تونس: «حكومة الوحدة الوطنية» في خطر

رئيس الوزراء ضد نجل الرئيس... وبدء السباق نحو قصر قرطاج

تونس: «حكومة الوحدة الوطنية» في خطر
TT

تونس: «حكومة الوحدة الوطنية» في خطر

تونس: «حكومة الوحدة الوطنية» في خطر

لم يسبق في تاريخ تونس أن انتقد رئيس حكومة تونسي في السلطة، وعلناً، نجل رئيس الجمهورية وزعيم الحزب الحاكم، مثلما فعل رئيس الحكومة التونسي الشاب يوسف الشاهد.
تصريح الشاهد الانتقادي جاء بعد حملة إعلامية سياسية طويلة استهدفته وحكومته، وحمّلتهما مسؤولية الأوضاع الصعبة التي تمر بها البلاد. ورافقتها مطالبات بإقالتهما صدرت خصوصاً عن نور الدين الطبوبي زعيم نقابات العمال وحافظ قائد السبسي زعيم حزب «نداء تونس» الحاكم ونجل الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي.
هذا التصريح - الانتقاد الذي رحبت به أطراف سياسية كثيرة مشاركة في «حكومة الوحدة الوطنية» ومن خارجها، خلط الأوراق بسرعة، وتوقع البعض أن يُدخل البلاد في أزمة سياسية شاملة، في حين توقع آخرون أن يفتح الطريق أمام الشاهد ليصبح «الرجل القوي» في الدولة والحزب الحاكم، تمهيداً لترشحه المرتقب في الانتخابات الرئاسية خلال العام المقبل.

شد أنظار المراقبين التونسيين التصريح الانتقادي المفاجئ الذي أدلى به رئيس الحكومة التونسية يوسف الشاهد إلى القناة التلفزيونية العمومية الأولى مساء الثلاثاء 29 مايو (أيار) المنصرم، وخاطب به الشعب مباشرة، وبالأخص، أن رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي كان في زيارة إلى باريس، حيث شارك مع رؤساء دول الجوار الليبي في مؤتمر المصالحة بين الأفرقاء الليبيين الذي رعاه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون.

- وثيقة قرطاج
لقد اعتبرت مبادرة الشاهد إلى مخاطبة الشعب التونسي، حول الصعوبات التي تواجهها الحكومة والحزب الحاكم، «ضربة سياسية استباقية» أوقف بها الدعاة إلى إقالته أو إلى تغيير فريقه الحكومي، رغم اعتراضات أحزاب كبرى وبعض سفراء الاتحاد الأوروبي بتونس، وبينهم السفير الفرنسي أولفييه بوافر دارفور. ولقد تسببت هذه المعارضة في وقف المفاوضات الماراثونية التي استضافها قصر قرطاج حول صياغة «وثيقة قرطاج 2» التي كان من المقرّر أن تكون خريطة طريق للدولة في المرحلة المقبلة.
لقد تزايدت تلك الدعوات بين المقرّبين من حافظ قائد السبسي، نجل الرئيس وزعيم حزب «نداء تونس»، مثل الوزير السابق خالد شوكات، الذي فسّر تراجع شعبية «نداء تونس» في انتخابات 6 مايو (أيار) الماضي مقارنة بانتخابات أواخر 2014، بإخفاقات الحكومة وعجزها عن تنفيذ برنامجه الانتخابي. غير أن يوسف الشاهد رفض هذا الطرح بقوة، وتجنب التعويم وما وصف بـ«اللغة الخشبية» خلال رده على منتقدي حكومته. وحمّل مسؤولية الأزمات التي يمرّ بها الحزب الحاكم والإدارة والبلاد إلى أخطاء حافظ قائد السبسي. والجديد، أنه ذكره بالاسم رغم علاقته العائلية برئيس الجمهورية.

- حكومة في خطر؟
جاءت انتقادات رئيس الحكومة لزعيم الحزب الحاكم ونجل الرئيس بعد يوم واحد من إعلان الرئيس التونسي أمام زعماء الأحزاب والنقابات الكبرى في البلاد «تعليق» المفاوضات التي نظمت في القصر الرئاسي طوال 5 أشهر بمشاركة الزعماء السياسيين والخبراء. وأوضحت المستشارة سعيدة قراج، الناطقة باسم رئيس الجمهورية، أن حصيلة الاجتماعات المطولة للخبراء والسياسيين كانت صياغة وثيقة اقتصادية سياسية من 64 نقطة يمكن أن تعتمدها الحكومة. إلا أن حصيلة هذه المفاوضات كانت اتفاقاً على 63 نقطة تهم أساساً البرنامج الاقتصادي الاجتماعي. وفي المقابل تصدّع تحالف الأحزاب والنقابات المشاركة منذ صيف 2016 في «حكومة الوحدة الوطنية» بسبب الخلاف حول «النقطة 64» التي تنص على تغيير الحكومة ورئيسها بعد اتهامها بالفشل. وكان على رأس المدافعين عن خيار التغيير اتحاد نقابات العمال وزعامة «نداء تونس»، الذي ينتمي رئيس الحكومة يوسف الشاهد إلى قيادته، لكنه دخل منذ مدة في خلاف مع مديره التنفيذي نجل الرئيس والمقربين منه ممن حملهم مسؤولية إضعاف الحزب والتسبب في تصدعه وانقسام كتلته البرلمانية.
لعل ما جعل الطبقة السياسية تنخرط مباشرة في خلافات الحزب الحاكم وصراعات زعمائه أن حكومة يوسف الشاهد تضم وزراء من عدة أحزاب ونقابات. ومن ثم، فإن إسقاطها سوف يعني انهيار «حكومة الوحدة الوطنية» والحزام السياسي الذي كان حولها، وكذلك القطع مع تجربة التوافق السياسي بين التيارات الليبرالية واليسارية والقومية والإسلامية المعتدلة في إطار ما عُرف بـ«حكومة الوحدة الوطنية».

- انتقادات للشاهد ولحركة «النهضة»
في المقابل خرج زعيم حزب «نداء تونس» عن صمته، وأصدر بياناً فور الإعلان عن تعليق «وثيقة قرطاج» انتقد فيه - في الوقت نفسه - رئيس الحكومة والأطراف السياسية التي رفضت تغييره الآن، بحجة البحث عن الاستقرار السياسي والوطني، وعلى رأسها حزب «حركة النهضة» واتحاد نقابات المزارعين وحزب المبادرة بزعامة وزير الخارجية الأسبق كمال مرجان.
حافظ قائد السبسي اعتبر أن «الحكومة الحالية التي تمخضت في سبتمبر (أيلول) 2016 عن اتفاق قرطاج 1 كمرجعية سياسية جامعة قد تحوّلت إلى عنوان أزمة سياسية أفقدتها صفتها كحكومة وحدة وطنية».

- فك الارتباط قبل انتخابات 2019
من ناحية أخرى، فسّر سياسيون ومراقبون من تيارات تونسية مختلفة تراجع شعبية حزب «نداء تونس» في الانتخابات من نحو 40 في المائة في العام 2014 إلى نحو 20 في المائة في انتخابات الشهر الماضي، بتحالفاته مع بعض الأطراف السياسية وبينها قيادة «حركة النهضة». ولقد لوح بيان حافظ قائد السبسي بفك الارتباط السياسي معها وبالترشح للمحطات المقبلة دون تحالفات. والتقت هذه الانتقادات مع تصريحات مماثلة عن نشطاء سياسيين من التيارات المحسوبة على الراديكالية والثورية ممن فسّروا خسارة «حركة النهضة» ثلثي ناخبيها مقارنة بانتخابات 2011، ونصفهم مقارنة بانتخابات 2014، بتحالفاتها مع حكومات حزب «النداء» الذي ينتمي معظم وجوهه إلى حزب الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي.

... وحملة إعلامية على عائلة الرئيس
ولئن تتسارع الأحداث في تونس بنسق سريع، وفي اتجاهات متناقضة منذ انهيار رأس الدولة المركزية في أعقاب ثورة يناير (كانون الثاني) 2011، فإن من بين مفاجآت الأيام القليلة الماضية أن الصراعات السياسية تداخلت وتطورت من نقاش حول البدائل الاقتصادية والاجتماعية إلى حملات إعلامية وسياسية واتهامات متبادلة. وشملت هذه الحملات عائلة الرئيس التونسي، خصوصاً نجله الأكبر حافظ الذي بات الرئيس الفعلي للحزب منذ استقالة والده منه فور جلوسه على كرسي الرئاسة في يناير 2015.
ومن بين المفارقات، أنه صدر دفاع عن عائلة الرئيس من قبل قيادات أحزاب في الحكومة والمعارضة بينها عماد الخميري، الناطق الرسمي باسم حزب «حركة النهضة». وانتقد حافظ قائد السبسي تلك الاتهامات والحملات الإعلامية التي استهدفته وعائلته، واعتبر أنها تستهدف دور رئيس الجمهورية راعياً للتوافقات السياسية والاجتماعية ومرجعاً للشرعية الشعبية الانتخابية والدستورية.

- مفاجأة من داخل البيت
لكن المفاجأة، هذه المرة، جاءت من داخل البيت. إذ صدرت الانتقادات للابن الأكبر لرئيس الدولة - التي تروج إشاعات كبيرة حول ثروته وحول انفراده بالقرار السياسي في حزبه - عن رئيس الحكومة يوسف الشاهد الذي كان قد تولى مسؤوليات عليا في حزب «نداء تونس» قبل دخوله الحكومة، بينها رئاسة اللجنة الوطنية التي أعدت لمؤتمر الحزب الأول في صيف 2015. وكان الشاهد يومذاك وكيل وزارة للزراعة ثم صار وزيراً للجماعات المحلية.
وما يُذكر أنه سبق للشاهد أن رُشح لرئاسة الحزب بعد تولّيه منصب رئاسة الحكومة في أواخر صيف 2016، إلا أن اعتراضات بعض مؤسسي الحزب ورموزه أجهضت الترشيح يومذاك، ومن ثم، أعلن الشاهد أنه يريد التفرغ للعمل الحكومي ويترك العمل الحزبي لغيره. ولكن يبدو أن رئيس الحكومة الشاب «وجد نفسه مضطراً لتبرير العلاقة المتوترة مع بعض النافذين في حزبه»، مثلما جاء على لسان وزير الزراعة الأسبق البرلماني محمد بن سالم.

- إقحام التونسيين في خلافات لا تهمهم
لقد اعتبر كثيرون من السياسيين والبرلمانيين والإعلاميين التونسيين في تعليقاتهم على معركة رئيس الحكومة مع نجل الرئيس ومدير «نداء تونس» أن من شأنها أن تزيد من إضعاف الدولة وإرباك الحزب الحاكم، حسب تعبير البرلماني اليساري منجي الرحوي. كذلك اعتبر البرلماني والوزير السابق محمد بن سالم أنّ رئيس الحكومة الشاهد «أخطأ حين أقحم التونسيين في الحرب الداخلية لـ(نداء تونس)»، وحين تحدّث عن مشاكل حزبه في خطاب توجه به إلى الشعب. وأضاف بن سالم: «مشاكل (نداء تونس) تم تمريرها إلى البلاد، عوض مناقشة الأسباب التي تفسّر فشل البلاد في تحقيق ما تصبو إليه رغم نجاحها في تنظيم انتخابات شفافة ونزيهة في 2014».

- «سيناريو» الحبيب الصيد
وفي السياق ذاته، استحضر عدد من المراقبين، بينهم البرلماني عمار عمروسية والإعلامي الطيب اليوسفي الوزير، مدير مكتب رئيس الحكومة السابق الحبيب الصيد، «سيناريو» إقالة الصيد في سبتمبر 2016. فقد تزعم الحملة الداعية إلى إبعاد الحبيب الصيد، حينذاك، وتعيين يوسف الشاهد، قادة حزب «نداء تونس» بقيادة حافظ قائد السبسي. وأيضاً من بين المفارقات أن الكتلة البرلمانية التي دعمت الحبيب الصيد حتى آخر لحظة كانت كتلة «حركة النهضة» بزعامة وزير العدل السابق نور الدين البحيري. لكن أنصار الإقالة تفوقوا فأبعد الحبيب الصيد، وهو من بين رموز النظام السابق وأحد المعارضين البارزين للمشروع السياسي والمجتمعي للحركات الإسلامية.
والواقع أنه لم تتح فرصة ليوسف الشاهد، خلف الصيد، لأن يلعب دوره. بل انطلقت بعد أشهر معدودة من تعيينه حملات تهدف إلى إضعافه وإرباكه ثم إقالته، مستفيدين من توتر علاقات نقابات العمال ببعض الوزراء وبالحكومة نتيجة خلافات حول زيادات الأجور وخصخصة المؤسسات العمومية المفلسة.
لكن السؤال الذي يطرحه عدد من السياسيين والإعلاميين ودعاة الاستقرار السياسي في تونس، مثل المحامي محمد المنصف الباروني، هو «إلى أي حد ينبغي التمادي في خيار تشريك النقابات في إعفاء الوزراء وتعيينهم، ثم في إقالة رؤساء الحكومات؟»، وهنا يشار إلى أن قيادات نقابية بارزة من الاتحاد العام التونسي للشغل طالبت سابقاً بالفعل بإقالة وزيري التربية ناجي جلول والصحة سعيد العايدي، واستجابت لها الدولة. واليوم يطالب أمين عام نقابات العمال بإعفاء رئيس الحكومة.
إذا حصل ذلك، فإن من بين الساسة التونسيين من يرى فيه تهديداً مباشراً لاستقرار البلاد، والشيء نفسه يصدق على السفير الفرنسي بتونس الذي أورد في تصريح صحافي أن «باريس والعواصم الأوروبية تدعم الاستقرار السياسي في تونس وجهود حكومة الوحدة الوطنية الحالية التنموية ونجاحاتها رغم الظروف الإقليمية والداخلية الصعبة التي تمر بها».

- أزمة سياسية بامتياز
وفي الوقت الذي رحبت قيادات سياسية، مثل الإعلامي والوزير السابق والقيادي في حزب «مشروع تونس» صلاح الدين معاوي، بما وصفوه بـ«شجاعة سياسية صدرت عن رئيس الحكومة يوسف الشاهد»، صعّد أمين عام اتحاد نقابات العمال نور الدين الطبوبي لهجته ضد رئيس الحكومة، ملوّحاً باستخدام أوراق النقابات في إشارة ضمنية إلى ورقة الإضرابات. واعتبر الطبوبي أن تصريحات الشاهد «كشفت أن الأزمة سياسية بامتياز، ولا علاقة لها بالاستحقاقات الوطنية والاجتماعية، التي تنتظرها فئات واسعة من الشعب التونسي. وهي مرتبطة بتقسيم المواقع والنفوذ والمحطات السياسية القادمة». وأورد زعيم النقابات أن وضع البلاد «يتطلب الصراحة المسؤولة بعيداً عن المحاباة والمجاملة والأجندات الانتخابية».
وبعدما التقى 7 من سفراء دول الاتحاد الأوروبي المعتمدين في تونس رئيس الحكومة الشاهد، وأعلنوا دعمهم له ولسياساته - حسب تصريحات السفير الفرنسي - تهجّم أمين عام نقابات العمال على السفير الفرنسي. وأعرب الطبوبي عن استغرابه من الحديث عن «هيبة الدولة في بلاد يرتع فيها السفير الفرنسي ويحشر نفسه في أدق المسائل الداخلية دون رادع من أي كان»، مبرزاً أن «الاتحاد سيبقى قلعة الدفاع عن استقلالية القرار الوطني».

- ورقة انتخابات 2019
في مطلق الأحوال، لا يختلف اثنان في تونس حول علاقة فشل جهود صياغة «وثيقة قرطاج 2»، ثم الانتقادات المتبادلة بين كبار السياسيين، بمن فيهم رئيس الحكومة ونجل الرئيس بانتخابات 2019 التشريعية والرئاسية. وفي حين توقع وزراء سابقون أن يقدم حافظ قائد السبسي على الترشح لخلافة والده في نهاية العام المقبل، فإن هؤلاء فهموا من تحركات رئيس الحكومة، الداخلية والخارجية، توظيف عمره (42 سنة) وموقعه ليغدو المرشح الرسمي لحزب «نداء تونس» للانتخابات الرئاسية المقبلة. واللافت، أنه لم تستبعد غالبية التعليقات في وسائل الإعلام القريبة من قصر قرطاج أن يكون الرئيس الباجي قائد السبسي نفسه هو من اقترح على الشاهد انتقاد ابنه... تأهباً لتولي مسؤولية رئاسة الحزب في المؤتمر المقبل للحزب ثم الترشح لانتخابات 2019. ومن بين ما يرجح هذه الفرضية بالنسبة لكثيرين أن يوسف الشاهد يحظى بدعم أميركي وأوروبي ودولي، من جهة، ودعم العديد من الفصائل السياسية الحاكمة والمعارضة داخل تونس من جهة ثانية. كذلك، تربط الشاهد علاقات عائلية غير مباشرة بعائلة الرئيس ما يرشّحه فعلياً لأن يكون ورقة الاستقرار ويجنّب البلاد الهزات بعد انتخابات 2019.

- القطيعة مع الشباب؟
عند هذه النقطة، يعتبر كثير من الخبراء أن معضلة تونس الكبرى، اليوم، هي استفحال القطيعة بين الشباب الممزّق بين البطالة والمخدرات والتطرف... والسياسيين الذين يخوضون صراعاً على الكراسي، وتحرّكهم الأجندات السياسية والانتخابية والمصالح الخاصة والفئوية. وفي هذا الإطار حذر الدبلوماسي السابق والمحلل السياسي عبد الله العبيدي من استفحال ظاهرة هجرة الأدمغة والخبرات التونسية، بينما يتدهور مستوى التعليم وقيمة الدينار، ناهيك عن أنه بلغ التضخم رقماً قياسياً لم يسجل منذ عام 1991. ولا شك في أن تدهور الوضع المعيشي للمواطن التونسي بصفة ملحوظة ينذر باحتمال انفجار الأوضاع مجدداً في وجه الجميع، وبعنف قد يفوق عنف ثورة 2011 وانتفاضات يناير 2016 ومايو 2017 ويناير 2018.
وفي كل الحالات سيبقى السؤال الأكبر هو: إلى أي حد سوف تبقى اللعبة السياسية تحت سيطرة اللاعبين الرسميين وشبه الرسميين؟ ومن ثم هناك سؤال وجيه آخر هو: ألن تؤدي الانتفاضات الشبابية والاحتجاجات النقابية والاجتماعية القادمة إلى إعادة خلط الأوراق وإجهاض حسابات كل المتسابقين نحو المناصب والكراسي؟



«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
TT

«اتفاقية التجارة» الأوروبية ــ الهندية تعكس تغيّرات لافتة في الواقع العالمي

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)
في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

وقّع الاتحاد الأوروبي والهند أخيراً «اتفاقية تجارة حرة» قرأ فيها متابعون أنها لا تعيد تشكيل الجغرافيا السياسية العالمية فحسب، وإنما تتحدّى أيضاً، ولا سيما في توقيتها، هيمنة بعض القوى العالمية الراسخة. لقد أبرم «الاتفاقية» وفد أوروبي زائر رفيع المستوى بقيادة أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية، وأنطونيو كوستا رئيس «المجلس الأوروبي»، اللذين كانا ضيفي شرف في احتفالات «يوم الجمهورية» الهندي، وأقاما في العاصمة نيودلهي.

تغطي «اتفاقية التجارة الحرة» الأوروبية - الهندية ما يقرب من 25 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي على مستوى العالم، وتربط سوقاً يبلغ تعدادها ملياري نسمة، ولذا يعدها خبراء أكثر بكثير من مجرد معاهدة تجارية تقليدية.

وفي أعقاب ما يقرب من عقدين من المفاوضات المتعثرة، تعكس الاتفاقية تغيّرات لافتة في الواقع العالمي؛ إذ أسفرت اضطرابات سلاسل التوريد، والمنافسة المحتدمة بين القوى العظمى، وتزايد النزعة القومية الاقتصادية، عن اضطرار الاقتصادات الكبرى إلى إعادة النظر في شراكاتها التقليدية.

في ظل هذا المشهد المتغير، يشير هذا التقارب بين «الاتحاد الأوروبي» والهند إلى نشوء محوَر جديد للتعاون الاقتصادي والاستراتيجي.

وهنا، يُبرز البروفسور هارش في بانت، نائب رئيس مؤسسة «أوبزرفر» البحثية (ORF)، الاتفاقية الجديدة بوصفها إشارة استراتيجية مهمة إلى واشنطن، ويشير إلى أن الشركاء المتشابهين في التفكير والتوجّهات يستطيعون تعزيز القدرة على التنبؤ الاقتصادي مع التقليل من التقلّبات بصفة مستقلة عن السياسة الأميركية. ومن ثم يؤكد حقيقة أساسية هي أن هذه الاتفاقية لا تتعلّق فقط بالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق، بل تتّصل أيضاً بالسلطة والاستقلالية والمكانة الاستراتيجية طويلة الأمد.

ما دور ترمب وراء دفع الاتفاقية؟

يعتقد عدد من المحللين أن السياسات التجارية الأميركية الأخيرة، مع الضغوط الدبلوماسية الملازمة لها، لعبت دوراً حاسماً في تسريع التفاهم بين الاتحاد الأوروبي والهند؛ إذ واجهت الهند رسوماً جمركية باهظة وضغوطاً سياسية مستمرة من جانب واشنطن.

وعلى مدار العام الماضي، انتقد ترمب ومساعدوه نيودلهي مراراً وتكراراً، مستخدمين القيود التجارية والخطاب الدبلوماسي اللاذع لدفع الهند نحو ترتيبات مواتية للمصالح الأميركية. ووُصفت الهند بأنها غير جديرة بالثقة، وغامضة استراتيجياً، ومقرّبة بصورة مفرطة من موسكو. بيد أن نيودلهي فضلت سياسة ضبط النفس بدلاً من المواجهة، وعوضاً عن الانخراط في تصعيد خطابي، اختارت بهدوء تعزيز شراكات بديلة، ووسّعت من خياراتها الدبلوماسية، وهو ما أعاد جريان نهر الحوار بين الجانبين.

الجدير بالذكر هنا أنه ظهر نمط أميركي مماثل في تجربة كندا الأخيرة؛ إذ عندما تحرّكت سلطات أوتاوا نحو إبرام اتفاقية تجارية مع الصين، حذّرت واشنطن - وفق تقارير يعتدّ بها - من إمكانية فرض رسوم جمركية تصل إلى 100 في المائة على الصادرات الكندية الرئيسة إذا ما استمرت المشاركة الاقتصادية الأعمق مع بكين. ويبدو أن هذه التهديدات أثبتت فاعليتها، وأجبرت كندا على التراجع - إلى حد ما - عن المفاوضات المستقلة.

أوروبا أيضاً وجدت نفسها في حالة من القلق المتزايد إزاء العجز الواضح على التنبؤ بسلوك واشنطن. وأدّى تكرار الرئيس الأميركي دونالد ترمب الكلام عن «طموحاته» الإقليمية - بما في ذلك اقتراحه المثير للجدل بشراء غرينلاند من الدنمارك - إلى جانب الصدامات العلنية مع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون حول تقاسم أعباء حلف شمال الأطلسي «ناتو»، والأعباء التجارية، إلى تعميق الشكوك الأوروبية بشأن موثوقية الولايات المتحدة.

ولم يطل الوقت حتى انضمت ألمانيا، التي كانت تشعر بالفعل بالإحباط إثر العقوبات التي أثّرت سلباً على مشاريعها في مجال الطاقة وصناعة السيارات، إلى فرنسا في التشكيك في استمرارية الالتزامات عبر الأطلسي.

وبدورها، شعرت بلدان جنوب أوروبا، التي تواجه هي الأخرى تهديدات بفرض رسوم جمركية على صادراتها الزراعية، بالقلق.

هذه الضغوط مجتمعة أسفرت عن إبطاء المفاوضات بين «الاتحاد الأوروبي» والولايات المتحدة، وتآكل الثقة الاستراتيجية بشكل مطّرد. وردّت بروكسل بتسريع التزامها تجاه الهند، التي تتمتع باقتصاد كبير في بيئة عالمية تفتقر للاستقرار.

«قطب ثالث» يواجه «شرعة مونرو»

هنا يلاحظ المحلّل الجيوسياسي الهندي سوشانت سارين أن «اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند» لعام 2026 تمثّل محوّراً جيو - سياسياً حاسماً؛ لأنها تنشئ «قطباً ثالثاً» ذا نفوذ عالمي يتحدّى بشكل مباشر «شرعة مونرو» الأميركية (1823) المُعاد إحياؤها، والتي تمنح واشنطن الحق في منع التدخل الأوروبي في الأميركتين. وبعيداً عن التجارة، تدمج الاتفاقية الأخيرة الهند في القاعدة الصناعية الدفاعية لـ«الاتحاد الأوروبي». وهي تضمن «بيئة مغلقة» للتجارة تعزل كلتا القوتين عن تقلبات العقوبات الثانوية الأميركية والتدّخلات في نصف الكرة الغربي.

الجدير بالذكر، هنا، أنه خلال الأشهر القليلة الماضية، أبرمت الهند اتفاقيات تجارية مع كل من بريطانيا ونيوزيلندا وسلطنة عُمان وعدد من الكتل الإقليمية الأخرى، فيما يشكّل تحوّلاً متعمداً نحو دبلوماسية تجارية استباقية، وتحاشي الاعتماد المفرط على شريك دولي بعينه. وفي هذا السياق، من المنتظر توقيع الهند وكندا في مارس (آذار) المقبل اتفاقية تجارية مماثلة تهدف إلى رفع حجم التجارة الثنائية إلى نحو 50 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030.

من جهة ثانية، على الرغم من المخاوف بشأن استمرار تعاون الهند مع روسيا، تجنّبت أوروبا اتخاذ تدابير عقابية، مختارة التعامل بإيجابية.

ذلك أنه بالنسبة لـ«الاتحاد الأوروبي»، توفّر الهند - التي يعدّ اقتصادها الآن رابع أكبر اقتصاد في العالم - للدول الأوروبية إمكانيات نمو ضخمة؛ إذ تمنح «الاتفاقية» نحو 93 في المائة من الصادرات الهندية وصولاً إلى الأسواق الأوروبية معفيّاً من الرسوم الجمركية. وفي المقابل، تحصل أوروبا على تخفيضات في الرسوم الجمركية على السلع الفاخرة، والطائرات، والمواد الكيميائية، وغيرها. كذلك تفتح «الاتفاقية» آفاقاً جديدة بالنسبة للصانعين الهنود، وشركات الأدوية، ومُصدّري تكنولوجيا المعلومات، وشركات الطاقة المتجددة.

مع هذا، يحذّر الخبير الاقتصادي بيسواجيت دهار من ضرورة التزام المصدّرين الهنود بمعايير «الاتحاد الأوروبي» الصارمة في مجال التنظيم والاستدامة. ومن دون تحسينات كبيرة في أنظمة الامتثال، قد يظل الوصول إلى الأسواق غير مستغل بالشكل الأمثل.

وعلى نحو مماثل، ينبّه المحلل السياسي سانجايا بارو، المستشار الإعلامي السابق لرئيس الوزراء الهندي، إلى «ضرورة موازنة الهند بين تعميق علاقاتها مع الاتحاد الأوروبي من دون الإضرار بعلاقاتها مع واشنطن. وذلك لأنه ولو كان التنويع ضرورياً، فإن الانحياز المفرط إلى أي كتلة بعينها ينطوي على مخاطر جمة».

في القمة الأوروبية - الهندية بنيودلهي رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي بين «ضيفيه» أورسولا فون دير لاين وأنطونيو كوستا (رويترز - الاتحاد الأوروبي)

أوروبا: البقاء والسيادة

بالنسبة لأوروبا، فإن الاتفاقية وُلدت من رحم الضرورة؛ إذ أدى انهيار ركائزها الثلاث، أي: الطاقة الروسية الرخيصة، وضمانات الأمن الأميركية، ونمو السوق الصينية، إلى ترك الاتحاد الأوروبي يبحث عن سبل البقاء. ومع توتر العلاقات بين واشنطن و«الاتحاد الأوروبي» جرّاء الرسوم الجمركية الأميركية والحروب التجارية التي تلوح في الأفق، وفّرت الهند الحجم اللازم للحفاظ على النمو الأوروبي. وبالتالي، فإنهاء عقدين من المفاوضات المتعثرة أتاح لأوروبا المجال لتأكيد استقلاليتها الاستراتيجية.

الواقع أن ضعف الاتحاد الأوروبي العسكري واعتماده المستمر على «ناتو» يظهران بوضوح، غير أن «اتفاقية التجارة الحرة» تمثل محاولته لإعادة ابتكار نفسه كقوة تجارية في المقام الأول.

وهنا، في ضوء التدابير الاقتصادية الأميركية الأخيرة، يواجه المصدّرون الأميركيون خطر فقدان أفضليتهم في أوروبا أمام منافسيهم الآسيويين. وهنا نشير إلى أن أوروبا ربطت التجارة بالاستدامة؛ إذ خصّصت 500 مليون يورو لصندوق المناخ في الهند كجزء من دبلوماسيتها الخضراء.

وفي هذا الإطار، يلفت المحلل سوشانت سارين إلى أن «التعجّل الأوروبي في إبرام هذه الاتفاقية يؤكد تراجع نفوذ أوروبا كقوة عالمية، الأمر الذي أضعفه خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، والنعرات الشعبوية، وأزمات الهجرة». ويضيف: «في مواجهة الضعف الاقتصادي والقيود الاستراتيجية، تتراجع أوروبا عن سياسة القوة الصلبة وتعيد تشكيل دورها عبر التجارة. وفي الوقت نفسه، يشير تركيز واشنطن المتجدد على الهيمنة على نصف الكرة الغربي إلى انكفاء نحو الداخل، ما يُهمش أوروبا من النفوذ العالمي».

يبرز ميناء حيفا الإسرائيلي كنقطة عبور

لما يقرب من خُمْسِ التجارة

بين الهند وأوروبا

الحرب الروسية - الأوكرانية

من جانب آخر، تقع «اتفاقية التجارة الحرة» الجديدة في قلب جدل ساخن حول تمويل الحرب في أوكرانيا. فلقد أثارت «الاتفاقية» غضب واشنطن، التي اتهمت الاتحاد الأوروبي بـ«التمويل غير المباشر لحرب بوتين» عبر توقيع الاتفاقية مع الهند.

مع هذا، اختار «الاتحاد الأوروبي» النهج البراغماتي، ومنح الأولوية لشراكته الطويلة الأمد على الامتثال للعقوبات الثانوية الأميركية. ولذا انتقد البيت الأبيض الاتفاقية علناً. وهاجم سكوت بيسنت، وزير الخزانة الأميركي، بروكسل بشدة إثر إبرام الاتفاقية مع نيودلهي، قائلاً: «لقد فرضنا رسوماً جمركية بنسبة 25 في المائة على الهند لشرائها النفط الروسي. خمّنوا ماذا حدث الأسبوع الماضي؟ وقّع الأوروبيون اتفاقية تجارية مع الهند. إنهم يُمولون الحرب ضد أنفسهم».

شراكة أمنية

بالمناسبة، «الاتفاقية» لم تقتصر على إعادة ترسيم الحدود الاقتصادية فحسب، بل أرست أيضاً «بنية أمنية» جديدة تمتد من بحر الشمال إلى المحيط الهندي. ولقد وقّع طرفاها الأوروبي والهندي اتفاق «شراكة أمنية ودفاعية»، يشمل تنسيقاً غير مسبوق للمسؤوليات البحرية والاستراتيجية. وسيعمل الطرفان الآن معاً على حماية بعض الممرّات البحرية الأكثر أهمية في العالم.

وهنا، لاحظ البروفسور هارش في بانت أن «شراكة الأمن والدفاع تخلق مثلثاً جيو - سياسياً جديداً، بحيث تسعى روسيا إلى إبقاء أوروبا معتمدة على الطاقة، وتضغط الولايات المتحدة على الهند لعزل موسكو، ويبني الاتحاد الأوروبي قطباً ثالثاً للقوة من خلال الهند.

وفي الحقيقة، تُضفي «الاتفاقية» الأوروبية - الهندية طابعاً واقعياً على الحرب في أوكرانيا باعتبارها متغيراً دائماً... ما يخلق نظاماً تجارياً عالمياً مصمّماً للعمل في ظل الصراع بدلاً من انتظار حله.

ولكن مع ذلك، تحذّر الأصوات الناقدة من أن الاختلافات في تصوّرات التهديدات، وموقف الاتحاد الأوروبي الدفاعي المُجزّأ، وعقبات التصديق، قد تُحدّ من إمكانيات التحوّل التي ينطوي عليها الاتفاق ما لم يلتزم الجانبان بالتعاون العملي في مجالات محدّدة وتبادل حقيقي للتكنولوجيا.

الشرق الأوسط والقرن الأفريقي

أما بالنسبة للشرق الأوسط، فإن «الاتفاقية» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند قد تسهم في إعادة تشكيل الديناميات الجيوسياسية عبر الشرق الأوسط وأفريقيا. ويشير محللون، بالذات، إلى أن «الاتفاقية» قد تعزّز من مكانة إسرائيل باعتبارها «حارس بوابة البحر الأبيض المتوسط»، حيث يبرز ميناء حيفا كنقطة عبور لما يقرب من خُمْسِ التجارة بين الهند والاتحاد الأوروبي. ومن شأن هذا الاعتماد الاقتصادي المتزايد أن يؤدي إلى تعزيز النفوذ الاستراتيجي لإسرائيل.

وحقاً يلاحظ سانجايا بارو أن «الاتفاقية تُحول التركيز البحري نحو القرن الأفريقي، حيث تتحالف الهند وإسرائيل لمواجهة الوجود المتنامي للصين، والمحور الباكستاني - التركي. ويجري تطوير ميناء بربرة، في إقليم «أرض الصومال»، ليكون بديلاً على البحر الأحمر، ما يُقلل الاعتماد على قاعدة جيبوتي المدعومة من الصين قرب مضيق باب المندب. وأيضاً يُضفي الاتفاق الطابع الرسمي على التعاون البحري من خلال الدوريات المشتركة في إطار عمليتي «أسبيدس» و«أتالانتا»، ومناطق المسؤولية المشتركة، وتوسيع نطاق المهام من خليج غينيا إلى مضيق ملقا».

ويضيف المحلل الهندي: «من خلال دمج الإنتاج الدفاعي المشترك، ودمج المعلومات البحرية، واستراتيجيات الوجود الأمامي، أصبح اتفاق التجارة الحرة فعلياً بمثابة اتفاق أمني بحري بقدر ما هو اتفاق تجاري... بانياً جداراً بحرياً في مواجهة الصين الصين والتحالف التركي – الباكستاني».

استراتيجية أوروبا للحد من المخاطر

على صعيد متصل، تمثّل «الاتفاقية» أوضح إشارة حتى الآن على عزم أوروبا على «الحد من المخاطر» المحتملة من الصين.

فمن خلال تشجيع نقل الإنتاج من المصانع الصينية إلى مراكز النسيج والتكنولوجيا الهندية، يعمل «الاتحاد الأوروبي» بنشاط على وضع الهند كشريك تصنيع مفضّل لديه... ما يعني تحدياً لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية.

ومن الناحية الاستراتيجية، تتيح «الاتفاقية» لأوروبا تنويع سلاسل التوريد، وتقليل احتمالات التعرّض للتوترات الجيوسياسية، وتأمين القطاعات الحيوية مثل أشباه الموصلات والتكنولوجيا الخضراء.

نظام عالمي ناشئ

ختاماً، تعكس «اتفاقية التجارة الحرة» بين «الاتحاد الأوروبي» والهند تحوّلاً واضحاً في السياسة العالمية. وفي حين تحتفظ الولايات المتحدة بتفوقها العسكري، فإنها تخاطر بإبعاد شركائها من خلال سياساتها الاقتصادية القسرية، ومع أن الصين تظل لاعباً مركزياً فإنها تواجه مقاومة متزايدة لنموذجها الاقتصادي. ونتيجة لكل ذلك، يتّجه النظام العالمي بثبات نحو التعددية القطبية، مع توزّع القوة وتشتّتها عبر المناطق والمؤسسات بصورة متزايدة.


ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
TT

ميته فريدريكسن... الزعيمة الدنماركية التي عزّزت شعبيتها بمواجهتها ترمب

في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف
في الأزمة الحالية مع واشنطن حرصت على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف

قبل أن تتفجّر أزمة غرينلاند بين الدنمارك والولايات المتحدة، اشتهرت رئيسة الحكومة الدنماركية ميته فريدريكسن، على الرغم من «اشتراكيتها»، بسياستها المتشدّدة ضد اللاجئين. إلا أنها باتت تُعرّف أخيراً بالسيدة التي تقف حاجزاً بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وطموحه للاستحواذ على أكبر جزيرة في العالم... غرينلاند. وحقاً، منذ اليوم الأول من ولايته الثانية، يكرّر ترمب بانتظام ومن دون ملل، مساعيه للاستحواذ على غرينلاند، الجزيرة التابعة للدنمارك التي تحظى بإدارة ذاتية. ومع الرئيس الأميركي لم يستبعد استخدام القوة للحصول على غرينلاند إلا قبل أسابيع قليلة في «منتدى دافوس» الاقتصادي العالمي، عندما أعلن أنه لن يأخذها بالقوة، فإنه أتبع ذلك بإعلانه عن التوصل لاتفاق «يرضي الجميع» على وضع الجزيرة مع أمين عام حلف شمال الأطلسي «ناتو».

تفاصيل الاتفاق بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب وأمين عام «ناتو» مارك روته حول جزيرة غرينلاند ما زالت غير واضحة. بل أصلاً غير معلوم بعد ما إذا كان الاتفاق بهذا الشأن موجوداً. إذ إن «قمة دافوس» كانت المكان الذي استبعد ترمب فيه للمرة الأولى، وعلناً، استخدام القوة للحصول على غرينلاند.

كثيرون اعتبروا هذه الخطوة انتصاراً لرئيسة وزراء الدنمارك ميته فريدريكسن، التي كرّرت منذ بداية الأزمة، إبان ولاية ترمب الأولى، رفضها القاطع والواضح. في تلك الفترة، عام 2019 كانت فريدريكسن قد تسلمت منصبها للتو بعد فوز حزبها الديمقراطي الاشتراكي (يسار الوسط) في الانتخابات العامة. وبين عهديها الأول والثاني، عاد الرئيس الأميركي وعاد معه صداع غرينلاند؛ وهو صداع وضع أصغر رئيسة وزراء للدنمارك على خريطة العالم، وأجلسها إلى جانب قادة الدول الكبرى مع أنها تقود دولة صغيرة، عدد سكانها أقل من 6 ملايين نسمة.

لا... لتنمّر الكبار!

«إذا رضينا بأن تتنمّر القوى الكبرى على الدول الأخرى، فهذا يعني أن اللعبة انتهت بالنسبة للديمقراطيات!»...

كان هذا رد فريدريكسن خلال مقابلة مع مجلة «فوغ» صيف العام الماضي، عندما سُئلت عن أزمة غرينلاند مع واشنطن التي تعدّ حليفاً أساسياً للدنمارك منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والواقع أن فريدريكسن لم تحاول مرة إرضاء الرئيس الأميركي بتصريحات تتجنّب إغضابه، كما يفعل معظم القادة الأوروبيون. لأن الأمر لا يتعلق فقط بغرينلاند، بل بعلاقة الدول وبالذات الحلفاء، بعضهم ببعض.

ثم إن رئيسة الوزراء الشابة كانت قد أغضبت ترمب إبان ولايتها الأولى عندما وصفت كلامه عن غرينلاند بـ«السخيف» - ما دفعه لإلغاء زيارة كان يخطط لها إلى الدنمارك - ولم تغير فعلياً تعاملها معه في ولايته الثانية. ذلك أنها منذ البداية كانت تقول إنه «جادّ» عندما يتكلم عن غرينلاند وأطماعه، ولذا ظلّت متمسّكة برفض كل مقترحاته حول الجزيرة، ابتداءً من عرضه لشرائها ووصولاً إلى إعلان ثكنات انتشار القوات الأميركية فيها «أراضي أميركية».

وفي المقابل، اختارت فريدريكسن حشد تأييد أوروبي، ليس فقط سياسياً بل عسكرياً أيضاً، داعية فرنسا وبريطانيا وألمانيا إلى إرسال «قوات استطلاع» إلى غرينلاند في رسالة تحدٍّ واضحة للولايات المتحدة.

قد يكون هذا الحشد العسكري المدعوم بالتصريحات الأوروبية المؤيدة لسيادة الدنمارك على غرينلاند، هو ما دفع ترمب في النهاية إلى التراجع عن فكرة استخدام القوة للحصول على الجزيرة. إذ استخلص محلّلون سياسيون أن استراتيجية فريدريكسن هذه بعثت برسالة واضحة للرئيس الأميركي، مضمونها أن أي تحرّك عسكري من جانب واشنطن «سيكون قبيحاً للغاية»، بحسب وصف محلل سياسي دنماركي. وأردف المحلل أن تكتيك رئيسة الوزراء ينطوي على أنه «إذا أرادت الولايات المتحدة أخذ غرينلاند بالقوة، فسيكون عليها أن تقيّد ضباطاً فرنسيين وبريطانيين وألماناً بالأصفاد». وهذا تحديداً، ما حاول أمين «ناتو» روته أيضاً إيصاله لترمب عندما التقى به في دافوس، محاولاً إقناعه بأن كل دول «ناتو» حليفة لواشنطن، ولا يجوز للأخيرة الدخول في مواجهة معها.

سياسية حصيفة... رغم صغر سنها

وقوف فريدريكسن (49 سنة) التي كانت أصغر رئيسة وزراء لبلادها عندما تسلمت منصبها عام 2019 في وجه أقوى دولة في العالم، لم يكسبها فقط شهرة عالمية بل أيضاً زاد من رصيدها محلياً بين الناخبين؛ وربما... بين سكان جزيرة غرينلاند الذين تربطهم علاقة معقدة بالدنمارك. ومن جهة ثانية، فإن الجزيرة الخاضعة لسلطة الدنمارك منذ نحو 300 سنة، عانت لعقود من سياسات عنصرية ما زال العديد منها قائماً حتى اليوم. إلا أن فريدريكسن بذلت جهوداً كبيرة للاعتراف بالكثير من السياسات الخاطئة في الماضي. وبالفعل، اعتذرت، مثلاً، عن ممارسات ماضية لأطباء دنماركيين أجروا عمليات لنساء الجزيرة لتثبيت أدوات لمنع الحمل من دون إبلاغهن، بهدف تقليص عدد السكان الأصليين.

وفي الأزمة الحالية مع واشنطن، حرصت فريدريكسن على التشاور بشكل مستمر مع قادة الجزيرة وتنسيق الخطوات والمواقف. ومع أن نسبة لا بأس بها من سكان غرينلاند تؤيد «الاستقلال الذاتي»، فإن الغالبية من مواطني الجزيرة، وفق آخر الاستطلاعات، ترفض الانضمام إلى الولايات المتحدة على الرغم من علاقتهم الصعبة في كثير من الأحيان مع الدنمارك.

معنى غرينلاند للدنمارك

إن بقاء غرينلاند تحت سلطة الدنمارك أمر بالغ الأهمية للمملكة الاسكندنافية، لأنها - رغم عراقتها التاريخية – ستكون من دونها مجرد دولة صغيرة لا تتعدّى مساحتها 43 ألف كلم مربع. ولكن إذا أُضيفت مساحة غرينلاند البالغة أكثر من مليوني كيلومتر مربع، فهي تصبح في المركز الـ12 من بين أكبر دول العالم، ما يعطيها ميزات كبيرة ودوراً مهماً خاصة في منطقة القطب الشمالي.

فريدريكسن تعي هذا جيداً، وهو ما يجعلها حريصة ليس فقط على التمسك بالجزيرة بل أيضاً على تجنب إغضاب سكانها. وهي أكدت مراراً في الجدل الدائر مع الرئيس الأميركي أن «قرار مستقبل غرينلاند يعود لسكانها وليس لأي طرف آخر».

وفي المقابل، تعي غرينلاند كذلك أهميتها بالنسبة للدنمارك. ونقل عن بيلي بروبيرغ، زعيم أحد أحزاب غرينلاند التي تتبنى مواقف منتقدة للدنمارك، قوله: «إذا لم يعودوا يملكون غرينلاند فسيخسرون 98 في المائة من مساحتهم، لذلك فإن الأمر بسيط جداً، إنهم مهمون طالما أنهم يملكوننا».

بالتالي، هذا يجعل مهمة فريدريكسن أصعب من مجرد تحاشي تخريب العلاقة مع واشنطن، وأيضاً الحفاظ عليها مع «مستعمرتها» التي تقول إن العلاقة معها باتت أشبه بعلاقة متساوية أكثر منها «علاقة استعمارية». وعلى الأقل، في هذه الأزمة مع الرئيس الأميركي، يبدو أن الزعيمة الدنماركية ناجحة في هذه الموازنة حتى الآن.

مَن هي ميته فريدريكسن؟

قد يكون تاريخ هذه السيدة مؤشراً لقدرتها على إتقان اللعبة السياسية في أكثر الأوقات حرجاً ربما لبلادها.

ذلك أنها نشأت في عائلة «مسيّسة»، وتقول إنها لا تتذكّر وقتاً لم تكن تهتم فيه بالسياسة. فوالدها كان عضواً في الحزب الديمقراطي الاشتراكي (الذي تنتمي إليه هي أيضاً). وكان أيضاً قيادياً نقابياً عمل في غرفة إنتاج بإحدى الصحف في وقت كان الإنتاج قد بدأ ينتقل إلى العمل الآلي، ما تسبب بتسريح عدد كبير من الموظفين... الأمر الذي حوّل والدها إلى أحد قادة التحرّك العمالي ضد عمليات التسريح.

اهتمام سياسي مبكّر... وانقلاب محافظ

ومنذ شبابها أبدت ميته فريدريكسن، المولودة في مدينة آلبورغ - رابع كبرى مدن الدنمارك - اهتماماً بالغاً بالسياسة والنضال من أجل العدالة والمساواة. وهي تذكر أن أول مجموعة سياسية انضمت إليها كانت «جناح الشباب» في «المؤتمر الوطني الأفريقي» (الحاكم في جنوب أفريقيا اليوم) وكانت تناضل عبره لإنهاء الفصل العنصري. ودراسياً، درست وتخرّجت بشهادة ماجستير في الدراسات الأفريقية من جامعة كوبنهاغن، وكانت حينذاك قد تزوّجت وأصبحت أماً.

اللافت أن فريدريكسن تروي أنها عندما كانت تلميذة مدرسة كانت تتصدّى للمتنمّرين على الأطفال من ذوي الخلفية المهاجرة، وأن هذا عرّضها للضرب على أيدي المتنمرين.

المفارقة أن تاريخ فريدريكسن في هذا النضال، انقلب لاحقاً، إذ اتخذت مواقفها السياسية اتجاهاً سلبياً معاكساً من الهجرة واللجوء. فهي اعتمدت منذ وصولها إلى السلطة، سياسات لجوء أقرب إلى سياسات اليمين المتطرف. وأعلنت أن الدنمارك دولة تريد «صفر هجرة». وحقاً، تبنّت حكومتها قرارات قاسية شملت طرد عشرات اللاجئين السوريين وإعادتهم إلى بلدهم قبل سقوط حكم بشار الأسد وفي وقت كان القتال ما زال فيه محتدماً.

أيضاً أيّدت فريدريكسن سياسة «فصل العائلات» وإرسال طالبي اللجوء إلى مراكز خارج الدنمارك للبت في طلباتهم. وكل هذه كانت خطوات أثارت ثورة غضب عارمة من المنظمات الإنسانية التي اتهمتها بانتهاك المعاهدات الإنسانية.

كذلك، اعتمد حزبها سياسات رفض استقبال مهاجرين «من دول غير غربية» وأقرّ «الترحيل» عوضاً عن الدمج، وإجبار المهاجرين على العمل 37 ساعة أسبوعياً مقابل الحصول على إعانات.

على الرغم من سياسة الهجرة المتطرفة هذه، تنفي الزعيمة الدنماركية أن تكون قد تبنت سياسات اليمين المتطرف. وردّت على مَن يتهمها بذلك، في مقابلة لها مع مجلة «فوغ»، بالقول: «من الواضح أن ثمن الهجرة الجماعية يدفعه أولئك الذين يعانون أصلاً من أوضاع معيشية صعبة، وليس هناك أي شيء أقوله يجعلني قريبة من اليمين المتطرف. إن حماية حياة الأشخاص العاديين أحد أهدافي الرئيسية». وأردفت أنها «لم تتكلّم مرة بشكل غير لائق» عن اللاجئين، كما أنها تكرر دوماً أن «لا أحد يهرب من دون سبب، ولكن هناك الكثير من النزاعات في العالم والكثير من اللاجئين، وكلهم بحاجة لحماية، وعلينا حمايتهم وتأمين حياة أفضل لهم... إلا أننا لا نستطيع أن نساعدهم كلهم داخل مجتمعنا».

بالنتيجة، ساعدت مواقف فريدريكسن وحزبها السلبية المتطرفة من الهجرة في إبقاء قوى اليمين المتطرف بعيداً عن السلطة في الدنمارك، وهذا عكس عدد كبير من الدول الأوروبية التي تعاني من تنامي اليمين المتطرف، بشكل أساسي، بسبب غضب الناخبين من سياسة الهجرة التي تعتمدها الأحزاب الوسطية الحاكمة.

الأزمة الأوكرانية

وبعيداً عن السياسة الداخلية والصراع حول غرينلاند، تعتبر ميته فريدريكسن من أشد المؤيدين أوروبياً لأوكرانيا. وهي تدعو لإعادة تسليح أوروبا كي تتمكّن من الدفاع عن نفسها، خاصة مع تزايد الشكوك بـ«الحليف الأميركي» الذي لطالما التزم بحماية أوروبا منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، لكن هذا الالتزام ضعف كثيراً في عهد ترمب. ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا، دفعت فريدريكسن لزيادة الإنفاق العسكري في بلادها، وتعهدت بزيادته بثلاثة أضعاف.

والآن، بينما تتجه لنهاية ولايتها الثانية العام المقبل، تبدو فريدريكسن على خطى وثيقة للفوز بولاية ثالثة. وهنا نشير إلى أن شعبيتها، كانت قد تقلّصت إبان إدارتها أزمة «كوفيد - 19»، خاصة مع «فضيحة إبادة المينك (ثعلب الماء/الفيزون». ففي عام 2020، أمرت الزعيمة الدنماركية بإبادة أكثر من 15 مليون حيوان مينك خوفاً من انتشار سلالة جديدة مقاومة للقاحات بين الحيوانات، ما اعتبر ضربة قاسية للمزارعين في البلاد ولإنتاج الفرو الفاخر الذي يستخرج من المينك.ولقد اضطرت للاعتذار لاحقاً بعدما أظهر تحقيق بأن أوامر ذبح الحيوانات مخالفة للقانون. ولكن تلك الفضيحة باتت الآن من الماضي بالنسبة للناخبين الفخورين بزعيمتهم التي وقفت في وجه رئيس أقوى دولة في العالم.


أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
TT

أهمية غرينلاند تكمن في موقعها الجيوسياسي بين أوروبا وأميركا

منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)
منظر من غرينلاند (آ ب/يونهاب)

تقع غرينلاند في أقصى شمال الكرة الأرضية، وهي أكبر جزيرة في العالم بمساحة تقارب 2.17 مليون كلم مربع، إلا أن عدد سكانها لا يتجاوز 57 ألف نسمة يغلب عليهم السكان الأصليون من شعب الإينويت (الإسكيمو).

تاريخياً، تعاقبت على الجزيرة موجات من الاستيطان. وفي القرن الثامن عشر، قاد التنصيري الدنماركي - النرويجي هانز إغدي بعثة تنصير واستيطان؛ ما مهّد لضم الجزيرة لاحقاً تحت العرش الدنماركي.

بحلول عام 1814، بعد انفصال النرويج عن الدنمارك، أصبحت غرينلاند مستعمرة دنماركية بموجب «معاهدة كيل»، وظلت كذلك حتى منتصف القرن العشرين. وفي عام 1953 جرى تعديل الدستور الدنماركي لتغدو غرينلاند جزءاً لا يتجزأ من مملكة الدنمارك لا مجرد مستعمرة، ولكن دون استفتاء للشعب.

دونالد ترمب (آ ب)

إبان «الحرب الباردة» اكتسبت الجزيرة أهمية استراتيجية هائلة مع إنشاء قاعدة ثول الجوية الأميركية في شمالها، التي أصبحت على الأكثر جزءاً من منظومة الدفاع الاستراتيجي الأميركي ضد الاتحاد السوفياتي.

وخلال العقود التالية، أخذت مطالبات سكان الجزيرة بالحصول على حكم ذاتي تتصاعد. وفي عام 2009، صدر قانون «حكم ذاتي» يمنح حكومة غرينلاند سلطات كبيرة في الشؤون الداخلية مع بقاء الدنمارك مسؤولة عن السياسة الخارجية والدفاع. واشترط القانون أيضاً استفتاءً شعبياً إذا قررت غرينلاند الاستقلال الكامل.

في الواقع، تكمن أهمية غرينلاند في موقعها الجيوسياسي الاستراتيجي بين أوروبا وأميركا الشمالية، على مفترق طرق الممرات البحرية والجوية في القطب الشمالي. وهي نقطة حساسة لمراقبة النشاط العسكري، وبخاصة الروسي. ويأتي اهتمام الولايات المتحدة المتزايد بها، بالتزامن مع تبنّي روسيا قدرات عسكرية في المنطقة القطبية وتعزيزها قواعدها البحرية وقدراتها النووية في القطب الشمالي عموماً.

أيضاً، تسعى الصين إلى تعزيز وجودها في القطب الشمالي عبر استثمارات في مشاريع التعدين والبنى التحتية، وقد دخلت بالفعل شركات صينية في مزايدات ومشاريع للتنقيب والتطوير، رغم مقاومة أميركية ودنماركية في بعض القطاعات.