق هذه الأعمال بكاميرا فيديو، فهم لا يعانون السرقات كغيرهم من المبدعين الذين يجري سرقة أفكارهم، منتقدا نظرة المجتمع إلى هذه السرقات باعتبارها فعلا للخير، وتبادلا للمنفعة والمعلومة، حيث قال إنها متاجرة بالحقوق، وهذا ما نراه من استفادة الكثير من الشركات من جمع المعلومات من كتب أخرى وبيعها.
وأضاف أن خسارة المؤلف قضية الملكية الفكرية لا تقتصر فقط على الخسارة المادية، وإنما هي خسارة مركبة تؤدي إلى انقطاع علاقته بعمله الإبداعي منذ السرقة الأولى، وعند التسامح في هذه القضية يجري الاستمرار في هذه الانتهاكات الخاصة بحقوق المؤلف، في حال إهمال الدولة هذه السرقات، فهو ميراث الأديب الذي يجب أن يحافظ عليه من أيدي العابثين، حيث يجري بيعه والاتجار به، مضيفا أن الكتب أوعية للمعلومات، وهي أكثر ما يمكن أن يتعرض للسرقة من الأعمال الإبداعية.
وشدد الألمعي على ضرورة وجود قوانين صارمة ورادعة لحماية الملكية الفكرية في البلاد العربية والسعودية، وأن تكون هناك توعية كافية في الأوساط الثقافية بثقافة الحقوق، مبينا أن المنتج الأدبي والثقافي يحتاج دعما كبيرا من قبل وزارة الثقافة والإعلام لتعريف المثقفين بحقوقهم، وكذلك سن قوانين صارمة وعقوبات وغرامات على من يتعدى على الملكية الفكرية لغيره.
وأضاف: «إن مشكلتنا في العالم العربي أننا نهتم بالملكية الفكرية على الورق فحسب؛ إذ اهتمت بعض الدول العربية منذ وقت طويل بوضع قوانين صارمة تتعلق بمسائل الملكية الفكرية، في دول المغرب العربي، خاصة تونس، كما أن كثيرا من الدول العربية توقع الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق الملكية الفكرية إثر الاتفاقات، دون أن نجد ثقافة احترام الملكية الفكرية».
* المحامي القاروب: السعودية تمتلك قوانين رادعة لحماية الملكية الفكرية
* أشار المحامي ماجد قاروب، إلى أن القوانين الرادعة للملكية الفكرية في السعودية موجودة بشقيها الأدبي والصناعي، وهي متوافرة منذ سنوات طويلة، منها نظام العلامات التجارية، وحماية حقوق المؤلف، وبراءة الاختراع، وغيرها من الأنظمة التي شهدت عبر سنوات طويلة تجديد وتحديث وصدور أنظمة جديدة لاستكمالها، والتي اكتملت قبل سبع سنوات عند انضمام السعودية إلى منظمة التجارة العالمية، وكان من شروط انضمامها، اكتمال المنظومة التشريعية فيما يخص قوانين ولوائح الملكية الفكرية، وعلى أثرها جرى انضمام المملكة إلى عضوية المنظمة العالمية للملكية الفكرية؛ حيث أصبحت القوانين في السعودية متوافقة مع الأنظمة العالمية بإقرار جميع دول العالم.
وأكد قاروب أن هناك ضعفا كبيرا في ثقافة الحقوق، مشيرا إلى أن السعودية لديها جميع القوانين الرادعة، من عقوبات وغرامات وإتلاف ومصادرة، بالإضافة إلى قوانين التشهير والمخالفات وقضايا التعويضات، مؤكدا أن نضوج الأفكار في هذا المجال لا يأتي إلا من خلال الاستثمار في التعليم، ونشر الثقافة الحقوقية، وذلك يحتاج جهدا ووقتا.
وشدد قاروب على حرص السعودية للحفاظ على الملكيات الفكرية، من خلال سن القوانين واللوائح وتجنيد كافة طاقاتها لتعزيز فكرة الملكية الفكرية في القطاعات المختلفة، على الرغم من تعددية الإنجازات الفكرية، وأبواب المعرفة، ووسائل الاتصال؛ ما يتطلب أن تكون هناك قوانين صارمة في هذا المجال، يجري تحديثها وفقا لكل ما هو جديد.
من جانبها بينت الدكتورة ملحة عبد الله، الأديبة والكاتبة المسرحية السعودية، أنها بصفتها عضوا في الحماية الفكرية التابعة لجامعة الدول العربية، يمكنها القول إنه لا توجد هناك - في العالم العربي - أي قوانين تحمي المبدع والمفكر، وإن وجدت هذه القوانين، فإنه لا يجري تفعليها بالشكل المطلوب.
وقالت: «يعد ذلك نوعا من السطو الأدبي غير العادي على الأفكار، خاصة السينما والمسرح، وكذلك الرسائل العلمية»، مؤكدة تعرض بعض أعمالها للسطو والتقليد والاقتباس، وأنها اكتفت بالاعتذار والاعتراف بملكيتها الفكرية لمنتجاتها.
وزادت: «هناك حالات سطو على السينما العالمية، وسرقة للأفكار، وتحويلها إلى سينما عربية بشكل واضح، دون أي رقابة، وهذه الحالة تسمى لدى النقاد (قلب الجراب)، ولا يمكن أن تكتشف إلا من قِبَل النقاد، والمبدع نفسه الذي يكتشف السرقة».
وذهبت ملحة عبد الله إلى القول: «إن الحل يكمن في أن تقوم جامعة الدول العربية ووزارة الثقافة والإعلام في المملكة بوضع قوانين رادعة للملكية الفكرية، وأن تكون موضوعية وشفافة، ونحن المثقفين لا نريد أخذ حقوقنا عن طريق المحاكم؛ لصعوبة استرجاع الحقوق من هذه الأماكن؛ ولكن يجب أن يجري استرجاع الحقوق عن طريق مختصين بمجال الملكية الفكرية؛ حتى يستطيع كل مؤلف الاطمئنان على مؤلفه».



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.