نازحات سوريات تعرضن لانتهاكات مقابل مساعدات إنسانية

تنشر شهادات نساء من شمال شرقي البلاد

نازحون شمال شرقي سوريا ({الشرق الأوسط})
نازحون شمال شرقي سوريا ({الشرق الأوسط})
TT

نازحات سوريات تعرضن لانتهاكات مقابل مساعدات إنسانية

نازحون شمال شرقي سوريا ({الشرق الأوسط})
نازحون شمال شرقي سوريا ({الشرق الأوسط})

في منزل بسيط منعزل، يقع في مزرعة غربي مدينة الرقة، تسكن (ع.ع)، وهي سيدة في منتصف عقدها الثالث مع طفليها. عندما أخبرتها صديقتها سبب الزيارة وإجراء المقابلة، اعتذرت بشدة عن الحديث والخوض في تفاصيل تسعى جاهدة إلى نسيانها، لأنّها تعرضت لضغوط النزوح والشتات، ووجدت نفسها أخيراً ضحيّة للاستغلال الجنسي، كما تلاقي صعوبة في البوح بما مضى.
حاولت جاهدة استجماع ما تبقى من صبرها لتتمكن من الحديث. طلبت عدم الإفصاح عن الأسماء. بصوتٍ مبحوح وكلمات مبعثرة بدأت تسرد ما حدث معها قبل عام، ففي بداية شهر يونيو (حزيران) 2017، وعندما كانت ذاهبة إلى مكتب منظمة إنسانية لتسلم حصّة المساعدات المخصّصة لها، رفض موظف محلّي تسليمها السلة بحجة تأجيل دورها إلى الشهر المقبل، لكن بطاقتها تخوّل تسلم حصتها في ذلك اليوم.

- مساعدة مشروطة
بدأت تروي ما حدث معها يومذاك، وقالت: «ارتبكت، ولم أعرف كيف أتصرف، صرختُ بوجه الموظف وقلت له: لماذا تحرمني من حصتي؟ فطردني من المكتب، لكنّني توسلت إليه مراراً، ثم قال لي إنّه يتوجب علي مراجعته بعد توزيع الحصص».
تنحدر (ع.ع) من مدينة الرقة (شمال شرقي سوريا) وهي أرملة، إذ قتل زوجها بداية 2017 برصاصة قنّاص «داعشي» عندما حاولت الأسرة الهروب من المدينة، آنذاك أطبقت «قوات سوريا الديمقراطية» الحصار على المدينة، وكان طيران التحالف الدولي يقصف مواقع التنظيم المتشدّد، لكنّها تمكنت مع طفليها من النجاة، ووصلوا إلى إحدى المخيّمات الآمنة الواقعة بالشمال السوري، ولم تعلم شيئاً عن مصير عائلتها أو أهل زوجها جراء المعارك المحتدمة.
وأجبرت الحرب الدائرة في سوريا أكثر من 10 ملايين إلى النزوح واللجوء داخل البلاد وخارجها، معظمهم من النساء، لا يمتلكون إلا الثياب التي كانوا يرتدونها لدى هروبهم من منازلهم، واضطرت الأمهات اللواتي تحملن أعباء الحياة إلى الاختيار بين تقديم الغذاء لأطفالهنّ وحاجاتهنّ الخاصة.
تابعت (ع.ع) حديثها لتقول: «رجعت إلى المكتب بعد انتهاء الدوام، ولم يكن هناك سوى الموظف. قال لي بهدوء إنّهم غيروا في اللوائح بسبب ازدياد النازحين، وقرّروا توزيع ما تبقى من سلال غذائية على العائلات الوافدة حديثاً، وطلب منّي المجيء في اليوم التالي على أمل بتسلم حصّة».
وبالفعل تسلمت (ع.ع) حصتها في اليوم الثاني وشكرت الموظف كثيراً لتعاطفه معها، وبعد مرور أيام، شاهدته يمشي في المخيم وألقت التحية عليه، وقتذاك شرحت له إنّها أرملة تعيل أسرتها وترعى أطفالاً يتامى، سألته عن إمكانية مساعدتها للحصول على عمل، وإذا ما احتاجت إلى حصة غذائية فهل بمقدورها مراجعته، هزّ الموظف رأسه في إشارة على الموافقة.
وتعيش نسبة كبيرة من النساء السوريات اللاجئات اللاتي فقدن أزواجهنّ خلال أعمال القتال الدائرة في سوريا تحت ضغوط شديدة، يواجهنَ التعرّض لمخاطر عالية من الفقر والاستغلال الجنسي، حيث لم تدرك (ع.ع) إنها ستقع ضحية ابتزاز مقابل حصولها على حصة غذائية إضافية أو عمل، فالحاجة لتربية طفليها الصغار، وصعوبات العيش داخل خيمة لا تقيها حرارة الشمس وبرودة الشتاء، دفعتها لطلب المزيد من المساعدة، وأعربت عن حزنها قائلة: «حقيقةً عندما ذهبت، قلت في قرارة نفسي سيقوم بمساعدتي كونه أشفق عليّ، وبعدما أعطاني الحصة طلب مني أن أقصده إذا احتجت المزيد، ووعدني بالبحث عن عمل».
وبعد مرور فترة زمنية، حصلت (ع.ع) على وظيفة بمساعدة الموظف وبدأت ترتاد عملها الجديد، وكان يأخذها بسيارته الخاصة، وتبادلا أرقام الهواتف وباتت لقاءاتهم شبه يومية. لم تصدق أنّها حصلت على هذه الفرصة وبدأت تشعر بالأمان، وفي أحد الأيام طلب منها الموظف زيارتها في الخيمة، لم تتمكن من رفض طلبه نظراً لحاجتها للعمل، وقالت: «كنت أخشى من زيارته لخيمتي، لأن جاراتي ستنشرن إشاعات عنّي، ويتم تناقل الأمر بشكل خاطئ، لذلك طلبت منه المجيء بعد حلول الظلام، كي لا يشاهده أحد».
ذهب الموظف إلى خيمتها حاملاً معه هدية مغرية، وذكرت ما حدث معها قائلة: «اقترب منّي وقال لي: أعدك بالزواج، وسأساعدك في تربية أطفالك وسأبقى إلى جانبك، هنا شعرت ببعض الأمان لأجد نفسي في أحضانه».
وقد نبّهت منظمات دولية عاملة في مجال الإغاثة الإنسانية إلى وجود انتهاكات جنسية منذ نحو ثلاث سنوات، الأمر الذي دفع «صندوق الأمم المتحدة للسكان» بإجراء تقييم للعنف القائم على نوع الجنس في سوريا العام الماضي، ليخلص التقرير إلى أنّ: «المساعدات الإنسانية يجري تبادلها مقابل الجنس في مختلف المحافظات في سوريا»، وسلّط التقرير الذي حمل اسم: «أصوات من سوريا 2018» على أمثلة من النساء والفتيات اللواتي تزوجن مسؤولين لفترة قصيرة من الزمن، لتقديم الخدمات الجنسية مقابل الحصول على الطعام، موضحاً أنّ الكثير من موزعي المساعدات الإنسانية المحليين يطلبون أرقام هواتف النساء والفتيات، ويعرضون إيصالهن لمنازلهن بسيارتهم مقابل الحصول على شيء في المقابل، أو يعرضن الحصول على معونات غذائية مقابل زيارتهن في خيامهنّ وقضاء ليلة معهنّ، وشدد التقرير على أنّ: «النساء والفتيات اللواتي ليس لهنّ من يحميهنّ مثل الأرامل والمطلقات، والنازحات داخلياً يُعتبرن معرضات بشكل خاص للاستغلال الجنسيّ».
وجالت صحيفة «الشرق الأوسط» في ثلاثة مخيّمات شمال شرقي سوريا، وأجرى الكثير من المقابلات مع نساء وفتيات نازحات، بعضهنّ أكدن وقوع حوادث مماثلة، لكن أصحابها فضّلن السكوت خوفاً من الفضيحة، في حين استنكرت أخريات وقوعها، وإنّ شرف الفتاة لا يساوي حصّة غذائية أو الحصول على عمل، فيما نقلت الكثير من النساء كيفية تعرضهنّ للتحرّش اللفظيّ، وكانوا يسمعون كلمات وإشارات غير مريحة، وصلت إلى درجة رفضن معها الذهاب إلى مكاتب المنظمات لتسلم المساعدات الإنسانية خشيةً من تعرضهنّ لمواقف مماثلة.

- انتهاكات جنسية منذ سنوات
تحت خيمة صغيرة كانت مساحتها 20 متراً، جلست (م.س) تدخّن سيجارة تلو سيجارة. كانت تلبست ثوباً وغطاء الرأس متشحاً بالسواد، بدت وكأنّها كبيرة في السنّ، على الرغم من أنّ عمرها لم يتجاوز الـ30 عاماً. بدأتْ برواية قصتها التي حدثت معها قبل نحو ثلاثة أشهر، حيث قطعت الأمل في زوجها المفقود منذ سنة، ولم تسمع أية أخبار جديدة، الأمر الذي دفعها للبحث عن العمل، وقصدت مكاتب المنظمات العاملة في المخيم الذي نزحت إليه، رفقة أطفالها الثلاث صيف العام الفائت.
وفي بداية حديثها، أخبرت (م.س) أنّ كلّ أفراد أسرتها سافروا إلى تركيا منذ بداية الأزمة السورية نهاية 2011، أما عائلة زوجها فهي لا تعلم عنهم شيئاً، فبعد انتهاء معركة الرقة في أكتوبر (تشرين الأول) 2017، تقطّعت أوصال العائلات السورية، فالبعض نزح إلى المناطق الخاضعة لقوات النظام السوري جنوب البلاد، في حين قصد معظم سكان الرقة المناطق التي تسيطر عليها «قوات سوريا الديمقراطية» شمالاً.
ومنذ ذلك التاريخ لم تعد (م.س) تعلم شيئاً عن زوجها وأسرته، حالها كحال معظم المدنيين الذين فقدوا بعضهم بعضاً، جراء المعارك العنيفة التي استمرت قرابة 4 أشهر بين يونيو وأكتوبر 2017، وقالت: «عندي 3 أطفال صغار، ضاقت بي سبل العيش، والحصّة الغذائية لم تعد تكفي شيئاً، بحثت عن عمل لكن دون جدوى»، وبعد مراجعتها إحدى المكاتب التابعة لمنظّمة دولية، شرحت وضعها لموظّف سوريّ، والذي وعدها بمساعدتها بالبحث عن زوجها، وعن وظيفة مناسبة، وطلب منها مراجعته بعد أيام.
بعد مرور ثلاثة أيام قرّرت (م.س) الذهاب إلى مقرّ المنظّمة، وهي تحلم بالحصول على عمل أو أخبار عن زوجها، وصلت إلى المكتب عصر يومذاك، لم يكن هناك سوى الموظف، طلب منها الجلوس وإعادة شرح ما قالته سابقاً، وتاريخ فقدان زوجها والمهن التي تجيدها، وقالت: «سرعان ما تطوّر الحديث بيننا، وتطرّق دون خجل للجانب الشخصي، وتحدّث عن علاقته مع زوجته، وبدأ يشتكي منها واتهمها بالبرود وأنّها لا تلبّي رغباته، وكيف أنّه صار بحاجة إلى امرأة ثانية».
حاولت (م.س) مراراً تغيير الموضوع دون جدوى، مضيفة: «عملت حالي لم أفهم قصده، سألته هل هناك أمل بالحصول على عمل ما، كم سيكون الراتب وعدد ساعات العمل، لكنّه عاد لنفس الحديث، وبأنّي امرأة جميلة وزوجي مفقود، لذلك يجب أن يكون هناك شخص يقف لجانبي»، إلا أنها تعمّدت مسايرته، وسماع حديثه حتى النهاية أملاً بمساعدة، لكنّها لم تحتمل كلامه، وخرجت من المكتب وحذرته من تكرار ما حدث، وتضيف: «حاول إقناعي بالموافقة لتلبية رغباته، وعندما هممت بالخروج من المكتب ألح علي بضرورة مراجعته، لأنه سيعمل جاهداً ليجد لي عملاً ويسأل عن زوجي».
بعد أيام عادت (م.س) مرة ثانية إلى مكتبه لكن ضمن أوقات الدوام، وعندما وصلت أدخلها إلى غرفته، وهناك فاجئها بالكلام ليقول لها: «أنا معجب بك وأريد إقامة علاقة، استغربت وقلت له: بالحلال، وهل سنتزوج؟ قال لي إنّ الأمر صعب، لأن لديه وضعه الخاصّ، وهو متزوّج ومسؤول في المنظمة»، عادت وسألته من جديد عن شكل العلاقة، ليجيبها: «المساعدة بالحصول على عمل والبحث عن زوجك، وسآتي إلى خيمتك».
ورفضت (م.س) طلبه، وقررت عدم الذهاب إليه مرة ثانية، وتردّدت في تقديم شكوى ضدّه، خوفاً من الفضيحة أو طردها من المخيّم، وعبّرت بغضب عن مشاعرها المشوّشة لتقول: «أين أذهب بحالي وأطفالي صغار، حقيقةً سنتشرّد، أما هو فلن يتأثر بشيء، كونه مسؤولا، ولديه حماية، وسيتمكن من تكذيب كلّ شيء، لأنه لا يوجد دليل ملموس ضدّه».
ولدى لقائها مع صحيفة «الشرق الأوسط» كشفت الناشطة المدنية مزنة دريد مديرة حملة «لاجئات لا سبايا» بأنّ النساء يشكلنّ 50 إلى 60 في المائة من نسبة النازحين واللاجئين، منهنّ 35 في المائة معيلات لأسرهنّ؛ أي إنّ عائلة من بين كلّ ثلاثة عوائل نازحة تعيلها امرأة، وقالت: «السيّدة النازحة تواجه مطالب جديدة في سبيل إعالة نفسها وإعالة أطفالها، وفضلاً عن ذلك فإنّ الصراع وانهيار القانون والنظام يجعل النساء والفتيات عرضة للانتهاكات وتزايد خطر العنف الجنسي والاعتداءات».

- حجب المساعدات
وكشفت تقارير صحافية بأنّ نازحات سوريات تعرّضن للاستغلال الجنسي من قِبل رجال محلّيين يقدمون المساعدات الإنسانية باسم منظمات دولية في مخيمات النزوح، وأفاد عمّال في مجال الإغاثة الإنسانية بأنّ العملية كانت تتم بطريق مقايضة المساعدات أو التنقّل بمزايا جنسية.
ونشرت قناة «بي بي سي» البريطانية نهاية فبراير (شباط) العام الحالي، مقابلة مع دانييل سبنسر وهي مستشارة إنسانية تعمل لصالح جمعية خيرية، أكدت سماعها عن تلك المزاعم من مجموعة من النساء السوريات في مخيم للاجئين في الأردن بشهر مارس (آذار) 2015، نقلن كيف أنّ أفراداً من المجالس المحلية في مناطق مثل درعا والقنيطرة قد عرضوا عليهنّ المساعدات مقابل ممارسة الجنس.
وقالت سبنسر في مقابلتها: «كانوا يحجبون المساعدات التي تم تسليمها ثم يستخدمون أولاء النساء لممارسة الجنس، وقد تم الإبلاغ عن هذا الاستغلال الجنسي في سوريا لأول مرة ربيع 2015»، ونوهت إلى أن الأمر كان منتشراً لدرجة: «أنّه لا يمكن للنساء أن يذهبن دون أن يلحق بهنّ العار، وأصبح هناك افتراض بأنّه إذا ذهبت أي امرأة إلى أماكن توزيع المساعدات، فإنها تكون قد قدّمت تنازلاً جنسياً مقابل المساعدة».
وفي حديثها مع صحيفة «الشرق الأوسط» أكدت المحامية السورية ليلى العودات، رئيسة قسم الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «رابطة النساء الدولية للسلام والحرية»، أنّ هذه الحوادث المروّعة بحقّ النساء شائعة في حالات النزاع المسلّح، وقالت: «النزاع المسلح يؤدي في كثير من الأحيان إلى انهيار دور القانون الذي يؤمّن نوعاً من الحماية للنساء، وشيئاً من الردع للمعتدين»، وتعزو تهاوي المؤسسات القانونية والضوابط التي تلتزم الدولة بتطبيقها إلى: «توسّع سلطة ونفوذ الجهات المسلّحة (الحكومية وغير الحكومية) مقابل تضاؤل مساحات حرية وأمان المدنيين، وتصبح النساء عرضة للابتزاز والإيذاء النفسي والجسديّ، دون حماية ودون طرق للتبليغ أو المقاومة»، على حدّ تعبير الناشطة الحقوقية ليلى العودات.
وأقرّت (ع.ع) استمرار علاقة مع الموظف نحو 6 أشهر بطريقة غير شرعية، وتزيد: «في كلّ مرة كنت أسأله متى ستكتب كتابك علي ونتزوج، كان يتحجّج بانشغاله ومسؤولياته وأنّ الوقت غير مناسب»، وبقيا لفترة زمنية مع بعضهم البعض حتى افتضح أمرهما واكتشفت جارتها الأمر. تذكرت ما حدث معها في ذلك اليوم. توقفت عن الكلام. اغرورقت عيناها بالدموع. تدخلت صديقتها لإيقاف التسجيل، لكنّها طلبت إكمال الحديث، وقالت وهي تمسح دموعها: «يومها توسّلت إليهنّ بعدم افتضاح أمري والتستر على الفضيحة، وافقن على طلبي مقابل خروجي من المخيم، وقدّمت طلباً وانتقلت للعيش في هذا المنزل الطيني، وفضلت الابتعاد عن أنظار الفضوليين».
أما الموظف فعاد إلى حياته بشكل طبيعي ورفض الزواج منها، وعمد إلى طردها من العمل، ولم يجب على اتصالاتها، وتضيف (ع.ع): «لم أتمكن من تقديم الشكوى. ماذا سأقول، وافقت على إقامة علاقة جنسية للحصول على عمل!! على حصّة إضافية!! هل هناك دليل أو وثيقة تثبت كلامي»، أخذتْ نفساً عميقاً وقالت وهي تتنهّد: «يصعب علي البوح بما مضى، تمنيت لو كان حلماً. أتمنى نسيان ما حدث».
وفي مقابلتها مع «الشرق الأوسط» ترى الدكتورة خلود صابر، مدرسة مساعدة بقسم علم النفس بجامعة القاهرة، وباحثة دكتوراه متخصّصة في مجال العنف الجنسي ودراسات الجندر بجامعة لوفان البلجيكية، إنّ الاعتداءات الجنسية تحدِث صدمة تهزّ معتقدات المرأة حول ذاتها وحول الآخرين وحول المجتمع، وقالت: «يضاف أيضا عبء عدم القدرة على البوح، أو طلب المساندة أو المواجهة، وذلك بشكل رئيسي بسبب وصمة العار الاجتماعية في المجتمع السوريّ، الذي ما زال حتى الآن يلوم المرأة المعرّضة للعنف الجنسي وتحميلها مسؤولية الانتهاك، وتعتبرها مصدراً للعار، دون الالتفات على الإطلاق لما تشعر هي به»، وأضافت: «الأزمة الأساسيّة إنّ هذه الأحداث الصدمية مستمرة حتى الآن، وتحوّلت بشكل ما إلى واقع يومي هنّ مجبرات على معايشته، مما يجعل فكرة استيعاب ما حدث، وإعادة تشكيل معتقدات الفرد أمراً في غاية الصعوبة».

- قوانين للحماية والرقابة
فيما استمرّ الموظف بمضايقة (م.س) ولا يزال يتردّد إلى المجمع الذي تقع فيها خيمتها، ويرسل الأطفال إليها ويقولون لها أنّ الأستاذ يريدك في مكتبه، وأضافت: «فكرت كثيراً في إبلاغ السلطات المحلّية في المخيّم، فلا يوجد دليل ملموس على كلامي، ماذا سأقول لهم، شخص معجب بي ويريد إقامة علاقة جنسيّة معي»، تابعت حديثها بغصّة، وبدت علامات الحزن على وجهها وأضافت: «في نهاية المطاف إذا بقي الحال كما هو عليه سأخرج من المخيم، وسأبحث عن مكان آخر أستر فيه شرفي وكرامتي».
وبحسب العودات، يتمّ تفادي هذه الانتهاكات عبر أربعة إجراءات بالتزامن، وقالت: «أولها؛ دعم وتقوية المجتمع المدني خاصة المؤسّسات التي تقودها نساء، وتعمل فيها نساء، وهي الأقدر على فهم المجتمع المحليّ، وبناء منظومة محلّية تعطي الأولوية للمدنيين، وتتفهّم وتعالج الأثر المجحف للنزاع على النساء والفتيات»، كما يشكّل الضغط الدائم على الجهات الدولية المانحة لإيجاد نظام رقابي حقيقي، تلعب فيه المؤسسات والمجتمعات المحلية دورا أساسيا شرطاً ثانياً، وتضيف العودات: «يجب أن يشمل هذا النظام الرقابي نظام إحالة فعّالة للضحايا والناجين / ات وكذلك نظام تدريبي هيكلي لرصد أي انتهاكات وجعل طرق التبليغ عنها متاحة للجميع»، فيما يكمن الشرط الثالث بالضغط محلياً ودولياً على زيادة أعداد النساء في المؤسّسات المحلّية والدوليّة العاملة في المجال الإنساني، وتضيف: «أما الإجراء الرابع والأخير، فيتمحور حول العمل للحدّ من سلطة السلاح والعنف، سواءٌ أحملته جهات رديفة للحكومة، أو جهات غير حكومية، وإعادة سلطة القانون والنضال السلمي وإعلاء حقوق الإنسان».
ولم تخفِ (م.س) و(ع.ع) إنّ الكثير من النساء والفتيات تعرضن لمواقف مشابه، إلا أنهنّ فضّلن كتمان الأمر خوفاً من الفضيحة، والتقيّد بالعادات والتقاليد، وأن الطرف الثاني سيتهرّب من المسؤولية، وسيكذّب كلّ الادعاءات، خاصة في ظلّ عدم توفّر أدلة في هكذا حالات عادةً.
ودعت الدكتورة والأخصائيّة خلود صابر الجهات الإنسانية الدوليّة إلى تحمّل مسؤوليّة خلق آليات مراقبة ومحاسبة لموظفيها، وقالت: «يجب على هذه المؤسّسات تطوير أدوات دعم ذات حساسية جندرية، تراعى واقع النساء السوريات عند تقديم الخدمات، بما فيها خلق مناخ آمن لطلب المساعدات المادية، وخلق أطر آمنة ومهنية، وذات حساسيّة ثقافيّة وجندرية لطلب المساندة النفسية».



التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
TT

التغلغل الإسرائيلي في «أرض الصومال» يفاقم التوترات

الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)
الرئيس الإسرائيلي خلال لقاء مع رئيس إقليم «أرض الصومال» على هامش منتدى دافوس (حساب الرئيس الإسرائيلي على إكس)

بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، قررت تعيين ممثل دبلوماسي لها غير مقيم، وسط تسريبات عن بدء تدشينها قاعدة عسكرية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وبحسب خبير في الشؤون الأفريقية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فإن رفض الصومال للخطوة الإسرائيلية الجديدة جاء سريعاً، إدراكاً لما يكتنفها من تحديات، مؤكداً أن ذلك يفاقم التوترات بالمنطقة، ويجعلها منطقة نزاعات عسكرية إقليمية خاصة، وقد تستخدمها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد الحوثيين في اليمن.

موطئ قدم

كانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر (كانون الأول) 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية

مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

رئيس إقليم «أرض الصومال» الانفصالي يستقبل وزير الخارجية الإسرائيلي (رئاسة «أرض الصومال» على فيسبوك)

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.

وجاء الاعتراف تزامناً مع حديث القناة الثانية عشرة الإسرائيلية أن وفداً أميركياً رفيع المستوى زار أرض الصومال، وعن تخصيص أراضٍ لإسرائيل والولايات المتحدة لمهاجمة الحوثيين في اليمن.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الماضي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

«تهديد للسيادة»

ويرى الخبير الصومالي في الشؤون الأفريقية، علي محمود كلني، أن التصعيد الإسرائيلي في القرن الأفريقي «يهدد سيادة الصومال، ويختبر مصداقية النظام الدولي، ويثير قلقاً بالغاً»، مؤكداً أن تعيين سفير بإقليم انفصالي «يعتبر تحدياً مباشراً لسيادة دولة عضو في الأمم المتحدة، وانتهاكاً واضحاً لمرتكزات النظام الدولي القائم على احترام وحدة الأراضي».

هذا «التغلغل الإسرائيلي»، بحسب كلني، «لا يمكن فصله عن سياق أوسع من السياسات التوسعية التي تنتهجها إسرائيل في مناطق متعددة، حيث تسعى إلى إعادة تشكيل خرائط النفوذ الجيوسياسي عبر استغلال الهشاشة السياسية في بعض الدول، مستندةً إلى غطاء سياسي وعسكري توفره الولايات المتحدة، بما يُضعف فعلياً من هيبة القانون الدولي، ويقوّض مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول».

وكما لاقى اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي رفضاً من الحكومة الفيدرالية بمقديشو، أعرب الصومال، الخميس، في بيان نقلته وكالة الأنباء الرسمية عن إدانته لقرار تعيين ممثل دبلوماسي إسرائيلي بـ«أرض الصومال»، ودعا تل أبيب للتراجع عنه.

وأكد الصومال أن هذه التحركات من شأنها زعزعة الاستقرار الإقليمي، وتشجيع الخطابات الانقسامية، بما يقوض الجهود الدولية الرامية إلى تحقيق الأمن والاستقرار في المنطقة، داعياً الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، وجامعة الدول العربية، ومنظمة التعاون الإسلامي، والاتحاد الأوروبي، والمجتمع الدولي إلى التمسك بالقانون الدولي، ورفض أي إجراءات تستهدف تقويض وحدة الصومال، أو إضفاء الشرعية على النزعات الانفصالية.

«اختبار للمصداقية»

وعن رد الفعل، قال كلني إن الاكتفاء ببيانات الإدانة لم يعد مجدياً في مواجهة تحركات من هذا النوع، مؤكداً أن الصومال اليوم أمام ضرورة الانتقال إلى مرحلة الفعل السياسي والدبلوماسي المنظم، عبر حشد تحالفات إقليمية، ودولية، وتفعيل أدوات الضغط في المحافل الدولية، بما في ذلك اللجوء إلى المؤسسات القانونية الدولية، لوضع حد لهذه الانتهاكات المتكررة.

وأضاف أن المجتمع الدولي، في المقابل، «يواجه اختباراً حقيقياً لمصداقيته؛ فإما أن يلتزم بتطبيق مبادئه بشكل متساوٍ، أو أن يقبل بانزلاق النظام الدولي نحو انتقائية خطيرة تُقوّض أسسه».

واستطرد: «الصمت، أو التردد في التعامل مع هذه القضية لا يعنيان سوى إعطاء ضوء أخضر لمزيد من التدخلات التي قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، وهي منطقة ذات أهمية استراتيجية بالغة، وتتحكم في ممرات بحرية حيوية للتجارة العالمية».

وداخلياً، لا يقل التحدي أهمية، إذ يتطلب الوضع الراهن من النخبة السياسية الصومالية تجاوز الانقسامات، والتوحد خلف هدف استراتيجي واضح يتمثل في حماية السيادة الوطنية، وفق ما يرى كلني، مؤكداً أن التاريخ يُظهر أن التدخلات الخارجية غالباً ما تجد موطئ قدم لها في ظل الانقسامات الداخلية، وأن غياب التوافق الوطني يُشكّل الثغرة الأخطر في جدار الدولة.


«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
TT

«حرب إيران»... حراك إقليمي لاستدامة التهدئة

وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)
وزير الخارجية المصري مع نظيره الأميركي بواشنطن لبحث مستجدات الأوضاع الإقليمية («الخارجية» المصرية)

يجري حراك إقليمي، على قدم وساق، لتمديد الهدنة بين واشنطن وطهران، مع مشاورات مصرية تركية حضت على الإسراع باستئناف المفاوضات التي تعثرت قبل أيام بين البلدين المتنازعين، وجولة بدأها رئيس الوزراء الباكستاني من السعودية، مروراً بقطر، وتختتم بتركيا.

وأفادت «الخارجية» المصرية في بيانين، الخميس، بأن الوزير بدر عبد العاطي تلقّى اتصالين هاتفيين من نظيريْه؛ الباكستاني محمد إسحاق دار، والتركي هاكان فيدان؛ لبحث مستجدات الوضع الإقليمي.

ووفق الإفادة، تبادل الوزيران المصري والباكستاني «الرؤى بشأن مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك في إطار التنسيق الوثيق والتشاور المستمر بين البلدين والجهود المشتركة المبذولة لتحقيق التهدئة»، مؤكدَين «ضرورة الدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات، بما يسهم في خفض التصعيد وإنهاء الحرب، خاصة في ظل خطورة الوضع القائم وتداعياته على السلم والأمن الإقليميين».

كما تبادل الوزير المصري مع نظيره التركي «وجهات النظر والتقديرات حول مستجدات مسار المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وأكدا أهمية تضافر الجهود الإقليمية للدفع نحو سرعة استئناف المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران، وذلك لخفض التصعيد وإنهاء الحرب».

«مظلة تهدئة»

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية ومساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن هذا التحرك الإقليمي «ليس مجرد تنسيق دبلوماسي عابر، بل يعكس محاولة واعية لبناء مظلة تهدئة متعددة الأطراف حول مسار أميركي إيراني هش بطبيعته».

وأضاف، في حديث، لـ«الشرق الأوسط»، أن ذلك الحراك يأتي من جانب «دول وازنة بالمنطقة تستطيع التأثير نحو تمديد الهدنة، التي بدأت في 8 أبريل (نيسان) الحالي، أو وقف الحرب التي أثّرت اقتصادياً على العالم منذ انطلاقها في نهاية فبراير (شباط) الماضي».

واستطرد: «غير أن السؤال الجوهري ليس فقط في قدرة هذا الحراك على إطلاق التهدئة، بل في مدى قدرته على تثبيتها ومنع انزلاقها إلى تكتيك مرحليّ قد تستغله واشنطن وتُحرّض عليه إسرائيل، يخدم إعادة التموضع العسكري».

ووفق حجازي، فإن مصر «لا تعمل كوسيط تقليدي، بل كضامن إقليمي للاستقرار، مستندة إلى ثقلها في ملفات غزة، والملاحة في البحر الأحمر، والعلاقة الممتدة مع دوائر القرار الأميركي».

يتزامن هذا مع زيارةٍ يُجريها عبد العاطي لواشنطن، سعياً لدعم مسار التهدئة بالمنطقة.

نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس يتحدث مع رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف قبل اجتماع سابق بشأن إيران (أ.ف.ب)

لقاء رباعي مرتقب

ويدرس مسؤولون أميركيون وإيرانيون العودة إلى باكستان، لإجراء مزيد من المحادثات، في مطلع الأسبوع المقبل، بعد أن انتهت المفاوضات، الأحد الماضي، دون تقدم يُذكر.

ويشمل الحراك الإقليمي لقاء مرتقباً، إذ قال مصدر دبلوماسي تركي إن وزراء خارجية تركيا وباكستان والسعودية ومصر سيجتمعون على هامش منتدى دبلوماسي في مدينة أنطاليا بجنوب تركيا، مطلع الأسبوع. ومن المقرر أن يحضر اللقاء رئيس وزراء باكستان شهباز شريف، الذي بدأ، الأربعاء، جولة تشمل السعودية وقطر وتركيا.

وبحث وليّ العهد رئيس الوزراء السعودي، الأمير محمد بن سلمان، مع رئيس وزراء باكستان، في لقاء بجدة، «مستجدات المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران التي تستضيفها إسلام آباد، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود الدبلوماسية الرامية لإعادة الاستقرار إلى المنطقة»، وفق ما نقلته وكالة الأنباء السعودية، الخميس.

وأكد أمير قطر الشيخ تميم بن حمد ورئيس وزراء باكستان، خلال لقاء بالدوحة الخميس، «ضرورة دعم مسار التهدئة وتعزيز التنسيق الدولي لضمان أمن واستقرار المنطقة، ولا سيما الحفاظ على انسيابية سلاسل إمداد الطاقة عبر الممرات البحرية الحيوية»، وفق بيان للديوان الأميري.

في السياق نفسه، قالت وزارة الدفاع التركية، في مؤتمر صحافي أسبوعي: «سنواصل تقديم الدعم اللازم لتحويل وقف إطلاق النار الحالي إلى هدنة دائمة، وفي نهاية المطاف إلى سلام دائم، دون أن يصبح الأمر أكثر تعقيداً وصعوبة في التعامل معه»، وفق ما نقلته «رويترز» الخميس.

«تهدئة تكتيكية»

ويرى حجازي الحراك الرباعي المصري السعودي الباكستاني التركي، بجانب الاجتماع في مدينة أنطاليا التركية، محاولة لتشكيل كتلة ضغط إقليمية معتدلة قادرة على تقديم حوافز سياسية وأمنية متوازنة لكل من واشنطن وطهران.

وأضاف أن التأثير الحقيقي ليس في فرض قرارات على الجانبين، «بل في تقديم مسارات بديلة آمنة تتمثل في تهدئة تدريجية وتفاهمات مرحلية، خاصة أن فرضية الخداع الاستراتيجي ليست مستبعَدة في العقيدة التفاوضية الأميركية».

واستدرك: «لكن المعطيات الحالية تحمل بيئات معقدة أمام واشنطن، وبالتالي، الاحتمال الأرجح ليس خداعاً استراتيجياً كلاسيكياً، بل تهدئة تكتيكية طويلة وليس سلاماً كاملاً، ولا حرباً شاملة، بل إدارة صراع منخفض الحدة».

ويخلص حجازي إلى أن هذا الحراك الإقليمي قادر على تمديد التهدئة، لكنه غير قادر على ضمان استدامتها، ما لم يتحول إلى إطار مؤسسي دائم.


اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
TT

اليمن يطلب دعماً دولياً عاجلاً لمواجهة تداعيات الحرب الإيرانية

ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)
ملايين اليمنيين يعيشون أوضاعاً إنسانية صعبة في ظل نقص المساعدات وتغيرات المناخ (أ.ف.ب)

في ظل تصاعد التداعيات الاقتصادية والإنسانية المرتبطة بالحرب الإيرانية، كثّفت الحكومة اليمنية تحركاتها الدبلوماسية والاقتصادية لحشد دعم دولي عاجل؛ في محاولة لتفادي مزيد من التدهور في الأوضاع المعيشية والخِدمية، والحفاظ على الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي، في وقت تزداد فيه التحديات المرتبطة بنقص التمويل، خصوصاً في برامج مواجهة التغيرات المناخية التي يُعد اليمن من أكثر الدول تضرراً بها.

وأكدت الحكومة اليمنية أن الضغوط المركبة الناتجة عن الحرب والتغيرات المناخية، إلى جانب الأزمات الهيكلية القائمة، تفرض الحاجة إلى تدخُّل استثنائي من الشركاء الدوليين، خصوصاً في ظل التراجع الحاد بالموارد المالية وارتفاع كلفة الاستيراد والخدمات الأساسية، وهو ما يهدد بتفاقم الأوضاع الإنسانية في البلاد.

وخلال اجتماع رفيع المستوى عُقد على هامش اجتماعات الربيع في واشنطن، ضم محافظ البنك المركزي أحمد غالب، ووزير المالية مروان بن غانم، ووزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع المدير التنفيذي للمجموعة العربية والمالديف لدى صندوق النقد الدولي محمد معيط، شدد الجانب الحكومي على ضرورة تكثيف دعم المانحين وتقديم دعم مالي عاجل واستثنائي.

اليمن طلب الاستفادة من أدوات التمويل الطارئ لصندوق النقد الدولي (إعلام حكومي)

واستعرض المسؤولون اليمنيون، خلال اللقاء، مُجمل التحديات الاقتصادية والمالية التي تمر بها البلاد، في ظل تصاعد التوترات الإقليمية، وانعكاساتها المباشرة على الاقتصادات الهشة، حيث أسهمت هذه التطورات في ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وزيادة أسعار السلع والطاقة، الأمر الذي ضاعف الضغوط على المالية العامة، وزاد من الأعباء المرتبطة بتلبية الاحتياجات الإنسانية الأساسية.

كما أكد الوفد الحكومي أن استمرار هذه الضغوط دون تدخل دولي فعّال قد يقوض جهود الاستقرار الاقتصادي، ويؤدي إلى تراجع الخدمات الأساسية، بما في ذلك الكهرباء والمياه والرعاية الصحية، وهو ما يفاقم معاناة السكان.

خيارات التمويل والإصلاحات

وفق المصادر الرسمية اليمنية، ناقش الاجتماع قرار المجلس التنفيذي لصندوق النقد الدولي بشأن استئناف مشاورات المادة الرابعة مع اليمن، حيث جرى بحث الخيارات المتاحة لتهيئة الظروف لانخراط البلاد في برنامج إصلاحات مالية ونقدية شاملة.

وشمل النقاش إمكانية الدخول في برامج رقابية وتمهيدية تؤهل اليمن للاستفادة من أدوات التمويل الطارئة التي يقدمها الصندوق، أسوةً بالدول التي تواجه ظروفاً مشابهة، بما يسهم في تخفيف الضغوط المالية وتعزيز الاستقرار النقدي.

اليمن يواجه أوضاعاً اقتصادية صعبة ضاعفتها الحرب الإيرانية (إعلام حكومي)

في سياق متصل، بحث وزير المالية مروان بن غانم مع خبراء من صندوق النقد والبنك الدوليين سُبل دعم النظام الضريبي، بما في ذلك تمويل مشروع أتمتة الإجراءات الضريبية، وتعزيز القدرات المؤسسية، ضِمن خطة تطوير إيرادات الطوارئ قصيرة المدى.

وأكد الوزير أن هذه الخطوات تأتي في إطار تنفيذ إصلاحات هيكلية تهدف إلى تحسين كفاءة الإدارة المالية وزيادة الإيرادات العامة، بما ينعكس إيجاباً على استقرار الاقتصاد الوطني، مشدداً على أهمية استمرار الدعم الفني والمالي من المؤسسات الدولية.

كما أشاد بالدعم المقدَّم في مجالات تطوير البنية التحتية والأنظمة التقنية، وتأهيل الكوادر البشرية، وعَدّ أن هذه الجهود تمثل ركيزة أساسية لتعزيز الأداء الحكومي وتحقيق نتائج ملموسة في إدارة الموارد المالية.

فجوة التمويل

في موازاة التحديات الاقتصادية، تواجه الحكومة اليمنية صعوبات متزايدة في تمويل برامج التكيف مع التغيرات المناخية، حيث أكدت تقارير أممية أن نقص التمويل يمثل عائقاً رئيسياً أمام قدرة البلاد على مواجهة هذه الظاهرة المتفاقمة.

وأشار وزير المالية إلى أن اليمن، بوصفه من أكثر الدول هشاشة وتأثراً بالتغيرات المناخية، يحتاج إلى دعم دولي أكبر لتوسيع برامج التكيف، خصوصاً في قطاعَي المياه والزراعة اللذين يمثلان شريان الحياة لملايين السكان.

نقص التمويل يعوق مواجهة آثار التغيرات المناخية باليمن (الأمم المتحدة)

واستعرض الوزير الإجراءات التي اتخذتها الحكومة لتعزيز هذه القطاعات، من خلال تبنّي استراتيجيات تهدف إلى تحسين إدارة الموارد المائية، وزيادة الإنتاج الزراعي، وتقليل فجوة الأمن الغذائي، إلى جانب تطوير الأُطر المؤسسية المعنية بالمناخ والتنمية المستدامة.

كما تطرّق إلى جهود الحكومة في التوسع بمشاريع الطاقة المتجددة في المناطق الريفية والحضرية؛ بهدف تقليل الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية، وتحسين الوصول إلى الكهرباء، خاصة في المناطق النائية.

وعلى الرغم من هذه الجهود، شدد الوزير على أن فجوة التمويل والدعم الفني لا تزال تمثل العائق الرئيسي أمام تنفيذ الخطط الحكومية، داعياً إلى تعزيز آليات التمويل المناخي الميسّر، ونقل التكنولوجيا، وبناء القدرات، مع مراعاة خصوصية الدول المتأثرة بالصراعات.

تعزيز الشراكة الدولية

أكدت الحكومة اليمنية أن مواجهة التحديات الراهنة، سواء الاقتصادية أم المناخية، تتطلب شراكة دولية حقيقية تقوم على مبدأ العدالة والإنصاف، خاصة فيما يتعلق بتوزيع الموارد المالية والتقنية.

ارتفاع تكاليف الشحن وزيادة الأسعار فاقما الضغوط المالية باليمن (إعلام حكومي)

في هذا السياق، شدد وزير المالية، خلال مشاركته في الحوار الوزاري لمجموعة العشرين للدول الأكثر تضرراً من التغيرات المناخية، على أهمية تحقيق التوازن بين متطلبات التنمية والاستجابة لتداعيات المناخ، في ظل تفاقم الصدمات العالمية.

ودعا إلى الالتزام بمُخرجات الاجتماعات الدولية ذات الصلة، وتعزيز التعاون بين الدول المانحة والدول المتضررة، بما يضمن تحقيق أهداف التنمية المستدامة، وتأمين سُبل العيش الكريم للسكان.

واختتم بتأكيد تطلع اليمن إلى دعم دولي أكثر فاعلية يمكنه من تجاوز التحديات الراهنة، واستعادة مسار التعافي الاقتصادي، وبناء قدرات قادرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.