نازحات سوريات تعرضن لانتهاكات مقابل مساعدات إنسانية

تنشر شهادات نساء من شمال شرقي البلاد

نازحون شمال شرقي سوريا ({الشرق الأوسط})
نازحون شمال شرقي سوريا ({الشرق الأوسط})
TT

نازحات سوريات تعرضن لانتهاكات مقابل مساعدات إنسانية

نازحون شمال شرقي سوريا ({الشرق الأوسط})
نازحون شمال شرقي سوريا ({الشرق الأوسط})

في منزل بسيط منعزل، يقع في مزرعة غربي مدينة الرقة، تسكن (ع.ع)، وهي سيدة في منتصف عقدها الثالث مع طفليها. عندما أخبرتها صديقتها سبب الزيارة وإجراء المقابلة، اعتذرت بشدة عن الحديث والخوض في تفاصيل تسعى جاهدة إلى نسيانها، لأنّها تعرضت لضغوط النزوح والشتات، ووجدت نفسها أخيراً ضحيّة للاستغلال الجنسي، كما تلاقي صعوبة في البوح بما مضى.
حاولت جاهدة استجماع ما تبقى من صبرها لتتمكن من الحديث. طلبت عدم الإفصاح عن الأسماء. بصوتٍ مبحوح وكلمات مبعثرة بدأت تسرد ما حدث معها قبل عام، ففي بداية شهر يونيو (حزيران) 2017، وعندما كانت ذاهبة إلى مكتب منظمة إنسانية لتسلم حصّة المساعدات المخصّصة لها، رفض موظف محلّي تسليمها السلة بحجة تأجيل دورها إلى الشهر المقبل، لكن بطاقتها تخوّل تسلم حصتها في ذلك اليوم.

- مساعدة مشروطة
بدأت تروي ما حدث معها يومذاك، وقالت: «ارتبكت، ولم أعرف كيف أتصرف، صرختُ بوجه الموظف وقلت له: لماذا تحرمني من حصتي؟ فطردني من المكتب، لكنّني توسلت إليه مراراً، ثم قال لي إنّه يتوجب علي مراجعته بعد توزيع الحصص».
تنحدر (ع.ع) من مدينة الرقة (شمال شرقي سوريا) وهي أرملة، إذ قتل زوجها بداية 2017 برصاصة قنّاص «داعشي» عندما حاولت الأسرة الهروب من المدينة، آنذاك أطبقت «قوات سوريا الديمقراطية» الحصار على المدينة، وكان طيران التحالف الدولي يقصف مواقع التنظيم المتشدّد، لكنّها تمكنت مع طفليها من النجاة، ووصلوا إلى إحدى المخيّمات الآمنة الواقعة بالشمال السوري، ولم تعلم شيئاً عن مصير عائلتها أو أهل زوجها جراء المعارك المحتدمة.
وأجبرت الحرب الدائرة في سوريا أكثر من 10 ملايين إلى النزوح واللجوء داخل البلاد وخارجها، معظمهم من النساء، لا يمتلكون إلا الثياب التي كانوا يرتدونها لدى هروبهم من منازلهم، واضطرت الأمهات اللواتي تحملن أعباء الحياة إلى الاختيار بين تقديم الغذاء لأطفالهنّ وحاجاتهنّ الخاصة.
تابعت (ع.ع) حديثها لتقول: «رجعت إلى المكتب بعد انتهاء الدوام، ولم يكن هناك سوى الموظف. قال لي بهدوء إنّهم غيروا في اللوائح بسبب ازدياد النازحين، وقرّروا توزيع ما تبقى من سلال غذائية على العائلات الوافدة حديثاً، وطلب منّي المجيء في اليوم التالي على أمل بتسلم حصّة».
وبالفعل تسلمت (ع.ع) حصتها في اليوم الثاني وشكرت الموظف كثيراً لتعاطفه معها، وبعد مرور أيام، شاهدته يمشي في المخيم وألقت التحية عليه، وقتذاك شرحت له إنّها أرملة تعيل أسرتها وترعى أطفالاً يتامى، سألته عن إمكانية مساعدتها للحصول على عمل، وإذا ما احتاجت إلى حصة غذائية فهل بمقدورها مراجعته، هزّ الموظف رأسه في إشارة على الموافقة.
وتعيش نسبة كبيرة من النساء السوريات اللاجئات اللاتي فقدن أزواجهنّ خلال أعمال القتال الدائرة في سوريا تحت ضغوط شديدة، يواجهنَ التعرّض لمخاطر عالية من الفقر والاستغلال الجنسي، حيث لم تدرك (ع.ع) إنها ستقع ضحية ابتزاز مقابل حصولها على حصة غذائية إضافية أو عمل، فالحاجة لتربية طفليها الصغار، وصعوبات العيش داخل خيمة لا تقيها حرارة الشمس وبرودة الشتاء، دفعتها لطلب المزيد من المساعدة، وأعربت عن حزنها قائلة: «حقيقةً عندما ذهبت، قلت في قرارة نفسي سيقوم بمساعدتي كونه أشفق عليّ، وبعدما أعطاني الحصة طلب مني أن أقصده إذا احتجت المزيد، ووعدني بالبحث عن عمل».
وبعد مرور فترة زمنية، حصلت (ع.ع) على وظيفة بمساعدة الموظف وبدأت ترتاد عملها الجديد، وكان يأخذها بسيارته الخاصة، وتبادلا أرقام الهواتف وباتت لقاءاتهم شبه يومية. لم تصدق أنّها حصلت على هذه الفرصة وبدأت تشعر بالأمان، وفي أحد الأيام طلب منها الموظف زيارتها في الخيمة، لم تتمكن من رفض طلبه نظراً لحاجتها للعمل، وقالت: «كنت أخشى من زيارته لخيمتي، لأن جاراتي ستنشرن إشاعات عنّي، ويتم تناقل الأمر بشكل خاطئ، لذلك طلبت منه المجيء بعد حلول الظلام، كي لا يشاهده أحد».
ذهب الموظف إلى خيمتها حاملاً معه هدية مغرية، وذكرت ما حدث معها قائلة: «اقترب منّي وقال لي: أعدك بالزواج، وسأساعدك في تربية أطفالك وسأبقى إلى جانبك، هنا شعرت ببعض الأمان لأجد نفسي في أحضانه».
وقد نبّهت منظمات دولية عاملة في مجال الإغاثة الإنسانية إلى وجود انتهاكات جنسية منذ نحو ثلاث سنوات، الأمر الذي دفع «صندوق الأمم المتحدة للسكان» بإجراء تقييم للعنف القائم على نوع الجنس في سوريا العام الماضي، ليخلص التقرير إلى أنّ: «المساعدات الإنسانية يجري تبادلها مقابل الجنس في مختلف المحافظات في سوريا»، وسلّط التقرير الذي حمل اسم: «أصوات من سوريا 2018» على أمثلة من النساء والفتيات اللواتي تزوجن مسؤولين لفترة قصيرة من الزمن، لتقديم الخدمات الجنسية مقابل الحصول على الطعام، موضحاً أنّ الكثير من موزعي المساعدات الإنسانية المحليين يطلبون أرقام هواتف النساء والفتيات، ويعرضون إيصالهن لمنازلهن بسيارتهم مقابل الحصول على شيء في المقابل، أو يعرضن الحصول على معونات غذائية مقابل زيارتهن في خيامهنّ وقضاء ليلة معهنّ، وشدد التقرير على أنّ: «النساء والفتيات اللواتي ليس لهنّ من يحميهنّ مثل الأرامل والمطلقات، والنازحات داخلياً يُعتبرن معرضات بشكل خاص للاستغلال الجنسيّ».
وجالت صحيفة «الشرق الأوسط» في ثلاثة مخيّمات شمال شرقي سوريا، وأجرى الكثير من المقابلات مع نساء وفتيات نازحات، بعضهنّ أكدن وقوع حوادث مماثلة، لكن أصحابها فضّلن السكوت خوفاً من الفضيحة، في حين استنكرت أخريات وقوعها، وإنّ شرف الفتاة لا يساوي حصّة غذائية أو الحصول على عمل، فيما نقلت الكثير من النساء كيفية تعرضهنّ للتحرّش اللفظيّ، وكانوا يسمعون كلمات وإشارات غير مريحة، وصلت إلى درجة رفضن معها الذهاب إلى مكاتب المنظمات لتسلم المساعدات الإنسانية خشيةً من تعرضهنّ لمواقف مماثلة.

- انتهاكات جنسية منذ سنوات
تحت خيمة صغيرة كانت مساحتها 20 متراً، جلست (م.س) تدخّن سيجارة تلو سيجارة. كانت تلبست ثوباً وغطاء الرأس متشحاً بالسواد، بدت وكأنّها كبيرة في السنّ، على الرغم من أنّ عمرها لم يتجاوز الـ30 عاماً. بدأتْ برواية قصتها التي حدثت معها قبل نحو ثلاثة أشهر، حيث قطعت الأمل في زوجها المفقود منذ سنة، ولم تسمع أية أخبار جديدة، الأمر الذي دفعها للبحث عن العمل، وقصدت مكاتب المنظمات العاملة في المخيم الذي نزحت إليه، رفقة أطفالها الثلاث صيف العام الفائت.
وفي بداية حديثها، أخبرت (م.س) أنّ كلّ أفراد أسرتها سافروا إلى تركيا منذ بداية الأزمة السورية نهاية 2011، أما عائلة زوجها فهي لا تعلم عنهم شيئاً، فبعد انتهاء معركة الرقة في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، تقطّعت أوصال العائلات السورية، فالبعض نزح إلى المناطق الخاضعة لقوات النظام السوري جنوب البلاد، في حين قصد معظم سكان الرقة المناطق التي تسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية» شمالاً.
ومنذ ذلك التاريخ لم تعد (م.س) تعلم شيئاً عن زوجها وأسرته، حالها كحال معظم المدنيين الذين فقدوا بعضهم بعضاً، جراء المعارك العنيفة التي استمرت قرابة 4 أشهر بين يونيو وأكتوبر 2017، وقالت: «عندي 3 أطفال صغار، ضاقت بي سبل العيش، والحصّة الغذائية لم تعد تكفي شيئاً، بحثت عن عمل لكن دون جدوى»، وبعد مراجعتها إحدى المكاتب التابعة لمنظّمة دولية، شرحت وضعها لموظّف سوريّ، والذي وعدها بمساعدتها بالبحث عن زوجها، وعن وظيفة مناسبة، وطلب منها مراجعته بعد أيام.
بعد مرور ثلاثة أيام قرّرت (م.س) الذهاب إلى مقرّ المنظّمة، وهي تحلم بالحصول على عمل أو أخبار عن زوجها، وصلت إلى المكتب عصر يومذاك، لم يكن هناك سوى الموظف، طلب منها الجلوس وإعادة شرح ما قالته سابقاً، وتاريخ فقدان زوجها والمهن التي تجيدها، وقالت: «سرعان ما تطوّر الحديث بيننا، وتطرّق دون خجل للجانب الشخصي، وتحدّث عن علاقته مع زوجته، وبدأ يشتكي منها واتهمها بالبرود وأنّها لا تلبّي رغباته، وكيف أنّه صار بحاجة إلى امرأة ثانية».
حاولت (م.س) مراراً تغيير الموضوع دون جدوى، مضيفة: «عملت حالي لم أفهم قصده، سألته هل هناك أمل بالحصول على عمل ما، كم سيكون الراتب وعدد ساعات العمل، لكنّه عاد لنفس الحديث، وبأنّي امرأة جميلة وزوجي مفقود، لذلك يجب أن يكون هناك شخص يقف لجانبي»، إلا أنها تعمّدت مسايرته، وسماع حديثه حتى النهاية أملاً بمساعدة، لكنّها لم تحتمل كلامه، وخرجت من المكتب وحذرته من تكرار ما حدث، وتضيف: «حاول إقناعي بالموافقة لتلبية رغباته، وعندما هممت بالخروج من المكتب ألح علي بضرورة مراجعته، لأنه سيعمل جاهداً ليجد لي عملاً ويسأل عن زوجي».
بعد أيام عادت (م.س) مرة ثانية إلى مكتبه لكن ضمن أوقات الدوام، وعندما وصلت أدخلها إلى غرفته، وهناك فاجئها بالكلام ليقول لها: «أنا معجب بك وأريد إقامة علاقة، استغربت وقلت له: بالحلال، وهل سنتزوج؟ قال لي إنّ الأمر صعب، لأن لديه وضعه الخاصّ، وهو متزوّج ومسؤول في المنظمة»، عادت وسألته من جديد عن شكل العلاقة، ليجيبها: «المساعدة بالحصول على عمل والبحث عن زوجك، وسآتي إلى خيمتك».
ورفضت (م.س) طلبه، وقررت عدم الذهاب إليه مرة ثانية، وتردّدت في تقديم شكوى ضدّه، خوفاً من الفضيحة أو طردها من المخيّم، وعبّرت بغضب عن مشاعرها المشوّشة لتقول: «أين أذهب بحالي وأطفالي صغار، حقيقةً سنتشرّد، أما هو فلن يتأثر بشيء، كونه مسؤولا، ولديه حماية، وسيتمكن من تكذيب كلّ شيء، لأنه لا يوجد دليل ملموس ضدّه».
ولدى لقائها مع صحيفة «الشرق الأوسط» كشفت الناشطة المدنية مزنة دريد مديرة حملة «لاجئات لا سبايا» بأنّ النساء يشكلنّ 50 إلى 60 في المائة من نسبة النازحين واللاجئين، منهنّ 35 في المائة معيلات لأسرهنّ؛ أي إنّ عائلة من بين كلّ ثلاثة عوائل نازحة تعيلها امرأة، وقالت: «السيّدة النازحة تواجه مطالب جديدة في سبيل إعالة نفسها وإعالة أطفالها، وفضلاً عن ذلك فإنّ الصراع وانهيار القانون والنظام يجعل النساء والفتيات عرضة للانتهاكات وتزايد خطر العنف الجنسي والاعتداءات».

- حجب المساعدات
وكشفت تقارير صحافية بأنّ نازحات سوريات تعرّضن للاستغلال الجنسي من قِبل رجال محلّيين يقدمون المساعدات الإنسانية باسم منظمات دولية في مخيمات النزوح، وأفاد عمّال في مجال الإغاثة الإنسانية بأنّ العملية كانت تتم بطريق مقايضة المساعدات أو التنقّل بمزايا جنسية.
ونشرت قناة «بي بي سي» البريطانية نهاية فبراير (شباط) العام الحالي، مقابلة مع دانييل سبنسر وهي مستشارة إنسانية تعمل لصالح جمعية خيرية، أكدت سماعها عن تلك المزاعم من مجموعة من النساء السوريات في مخيم للاجئين في الأردن بشهر مارس (آذار) 2015، نقلن كيف أنّ أفراداً من المجالس المحلية في مناطق مثل درعا والقنيطرة قد عرضوا عليهنّ المساعدات مقابل ممارسة الجنس.
وقالت سبنسر في مقابلتها: «كانوا يحجبون المساعدات التي تم تسليمها ثم يستخدمون أولاء النساء لممارسة الجنس، وقد تم الإبلاغ عن هذا الاستغلال الجنسي في سوريا لأول مرة ربيع 2015»، ونوهت إلى أن الأمر كان منتشراً لدرجة: «أنّه لا يمكن للنساء أن يذهبن دون أن يلحق بهنّ العار، وأصبح هناك افتراض بأنّه إذا ذهبت أي امرأة إلى أماكن توزيع المساعدات، فإنها تكون قد قدّمت تنازلاً جنسياً مقابل المساعدة».
وفي حديثها مع صحيفة «الشرق الأوسط» أكدت المحامية السورية ليلى العودات، رئيسة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «رابطة النساء الدولية للسلام والحرية»، أنّ هذه الحوادث المروّعة بحقّ النساء شائعة في حالات النزاع المسلّح، وقالت: «النزاع المسلح يؤدي في كثير من الأحيان إلى انهيار دور القانون الذي يؤمّن نوعاً من الحماية للنساء، وشيئاً من الردع للمعتدين»، وتعزو تهاوي المؤسسات القانونية والضوابط التي تلتزم الدولة بتطبيقها إلى: «توسّع سلطة ونفوذ الجهات المسلّحة (الحكومية وغير الحكومية) مقابل تضاؤل مساحات حرية وأمان المدنيين، وتصبح النساء عرضة للابتزاز والإيذاء النفسي والجسديّ، دون حماية ودون طرق للتبليغ أو المقاومة»، على حدّ تعبير الناشطة الحقوقية ليلى العودات.
وأقرّت (ع.ع) استمرار علاقة مع الموظف نحو 6 أشهر بطريقة غير شرعية، وتزيد: «في كلّ مرة كنت أسأله متى ستكتب كتابك علي ونتزوج، كان يتحجّج بانشغاله ومسؤولياته وأنّ الوقت غير مناسب»، وبقيا لفترة زمنية مع بعضهم البعض حتى افتضح أمرهما واكتشفت جارتها الأمر. تذكرت ما حدث معها في ذلك اليوم. توقفت عن الكلام. اغرورقت عيناها بالدموع. تدخلت صديقتها لإيقاف التسجيل، لكنّها طلبت إكمال الحديث، وقالت وهي تمسح دموعها: «يومها توسّلت إليهنّ بعدم افتضاح أمري والتستر على الفضيحة، وافقن على طلبي مقابل خروجي من المخيم، وقدّمت طلباً وانتقلت للعيش في هذا المنزل الطيني، وفضلت الابتعاد عن أنظار الفضوليين».
أما الموظف فعاد إلى حياته بشكل طبيعي ورفض الزواج منها، وعمد إلى طردها من العمل، ولم يجب على اتصالاتها، وتضيف (ع.ع): «لم أتمكن من تقديم الشكوى. ماذا سأقول، وافقت على إقامة علاقة جنسية للحصول على عمل!! على حصّة إضافية!! هل هناك دليل أو وثيقة تثبت كلامي»، أخذتْ نفساً عميقاً وقالت وهي تتنهّد: «يصعب علي البوح بما مضى، تمنيت لو كان حلماً. أتمنى نسيان ما حدث».
وفي مقابلتها مع «الشرق الأوسط» ترى الدكتورة خلود صابر، مدرسة مساعدة بقسم علم النفس بجامعة القاهرة، وباحثة دكتوراه متخصّصة في مجال العنف الجنسي ودراسات الجندر بجامعة لوفان البلجيكية، إنّ الاعتداءات الجنسية تحدِث صدمة تهزّ معتقدات المرأة حول ذاتها وحول الآخرين وحول المجتمع، وقالت: «يضاف أيضا عبء عدم القدرة على البوح، أو طلب المساندة أو المواجهة، وذلك بشكل رئيسي بسبب وصمة العار الاجتماعية في المجتمع السوريّ، الذي ما زال حتى الآن يلوم المرأة المعرّضة للعنف الجنسي وتحميلها مسؤولية الانتهاك، وتعتبرها مصدراً للعار، دون الالتفات على الإطلاق لما تشعر هي به»، وأضافت: «الأزمة الأساسيّة إنّ هذه الأحداث الصدمية مستمرة حتى الآن، وتحوّلت بشكل ما إلى واقع يومي هنّ مجبرات على معايشته، مما يجعل فكرة استيعاب ما حدث، وإعادة تشكيل معتقدات الفرد أمراً في غاية الصعوبة».

- قوانين للحماية والرقابة
فيما استمرّ الموظف بمضايقة (م.س) ولا يزال يتردّد إلى المجمع الذي تقع فيها خيمتها، ويرسل الأطفال إليها ويقولون لها أنّ الأستاذ يريدك في مكتبه، وأضافت: «فكرت كثيراً في إبلاغ السلطات المحلّية في المخيّم، فلا يوجد دليل ملموس على كلامي، ماذا سأقول لهم، شخص معجب بي ويريد إقامة علاقة جنسيّة معي»، تابعت حديثها بغصّة، وبدت علامات الحزن على وجهها وأضافت: «في نهاية المطاف إذا بقي الحال كما هو عليه سأخرج من المخيم، وسأبحث عن مكان آخر أستر فيه شرفي وكرامتي».
وبحسب العودات، يتمّ تفادي هذه الانتهاكات عبر أربعة إجراءات بالتزامن، وقالت: «أولها؛ دعم وتقوية المجتمع المدني خاصة المؤسّسات التي تقودها نساء، وتعمل فيها نساء، وهي الأقدر على فهم المجتمع المحليّ، وبناء منظومة محلّية تعطي الأولوية للمدنيين، وتتفهّم وتعالج الأثر المجحف للنزاع على النساء والفتيات»، كما يشكّل الضغط الدائم على الجهات الدولية المانحة لإيجاد نظام رقابي حقيقي، تلعب فيه المؤسسات والمجتمعات المحلية دورا أساسيا شرطاً ثانياً، وتضيف العودات: «يجب أن يشمل هذا النظام الرقابي نظام إحالة فعّالة للضحايا والناجين / ات وكذلك نظام تدريبي هيكلي لرصد أي انتهاكات وجعل طرق التبليغ عنها متاحة للجميع»، فيما يكمن الشرط الثالث بالضغط محلياً ودولياً على زيادة أعداد النساء في المؤسّسات المحلّية والدوليّة العاملة في المجال الإنساني، وتضيف: «أما الإجراء الرابع والأخير، فيتمحور حول العمل للحدّ من سلطة السلاح والعنف، سواءٌ أحملته جهات رديفة للحكومة، أو جهات غير حكومية، وإعادة سلطة القانون والنضال السلمي وإعلاء حقوق الإنسان».
ولم تخفِ (م.س) و(ع.ع) إنّ الكثير من النساء والفتيات تعرضن لمواقف مشابه، إلا أنهنّ فضّلن كتمان الأمر خوفاً من الفضيحة، والتقيّد بالعادات والتقاليد، وأن الطرف الثاني سيتهرّب من المسؤولية، وسيكذّب كلّ الادعاءات، خاصة في ظلّ عدم توفّر أدلة في هكذا حالات عادةً.
ودعت الدكتورة والأخصائيّة خلود صابر الجهات الإنسانية الدوليّة إلى تحمّل مسؤوليّة خلق آليات مراقبة ومحاسبة لموظفيها، وقالت: «يجب على هذه المؤسّسات تطوير أدوات دعم ذات حساسية جندرية، تراعى واقع النساء السوريات عند تقديم الخدمات، بما فيها خلق مناخ آمن لطلب المساعدات المادية، وخلق أطر آمنة ومهنية، وذات حساسيّة ثقافيّة وجندرية لطلب المساندة النفسية».



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.