«الفسيفساء الجينية» في الجسم البشري... تحير العلماء

تظهر عندما لا تحمل كل الخلايا التركيبة الوراثية نفسها

العلماء يتساءلون عن وجود «الفسيفساء الجينية» لدى كل الأحياء
العلماء يتساءلون عن وجود «الفسيفساء الجينية» لدى كل الأحياء
TT

«الفسيفساء الجينية» في الجسم البشري... تحير العلماء

العلماء يتساءلون عن وجود «الفسيفساء الجينية» لدى كل الأحياء
العلماء يتساءلون عن وجود «الفسيفساء الجينية» لدى كل الأحياء

في حادثة غريبة لم يستطع الطبيب الأميركي جيمس بريست أن يفهم حالة طفلة مريضة، إذ وبعد فحصه للحمض النووي «دي إن إيه» العائد للطفلة شديدة المرض بحثاً عن طفرة جينية تعرّضها لخطر توقّف القلب (السكتة القلبية)، تفاجأ بنتائج الفحوصات التي بدت وكأنّها تعود لطفلتين مختلفتين.

فسيفساء جينية
ونقلت وسائل إعلام أميركية عن بريست، وهو طبيب قلب متخصص بالأطفال من جامعة ستانفورد قوله: «لقد شعرت بالذهول». إذ تبيّن أنّ الطفلة تحمل مزيجاً من الخلايا المختلفة جينياً، في حالة تعرف بـ«الفسيفساء (الموزاييك) الجينية mosaicism». وكشفت الفحوصات أنّ بعض الخلايا تحمل طفرة مميتة، في حين توجد خلايا خالية من الطفرات، وكأنّها تعود لطفلة سليمة.
اعتاد الناس التفكير بأنّ خلاياهم تتشارك جينات متطابقة، منسوخة بشكل كامل منذ مرحلة تلقيح حيامن الآباء لبيوض الأمهات. ولكن عندما يتعلّق الأمر بالأطلس الوراثي (الجينوم)، وكذلك بالحمض النووي في خلايانا، إن علينا أن نتحدّث عن كلً خليّة على حدة.
وعلى مرّ العقود، اتّضح أن الجينوم لا يختلف بين شخص وآخر فحسب، بل أيضاً بين خليّة وأخرى. وهذه الحالة ليست استثنائية أو نادرة، فكلّنا عبارة عن «فسيفساء جينية».
بالنسبة للبعض، قد يعني هذا الأمر المعاناة من اضطرابات خطيرة كأمراض القلب. ولكنّ «الفسيفساء الجينية» تعني أيضاً أنّ الأشخاص الأصحاء يختلفون عن بعضهم بعضاً حتّى وأكثر ممّا تصوّر العلماء.

لغز سحري
في أوروبا القرون الوسطى، كان المسافرون الذين تمرّ طريقهم عبر الغابات يصطدمون أحياناً بشجرة غريبة، فقد كان شكل نماء بارز من جذعها يوحي وكأنّه يعود إلى نبتة مختلفة كلياً، مع تشكّل حزمة كثيفة من الأغصان، من النوع الذي يحوّله الناس عادة إلى مكانس... أغصان يدعوها الألمان «هيكسنبيسين»: مكنسة الساحرات.
في القرن التاسع عشر، وجد مربّو النباتات أنّهم إن بادروا إلى قطع غصن من أغصان مكنسة الساحرات من إحدى الشجرات وطعموها بشجرة أخرى، ستنمو هذه الأغصان المكنسة وتنتج بذوراً، تنمو بدورها لتصبح أغصان مكنسة.
وكذلك تنمو ثمار الغريب فروت الزهرية بالطريقة نفسها. إلا أن مزارعاً من فلوريدا لاحظ يوماً ظهور جذع غريب على شجرة غريب فروت من نوع «والترز»، التي تنتج عادة فواكه بيضاء اللون، ولكنّ هذا الغصن نبتت عليه ثمرات غريب فروت زهرية اللون... ومنذ ذلك الوقت، تنتج هذه البذور أشجار غريب فروت ذات ثمار زهرية.
وقد انبهر العالم تشارلز داروين بهذه الغرابة، وتعجّب من تقارير تحدّثت عن براعم غريبة وشاذّة على نباتات مزهرة، واعتقد داروين أنّها تحمل مفاتيح لحلّ ألغاز الوراثة.

طفرات متميزة
إلّا أنّ العلم لم يتمكّن حتى القرن العشرين من توضيح أنّ هذه المادّة الشديدة الأهمية هي الحمض النووي. فقد وجد العلماء أنّه بعد طفرة حدثت في خليّة واحدة، ورثت جميع سلالاتها طفرة «مكنسة الساحرات»، وأصبحت لاحقاً هذه الحالة تعرف بـ«الفسيفساء الجينية».
وقد وجد ديفيد أ. هانغرفورد وبيتر نويل أنّ الأشخاص الذين يعانون من نوع من السرطان يعرف بالـ«لوكيميا النخاعية المزمنة» يفتقرون إلى جزء كبير من الكروموسوم 22. ومن الصعب أن نفكّر بوجود عامل مشترك بين ورم خبيث وبين ثمرة غريب فروت زهرية، إلا أن كليهما نتجا عن العملية نفسها: ذرية من سلالة الخلايا التي تكتسب طفرات جديدة لا يوجد مثلها في باقي الجسم.
ثبت أيضاً أنّ «الفسيفساء الجينية» تسبب بعض الأمراض الجلدية، فقد تبيّن أنّ بعض الطفرات الجينية تتسبب في تغيّر لون جهة واحدة من الجسم إلى لون قاتم، في حين تتسبب طفرات أخرى في انتشار خطوط على البشرة.
الفرق يكمن في التوقيت. ففي حال اكتسبت خلية معيّنة طفرة في مرحلة مبكرة من النمو، فإن هذا يعني أنها ستنتج الكثير من سلالات الخلايا المشابهة التي سينتهي بها الأمر منتشرة في الجسم. أمّا الطفرات التي تظهر في وقت متأخر، فتنتج سلالة وراثية محدودة.

اضطراب جنيني
على الرغم من الانتشار الواضح لـ«الفسيفساء الجيني»، فإنه من السهل جداً عدم ملاحظتها، ومن الصعب جدّاً توثيقها.
تعرّضت إستريا لي، الطفلة التي فحصها الطبيب بريست، لسكتة قلبية يوم ولادتها. بعدها، وضع الأطباء جهازاً للصدمات الكهربائية في قلبها لاستئناف نشاطه الطبيعي.
عمل بريست على دراسة تسلسل حمض الطفلة النووي بحثاً عن سبب الاضطراب، وخلص إلى أنّها تعاني من طفرة في نسخة واحدة من جين يعرف بـ«أس سي أن 5 أيه SCN5A»، تسببت غالباً في اضطراب القلب، لأن هذا الجين هو الذي ينتج بروتيناً يساعد في تنشيط ضربات القلب.
ولكن عندما أجرى بريست اختباراً مختلفاً، لم يعثر على الطفرة. وللوصول إلى خلاصة في حلّ هذا اللغز، تعاون بريست مع ستيفن كويك، عالم الأحياء من جامعة ستانفورد كان تولّى دراسة تسلسل موروثات الخلايا الفردية. اختار بريست 36 خلية دم بيضاء من دم الطفلة، وعمل العلماء على دراسة تسلسل الموروث الجيني الكامل لكلّ خليّة.
وتبيّن أنّ النسختين من جين يعرف باسم «SCN5A» في 33 من الخلايا كانتا طبيعيتين. ولكنّ في الخلايا الثلاثة المتبقية، وجد الباحثون طفرة في واحدة من نسخ الجين... أي أنّ دم الطفلة إستريا، كان فسيفسائياً.
واتضح أيضاً أنّ لعابها وبولها يحتويان على خلايا فسيفسائية، بعضها يحمل طفرات. وأثبتت هذه النتائج أن إستريا أصيبت بهذه الفسيفسائية في مرحلة مبكرة من نموّها. وتبيّن أيضاً أنّ الخلايا في لعابها، وخلايا المثانة في بولها وخلايا الدم نشأت من طبقات مختلفة من الخلايا عندما كانت الطفلة لا تزال جنيناً في الأسبوع الثاني.
ومن المرجّح أنّ تكون طفرة «SCN5A» لدى الطفلة قد نشأت في خلية كانت موجودة قبل هذه المرحلة، لينتهي الأمر بانتشار خلايا من نسلها لاحقاً في هذه الطبقات الثلاث، وأخيراً في الأنسجة الموزعة في جسمها.
ومن الواضح جداً أن هذه الخلايا وصلت إلى قلبها أيضاً، حيث تسبّبت الطفرة نظرياً بمرض الطفلة الصغيرة.

محاكاة القلب
في الوقت الذي كان فيه بريست يعيد تركيب أصول الفسيفساء الجينية لديها، كانت إستريا تتعافى من عملية زراعة جهاز الصدمات، فاصطحبها والداها إلى المنزل، وبدت متعافية في الأشهر القليلة التي تلت. ولكن في أحد الأيام، استشعر جهاز الصدمات بضربات غير منتظمة في قلبها وأطلق صدمة، وأرسل رسالة لاسلكية للأطباء ينذرهم فيها.
بعد عودتها إلى المستشفى، اكتشف الأطباء مشكلة جديدة وهي اتساع قلبها بشكل خطير. فربط الباحثون الطفرات في جين «SCN5A» بالحالة. بعدها بوقت قصير، توقّف قلب الطفلة، فوصله الأطباء بمضخّة آلية، ريثما يتوفّر قلبُ متبرع به.
خضعت إستريا لعملية زراعة قلب وتعافت بشكل أتاح لها العودة إلى المنزل والاستمتاع بطفولة طبيعية، لتلعب مع أختها وتستمع. وعملية الزرع هذه لم تمنح إستريا فرصة جديدة للحياة فحسب، بل قدّمت لبريست فرصة نادرة للاطلاع عن قرب على فسيفساء القلب الجيني.
ثبّت جراحو الزرع بعض القطع من عضلة قلب إستريا، واستخرج بريست وزملاؤه جين «SCN5A» من الخلايا المأخوذة من أجزاء مختلفة في قلبها.
ووجد بريست وزملاؤه أنّ أكثر من 5 في المائة من الخلايا في الجهة اليمنى من القلب مصابة بالطفرة، في حين ظهرت الطفرات في 12 في المائة من خلايا الجهة اليسرى.
لدراسة تأثير الفسيفساء الجيني، طوّر بريست وزملاؤه كومبيوتراً يحاكي قلب إستريا، وبرمجوه ببذور من الخلايا المصابة بالطفرات وأطلقوه للنبض. فضرب القلب المحاكى بشكل غير منتظم، كما فعل قلب إستريا.
ويتساءل بريست عن عدد الأشخاص الذين قد يكونون معرضين لخطر مزيج الطفرات المخفية، إلا أن الباحثين لن يتمكنوا حتى الآن من معرفة الجواب، لأنهم لم يصادفوا حالة مرضية أخرى كحالة إستريا.



انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين
TT

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

انطلاقة كبرى في أبحاث الوراثة «فوق الجينية» في القرن الحادي والعشرين

مع مطلع الألفية، كان عدد الجينات في جينوم الإنسان لا يزال محل نقاش. وعندما حصلنا أخيراً على أول تقدير رسمي، كان العدد أقل بكثير من التوقعات، مما أسهم في إطلاق حركة لإعادة النظر في عملية التطور.

في عام 2001، أعلن مشروع الجينوم البشري أن لدينا ما لا يزيد على 40 ألف جين مُشفِّر للبروتين -وهو رقم تم تعديله لاحقاً إلى نحو 20 ألفاً. كنا بحاجة إلى آليات أخرى لتفسير تعقيد بيولوجيتنا وتطورنا، كما كتب كولين باراس في مجلة «نيو ساينتست» العلمية البريطانية.

تألق علم التخلق

وهنا حان وقت تألق علم التخلق. وعلم التخلق هو مصطلح شامل يصف كيفية تفاعل مجموعة واسعة من الجزيئات مع الحمض النووي (DNA) أو الحمض النووي الريبوزي (RNA) للتأثير في نشاط الجينات دون تغيير الشفرة الوراثية الأساسية. وكذا يمكن لخليتين لهما جينومات متطابقة ولكن بعلامات خلقية مختلفة أن تبدوان وتتصرفان بشكل مختلف تماماً.

ويطلق على علمُ التَّخَلُّق (EPIGENETICS) أيضاً «علم ما فوق الجينات» أو علم التخلق المتعاقب، أو علم التخلق المتوالي.

يُتيح علم التخلق المتوالي هذا، إمكانية استخلاص مزيد من المعرفة من تعقيدات الجينوم، من خلال عوامل مثل العوامل البيئية. ويؤمن بعض علماء الأحياء بقدرته على فعل أكثر من ذلك، بل ربما التأثير في عملية التطور نفسها.

كيف تعرَّف العلماء على الظاهرة؟

في دراسة أُجريت عام 2019، عُرِّضت الخميرة لمادة كيميائية سامة، فقتلت هذه المادةُ الخميرة عندما تفاعلت مع بروتين يُنتجه أحد جينات الخميرة لكن خلايا الخميرة الأخرى التي تمتلك القدرة على إسكات هذا الجين، عبر مسار «فوق جيني»، نجت. وبعد عدة أجيال، طوّرت بعض خلايا الخميرة المزدهرة تلك طفرات جينية عززت وسائل إسكات الجين المُعرَّض للخطر. لقد تطورت الخميرة، وتغيرت شفرتها الوراثية، لكن هذه التغيرات الجينية بدأت بتعديلات «فوق جينية»، أي متخلّقة.

آراء متباينة حول دور التخلّق في اللبائن

وهكذا أصبح علم التخلق المتوالي حجر الزاوية في مسعى توسيع نظرية التطور. ولكن على الرغم من وجود أدلة على قدرة علم التخلق المتوالي على التأثير في تطور النباتات والكائنات الدقيقة، فإنه لا يوجد إجماع على أن هذا ينطبق على نطاق أوسع من الكائنات الحية.

يقول أدريان بيرد، الباحث في علم الوراثة بجامعة إدنبرة في المملكة المتحدة: «أنا متشكك». وفي ورقة بحثية نُشرت العام الماضي، جادل بيرد بأنه لا توجد طريقة واضحة لتأثير العوامل البيئية، كالجفاف والمجاعة، على جينوم اللبائن (الثدييات). علاوة على ذلك، يمكن أن تنتقل المؤشرات فوق الجينية من الآباء إلى الأبناء، ولكن الكثير منها يُزال في المراحل المبكرة من نمو جنين الثدييات.

في المقابل، يتجاهل آخرون هذه المخاوف. يقول كيفن لالا، عالم الأحياء التطورية بجامعة «سانت أندروز» في المملكة المتحدة: «الوراثة فوق الجينية شائعة في كل من النباتات والحيوانات». وفي كتاب نُشر العام الماضي، قدَّم لالا وزملاؤه قائمة طويلة من الدراسات التي تشير إلى أن علم فوق الجينات يؤثر في التطور عبر شجرة الحياة.

انطلاقة الوراثة «فوق الجينية»

لماذا تتباين الآراء بشدة؟ ربما يتعلق الأمر بالتوقيت. يقول لالا: «إن الوراثة فوق الجينية مجال سريع التطور للغاية». فعلى الرغم من أنها كانت محط اهتمام الباحثين في علم الأحياء لمدة 80 عاماً، فإن علم الوراثة فوق الجينية لم يصبح محوراً رئيسياً لأبحاث التطور إلا في السنوات الـ25 الماضية -والأفكار الكبيرة تحتاج إلى وقت لتقييمها.


الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات
TT

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

الطفولة المؤلمة لا تنتهي عند الذكريات… بل تُخزَّن في الجينات

تتجه الأدلة العلمية بشكل متزايد إلى حقيقة صادمة هي أن إساءة معاملة الأطفال لا تُلحق الأذى بالنفس فقط، بل تترك آثاراً بيولوجية دائمة على الجينات وبنية الدماغ، ما يزيد بشكل كبير من خطر الإصابة بالاضطرابات النفسية على امتداد العمر.

الصدمات المبكرة تُنقش بيولوجياً

وقد كشفت دراستان حديثتان نُشرتا في مجلات نفسية مرموقة عن أقوى الأدلة الجينية واللاجينية حتى الآن على أن الصدمات المبكرة في الحياة تصبح منقوشة بيولوجياً في الجسم، وتؤثر في تطور الدماغ وتنظيم الجينات والصحة النفسية طويلة الأمد.

وتمثل هذه النتائج مجتمعةً نقطة تحوّل في فهم العلم لمشكلة إساءة معاملة الأطفال إذ لم تُعد مسألة اجتماعية أو نفسية فحسب، بل عامل خطر بيولوجي له تبعات جينية قابلة للقياس.

دليل جيني على خطر يمتد مدى الحياة

في دراسة رائدة نُشرت في المجلة البريطانية للطب النفسي «The British Journal of Psychiatry» في 4 نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 قام باحثون برئاسة برايان هون ين تشونغ من قسم طب الأطفال والمراهقين بكلية الطب السريري في جامعة هونغ كونغ الصينية، بتحليل بيانات جينية ونفسية لأكثر من 500 ألف شخص، إلى جانب بيانات عن إساءة معاملة الطفولة لأكثر من 140 ألف حالة. وباستخدام أساليب جينومية متقدمة أثبت الفريق وجود علاقة سببية بين إساءة معاملة الأطفال واضطرابات نفسية عصبية عدة.

وكانت النتائج مذهلة، إذ إن الأفراد الذين تعرَّضوا للإيذاء أو الإهمال في مرحلة الطفولة واجهوا خطراً أعلى بـ5 أضعاف تقريباً للإصابة بالفصام، وزيادة تصل إلى 9 أضعاف في اضطراب نقص الانتباه مع فرط النشاط (ADHD)، وضعف خطر الإصابة باضطراب الاكتئاب الشديد في وقت لاحق من حياتهم.

التأثير على جينات ترتبط بالأمراض العقلية

وعلى المستوى البيولوجي كشفت الدراسة عن أن سوء معاملة الأطفال يترك آثاراً جينية مستمرة، لا سيما التغيرات في «مثيلة الحمض النووي (DNA methylation)»، وهي تعديلات كيميائية تُغيِّر طريقة عمل الجينات دون تغيير الشيفرة الوراثية نفسها.

ومن بين آلاف هذه التغيرات، حدَّد الباحثون 10 مناطق جينومية رئيسية بالقرب من 9 جينات مرتبطة بالأمراض العقلية. الجدير بالذكر أن كثيراً من هذه الجينات متورطة أيضاً في أمراض تنكسية عصبية مثل ألزهايمر وباركنسون، ما يشير إلى وجود مسارات بيولوجية مشتركة بين الصدمات المبكرة والأمراض النفسية والتدهور المعرفي في مراحل لاحقة من العمر.

وتساعد هذه النتائج على تفسير سبب استمرار آثار الإساءة في الطفولة لعقود طويلة حتى بعد زوال الحدث الصادم نفسه.

الصدمة المكتوبة في الدماغ

وتكمل هذه النتائج دراسة ثانية من جامعة فوكوي في اليابان نُشرت في مجلة «الطب النفسي الجزيئي (Molecular Psychiatry)» في 16 سبتمبر (أيلول) 2025 ركّزت على الندوب البيولوجية المباشرة التي تتركها إساءة معاملة الأطفال على الحمض النووي وبنية الدماغ معاً.

وقاد الدراسة البروفسورة أكيمي تومودا، والأستاذ المساعد شوتا نيشيطاني، وكلاهما من «مركز أبحاث النمو العقلي للطفل» في الجامعة. واستخدم الفريق نهجاً واسع النطاق لفحص التغيّرات اللاجينية عبر مجموعات متعددة شملت أطفالاً صغاراً ومراهقين خضعوا لتدخلات حماية، إضافة إلى حالات تشريح قضائي. وعلى خلاف الدراسات السابقة التي ركّزت على جينات محددة، مسحت هذه الدراسة كامل «الإبيجينوم» epigenome للكشف عن بصمات جزيئية جديدة للصدمة.

و«الإبيجينوم» هي مجموعة التغيُّرات الكيميائية التي تطرأ على الحمض النووي (DNA) والبروتينات التي تؤثر على وقت ومكان وكيفية التعبير عن الحمض النووي. ويمكن أن تنتقل هذه التغيُّرات إلى نسل الكائن الحي وراثياً عبر الأجيال.

وحدَّد الباحثون 4 مواقع لمثيلة الحمض النووي ارتبطت بشكل ثابت بإساءة معاملة الطفولة أهمها «FOXP1»، وهو جين يُعد مفتاحاً رئيسياً لتنظيم تطور الدماغ.

وارتبطت زيادة مثيلة الجين «FOXP1» ارتباطاً مباشراً بتغيُّرات قابلة للقياس في حجم المادة الرمادية في مناطق دماغية رئيسية، حيث تُعد هذه المناطق حيوية للتنظيم العاطفي والذاكرة واتخاذ القرارات والإدراك الاجتماعي. وهي وظائف غالباً ما تتأثر لدى الأفراد الذين لديهم تاريخ من الصدمات النفسية في الطفولة المبكرة.

ومن خلال الربط المباشر بين التغيّرات اللاجينية وبنية الدماغ تقدّم الدراسة دليلاً بيولوجياً قوياً على أن إساءة معاملة الأطفال تعيد تشكيل الدماغ النامي ذاته.

الكشف المبكر والوقاية

والأهم أن الدراستين لا تكتفيان بالتشخيص، بل تفتحان الباب أمام حلول عملية. فقد حدَّدت دراسة هونغ كونغ 3 عوامل رئيسية قابلة للتعديل تتوسط العلاقة بين سوء معاملة الأطفال والمرض العقلي اللاحق. وتشمل هذه العوامل السلوكيات المرتبطة بالإدمان مثل التدخين وتعاطي المخدرات، والسمات المعرفية مثل الوظائف التنفيذية والذكاء، وكذلك العوامل الاجتماعية والاقتصادية، لا سيما التحصيل العلمي. ويمكن للتدخلات الموجّهة في هذه المجالات أن تقلّل الضرر طويل الأمد بشكل ملموس.

في المقابل طوَّر فريق جامعة فوكوي مؤشر خطر للمثيلة يعتمد على المواقع الـ4 المرتبطة بالصدمة. وقد نجح هذا المؤشر في التمييز بين الأفراد الذين لديهم تاريخ من الإساءة والذين لا يملكون ذلك التاريخ باستخدام بيانات مستقلة؛ ما يفتح المجال مستقبلاً لأدوات فحص موضوعية تساعد على التعرُّف المبكر إلى الأطفال المعرّضين للخطر قبل ظهور الاضطرابات النفسية.

ويرى الخبراء أن هذه الاكتشافات تمثل تحوّلاً جذرياً، إذ لم تعد الجينوميات واللاجينوميات حكراً على الأمراض النادرة، بل أصبحت أدوات أساسية لمعالجة تحديات صحية عامة واسعة الانتشار مثل إساءة معاملة الأطفال.

ضرورة بيولوجية لحماية الطفولة

وتبعث هاتان الدراستان برسالة واضحة هي أن إساءة معاملة الأطفال تترك بصمات بيولوجية عميقة يمكن أن تُشكّل الصحة النفسية طوال الحياة. ورغم أن بعض التغيّرات اللاجينية قد يصعب عكسها فإن البحث يؤكد حقيقة قوية، ألا وهي أن الوقاية هي التدخل الأكثر فاعلية.

ومن خلال فهم الكيفية التي تُكتب بها الصدمة المبكرة في جيناتنا وأدمغتنا يمنحنا العلم إلحاحاً أكبر وأدوات أفضل لحماية الأطفال والتدخل المبكر وكسر حلقة الإساءة التي قد تمتد آثارها عبر الأجيال.


كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده
TT

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

كيف تستخدم الذكاء الاصطناعي لتحفيز الإبداع بدلاً من إخماده

تذكّرنا خبرات الحياة أن التجربة جزءٌ لا يتجزأ من التعلّم؛ فأنا أعتبر نفسي خبيرة في تحضير الصلصة. ولم أكن لأصبح خبيرة لو أنني سألت برنامج «تشات جي بي تي» عن كيفية تحضير الصلصة في كل مرة، كما كتبت أيتكين تانك(*).

ويتضح جلياً أن الذكاء الاصطناعي قادر على تخفيف عبء المحاولة المتكررة إذ إنه يجعل من السهل جداً أخذ شيء موجود وطلب نسخة جديدة منه

التعامل كشريك لا بديل

يمكن للذكاء الاصطناعي أن يعزز التفكير الإبداعي، أو أن يقضي عليه تماماً. وبصفتي الرئيس التنفيذي لشركة تعتمد على الأتمتة، وجدتُ أن المفتاح هو التعامل مع الذكاء الاصطناعي كشريك إبداعي، لا كبديل.

وإليك بعض القواعد الأساسية لتحقيق التوازن الأمثل:

1. استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد الأفكار، لا لاتخاذ القرارات النهائية: عندما أصبح الذكاء الاصطناعي التوليدي متاحاً على نطاق واسع، أثيرت ضجة كبيرة حول آثاره. فقد خشي المحترفون، من العاملين في مجال المعرفة إلى المؤلفين وغيرهم، من أن يحل الذكاء الاصطناعي محل وظائفهم، إذ بدا أن الذكاء الاصطناعي مُقدّر له أن يستمر في التطور، متجاوزاً مهارات وذكاء نظرائه من البشر.

في الآونة الأخيرة، أصبحت حدود هذه التقنية أكثر وضوحاً. فبينما تظل أدوات الذكاء الاصطناعي أدوات قوية في مكان العمل، فمن غير المرجح أن يكون تقدمها متسارعاً بلا حدود. ويجادل النقاد بأن «التكنولوجيا مهمة، لكنها ليست مهيأة لإحداث تغيير جذري في حياتنا؛ فقد لا تتحسن بشكل ملحوظ أكثر عما هي عليه اليوم».

شريك في شحذ الأذهان

الذكاء الاصطناعي لن يكتب الرواية العظيمة الجديدة، ولن يؤلف سيمفونيات تنافس باخ، لكنه شريك ممتاز في الشحذ الذهني. وقد أوضح البروفسور كريستيان تيرويش من كلية وارتون، الذي اختبر قدرة «جي بي تي» على توليد الأفكار مقارنة بقدرات طلاب الجامعات: «إنها رخيصة (الثمن)، وسريعة، وجيدة. ما الذي لا يمكن أن يُعجبك فيها؟ أسوأ ما قد يحدث هو أن ترفض جميع الأفكار (التي تولدها) وتعتمد على أفكارك الخاصة. لكن بحثنا يؤكد بقوة أن مخزون أفكارك سيتحسن باستخدامها».

وتساعدك أدوات الذكاء الاصطناعي في توليد المزيد من الأفكار الأفضل. ابدأ بأفكارك الخاصة. لذا استخدم الذكاء الاصطناعي لتوليد بدائل. ثم استخدم حكمك البشري لصقلها واختيار أفضل مسار للمضي قدماً.

الحوار بدلاً من الأوامر

2. تعامل مع الأوامر الموجهة كأنها محادثة. وليس أوامر: إحدى نقاط قوة أدوات الذكاء الاصطناعي التوليدية، مثل «جي بي تي» هي طبيعتها الحوارية. اعتبر سؤالك الأول بمثابة تمهيدٍ لبدء الحوار.

مع أنني أنصحك بأن تكون دقيقاً قدر الإمكان، أي أن تُزوّد ​​الأداة بسياقٍ كافٍ لتوليد ردودٍ قوية ودقيقة، يمكنك دائماً تحسين التوجيهات أثناء العمل. ولتوضيح ذلك بصرياً، تخيّل حوارك مع الذكاء الاصطناعي كقُمع: واسع من الأعلى ويضيق كلما اتجهت نحو الأسفل.

يمكنك البدء بطلب أفكارٍ لحملة تسويقية من «جي بي تي». وبمجرد أن يُنتج قائمة، اطلب منه تحسين تلك الأفكار لتناسب فئة مستهدفة محددة، مثل رواد الأعمال التقنيين في العشرينات والأربعينات من العمر، أو الآباء والأمهات في الضواحي. استمر في التكرار حتى تصل إلى النتيجة الأنسب لك.

على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب

3. أفسح المجال للتجربة: في الواقع، سيُعزز وجود حسٍّ صحي من حب الاطلاع بين الموظفين نمو التجربة وتوسعها. وتظهر الأبحاث أن الفوائد هنا تشمل: زيادة الابتكار، وتقليل الصراعات الجماعية، وتقليل أخطاء اتخاذ القرارات، وتحسين التواصل.

بينما يدّعي القادة غالباً تقديرهم لحب الاطلاع، إلا أنهم يميلون إلى كبته، مفضلين التزام الموظفين بالقواعد. بدلاً من ذلك، ينبغي على القادة منح الموظفين حرية الاستكشاف. خصصوا وقتاً كافياً في جداولهم الزمنية ليتمكنوا من اختبار أدوات الذكاء الاصطناعي وتجربتها دون ضغط إثبات عائد استثمار فوري.

كونوا قدوة: شاركوا تجاربكم الخاصة، سواءً أكانت تجربةُ ميزةٍ جديدة للذكاء الاصطناعي أو سرداً لحادثة أتمتة لم تسر على ما يرام. حتى الأخطاء قد تكون مفيدة.

اطلبوا آراء الموظفين لاكتشاف ما يثير فضولهم: أنظمة أو أدوات جديدة يرغبون في تجربتها، أو طرق أفضل لإدارة الشركة. قد يبدو الأمر غير فعال، وكأنه إهدار لوقت وجهد الموظفين، لكن في عصر الذكاء الاصطناعي، يعتمد الحفاظ على القدرة التنافسية على الفضول الصحي والتجريب. يجب على القادة تهيئة بيئات عمل يزدهر فيها الإبداع والتجريب.

مجلة «فاست كومباني» - خدمات «تريبيون ميديا»