موسم الهجرة إلى فرنسا

متاحف ومقابر وإسطبلات... هذه عروض الكروز لعام 2019

الفارسات المكسيكيات على صهوات جيادهن ألهبن العرض حماساً
الفارسات المكسيكيات على صهوات جيادهن ألهبن العرض حماساً
TT

موسم الهجرة إلى فرنسا

الفارسات المكسيكيات على صهوات جيادهن ألهبن العرض حماساً
الفارسات المكسيكيات على صهوات جيادهن ألهبن العرض حماساً

جرت العادة أن يأخذنا صناع الموضة في عروضهم الخاصة بـ«الكروز» إلى أماكن بعيدة. فالهدف منها أن تدغدغ الخيال وترسّخ في أذهاننا أن هذا الخط «الكروز» يرتبط ببحار لازوردية ويخوت فخمة وما شابه من أمور. هذا العام، يبدو أن معظمهم اكتفوا بفرنسا. من «شانيل» التي عرضت تشكيلتها المستوحاة من فيلا «لابوزا» التي عاشت فيها المؤسِّسة كوكو شانيل بجنوب فرنسا، إلى «ديور» التي أخذت ضيوفها إلى منطقة «شانتيلي» على بُعد ساعتين تقريباً من باريس و«لويس فويتون» إلى سانت بول دي فانس بالريفييرا الفرنسية، وأخيراً وليس آخراً «غوتشي» الإيطالية التي اختارت بدورها منطقة «لي زارل» بجنوب فرنسا.
لكل من هذه الأسماء أسبابها ومبرراتها، وقد يكون الأمر بالنسبة إلى البعض مجرد صدفة، لكن تجمعها كلها في نفس البلد لا بد أن يثير بعض التساؤلات، لا سيما أن الإمكانات لا تنقص أياً منهم للسفر بعيداً. فـ«شانيل» تحقق مبيعات عالية وأرباحاً لا تُحصى، كذلك «لويس فويتون» و«ديور» اللتان تنضويان تحت جناحي مجموعة «إل في إم إتش»، و«غوتشي» التي تملكها مجموعة «كيرينغ». ثم إنهم أخذوا في السابق ضيوفهم إلى وجهات خيالية مثل هافانا بكوبا، وسيول بكوريا بالنسبة لـ«شانيل». كذلك الأمر بالنسبة إلى «ديور» التي سافرت بهم إلى شانغهاي والولايات المتحدة الأميركية، و«لويس فويتون» التي كانت وجهتها في العام الماضي كيوتو باليابان وقبلها بالم سبرينغز بالولايات المتحدة وهكذا.
كل هذا يجعل إجماعهم على فرنسا هذا العام أكثر من مجرد صدفة. بحسبة بسيطة يمكن ربطه بتولي مانويل ماكرون رئاسة البلد، إذا أخذنا بعين الاعتبار أن علاقته بصناع المال والترف على أحسن ما يرام على عكس ما كانت عليه في عهد الرئيس السابق فرنسوا هولاند. فلا يخفى على أحد أنها كانت متشنجة. ففي عهده عانى الاقتصاد الفرنسي من وعكة لازمته طويلاً واشتكى أصحاب الأموال من سياسات لم يروا أنها في صالحهم. كل هذا تغير حسب رأي مايكل بيرك، الرئيس التنفيذي لدار «لويس فويتون» الذي أكد أن عروض كل من دور «شانيل» و«ديور» و«لويس فويتون» و«غوتشي» في فرنسا «أكثر من مجرد صدفة... إنه نوع من الثقة بفرنسا. فهناك ديناميكية جديدة، ورغبة في التحدي وإعادة التواصل مع روح المقاولات التي تطبع فرنسا منذ قرون. والفضل يعود إلى الرئيس إيمانويل ماكرون الذي فتح لنا الطريق». ولا بد من الإشارة هنا إلى أن برنار أرنو، أغنى رجل في فرنسا وصاحب مجموعة «إل في إم إتش» كان من بين رجال الأعمال الذين دعموا حملة ماكرون الانتخابية في العام الماضي.
كل هذا يعني أن صناع الموضة يقومون بدورهم الوطني لإنعاش اقتصادهم، بما فيها دار «غوتشي» الإيطالية بحكم أن مالكها فرنسوا بينو، فرنسيٌّ.
في عرض «شانيل» استلهم المصمم كارل لاغرفيلد تشكيلته من أحد الخيوط التي نسجت منها المؤسسة كوكو شانيل حياتها. فقد بنى سفينة بحرية ضخمة وسط «لوغران باليه» تحمل اسم «لابوزا»، إشارةً إلى بيتها في جنوب فرنسا. كان عرضاً قوياً كصورة وكاقتراحات فنية من خلال قطع منفصلة وفساتين سهرة تستحضر روح غابرييل شانيل والدور الذي قامت به لتحرير المرأة من قيود الموضة كما كانت عليه قبلها. كانت السفينة ضخمة تتوفر على كل ما يمكن أن يخطر على بال مسافر من ترف، بدءاً من بيانو إلى مسبح، إلى حد أنك تشعر فيها أنك لست بحاجة إلى الإبحار إلى أي مكان.
«ديور» في المقابل، رحلت بنا إلى المكسيك من دون أن تغادر فرنسا. اختيارها قصر «شانتيلي» الذي يعود تاريخ بنائه إلى القرن الـ18 بإسطبله الذي يُعدّ الأكبر في أوروبا، لم يكن اعتباطاً بل كان تلميحاً إلى ما ستقدمه من عرض يلعب على مفهوم الفروسية. لكن لأن «شانتيلي» أيضاً عاصمة الدانتيل، فإن السخاء في استعماله كان واضحاً في العديد من القطع. ولا ننسى الإشارة إلى أن علاقة الدار بالمنطقة تعود إلى عهد كريستيان ديور الذي أطلق على فستان من مجموعته الشهيرة «ذي نيو لوك» اسم «شانتيلي».
افتتحت العرض فرقةٌ مكسيكية مكونة من 8 فارسات على صهوة جياد، وهن يرتدين فساتين بتنورات واسعة وطويلة تشدها من الخصر أحزمة عريضة. كان دخولهن المنصة المستديرة وهن يستعرضن مهاراتهن الفروسية كأنهن يؤدين رقصة باليه، مفاجأة للجميع. تبيّن في ما بعد أن مشاركتهن لم تكن بداعي الإبهار فحسب، بل كانت نوعاً من الاستمرارية للحركة النسوية التي رفعت مصممة الدار ماريا غراتزيا كيوري شعارها منذ أن دخلت «ديور» كأول مصممة في تاريخها. فالفارسات الثماني مشهورات في المكسيك، حيث حاربن بشراسة للحصول على حق المشاركة في «كاراييدا»، وهو نوع من الروديو في المكسيك كان مقتصراً على الرجال من قبل. عندما قابلتهن المصممة أول مرة خلال زيارة لها للمكسيك، انبهرت بصلابتهن وأنوثتهن في الوقت ذاته، حسب قولها. وأكثر ما شد انتباهها تمسكهن بارتداء ملابسهن الأنثوية التقليدية الملونة.
قبلهن لم يكن وارداً أن تشارك المرأة في أيٍّ من هذه الأنشطة، وكان حضورها فيها لتشجيع زوجها أو أحد أفراد عائلتها لا أقل ولا أكثر. ثم قلبت هؤلاء النسوة كل المتعارف عليه حين قررن دخول حلبة المنافسة والتفوق على أعتى الرجال. وكأن هذا لا يكفي، فقد قررن عدم التمويه على أنوثتهن، بارتداء ملابسهن التقليدية المتوهجة الألوان والغنية بالتطريزات، كنوع من التحدي ولسان حالهن يقول إنهن غير مُلزمات بتغيير أنفسهن حتى يتقبلهن الآخر. من كل هذا استلهمت المصممة كيوري تشكيلتها لعام 2019. على الأقل من خلال الألوان والأحزمة العريضة والجلود والتطريزات الإثنية وما شابه من تفاصيل. الفرق طبعاً كان في الأقمشة المترفة والخطوط الأنثوية التي ترتبط بـ«ديور» منذ تأسيسها إلى الآن. فقد ترجمت المصممة توهج ألوان الملابس المكسيكية التقليدية بدرجات باريسية هادئة لوّنت تنورات طويلة وجاكيتات مفصلة ومحددة عند الخصر، وأمتار سخية من الدانتيل والتول والقطن. كان كل شيء مُبهراً ومحسوباً، حتى تكاد تشعر بأن الدار تواطأت مع الطقس لكي تُمطر السماء مع بداية العرض. فالأمطار التي هطلت فجأة لم تؤثر عليه بقدر ما أضفت عليه جواً رومانسياً.
أما بالنسبة إلى «لويس فويتون» فإن الريفيير الفرنسية كانت خياراً فنياً، عدا أن علاقتها بالمنطقة تعود إلى عام 1908 حين افتتحت أول محل لها في مدينة نيس. فهذه المدينة والمناطق المجاورة لها كانت مرتعاً للأدباء من أمثال الكاتب فرانسيس سكوت فيزتجرالد وفرنسواز ساغان وويليم سومرست موغام، ممن كانوا من زبائن الدار الأوفياء في بداية القرن الماضي.
ورغم أن المنطقة ليست غريبة على العديد من الضيوف، بحكم أن بعضهم يمتلك فيها إما بيوتاً وإما يخوتاً، فإن الأغلبية منهم لم تزر متحف مايغت، وهذا ما تعنيه عروض «الكروز» عموماً: السفر والترحال بمفهوم الاكتشاف.
بالنسبة إلى «لويس فويتون»، التي أقامت عرضها في كيوتو اليابانية العام الماضي، وريو دي جانيرو وبالم سبرينغز قبلها، فإن اختيارها للريفييرا الفرنسية، وتحديداً متحف «مايغت Maeght» للفنون المعاصرة، له مبرراته. والصورة التي واجهت الحضور منذ أول لحظة أن نجوم من أمثال إيما ستون، وجينفر كونولي، وليا سايدو، وجاستين ثيرو وغيرهم، وجدوا منافسة كبيرة على الأضواء مع الفنانين مارك شاغال وألبرتو جياكوميتي اللذين تناثرت أعمالهما حول الحديقة. لا شك أن هذا ما كان يطمح إليه المصمم الشاب نيكولا غيسكيير الذي أكد حبه للفن المعاصر في عدة مناسبات. فأغلب عروض الدار، إن لم نقل كلها، تجري في أهم المتاحف العالمية. من متحف «اللوفر» ومنظمة «لويس فويتون»، إلى متحف «ميهو» في كيوتو، ومتحف «ريو» للفنون المعاصرة قبله، وأخيراً وليس آخراً متحف «مايغت». هذا الأخير يقع فوق تلة عالية تطل على مدينة «سان بول دي فانس» القديمة محاطاً بغابة وارفة من الأشجار. لم تكن هناك علاقة بين المكان والأزياء، فهو مجرد خلفية تعزز مكانة الدار الفنية، فالصبغة التي طبعت الأزياء كانت نوعاً من الشقاوة، التي تجسدت في التنسيق الذي يخاطب شابة صغيرة، خصوصاً إذا أخذنا بعين الاعتبار بعض التنورات القصيرة جداً. وحسب شرح المصمم فإنه يوجهها إلى «شخص يتمتع بأسلوب خاص وعصري». هذا تماماً ما جسده من خلال تنسيقه قطعاً متعددة، قد لا يمتّ بعضها إلى بعض بِصلة، لكن المفاجأة أنها لا تبدو نشازاً، بل العكس تماماً. ربما أكثر جرأة مما قدمه سابقاً، وهو ما يمكن رده إلى ثقته المتزايدة بنفسه وبمكانته في الدار. ففي مرحلة تمر بها صناعة الموضة بعدة تغييرات تأتي على رؤوس مصممين بعد موسم أو موسمين فقط، نجح نيكولا غيسكيير في الاستمرار. فبعد 5 سنوات، جدد عقده مع «لويس فويتون» مؤخراً لمدة 5 سنوات أخرى، وهو ما قل حدوثه في عالم الموضة مؤخراً.
أما دار «غوتشي» الإيطالية، فقد أنهت هذه الجولة الفرنسية في منطقة «لي زارل» جنوب فرنسا أيضاً، وتحديداً في «Alyscamps» وهي مقبرة رومانية قديمة مدرجة ضمن قائمة مواقع التراث العالمي.
وهي نفس المقبرة التي أشار إليها دانتي في كتابه «الجحيم» ورسم فيها كلٌّ من فان جوغ وبول غوغان بعض لوحاتهما.
غنيّ عن القول: إن المكان خلق أجواء غريبة، أضفت عليها الشموع المتناثرة والدخان المتصاعد في ظلمة الليل، رهبة. الأزياء في المقابل كانت قوية بالألوان المتضاربة وطبعات الورود والتطريزات التي عوّدنا عليها المصمم وأصبحت ماركته المسجلة إلى حد ما، لتأتي الصورة قوية بإيحاءاتها التي لعب فيها على القديم والحديث. أما إذا كانت فكرة أليساندرو ميكيلي هي الغوص في معنى الموت، باختياره مقبرةٍ كمسرح لعرضه، فإن النتيجة كانت أنه نجح في إضفاء الكثير من الرومانسية عليه. فالمبالغة في الألوان والجمع بين التناقضات خلقت نوعاً من التناغم الذي أكد حتى الآن أنْ لا أحد يمكن يُتقنه مثله. الدليل أن أرقام المبيعات ارتفعت بمجرد دخوله الدار، ولا تزال في نمو مستمر رغم الأزمة الاقتصادية.


مقالات ذات صلة

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

لمسات الموضة إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

خرجت دوقة ساسيكس من المؤسسة الملكية البريطانية بدرس مهم عن الموضة وكيف يمكن استعمالها لغةً صامتة... لكن بليغة.

لمسات الموضة تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن…

فيفيان حداد (بيروت)
لمسات الموضة «برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان».

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة قصة مرايا المطعم وكيف كانت النساء يستعملنها للتأكد من جودة الألماس حفّزت خيال المصممة (ميسيكا)

خلال عيد الحب... «ميسيكا» تكشف عن توأم روحها بالألماس في «لابيروز» الباريسي

«ميسيكا» تقدم إصدارها الجديد من خاتم «ماي توين توي آند موي My Twin Toi & Moi» بالألماس بمطعم «لابيروز» التاريخي حيث يلتقي الفن الباريسي بالتاريخ والجمال الخالد.

«الشرق الأوسط» (لندن)
لمسات الموضة كانت تشكيلة آندرسون لـ«ديور» طبقاً دسماً من الأشكال المبتكرة (رويترز)

كيف تواصل المصممون الجدد مع إرث بيوت الأزياء العريقة؟

الـ«هوت كوتور» لا يُبنى على «الجمال السهل»، بل على إرباك المتلقي ودفعه لإعادة النظر فيما اعتاده؛ لأن الأفكار، لا الصيغ الجاهزة، هي التي تصنع القيمة طويلة الأمد.

جميلة حلفيشي (لندن)

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
TT

ميغان ماركل دوقة ساسيكس... تفاصيل صغيرة ورسائل كبيرة

إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)
إطلالة متكاملة من تسريحة الشعر واختيار أقراط الأذن إلى الفستان والرداء الطويل (أ.ف.ب)

هناك كثير ممّا يمكن قوله عن ميغان ماركل، وحتى انتقادها عليه؛ بدءاً من جموح قراراتها، إلى جرأة تصريحاتها. يمكن القول أيضاً إنها لم تأخذ خلال الفترة التي قضتها مع العائلة المالكة البريطانية حكمَتهم في أن «لا تشك ولا تُفسِّر». بيد أنها في المقابل، تعلمت منهم لغة الموضة الصامتة. باتت تستعملها بطلاقة لإيصال رسائل مبطنة في الأوقات التي تعلم فيها أن أنظار العالم بأسره ستكون مسلّطة عليها، وأن كل تفصيلة مما قد ترتديه أو تتخلى عنه ستخضع للتدقيق والتحليل. لا توفَّق دائماً في اختيار ما يناسب مقاييسها، لكنها تنجح في إثارة الاهتمام ومحركات البحث.

كل ما في هذه الإطلالة كان مثيرا ويبدو أن الدوقة اختارته بدقة لتخطف الأضواء (أ.ف.ب)

في لقاء لها مع صحيفة «نيويورك تايمز» قالت: «حين أعلم أن هناك تركيزاً عالمياً، وأن الاهتمام سينصب على كل تفصيلة في إطلالتي، أحرص على دعم مصممين تربطني بهم صداقات، أو علامات صغيرة ناشئة تستحق تسليط الضوء عليها». وأضافت: «هذا أقل ما يمكنني فعله وأقواه في الوقت ذاته». قوة تأثيرها تجعل مؤسسات خيرية تتمنى حضورها لتسليط الضوء عليها. فأي دعاية، وإن كانت نقداً، أفضل من لا دعاية.

ظهرت مؤخراً في حفل «فيفتين برسينت بليدج (Fifteen Per Cent Pledge)» الخيري في لوس أنجليس، بفستان مستوحى من عصر «هوليوود» الذهبي من «هاربيسن استوديو (Harbison Studio)». علامة لم يسمع بها كثيرون من قبل، لكن بمجرد ظهور الدوقة بها، اشتعلت محركات البحث طيلة الأيام الأخيرة. تميز الفستان بدرجة لونية تميل إليها ميغان، وهي الأبيض العاجي المائل إلى الوردي من دون حمالات.

تألقت ميغان ماركل بإطلالة كلاسيكية بفضل الرداء الملكي الطويل (إ.ب.أ)

تميز بقصة مستقيمة تعانق القوام، بينما ظهر عند الصدر خط أسود ناعم لعب دور الرابط بين الفستان والرداء المخملي الحريري الطويل الذي زاد الإطلالة إبهاراً. انسدل على كتفيها كذيل ملكي تطلّب أن تكون له مساعدة خاصة لترتيبه وإبراز طوله أمام المصورين. فتحة الفستان الخلفية أسهمت في جعل الحركة أسهل، وأيضاً في منح لمحة على صندل أسود من علامة «ستيوارت وايزمان» ظهرت به ماركل في مناسبات عدة سابقة.

تردّد أن الفستان صمم خصيصاً لها وعلى مقاسها، لكن التدقيق فيه يطرح السؤال عما إذا كان يرقى إلى مستوى الـ«هوت كوتور» الباريسي؟ ربما يكون الجواب بالنفي، لكن ما يشفع له أنه بتصميم أنيق وقماش ساتاني سميك ناسب الدوقة، وتناسق مع الرداء ومع الإطلالة عموماً، بما فيها الماكياج.

تسريحة الشعر المشدودة إلى الوراء أتاحت الفرصة لإبراز قِرطَيْ أذنين متدليين من حجر الأونيكس الأسود المرصع بالألماس. يعتقد أن هذه الأقراط تعود إلى السبعينات، ومن مجموعة «فينتاج» من علامة «ميزون ميرينور (Maison Mernor)» الموجود مقرها في «بيفرلي هيلز» لمؤسستها آمي ساتشو، التي تعشق جمع القطع الأثرية.

كان اختيارها قرطين من حجر الأونيكس مثيراً لما يحمله هذا الحجر الكريم من دلالات رمزية متناقضة (إ.ب.أ)

اختيار الأونيكس يبدو مثيراً للدهشة؛ فرغم أنه من الأحجار الكريمة ذات الرمزية العميقة، فإنها رمزية متناقضة لا تتفق عليها كل الثقافات؛ ففيما يعدّه بعض الحضارات القديمة حجراً يحمل طاقة ثقيلة وسلبية تجلب الحزن، رأت فيه ثقافات أخرى رمزاً للقوة الداخلية والثبات والصبر والحماية، وبالتالي كانت تستخدمه تميمة لدرء الشرور وما تُعرف بـ«الهجمات النفسية» و«الطاقات السيئة». ويبدو واضحاً أنه في عالم ميغان ماركل ينتمي إلى هذه الفئة. كما قد يكون اختيارها أيضاً من باب الأناقة أولاً وأخيراً، بما أن لونه الأسود يتناغم والرداء والفستان، وكفيل بأن يزيدها ألَقَاً.


كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
TT

كيف تألقت الهوية اللبنانية في مهرجان «صاندانس» السينمائي؟

تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)
تفاصيل كثيرة مستوحاة من الحياة اليومية والذاكرة والحنين طُرزت في القفطان (خاص)

أصبحت المهرجانات السينمائية منصة لاستعراض الإبداعات الفنية كما لآخِر خطوط الموضة. فصُناع الموضة يتنافسون مع صناع السينما لجذب الأنظار والبريق بشتى الطرق. لكن المُخرجة جناي بولس، الحاصلة على «جائزة لجنة التحكيم» الخاصة بالتأثير الصحافي عن فيلمها الوثائقي «عصافير الحرب»، قررت أن تحضر مهرجان «صاندانس» السينمائي وهي تحمل هويتها اللبنانية، اختارت قفطاناً مطرّزاً من تصميم ابنة بلدها المصممة حنان فقيه، كل تطريزة فيه تحمل ألف رسالة حب.

ترى جناي الأمر طبيعياً: «كان لا بد أن اختار إطلالة صُممت وصُنعت في لبنان أولاً، وأن تكون مُستوحاة من تفاصيل الحياة اليومية والذاكرة والحنين ثانياً. فهذا القفطان لم يكن مجرد زي أنيق أردتُ من خلاله التألق في المهرجان، بل كان رسالة حملتها معي إلى الساحة السينمائية العالمية للتعبير عن الهوية والانتماء والفخر».

المخرجة جناي بولس (خاص)

عن هذا التعاون تشرح المصممة حنان فقيه: «لم أتردد حين اتصلت بي جناي طالبةً قفطاناً يحمل الهوية اللبنانية، لترتديه خلال عرض فيلمها الوثائقي (عصافير الحرب) في مهرجان صاندانس الأميركي».

وجرى الاتفاق على أن يُصنع القفطان من المخمل الحريري الأسود، مع بطانة من الساتان؛ «لمنحِه تماسكاً وأناقة في الحركة». وطبعاً كان لا بد أن يُطرَز برسومات بألوان الأخضر والأحمر والأزرق، عبارة عن رموز ترتبط ارتباطاً وثيقاً بلبنان، مثل الأرزة الخضراء، والقلب الأحمر، والطربوش، وشمس لبنان، وفنجان القهوة العربية الملوّن. كما يتضمن رسومات لهياكل بعلبك، إلى جانب أسماء مناطق لبنانية مثل بيروت وجبيل.

تعاونت المصممة والمخرجة على تصميم القفطان حتى يعبر عن الهوية والانتماء بشكل مبتكر (خاص)

وتُعلق المصممة أن جناي حرصت على اختيار هذه الرموز اللبنانية بنفسها، «وبما أنها من مدينة جبيل، أضفت اسمها إلى باقي التطريزات حتى أمنحه خصوصية أكبر».

أما جناي فتقول عن هذا التعاون بينها وبين المصممة إنه في غاية الأهمية، ولا سيما «في زمنٍ تختزل فيه القصة اللبنانية غالباً في خطاب الأزمات، في حين شكَّل هذا القفطان بالنسبة لي تأكيداً بالاستمرارية الثقافية والحرفة والخيال». أما اختيارها للمصممة فيعود إلى أنها تتمتع بأسلوب مميز تبرز فيه «رموز وتقاليد تنبع من روح بلدي لبنان، حتى تتمتع كل قطعة بهوية واضحة يمكن تمييزها بسرعة عن أي تصميم آخر».

حنان فقيه... المصممة

حنان فقيه، عملت في مجال الاقتصاد، في البداية، لكنها ومنذ خمس سنوات، تفرغت لتحقيق حلمها بأن دخلت عالم التصميم والخياطة والتطريز، وهي تشير إلى أن هذا الشغف لم يأت صدفة، فهي، وفق ما تقوله لـ«الشرق الأوسط»، اكتسبت خبرتها في هذا المجال من والديها اللذين يملكان مصنع أقمشة في بيروت. تقول: «كنت أرافقهما دائماً في اختيار أنواع النسيج والقماش. ومع الوقت أصبحت هذه التفاصيل جزءاً من عالمي». شعورها بأن عملها في تصميم الأزياء يشكّل امتداداً لإرث عائلي يزيدها فخراً ومسؤولية.

قفطان مطرّز بلوحة من الطبيعة اللبنانية (إنستغرام)

وتتابع: «خلال فترة قصيرة، أصبحت تصاميمي تلقى رواجاً واسعاً في لبنان؛ لما تحمله من رموز خاصة»، هذه الرموز هي التي أثارت المخرجة جناي بولس إليها عندما فكرت في حضور مهرجان «صاندانس» الأخير.

اللافت أن ارتداء هذا الزي في «صاندانس» كان أيضاً امتداداً طبيعياً للفيلم نفسه «وتذكيراً بأن التمثيل لا يقتصر على ما نرويه على الشاشة، بل يشمل أيضاً كيف نختار لغة بصرية وثقافية للتعريف بأنفسنا»، وفق قول المخرجة.

تحرص حنان على تصميمات أزياء بنكهة شرقية دافئة تناسب المرأة في كل زمان أو مكان (إنستغرام)

أما المصممة فوجهت كثيراً من الاهتمام أيضاً إلى إبراز تفاصيل القفطان، آخذة في الحسبان مقاييس جناي بولس، حتى تبرز كل حركة بشكل صحيح وتظهر التطريزات بصورة لائقة: «كنت أريدها أن تبدو تلقائية في أي لقطة فوتوغرافية تُلتقط خلال المناسبة».

تجدر الإشارة إلى أن تصاميم الفقيه تتنوع بين عباءات وقفاطين وجاكيتات وفساتين بنكهة شرقية دافئة أصبحت لصيقة بها. رغم انتمائها للشرق فإنها قابلة لأن تجد لها مكاناً مناسباً في كل زمان ومكان، فهي بقصات كلاسيكية وأقمشة غنية مثل الكريب، ولا سيما اللمّاع منه، واستخدام خيوط ذهبية وأخرى من القصب اللمّاع والفيروزي.

من تصميمات حنان فقيه التي تحمل تطريزات دقيقة (إنستغرام)

ونظراً لتاريخ العائلة في صناعة الأقمشة، كان لا بد أن تتوفر لديها كل الأنواع، لكنها لا تكتفي بذلك، بل تمنحها لمسات خاصة بطباعتها في مصنع النسيج الذي يملكه والدها، مع إضافة رسومات تحاكي لوحات تشكيلية «تتضمن الورود، نقدّمها أحياناً منمنمة، وأحياناً أخرى نافرة ولافتة للنظر»، وفق قولها. «فأنا أحرص على أن تتمتع كل قطعة بالتفرد من حيث التصميم، وكذلك من خلال الأقمشة المبتكرة التي أطوعها لتخدم التصميم».


«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
TT

«ديور» وبيوت عالمية أخرى تدخل سباق رمضان بروح مختلفة وألوان جديدة

«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)
«برونيلو كوتشينيلّي» حققت المعادلة الصعبة بين الكلاسيكي والعصري (برونيلو كوتشينيلّي)

مع اقتراب شهر رمضان الكريم، يكشف كثير من دور الأزياء العالمية عن مجموعات خاصة وحصرية بمناسبة هذا الشهر الفضيل، فيما أصبح يُعرف بـ«سباق رمضان». هذا السباق؛ الذي كان إلى عهد قريباً سباقاً تجارياً بحتاً يتودد إلى زبونة لا تبخل على نفسها وأحبتها بالغالي والرخيص في هذه المناسبة، أصبح مع الوقت سباقاً على كسبها بما يُرضيها. لم يعد من الأولويات طرحُ إكسسوارات جلدية فاخرة بلمسات لامعة وزخرفات غنية، وأزياء بتصاميم طويلة تطبعها ألوان مستوحاة من رمال الصحراء الذهبية أو من الأخضر الزمردي الذي تربطه بالمنطقة حالة عشق ممتدة.

ألوان هادئة وتصاميم راقية تهمس أكثر مما تصرخ (برونيلو كوتشينيلّي)

فهذه الزبونة باتت تُدقق في كل شيء، ولم يعد همّها الصرعات التي تنتهي بانتهاء موسم واحد. أصبحت أعمق وعياً بأهمية الاستدامة من خلال الاستثمار في قطع بجودة عالية تغذي الرغبة في التألق والتميز، وفي الوقت ذاته تستمر مدة أطول.

والنتيجة كانت أن بيوت الأزياء الكبيرة وسعت الخيارات، وكسرت المتوقع أو تلك الصورة النمطية التي رسموها في أذهانهم عن هذا الشهر ومتطلباته. تنوعت الألوان لتشمل كل ألوان الموضة، مثل الأبيض والعنابي، كما تخففت الإكسسوارات والأزياء المقترحة من التطريزات الكثيرة.

صورة رسمتها دار «برونيلو كوتشينيلّي» للمرأة العربية لا تحتاج إلى تسويق (برونيلو كوتشينيلّي)

في المقابل، قدم معظمهم تصاميم تهمس بالرقي بدل الصراخ، وليس أدلّ على هذا من دار «برونيلو كوتشينيلّي» التي قدمت تصاميم تنبض رقياً وأناقةً، من خلال عبايات تأخذ في كل تفاصيلها ثقافة المنطقة من جهة؛ وموسم الخريف والشتاء من جهة ثانية... معاطف وفساتين طويلة بأكمام وكنزات من الكشمير ناعمة، وبنطلونات مستوحاة من عالم الفروسية، وأوشحة رأس تحولت زينةً نظراً إلى جمالها وتناسقها مع البشرة العربية... كل ما في هذه التشكيلة مرسوم لامرأة تريد خيارات عملية وعقلانية تتعدى ما تتطلبه اللحظة أو المناسبة، بل تريدها استثماراً طويل المدى، أو على الأقل تستفيد منها سنوات بدل شهر واحد.

من مقترحات دار «بيربري» للشهر الفضيل (بيربري)

كذلك دار «بيربري» التي تقدم مجموعة رمضانية بأسلوب يعكس هويتها بشكل واضح، وذلك من خلال نقشات المربعات اللصيقة بها، وظهرت في معاطف واقية من المطر خفيفة تناسب أجواء المنطقة الدافئة، وأوشحة من الكشمير. وتتضمن التشكيلة أيضاً أحذية «سلون (Sloane)» المفتوحة من الخلف، وحقائب «برايدل (Bridle)» المطرزة بأحجار الراين الشفافة والمزينة بنقشة الدار الكلاسيكية المتقاطعة باللون البيج، بالإضافة إلى نظارات شمسية بمفصل معدني على شكل شعار الفارس «نايت (Knight)» الخاص بالعلامة؛ مزينٍ بأحجار الكريستال.

في أول تشكيلة رمضانية له وضع جوناثان آندرسون لمساته على حقيبة «لايدي ديور» بشكل زادها أناقة (ديور)

«ديور» لم تخرج من السباق، بل دخلته بقوة أكبر هذه المرة؛ فجوناثان آندرسون، الذي قدم أول مجموعة من خط الـ«هوت كوتور» منذ فترة قصيرة أبهر بها عالم الموضة، يقدم هنا أول مجموعة رمضانية له أيضاً. بحسه الفني، فتح فصلاً جديداً احترم فيه ذوق المرأة العربية، مدركاً أنها لا تريد تغيير رموز الدار الأساسية: فهي تعشقها.

«لايدي ديور» مطرزة بالورود (ديور)

حقيبة «لايدي ديور» مثلا عادت بلمسة مميزة عبارة عن عقدة أنيقة بتوقيع خاص من المصمم، وأخرى تكسوها زخارف زهرية دقيقة من مئات البتلات الوردية. لم يكن الغرض منها مخاطبة امرأة معروفة بحبها التطريز والبريق، بقدر ما كان احتراماً لإرث دار عشق مؤسسها الورود وزرعها بحب في حدائقه وأزيائه كما في عطوره وإكسسواراته.

لم تعد الألوان مقتصرة على ألوان الصحراء والذهبي... ودخل العنابي على الخط في كثير من الإكسسوارات (ديور)

في هذه المجموعة، لم يكتف آندرسون بالأزياء والإكسسوارات، مثل حقيبتَي «لايدي ديور» و«ديور بو» أو أحذية لكل المناسبات المهمة فقط، بل أبدع مجموعة من المجوهرات يمكن أن ترتقي بأي زيٍّ مهما كانت بساطته. لم يغب اللون الذهبي عن المجموعة، لكنه أضاف إليه مجموعة بألوان العنابي والوردي والأبيض ليخاطب كل المناسبات والأذواق.