الخلاف الروسي ـ الإيراني... تحضير لحوار واسع حول تسوية في سوريا

مصدر من موسكو لـ {الشرق الأوسط}: إيران أكثر مرونة للحديث عن {تقليص} وليس إنهاء الوجود

فنان غرافيتي ينجز جدارية فوق مبنى هدمته غارات الطيران الحربي للنظام المدعوم من روسيا في بلدة بنش بمحافطة إدلب (أ.ف.ب)
فنان غرافيتي ينجز جدارية فوق مبنى هدمته غارات الطيران الحربي للنظام المدعوم من روسيا في بلدة بنش بمحافطة إدلب (أ.ف.ب)
TT

الخلاف الروسي ـ الإيراني... تحضير لحوار واسع حول تسوية في سوريا

فنان غرافيتي ينجز جدارية فوق مبنى هدمته غارات الطيران الحربي للنظام المدعوم من روسيا في بلدة بنش بمحافطة إدلب (أ.ف.ب)
فنان غرافيتي ينجز جدارية فوق مبنى هدمته غارات الطيران الحربي للنظام المدعوم من روسيا في بلدة بنش بمحافطة إدلب (أ.ف.ب)

انشغلت وسائل إعلام روسية وأوساط الخبراء خلال الأسبوع الأخير بمتابعة اتساع هوة التباينات بين روسيا وإيران في سوريا أخيراً، على خلفية التفاهمات التي توصلت إليها موسكو مع تل أبيب بشأن ضرورة انسحاب إيران والميليشيات الموالية لها من الجنوب السوري، وفي إطار شروع موسكو في محاولة وضع ملامح للتسوية النهائية في سوريا، برزت في بعض جوانبها تناقضات مع الأولويات الإيرانية في هذا البلد.
كان لافتا أن التصريحات الروسية حول هذا الملف اقترنت بتحركات ميدانية؛ بينها تعزيز حضور الشرطة العسكرية الروسية في الغوطة وفي بعض أحياء العاصمة السورية، بالإضافة إلى «المناورة» التي قامت بها موسكو في القصير عبر الدفع بوحدات من الشرطة العسكرية ثم سحبها في وقت لاحق.
وعدّ خبراء روس أن هذه التحركات هدفت إلى توجيه رسائل إلى النظام وإيران بجدية موسكو في طرحها حول ضرورة تقديم تنازلات واضحة من جانب حليفيها النظام وإيران لإطلاق مسار تسوية تكون قابلة للحياة ومرضية للأطراف الإقليمية والدولية كما للمعارضة السورية. وتعمد دبلوماسيون روس التذكير في هذا الإطار بالعبارة التي أطلقها الرئيس فلاديمير بوتين مباشرة بعد قمة سوتشي التي جمعته مع نظيريه التركي رجب طيب إردوغان والإيراني حسن روحاني، حول أن «التنازلات لإنجاح التسوية مطلوبة من كل الأطراف بما في ذلك من الحكومة السورية». أهمية العبارة أنها جاءت بعد مرور 24 ساعة فقط على لقاء بوتين برئيس النظام بشار الأسد في سوتشي.
لكن الأهم، وفقا لمتابعين روس، أن الضغط الدبلوماسي الروسي على النظام وعلى إيران، اتخذ في الفترة الأخيرة طابعا مفتوحا يتجاوز حال التكتم التي سيطرت على الوضع في أوقات سابقة؛ إذ غدت التحركات والتصريحات الروسية تتخذ مسارات مباشرة وتوجه رسائل مباشرة.
لكن السؤال الذي برز بقوة هو: هل تملك روسيا بالفعل آليات للضغط على إيران من أجل حملها على الانسحاب من سوريا؟ وهل يوحي التباين الحالي بأن علاقات الطرفين تقف على حافة الانفجار كما أشارت تحليلات كثيرة؟
وفي السياق ذاته، نشرت وسائل إعلام تقارير عن وصول العلاقة إلى مستوى واضح من التردي، وذكرت فيها أن «مسؤولين اثنين كبيرين في التحالف الإقليمي الذي يدعم دمشق، أكدا أن انتشار قوات روسية في سوريا قرب الحدود اللبنانية هذا الأسبوع تسبب في احتكاك مع القوات المدعومة من إيران، من بينها قوات (حزب الله) الذي اعترض على التحرك غير المنسق، وأن هذه الخطوة جاءت من أجل طمأنة الإسرائيليين إلى جدية موسكو في مواجهة اتساع الوجود الإيراني في سوريا».
ونقلت الصحافة أيضا أن «محور المقاومة يدرس الوضع بجدية بعد التحرك الروسي غير المنسق»، وأن «أجندة إيران وروسيا المتناقضة أصبحت أكثر وضوحاً اليوم، لا سيما بعد دخول إسرائيل على الخط مع روسيا».
كما أوردت مجلة «بزنس نيو يوروب» البريطانية، مقالة تحت عنوان: «روسيا وإيران: صداقة تقابلها خصومة صامتة»، بقلم أستاذ العلاقات الدولية في جامعة تبليسي الجورجية، إميل أفالدياني. وقال أفالدياني في مقالته: «كما هو معتاد، تبدأ الخلافات الحقيقية بين الحلفاء وقت الحرب، بعد انتهاء الأعمال القتالية الرئيسية، وهذا ما ينطبق على روسيا وإيران. إيران ترغب بتعزيز وصولها إلى البحر الأبيض المتوسط عبر سوريا، بينما تخشى موسكو من أن تصبح إيران قوية بما يكفي لعدم الخضوع للقيادة الروسية، كما أن أهداف موسكو الإقليمية تستدعي الاستماع جيداً إلى مطالب الحكومة الإسرائيلية».
بعد ذلك جاءت ردود الفعل الإيرانية المباشرة، ثم بشكل غير مباشر من جانب أطراف موالية لإيران، أبرزها «حزب الله»، لتضع موسكو أمام «اختبار جديتها في فرض تسوية في الجنوب مهما كانت طبيعتها فإنها سوف تنسحب على مسار العمل لترسيخ ملامح التسوية الشاملة»، وفقا لخبير روسي مقرب من «الخارجية» تحدثت إليه «الشرق الأوسط».
تبدو العبارة واضحة جدا؛ إذ لن يكون بمقدور موسكو إقناع أطراف إقليمية مؤثرة وأطراف دولية رئيسية، بقدرتها على إدارة الحل وهي تواجه بتصريحات إيرانية ومن جانب «حزب الله»، مفادها أن لا روسيا ولا أي قوة أخرى ستكون قادرة على إخراج إيران وحلفائها من الجنوب السوري أو أي بقعة أخرى، ما دام النظام لم يعلن رغبته في إنهاء الوجود الإيراني. واعتبرت الصحافة الروسية أن هذه التصريحات حملت رسالة تحد قوية لموسكو سعت إلى إعادة الروس إلى «الحجم الطبيعي» في التعامل ضمن أطر التحالف القائم حتى الآن، وفقا لتعليق صحافي. وكان لافتا بعد هذا التطور أن اللهجة الروسية مالت إلى تخفيف حدتها، وتجاهلت وسائل الإعلام الحكومية الروسية تصريحات قوية لحسن نصر الله انتقد فيها الروس صراحة.
وفي الوقت ذاته دلت التحركات الروسية على مسعى من جانب موسكو إلى احتواء الفتور الذي سيطر على العلاقة مع طهران. وبرز ذلك خلال لقاء بوتين وروحاني على هامش قمة منظمة شنغهاي للتعاون في بكين؛ إذ تعمد بوتين الإشارة إلى «الإنجازات المشتركة للطرفين في سوريا». وصحيح أن الجزء الأعظم من المحادثات جرى خلف أبواب مغلقة مما أوحى بتعقد المفاوضات بين الجانبين، لكن ما تسرب منها لاحقا أوحى بأن روسيا لم تتخذ مواقف حازمة بعد حيال إيران ووجودها وتأثيرها في سوريا.
وكان لافتا تأكيد بوتين وروحاني خلال اللقاء على أن العلاقات الروسية - الإيرانية «فريدة وخاصة» لأنها تتعلق بعدد واسع جدا من المستويات والمسارات ولا تقتصر على تعاون في قطاع أو مسار سياسي. بهذا المعنى يوضح الطرفان أن الخلافات في سوريا حول بعض الملفات لن يكون لها تأثير انفجار العلاقة. ويؤكد الطرفان أن الشراكة في عدد من الملفات الممتدة من جنوب القوقاز وحوض قزوين إلى آسيا الوسطى وصولا إلى الشرق الأوسط، أعمق من أن تكسر بسبب خلاف حول ملف واحد، رغم إقرار خبراء من الجانبين بأن تشابك العلاقة وتعقيداتها يجعل كل طرف شريكا متعبا إلى درجة معينة بالنسبة إلى الطرف الآخر، لكنه «شريك لا بديل عنه حاليا رغم مشكلاته». بعد القمة الروسية - الإيرانية كان لافتا أيضا أن مركز الأزمات الرباعي الذي يضم روسيا وإيران والعراق والنظام ومركزه بغداد، عقد اجتماعا مفاجئا لرؤساء أجهزة الاستخبارات شكل عمليا محاولة لإعادة إحيائه بعدما غدا منسياً، وتم خلال الاجتماع تداول تطورات الوضع في سوريا. ومن الطبيعي أن البحث تركز على الوجود الإيراني ومتطلبات إطلاق التسوية السياسية في المرحلة المقبلة. كانت هذه، وفقا لتصريحات روسية، محاولة أخرى لإعادة ضبط الساعات والسياسات على ضوء المتغيرات ومحاولة لاحتواء تعقيدات الموقف مع إيران.
في إطار هذه التحركات، يرى خبراء روس أن موسكو ما زالت لم تتخذ قرارا نهائيا بمواجهة تعزيز الوجود الإيراني في سوريا، وأن الحديث عن الجنوب والتفاهمات مع تل أبيب، عكسا فقط رغبة روسية في إطلاق حوار شامل حول هذا الموضوع لا يصل في حالته الراهنة إلى مرحلة صدام مباشر أو غير مباشر. وقال المصدر الروسي لـ«الشرق الأوسط» إن موسكو تشعر بأن إيران ستكون أكثر مرونة للحديث عن تقليص وليس إنهاء الوجود في سوريا، لكن الثمن المطلوب في مقابل ذلك لم يوضع بعد على طاولة البحث. هذا يعني أن موسكو ما زالت تخوض مرحلة إطلاق «بالونات اختبار» لتحديد ملامح أولية للتسوية المحتملة في سوريا على ضوء اتصالاتها المكثفة حاليا مع إسرائيل ومع فرنسا التي نشطت سياساتها في سوريا، أخيراً، وعلى خلفية اقتراحات أوروبية بتشكيل آلية مشتركة للحل تجمع بين مسار آستانة ومجموعة إقليمية دولية واسعة تضم بلدانا عربية مؤثرة، بالإضافة إلى الولايات المتحدة وبعض بلدان الاتحاد الأوروبي. وربما الصين واليابان.
أهمية هذا المدخل أنه سيكون قادراً على وضع أي اتفاقات نهائية موضع التنفيذ، خصوصا في إطار مسائل التسوية السياسية النهائية، وملف إعادة الإعمار. لكن المشكلة الرئيسية التي تعترض هذا المسار غياب الحوار الروسي - الأميركي الذي لن تكون العلاقة بين موسكو وباريس قادرة على تعويضه حاليا. وحتى يتم إطلاق حوار مباشر بين موسكو وواشنطن تدخل فيه أوروبا ويأخذ في الاعتبار مصالح الأطراف العربية والإقليمية المؤثرة، ستظل الأحاديث الروسية عن خروج كل القوات الأجنبية من سوريا، بما فيها الإيرانية، جزءا من بالونات الاختبار ومساعي التحضير لنقاش مستقبلي شامل في هذه المسألة.



مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.


قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
TT

قلق يمني من صدمات اقتصادية بسبب الحرب الإقليمية

مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)
مخاوف يمنية من أن يؤدي استهداف منشآت الطاقة في الخليج إلى أزمات وقود ترفع تكلفة الاستيراد (رويترز)

على الرغم من استقرار أسعار كثير من السلع الأساسية، فإن اليمنيين يترقبون بقلق بالغ تأثيرات خطرة جراء التطوراتِ العسكرية في المنطقة، واستهدافِ مصادر الطاقة وخطوط نقلها، وانعكاس ذلك على اقتصاد بلدهم الذي يعاني الهشاشة، ويعدّ الأكبر اعتماداً على الواردات والأقل قدرة على امتصاص الصدمات.

ومثلما يهدد استهداف منشآت الطاقة وخطوط نقلها ضمن العمليات العسكرية المتبادلة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من الجهة الأخرى، الاقتصاد العالمي بمزيد من الأزمات، فإن اليمن يقع في مركز دائرة الخطر؛ حيث تسود مخاوف واسعة من تضخم فاتورة الاستيراد، وتوسع حجم الفجوة المالية التي تؤرق السلطات والسكان.

ويستورد اليمن نحو 90 في المائة من غذائه؛ مما يرجح احتمال تأثر القدرة الشرائية للسكان بسرعة بأي اضطراب في أسواق الطاقة أو طرق التجارة الدولية.

واشتكى أمين مهيم، وهو مهندس نظم معلومات، من ارتفاع أسعار كثير من السلع، التي تُستهلك بوصفها هدايا في المناسبات، خلال الأيام الماضية، رغم انقضاء إجازة العيد، وهو الذي توجه إلى الأسواق، أخيراً، مفترضاَ انخفاض أسعارها.

الجزء الأكبر من غذاء اليمنيين يأتي عبر الاستيراد مما يجعل البلد عرضة لتأثر النقل بالحرب (أ.ف.ب)

وبين مهيم لـ«الشرق الأوسط» أنه اضطر إلى السفر إلى قريته بمحافظة لحج بعد عيد الفطر؛ بسبب ارتباطاته المهنية خلال الإجازة، وحين عرج على الأسواق لشراء هدايا وأغذية غير أساسية، مثل الزبيب والمكسرات، ليحملها إلى أقاربه، فوجئ بفوارق سعرية كبيرة عمّا كانت عليه قبيل العيد، وسط تبريرات الباعة بأن الحرب فرضت تكاليف نقل كبيرة على الاستيراد.

وبينما يبدي عشرات التجار والمستوردين وسائقي النقل مخاوفهم من عدم القدرة على السيطرة على الأسعار خلال الأسابيع المقبلة، أكد مصدر مسؤول في وزارة النقل أن جميع المعنيين بنقل وتوريد السلع أُبلغوا بعدم زيادة الرسوم الخاصة بما تُسمى «مخاطر الحرب»؛ «لأن اليمن لم يتأثر، حتى الآن، بشكل مباشر بالعمليات العسكرية الدائرة في المنطقة».

بوادر غلاء

المصدر الحكومي، الذي فضل التحفظ على هويته؛ لعدم امتلاكه صلاحية الحديث لوسائل الإعلام، أوضح أن السلع الأساسية المتوجهة إلى اليمن «لم تتأثر إلا بشكل محدود بسبب عدم مرورها بطرق التجارة التي تقع ضمن دائرة الحرب، على عكس سلع أخرى توقفت في موانئ خليجية، مثل الملابس والأجهزة الإلكترونية».

متطلبات المعيشة في اليمن تتأثر بقوة جراء أي أزمة في الوقود (رويترز)

إلا إنه رفض التعليق بشأن إمكانية أن يَظهر تأثير كبير أو خطير في الفترة المقبلة، مطالباً بعدم إثارة فزع السكان.

ولم تشهد أسعار الوقود أي زيادة في اليمن، إلا إن الشركات التجارية وشركات النقل تتذرع بارتفاع تكلفة النقل الخارجي والتأمين البحري بفعل تهديدات الملاحة العالمية وارتفاع أسعار الوقود؛ بسبب استهداف منشآت الطاقة في دول الخليج وإغلاق إيران مضيق هرمز.

ويقول عاملون في قطاع النقل البحري إن شركات الشحن تفرض عادة رسوماً إضافية تُعرف بـ«رسوم مخاطر الحرب» عندما ترتفع التوترات في الممرات البحرية القريبة من مناطق الصراع.

ويرتبط الموقع الجغرافي لليمن مباشرة بالتوترات التي تطول الملاحة البحرية في المنطقة، بالنظر إلى الإطلالة على مضيق باب المندب؛ أحد أهم الممرات البحرية في العالم، الذي تمرّ نسبة مهمة من تجارة الطاقة العالمية عبره، حيث يؤثر سريعاً أيُّ تصاعد في المخاطر الأمنية بالبحر الأحمر على تكاليف الشحن والتأمين على السفن المتجهة إلى الموانئ اليمنية.

التطورات العسكرية الإقليمية تهدد الإصلاحات الحكومية اليمنية لدعم استقرار العملة المحلية (أ.ف.ب)

ويدعو يوسف سعيد أحمد، أستاذ الاقتصاد في جامعة عدن، إلى مواصلة دعم وتعضيد السياسات الاحترازية التي يتبعها «البنك المركزي»، والتي من شأنها الوقاية من الآثار المباشرة للحرب الدائرة في المنطقة على الاقتصاد اليمني.

وحذر في حديثه لـ«الشرق الأوسط» من انعكاس التطورات الاقتصادية للحرب الحالية على حجم الموارد الخارجية، وتأثر أسعار الصرف سلباً، «خصوصاً أن الحرب ما زالت مستمرة، واليمن مرتبط بالاقتصاد الخليجي، خصوصاً السعودي، سواء أكان من جهة الدعم أم تحويلات المغتربين، وهما متغيران من المحتمل أن يتركا آثارهما على البلاد».

اختلال الميزان التجاري

يبدي كثير من المسؤولين الحكوميين والسكان والتجار اليمنيين قلقاً من احتمالية ظهور سوق سوداء للوقود في حال تأخر وصول شحنات النفط إلى الموانئ اليمنية، أو تأثرت البلاد بارتفاع أسعاره عالمياً، هذا إلى جانب احتمال ارتفاع أسعاره محلياً في أي وقت.

الأسواق اليمنية شهدت ارتفاع أسعار بعض السلع بحجة ازدياد تكلفة النقل البحري (أ.ف.ب)

ويتوقع فارس النجار، المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية، أن تؤدي أي صدمة خارجية، مثل ارتفاع أسعار الطاقة أو اضطراب سلاسل الإمداد، إلى تأثيرات مضاعفة، «فزيادة بنسبة ما بين 10 و12 في المائة ستضيف في فاتورة الاستيراد ما بين 1.5 و1.8 مليار دولار سنوياً».

ويشير إلى أن قيمة الواردات اليمنية خلال العام ما قبل الماضي «بلغت نحو 15.5 مليار دولار، مقابل صادرات لم تتجاوز ملياراً؛ مما يعكس اختلالاً واضحاً في الميزان التجاري واعتماداً كبيراً على التحويلات والمنح لتغطية فجوة تمويلية ضخمة».

إلا إنه يتفاءل بالتجربة الأخيرة لإدارة السياسات الاقتصادية التي يمكن أن تحد من حدة الصدمات، «بعد أن أدت إجراءات (البنك المركزي)، وتنظيم الاستيراد، إلى استقرار سعر الصرف وتحسين الإيرادات غير النفطية للحكومة بنحو 50 في المائة، وإن كان تحسناً هشاً بسبب غياب الموارد السيادية».

اقتصاد اليمن يفتقر إلى أهم موارده وهو إيرادات النفط الذي استهدف الحوثيون منشآت تصديره (رويترز)

ومنذ سنوات أدى توقف صادرات النفط، بفعل اعتداءات الجماعة الحوثية، إلى حرمان الحكومة من أهم مصدر للإيرادات، وتتضاعف تكلفة هذا التوقف حالياً بسبب ارتفاع أسعار الوقود عالمياً.

ويقدر خبراء مطلعون على السجلات الرسمية أن نحو 70 في المائة من إيرادات الحكومة كانت تأتي من النفط، في وقت يعاني فيه نحو 22 مليون يمني من انعدام الأمن الغذائي، وفق تقديرات أممية؛ مما يجعل أي ارتفاع جديد في أسعار الوقود أو الغذاء عبئاً إضافياً على ملايين الأسر.


تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
TT

تصعيد حوثي في البيضاء واعتقالات عقب كمين قبلي

الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)
الحوثيون داهموا القرى في محافظة البيضاء واعتقلوا عشرات المدنيين (رويترز)

شنّت الجماعة الحوثية حملة اعتقالات واسعة شملت عشرات المدنيين في محافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء) عقب مقتل عشرة من عناصرها في كمين استهدف إحدى دورياتها، في تطور يعكس تصاعد المواجهة مع أبناء القبائل في مناطق سيطرتها.

جاء ذلك بالتوازي مع إعلان القوات اليمنية الحكومية إحباط تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة في محافظة حضرموت كانت متجهة إلى مناطق سيطرة الجماعة الحوثية.

وأفادت مصادر محلية في البيضاء لـ«الشرق الأوسط» بأن أبناء القبائل في منطقتي المناسح وحمة صرار، التابعتين لمديرية «ولد ربيع»، نفذوا هجوماً استهدف دورية أمنية حوثية على الطريق الرئيسي، كانت تقل عشرة من عناصر الجماعة، بينهم مشرفون ميدانيون، ما أدى إلى مقتلهم جميعاً.

وحسب المصادر، جرى تنفيذ العملية باستخدام عبوات ناسفة، بعد رصد دقيق لتحركات الدورية، في سياق حالة احتقان متصاعدة تشهدها المديرية، نتيجة ما يصفه السكان بانتهاكات متكررة تشمل الاعتداء على الممتلكات والمزارع، والتضييق على الأنشطة الدينية، في إطار محاولات فرض توجهات فكرية ومذهبية.

كمية من الأسلحة صادرتها قوات درع الوطن في وادي حضرموت (إعلام عسكري)

وفي أعقاب الهجوم، دفعت الجماعة الحوثية بتعزيزات عسكرية كبيرة إلى مديرية ولد ربيع، ضمت عشرات العربات والمسلحين، ونفذت حملة مداهمات واسعة في قرى المناسح وحمة صرار وسيلة الجراح، أسفرت عن اعتقال عشرات المدنيين، بذريعة البحث عن المتورطين في الكمين.

وقال مدير مديرية رداع المعين من الحكومة الشرعية، منيف الذهب، إن المعتقلين جرى اقتيادهم إلى مركز قضاء رداع، حيث انضموا إلى محتجزين آخرين من أبناء المنطقة، كانوا قد اعتُقلوا في حملات سابقة على خلفية حوادث مشابهة، ما يعزز مخاوف السكان من تصاعد سياسة العقاب الجماعي.

إحباط تهريب أسلحة

بالتزامن مع هذه التطورات، أعلنت قوات الطوارئ اليمنية إحباط محاولة تهريب شحنة أسلحة وطائرات مسيّرة كانت في طريقها إلى الجماعة الحوثية، في عملية نوعية نُفذت بمحافظة حضرموت.

وذكر المركز الإعلامي للفرقة الأولى أن الشحنة ضُبطت داخل شاحنة نقل كبيرة كانت محمّلة بسلال من الخضراوات، حيث أخفيت الأسلحة والذخائر والطائرات المسيّرة بإحكام أسفل الحمولة، في محاولة للتمويه وتفادي نقاط التفتيش.

وأوضح أن العملية أسفرت عن ضبط السائق والتحفظ على المضبوطات، تمهيداً لإحالتهما إلى الجهات المختصة لاستكمال الإجراءات القانونية، مشيراً إلى أن هذه العملية تعكس مستوى متقدماً من الجاهزية الأمنية والقدرة على تفكيك شبكات التهريب.

وتأتي هذه الضبطية ضمن سلسلة إجراءات تهدف إلى قطع خطوط الإمداد العسكري للجماعة الحوثية، التي تعتمد، وفق تقديرات حكومية، على شبكات تهريب معقدة لإيصال الأسلحة النوعية، بما في ذلك الطائرات المسيّرة، إلى مناطق سيطرتها.

هيكلة الأمن في عدن

في سياق موازٍ، تكثف الحكومة اليمنية جهودها لإعادة تنظيم المنظومة الأمنية في المناطق المحررة، حيث عقدت اللجنة المكلفة بهيكلة ودمج التشكيلات الأمنية اجتماعاً مشتركاً مع قيادة أمن عدن، بحضور قيادات بارزة من وزارة الداخلية والمؤسسات العسكرية.

وناقش الاجتماع احتياجات شرطة عدن من الموارد البشرية والآليات، إلى جانب آليات دمج التشكيلات الأمنية التي لا تزال خارج إطار الوزارة، بما يسهم في توحيد القرار الأمني وتحديد الاختصاصات بشكل واضح.

لجنة دمج وهيكلة الوحدات الأمنية تلتقي قيادة أمن عدن (الإعلام الأمني)

وأكد المشاركون أن هذه الخطوة تمثل مساراً استراتيجياً لبناء جهاز أمني متكامل، قادر على مواجهة التحديات الأمنية وتعزيز الاستقرار، خصوصاً في ظل التهديدات المستمرة التي تواجهها البلاد.

كما شددوا على أهمية رفع مستوى التنسيق بين مختلف الوحدات، والعمل بروح الفريق الواحد، بما يعزز كفاءة الأداء الأمني، ويعيد ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة.

ويرى مراقبون أن نجاح جهود الدمج والهيكلة يمثل عنصراً حاسماً في تثبيت الاستقرار في المدن المحررة، ومنع أي اختلالات أمنية قد تستغلها الجماعات المسلحة أو الشبكات الإجرامية.