الانتخابات البرلمانية في مصر.. فرصة للتوافق أم خطوة للصراع؟

من غير المتوقع أن تشهد نسبة كبيرة من التحالفات

الانتخابات البرلمانية في مصر.. فرصة للتوافق أم خطوة للصراع؟
TT

الانتخابات البرلمانية في مصر.. فرصة للتوافق أم خطوة للصراع؟

الانتخابات البرلمانية في مصر.. فرصة للتوافق أم خطوة للصراع؟

في خضم الفوز الكاسح الذي حققه المشير عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية التي جرت في مايو(أيار) 2014 وحصوله على نحو 97 في المائة من نسبة الأصوات، استكملت الدولة المصرية الاستحقاق الثاني في خارطة (أيار) الطريق التي جرى التوافق عليها في الثالث من يوليو (تموز) 2013 عقب خلع الرئيس السابق محمد مرسي في أعقاب ثورة الثلاثين من يونيو والتي مثلت الموجة التصحيحية لثورة الخامس والعشرين من يناير 2011.

في الإطار ذاته، تنتظر مصر الخطوة الثالثة والأخيرة في خارطة الطريق، والتي تستهدف استكمال بناء مؤسسات الدولة بعد إقرار الدستور واختيار الرئيس، تأتي الانتخابات التشريعية لتشكيل البرلمان المصري الذي أصبح ذا غرفة واحدة بعد إلغاء الغرفة الثانية (مجلس الشورى) بمقتضى دستور 2014. وتعد هذه الخطوة من أهم الخطوات وأخطرها على مستقبل العملية السياسية في مصر، فصحيح أن الانتخابات الرئاسية ذات أهمية كبرى لاختيارها رأس الدولة، إلا أنه ومنذ ثورة الثلاثين من يونيو لم يكن هناك انقسام حاد في المجتمع المصري حول شخصية الرئيس عبد الفتاح السيسي بل برزت دعوات ومناشدات عقب بيان الثالث من يوليو تطالبه بخوض الانتخابات الرئاسية مما ترتب عليه تراجع عدد كبير من المرشحين عن خوض غمار هذه الانتخابات في ظل الشعبية الجارفة التي تمتع بها السيسي، وهو ما جعل نتائجها أشبه بالمحسومة رغم منافسة حمدين صباحي وإن ظلت في إطار محدود. وذلك على العكس مما ستشهده الانتخابات البرلمانية المقبلة التي تواجه حالة من الاستقطاب الحادة مع بدء إعداد الترتيبات الخاصة بإجرائها، ولعل الجدل الدائر في مصر اليوم حول قانون مجلس النواب ومباشرة الحقوق السياسية يعكس جزءا من المشهد السياسي القادم وإن اختلف في ملامحه عما كان سائدا قبل الثلاثين من يونيو، فصحيح أن حالة الاستقطاب والصراع المجتمعي كانت على أشدها بسبب سياسات النظام السابق بما جعل الرئاسة طرفا في الصراع، إلا أنه من غير المنتظر أن تكون الرئاسة في ظل عبد الفتاح السيسي جزءا من هذا الصراع، بل من المتوقع أن تمثل رئاسته رمانة الميزان وضابط الإيقاع في الحياة السياسية المصرية خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل ما يتمتع به من شعبية جارفة وتأييد مختلف الأطراف السياسية باستثناء جماعة الإخوان وحلفائها، وهو ما اتضح في عملية تنصيبه والترحيب المجتمعي الواسع والذي امتد إلى ترحيب إقليمي ودولي من المنتظر أن ينعكس كل ذلك إيجابا على دوره في استعادة الاستقرار إلى الفضاء السياسي وإن شهد بعض الصراعات بين القوى السياسية حول تركيبة البرلمان المقبل.
وفي محاولة لقراءة الواقع السياسي المصري في هذه المرحلة التي تشهد إجراء الانتخابات البرلمانية ومستقبل العملية السياسية، يمكن تناول المحاور التالية:
أولا- الإطار الدستوري الحاكم للعملية الانتخابية:
نظم الدستور المصري السلطة التشريعية وعملية انتخابها في عدد من مواده، فقد أفرد الدستور الفصل الأول من الباب الخامس المتعلق بنظام الحكم (مواد 101-138) لتنظيم تشكيل مجلس النواب وآلية عمله وعلاقته مع مؤسسات الدولة المختلفة، هذا فضلا عن تنظيم بعض المواد الأخرى للعملية الانتخابية وذلك على النحو التالي:
1- ميز الدستور بين الانتخابات المزمع إجراؤها ما بعد إقرار الدستور وبين الانتخابات والاستفتاءات التي ستجرى فيما بعد. ففي مادته (228) أسند مهمة إجراء هذه الانتخابات للجنة العليا للانتخابات القائمة، أوكل مهمة الانتخابات التالية والاستفتاءات اللاحقة للهيئة الوطنية للانتخابات المنصوص عليها في الدستور فور تشكيلها.
2- رغم أن الدستور لم يحدد أيهما تجرى أولا الانتخابات الرئاسية أم البرلمانية، تاركا الأمر للتشريع العادي، فإنه حدد التوقيت الزمني لإجراء كل منهما، ففي الوقت الذي أعطى للانتخابات الأولى (أعطيت الأولوية للانتخابات الرئاسية) مدة تتراوح ما بين ثلاثين يوما وتسعين يوما من تاريخ العمل بالدستور، فقد ألزم إجراء الانتخابات التالية (الانتخابات البرلمانية التي نحن بصددها) خلال مدة لا تجاوز ستة أشهر من تاريخ العمل بالدستور. وهو ما يعني أنه لا بد من إجراء الانتخابات البرلمانية المقبلة في موعد أقصاه منتصف يوليو المقبل، حتى لا يطعن بعدم دستوريتها إذا ما أجريت بعد هذا التاريخ (تاريخ الاستفتاء على الدستور).
3- أكد الدستور على ضمانة حقوق المواطنين كافة في المشاركة في الحياة العامة واعتبر ذلك واجبا وطنيا، ملزما الدولة بإدراج اسم كل مواطن بقاعدة بيانات الناخبين متى توافرت فيه شروط الناخب، كما ألزمها بكفالة سلامة الاستفتاءات والانتخابات وحيدتها ونزاهتها وعدم التأثير على مجرياتها.
4- لم يحسم الدستور شكل النظام الانتخابي بصورة قاطعة، بل سمح النص للمشرع العادي باختيار النظام الانتخابي الأكثر ملاءمة طبقا لمقتضيات الظروف والأحوال، فأصبح للمشرع حرية الاختيار بين النظام الفردي أو نظام القوائم أو الجمع بينهما بأي نسبة، شريطة أن يراعى التمثيل العادل للسكان والمحافظات والتمثيل المتكافئ للناخبين. من الواضح أن المشرع الدستوري حاول أن يتلافى العيوب التي وردت في الدساتير السابقة حول تحديد نظام انتخابي معين قد يحتاج المشرع العادي إلى تغييره في ضوء ما يستجد من تطورات وتحولات لا يتلاءم معها هذا النظام، بما يفتح المجال لتعديل مواد الدستور، وتفاديا لذلك – انطلاقا من المبدأ الذي يتبناه النظام الدستوري المصري بأن دستور مصر من الدساتير الجامدة بمعنى أن تعديله يحتاج إلى حزمة من الإجراءات المطولة - أراد المشرع الدستوري أن يجعل النص أكثر رحابة ليشمل كافة النظم الانتخابية مانحا المشرع العادي حرية الاختيار والتنقل بينها طبقا للمستجدات. كما حرص المشرع الدستوري أيضا على تفادي قصور التشريع القانوني الذي أجريت على أساسه انتخابات مجلس الشعب ما بعد الثورة وكان سببا في إبطاله حينما سمح للأحزاب الترشح على المقاعد الفردية وجاء حكم المحكمة الدستورية العليا ببطلان الانتخابات وترتب عليه حل مجلس الشعب، فقد أحال الأمر برمته إلى القانون.
5- في محاولة من المشرع أن يضمن تمثيل مختلف الفئات المجتمعية التي ربما يكون تمثيلها عن طريق الانتخاب المباشر صعبا وخاصة في المرحلة المقبلة، فانتهج مسارين: الأول، أعطى لرئيس الجمهورية الحق في تعيين عدد من الأعضاء في المجلس لا يزيد على خمسة في المائة، مع تقييده في ممارسة هذا الحق بأن تطلب من القانون تحديد كيفية ترشيحهم. أما المسار الثاني، فقد نص في مادتين هما (243- 244) على ضرورة ضمان تمثيل ملائم في الانتخابات المقبلة فقط لكل العمال والفلاحين، وكذلك للشباب والمسيحيين والأشخاص ذوي الإعاقة والمصريين المقيمين بالخارج. فضلا عن ذلك، ألزم الدستور في مادته (11) الدولة بأجهزتها المختلفة أن تضمن للمرأة المصرية تمثيلا مناسبا في المجالس النيابية بصفة مستمرة دون قصرها على الانتخابات المقبلة فحسب كما فعل مع الفئات الأخرى. والحقيقة أن فكرة الاستثناء ومبرراته غير مستساغة وغير منطقية من أكثر من جانب، فليس صحيحا أن فئتي العمال والفلاحين لن يستطيعا أن يكون لهما ممثلون تحت القبة، بل العكس صحيح فأغلبية الشعب المصري ينتمي إلى هاتين الفئتين وبالتالي فكتلتهما التصويتية تجعل منحهما استثناء أمرا مستغربا. إضافة إلى ذلك أن فكرة الاستثناء فكرة تتعارض مع المبادئ الدستورية العامة بل والنصوص الدستورية التي أكدت على المساواة بين الجميع وترسيخ مبادئ المواطنة وتكافؤ الفرص.
6- لم يتبن المشرع الدستوري النهج الذي سار عليه دستور (2012) حينما حاول استثناء القوانين المنظمة للعملية الانتخابية من شرط الرقابة اللاحقة للمحكمة الدستورية العليا، وإنما أعاد الأوضاع إلى طبيعتها في عمل المحكمة الرقابي على القوانين والتي تتبنى نهج الرقابة اللاحقة، وهو أمر يتفق وطبيعة النظام القضائي المصري منذ إنشاء المحاكم الدستورية سواء حينما كانت تحت اسم المحكمة العليا أو حينما أصبح اسمها المحكمة الدستورية العليا، حيث تبنى نظام الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين، كما أن الرقابة السابقة تجعل من المحكمة المشرع الفعلي وليس البرلمان، بما يمكن معه القول إن تطبيق الرقابة السابقة تستوجب البحث عن آليات جديدة لا تتعارض مع طبيعة النظام القائم.
ثانيا- الإطار القانوني المنظم للعملية الانتخابية:
في ضوء ما حدده الدستور من ضوابط وما وضعه من إجراءات واشتراطات وما رسمه من إجراءات ناظمة للعملية الانتخابية. يأتي التشريع ليتولى عملية التنظيم وتحديد آليات العمل وكيفية التنفيذ التزاما بالإطار الحاكم الذي حدده الدستور، وذلك على النحو التالي:
1- نص قانون مباشرة الحقوق السياسية في مادته الأولى على حق كل مواطن مصري بلغ ثماني عشرة سنة أن يباشر حقوقه السياسية كواجب وطني، على أن يعفى من أداء هذا الواجب كل من ضباط وأفراد القوات المسلحة وهيئة الشرطة طوال مدة خدمتهم. كما عدد القانون عشر حالات للحرمان المؤقت من ممارسة هذا الحق.
2- وضع قانون مباشرة الحقوق السياسية آليات تنظيم العملية الانتخابية بدءا من القيد في الجدول، مرورا بتشكيل اللجنة العليا للانتخابات واختصاصاتها، وضوابط الدعاية الانتخابية والاستفتاءات، وصولا إلى تحديد أهم جرائم الانتخابات والعقوبات الواردة عليها.
3- وضع القانون تعريفات للصفات التي يجري الانتخاب على أساسها، وشملت قائمة التعريفات كلا من: العامل، الفلاح، الشاب، المواطن ذا الإعاقة، المصري المقيم في الخارج. وقد أثارت بعض هذه التعريفات لغطا كبيرا خاصة في تعريف العامل والفلاح بما يستوجب إعادة النظر فيها قبل إجراء الانتخابات.
4- تبنى قانون مجلس النواب النظام المختلط الذي يجمع بين القائمة والفردي، حيث وزع مقاعد البرلمان البالغة عددها (540 مقعدا) ما بين (420 مقعدا) للنظام الفردي بنسبة 80 في المائة، و(120 مقعدا) للنظام بالقائمة المغلقة المطلقة بنسبة 20 في المائة، على أن تقسم الجمهورية إلى عدد من الدوائر لكل منهما، مع تحديد عدد دوائر الانتخاب بنظام القوائم لتشمل أربع دوائر، على أن توزع المقاعد المخصصة لها على نوعين من القوائم: الأول، قائمتان ذات (15 مقعدا) على أن تتضمن قائمة المرشحين: ثلاثة على الأقل من المسيحيين، اثنين على الأقل من كل من العمال والفلاحين، الشباب، ومرشح واحد على الأقل من كل من الأشخاص ذوي الإعاقة، المصريين المقيمين بالخارج. كما اشترط أن يكون من بين أصحاب هذه الصفات أو غيرهم سبع نساء على الأقل أي ما يقارب نصف عدد مقاعد القائمة. أما النوع الثاني، قائمتان ذات (45 مقعدا) على أن تتضمن قائمة المرشحين: تسعة على الأقل من المسيحيين، ستة على الأقل من كل من العمال والفلاحين، الشباب، ثلاثة على الأقل من كل من الأشخاص ذوي الإعاقة والمصريين المقيمين في الخارج. كما اشترط أن يكون من بين أصحاب هذه الصفات أو غيرهم 21 من النساء على الأقل أي ما يقارب نصف عدد مقاعد القائمة. فضلا عن هذا اشترط القانون أن يتوفر في المترشحين الاحتياطيين ذات الأعداد والصفات.
5- سمح القانون للمستقلين أن يشكلوا قوائم للمنافسة على المقاعد المخصصة للقوائم سواء بأنفسهم أو من خلال مشاركة الأحزاب في قوائمها، كما سمح للأحزاب التقدم بمرشحيها على المقاعد الفردية، شريطة أن يظهر كل مترشح اسم الحزب الذي ينتمي إليه أو صفته المستقلة. لأنه في حالة إذا ما حدث أي تغيير في الصفات التي ينتخب عليها المترشح يترتب عليه إسقاط العضوية بقرار من المجلس بأغلبية ثلثي أعضائه. مستثنى من ذلك المرأة، حيث نص القانون على ألا تسقط عضويتها إلا إذا غيرت انتماءها الحزبي أو المستقل الذي انتخبت على أساسه دون النظر إلى الصفات الأخرى المطبقة في حالة الذكور، وهو ما يمثل إخلالا بمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص المنصوص عليها في الدستور.
6- نظم القانون عملية الانتخاب بدءا من شروط الترشح وإجراءاته والدعاية الانتخابية وصولا إلى إعلان النتائج ورد مبالغ التأمين. كما وضع المشرع عددا من الضوابط الخاصة بالمعينين الذين يختارهم رئيس الجمهورية وإن كانت هذه الضوابط والمعايير فضفاضة وغير كافية.
7- تناول القانون تنظيم حقوق الأعضاء وواجباتهم بدءا من الحصانة البرلمانية وإن اقتصرت وفق نصوص القانون على الحصانة الجنائية دون حصانة الرأي تحت القبة، حيث أغفلها المشرع في حين نص عليها الدستور في مادته (112)، كما حدد القانون قيمة المكافآت الممنوحة للأعضاء حتى لا تتحول العضوية إلى وظيفة يتربح منها العضو. وفيما يتعلق بالواجبات فقد حدد القانون جملة من الضوابط والمحظورات التي يتعين على النائب أن يلتزم بها أمام المجلس كحظر تعامله مع الدولة وأجهزتها بيعا وشراء واستئجارا، كذلك الفصل بين الملكية والإدارة، تنظيم الأنشطة المهنية والأعمال الاستشارية، وأيضا تنظيم عملية القروض والتسهيلات الائتمانية، وذلك كله لتفادي تكرار الجرائم التي ارتكبها بعض النواب في المجالس السابقة وتمتعوا بالحصانة في الهروب من مقاضاتهم.
ثالثا- الانتخابات البرلمانية.. صراع مفتوح:
رغم ما قد يراه البعض من أنه في ظل الرئاسة الجديدة، لن تشهد الانتخابات البرلمانية المقبلة صراعات حادة على غرار ما جرى عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير، خاصة في ظل مقاطعة بعض التيارات السياسية وتحديدا جماعة الإخوان وحلفاءها لاستحقاقات خارطة الطريق، فإن هذا الرأي يفتقد إلى الكثير من الصحة في ضوء عدة عوامل، منها:
1- إنه على غرار ما حدث في الانتخابات البرلمانية ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير من تكالب وصراع كبير من مختلف القوى السياسية للمشاركة فيها، فإنه من المنتظر أن يتكرر هذا المشهد، وهو أمر يتفق وطبيعة الأوضاع والظروف. ففي كل مراحل التحولات الديمقراطية تشهد المجتمعات التي تمر بها حجم مشاركة مجتمعية كبير بهدف المساهمة في بناء هذه المرحلة. يدلل على ذلك استمرار ارتفاع حجم المشاركة السياسية سواء في الاستفتاء على الدستور (2014) أو الانتخابات الرئاسية الأخيرة. صحيح أن حجم المشاركة انخفض قليلا بما كان عليه في الانتخابات السابقة (2012) إلا أن هذا الانخفاض مقبول ومفسر سواء في ضوء انخفاض عدد المرشحين فيها، ففي انتخابات (2012) شارك (13) مرشحا، في حين شارك مرشحان فقط في الانتخابات الأخيرة التي كانت أشبه بالمحسومة لصالح عبد الفتاح السيسي بما جعل بعض الناخبين يرون أن مشاركتهم لن تغير من الأمر شيئا. ولكن هذا الأمر لن يتكرر في الانتخابات البرلمانية المقبلة التي من المنتظر أن يتنافس فيها الآلاف من المرشحين، خاصة في ظل زيادة عدد مقاعد المجلس (540 مقعدا) يذهب 80 في المائة منها للمقاعد الفردية و20 في المائة للقائمة. ومن المعلوم أن التصويت في الانتخابات الفردية يكون أكثر حجما مقارنة بالانتخابات بنظام القائمة.
2- من المنتظر أن يؤدي إلغاء الغرفة الثانية للبرلمان (مجلس الشورى) إلى زيادة تكالب الأحزاب السياسية على المشاركة في الانتخابات المقبلة، وذلك لغياب متنفس آخر يمكن أن يسمح لها بالتمثيل. بمعنى أكثر وضوحا أدى غياب مجلس الشورى – رغم شكلية دوره سواء في العملية التشريعية أو الرقابية - إلى عدم وجود مكان آخر لتمثيل هذه الأحزاب التي تجاوز عددها اليوم 90 حزبا. بما يدفعها إلى المنافسة على المقاعد كافة بما فيها الفردية. أضف إلى ذلك زيادة المقاعد الفردية يعنى رفع نسبة المستقلين المشاركين في هذه الانتخابات، وخاصة في المناطق الريفية والصعيد والتي يغلب عليها العصبية والقبلية، بما من شأنه أن يزيد من حدة الصراع والاستقطاب في هذه الانتخابات.
3- من غير المنطقي أو الواقعي أن جماعة الإخوان سوف تقاطع هذه الانتخابات، بل من المتوقع أن يكون لها مشاركة واسعة فيها ترشيحا وتصويتا، وهو ما يجد تفسيره في أمرين: الأول، أن تاريخ الجماعة في علاقتها بالسلطة يؤكد أنها لم تفوت أي استحقاق انتخابي إلا وشاركت فيه سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. أما الأمر الثاني، فهو أن الجماعة لم يعد أمامها طريق سوى العودة إلى قواعد اللعبة السياسية التي حاولت أن تخرج عنها بفرض إملاءاتها على المجتمع والدولة فاصطدمت بهما. وعلى هذا، فمن المؤكد أن الجماعة سوف تشارك في هذه الانتخابات عن طريق إما أن تدفع بأشخاص جدد غير معروفين لدى المجتمع بانتمائهم إلى الجماعة فكرا وتنظيما، وإما أن تدخل في تحالفات مع بعض الأحزاب السياسية مثال ذلك حزب مصر القوية (برئاسة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح) وحزب الاستقلال.. إلخ، أو تدفع بمرشحين على قائمة حزبها (الحرية والعدالة) الذي ما زال موجودا على الأقل من الناحية القانونية وإن كان هذا الخيار الأخير مستبعدا، بما يعزز خيارها الأول في إبرام تحالفات مع أحزاب تتوافق معها وتتماهى مع رؤيتها للأحداث، دون أن يمنع ذلك الجماعة من التقدم بمرشحين على المقاعد الفردية أو دعم مرشحين لا ينتمون إليها على هذه المقاعد من خلال صفقات يجري إبرامها معهم، خاصة وأن فن الصفقات من الفنون التي تدربت عليها الجماعة على مدار تاريخها، بل ربما يكون أحد أهم أدواتها وسياستها في العمل السياسي، وكان له الفضل الأول في الحفاظ على وجودها حتى اليوم.
4- رغم أهمية الائتلافات والتحالفات في العملية الانتخابية كما نشهدها في الدول الديمقراطية، فإنه من غير المتوقع أن تشهد هذه الانتخابات نسبة كبيرة من التحالفات، فقد كشفت الممارسات السياسية على مدار الأعوام الثلاثة عن تزايد حجم المنافسة بين الأطراف السياسية المختلفة، وهو ما يمكن تفسيره في ضوء سيطرة الفرد على المؤسسة الحزبية. فغياب الفكر المؤسسي عن الأحزاب وارتباطها بأشخاص جعل من الصعوبة بمكان أن تدخل هذه الأحزاب في تحالفات أو ائتلافات انتخابية يمكن أن تبعث برسالة للمواطنين بأن نتائج الانتخابات محسومة لصالح تيار معين أو ائتلاف محدد، فيؤدي ذلك إلى تراجع نسبة المشاركة على غرار ما كان يحدث في ظل النظام الأسبق حينما كان يسيطر الحزب الوطني الديمقراطي على الحياة السياسية وتأتي بقية الأحزاب لتكمل الديكور الديمقراطي من دون أن يكون لها ممارسة حقيقية على الأرض. يعني ذلك أن تشرذم القوى السياسية وفشلها في بناء تحالفات واصطفافات يعزز من تزايد حجم المشاركة في الانتخابات المقبلة ليس فقط على مستوى المشاركة في التصويت بقدر ما تزداد نسبة المشاركة في الترشح، وهو ما من شأنه أن يزيد حدة الصراع والاستقطاب.
ملخص القول إن الانتخابات البرلمانية المقبلة ستشهد حالة واسعة من الاستقطاب والصراع بين مختلف التكوينات السياسية والاجتماعية في المجتمع المصري، بما ينذر بمؤشرات خطيرة تفرض على الدولة أن تأخذها في الحسبان خاصة في المناطق الريفية والصعيد بسبب غلبة العصبية والقبلية التي تلعب الدور الأكبر في اختيار المرشحين ونجاحهم. فضلا عن أهمية أن تلتزم أجهزة الدولة ومؤسساتها الحيدة والنزاهة في هذه الانتخابات. كما يجب على الأحزاب السياسية أن تعي أن العمل السياسي المنفرد خاصة في العملية الانتخابية وما بعدها يظل نقطة الضعف الأولى والمهمة في مسيرتها، فالخبرة السياسية في الدول الديمقراطية تكشف عن أن التحالفات والاصطفافات والائتلافات هي المسار الأكثر نجاحا في العمل الوطني. ولذا، فعلى الأحزاب ذات المرجعيات المتقاربة أن تشكل ائتلافات واحدة تخوض بها العملية الانتخابية وتضمن لها تمثيلا مريحا تحت قبة البرلمان يمنحها دورا في الأداء التشريعي والرقابي في تلك المرحلة الحرجة التي تمر بها مصر اليوم وإلا انتقلت الصراعات والاستقطابات من الشارع إلى البرلمان كما حدث في برلمان 2012 رغم سيطرة التيار الإسلامي وخاصة الإخواني على غالبية مقاعده إلا أنها لم تتمكن من بناء تحالفات حقيقية تتحمل معها المسؤولية في بناء مصر الجديدة. ولذا، فالاستفادة من الخبرات الدولية والخبرات السابقة تؤكد على أهمية أن تشهد هذه الانتخابات بداية حقيقية لتكريس العمل السياسي في إطار من التحالف بين أنصار المرجعيات والأفكار الواحدة مع الاحتفاظ بهامش الاختلافات والتباينات في حدها الأدنى.



مراكز الحوثي الصيفية: عبور مدرسي «إلزامي» إلى جبهات القتال

«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
TT

مراكز الحوثي الصيفية: عبور مدرسي «إلزامي» إلى جبهات القتال

«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)
«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)

في زاوية من فناء إحدى المدارس الحكومية في صنعاء، تقف امرأة بملابس سوداء، اعتادت يوماً أن ترى ابنها في الطابور الصباحي.

اليوم تعود إلى المكان ذاته لا بوصفها أُمّاً، بل عاملة نظافة تحاول أن تُبقي ما تبقى من حياتها قائماً. تمسح الأرض بصمت ثقيل، وكأنها تهمس لحصى الساحة: كان لي ابن هنا ذهب طفلاً، وعاد جثة.

ترى الأم وجه ابنها في الطوابير، وهي تسمع أناشيد وهتافات لم تكن مألوفة. تدرك، بصمت، أن كثيراً من هؤلاء قد يسلكون الطريق ذاته، لكنها لا تقول شيئاً.

قبل عامين، فقدت أم عامر ابنها الوحيد، وكان في السابعة عشرة من عمره.

عاد إليها جثة هامدة، وصورته مرفوعة على صندوق. قالوا لها: «زغردي فقد نال الشهادة».

تتذكر السيدة وهي تتحدث إلينا كيف بدأ ابنها يتغير تدريجياً منذ انضمامه إلى ذلك المعسكر الصيفي. صار أكثر صمتاً، وأحياناً أكثر حدّة، يطلق الصرخة ويردد عبارات لم تألفها عن «الجهاد» و«النصر» كأنهما طريقه الوحيد. لم تفهم ما الذي يحدث، لكنها رأت في عينيه نظرة تأخذه بعيداً منها.

اليوم، لا تفعل سوى أن تمسح دموعها خفية، وتواصل التنظيف في عمل حصلت عليه بصفتها «أم شهيد»، لتعيل بناتها الثلاث، بعدما فقدت الابن المعيل.

تلامذة في صف مدرسي يؤدون التحية العسكرية ويهتفون بـ «الصرخة» الحوثية (الشرق الأوسط)

من نشاط صيفي إلى جهاز تعبئة

لم تولد المراكز الصيفية التابعة لجماعة الحوثي مع السيطرة على صنعاء عام 2014، بل تمثل امتداداً لمسار تاريخي مرتبط بنشأة الجماعة نفسها. تعود بدايات هذه المراكز إلى أوائل التسعينات، وتحديداً عام 1991، حين بدأت الجماعة، ضمن إطار ما عُرف بـ«الشباب المؤمن»، بتنظيم أنشطة شبابية ودورات موسمية في محافظة صعدة، بهدف تمرير خطابها الفكري عبر حلقات تعليمية ومخيمات صيفية، وقد مثلت هذه الأنشطة إحدى أبرز الأدوات المبكرة لبناء قاعدة اجتماعية وتنظيمية، عبر خلق بيئة تفاعلية تجمع بين التعليم والتنشئة الفكرية.

ومع اندلاع حروب صعدة ابتداءً من عام 2004، شهدت هذه الأنشطة تحولاً نوعياً؛ إذ لم تعد مقتصرة على الجانب الديني أو التعليمي، بل تحولت إلى أدوات تعبئة واستقطاب، مستفيدة من حالة التعاطف الشعبي التي رافقت الحرب، ما أسهم في توسيع دائرة التأثير واستقطاب شرائح أوسع من الشباب.

بحلول عام 2008، بدأت الجماعة نقل هذا النشاط إلى خارج صعدة عبر وسائل غير تقليدية، من بينها توزيع مواد رقمية على وسائط تخزين صغيرة (SD وUSB)، احتوت على محاضرات ودروس مرتبطة بالمراكز الصيفية، إضافة إلى ما يُعرف بـ«الملازم» - وهي محاضرات كان يلقيها مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي - يجري تفريغها وطباعتها في كراريس.

وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، يقول أحد المشرفين على المراكز الصيفية في صنعاء، مفضلاً عدم كشف اسمه، إنه حصل عام 2008 على «ذواكر صغيرة» كانت توزع بين طلاب محددين في المدارس، وعند الاطلاع على محتواها وجد تسجيلات ومحاضرات لحسين بدر الدين الحوثي مشيراً إلى أن تلك المواد شكّلت نقطة تحوّل في تبنيه أفكار الجماعة ومناصرتها.

وأوضح أنه كان يحضر اجتماعات مغلقة للاستماع إلى هذه المحاضرات، في دواوين خاصة ضمت مهتمين ومقربين من الجماعة في صنعاء ومناطق محيطة مثل بني حشيش وخولان وسنحان وغيرها.

التحية الصباحية لأطفال بلباس موحّد في معسكرات الحوثيين الصيفية (الشرق الأوسط)

ومع تطورات عام 2011، وتحديداً أحداث فبراير (شباط) وما حملته من خروج واعتصامات في الساحات ولحظة انفتاح سياسي، انتقلت هذه الأنشطة إلى عدد من المحافظات، فظهرت مراكز ودورات أكثر تنظيماً خارج معقل الجماعة الرئيسي، مع بروز ملامح إشراف إداري أكثر وضوحاً تحت شعار جذاب هو «تغيير النظام». فتجاوزت الحلقات الضيقة إلى ملء المكتبات والأكشاك بالملازم، بل وإنشاء أكشاك في أكثر من مكان لتوزيع الملازم والملصقات والشعارات مجاناً، ووضع مكبرات صوت لبث وإذاعة «الزوامل» بشكل مستمر.

أما التحول الأبرز فجاء عقب السيطرة على صنعاء عام 2014، حيث تحولت المراكز الصيفية من أنشطة محدودة إلى برنامج واسع يُدار بشكل رسمي عبر مؤسسات الدولة، ضمن هيكل تنظيمي يضم لجاناً مركزية وفنية وإشرافية، مع إشراك عدد من الوزارات في إدارة برامجه.

ويؤكد مصدر أمني لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة اعتمدت، في مراحل مبكرة، على ما كانت تسميه «الدورات الثقافية» و«الحوزات» لاستقطاب الشباب وكسب تعاطفهم وإدماجهم في مشروعها، وذلك قبل ظهور المراكز الصيفية بصيغتها الحالية. ويضيف المصدر أن هذه المراكز «لم تعد محدودة، بل تحولت إلى برنامج مؤسسي يُدار ضمن بنية تنظيمية متكاملة»، مشيراً إلى أنها تُستخدم كإحدى أدوات التأثير على توجهات الشباب، وصولاً إلى الدفع ببعضهم نحو جبهات القتال.

أطفال في أحد النشاطات الصيفية التابعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

أنواع المخيمات الصيفية

وفقاً للمعلومات والإفادات التي حصلت عليها «الشرق الأوسط»، تقسم الجماعة هذه المراكز أو المخيمات الصيفية إلى ثلاثة أنواع، هي: المغلقة، والنموذجية، والمفتوحة. وتعد الأولى بمثابة دورات عسكرية آيديولوجية، والثانية مراكز لإعداد قيادات شابة، أما الثالثة فهي مراكز ترويجية.

وتقام المخيمات المغلقة في ثكنات عسكرية، وتركز بشكل أساسي على تأهيل المشاركين ليصبحوا مقاتلين في صفوف الجماعة، وتعدهم عسكرياً وآيديولوجياً لهذا الغرض، ويعتبرون بمثابة قوات احتياط. وبمجرد دخولهم في الدورات تُصادر هواتفهم، وتنقطع أخبارهم عن أسرهم، ويُنقلون ليلاً إلى مخيمات التدريب التي تتغير بين الفينة والأخرى.

وجميع هؤلاء من طلاب الثانوية العامة الذين أنهوا دورات التدريب على تفكيك السلاح في المدارس، ورصد لهم مدربوهم دورات عسكرية كمكافآت تفوق وامتياز، إضافة إلى بعض منتسبي فرق الكشافة في الثانويات التي حولت الجماعة نشاطها من كشفي إلى عسكري.

وفي هذه المخيمات، يتم تدريب المشاركين على استخدام الأسلحة الخفيفة والمتوسطة، و«الآر بي جي»، والهاون، والقنابل، وعمليات التمويه والتخفي.

«رحلة مدرسية» لأطفال في معسكر صيفي تابع للحوثيين في عمران (الشرق الأوسط)

أما المخيمات النموذجية، وهي غالباً لمن تجاوزوا العاشرة من عمرهم، فتعد بمثابة «مخيمات نوعية»، ويُستقطب إليها أوائل الطلاب والمتفوقين في الأنشطة المدرسية المختلفة، وهي مخيمات مغلقة يظل فيها الطالب طوال الأسبوع في المخيم، ويُسمح له فيها بالتواصل مع أسرته ولا يصادر هاتفه، ويعود أحياناً إلى المنزل كل أسبوع أو أسبوعين.

وعادة ما تقام هذه المخيمات في عواصم المحافظات، وفيها يتلقى الطالب محاضرات آيديولوجية مركزة من قبل كبار قياديي الجماعة، ويشاهدون أفلاماً في «الجهاد»، وسير لقادة الجماعة و«حزب الله» و«الحرس الثوري» الإيراني، ويجري تدريبهم بشكل محدود على تفكيك أنواع معينة من الأسلحة واستخدامها.

وتبقى المخيمات المفتوحة لمن هم بين 5 و10 سنوات، وتبدأ صباحاً وتنتهي مع وقت الظهيرة، وتبدو للعامة كمراكز تحفيظ قرآن ونشاطات صيفية، ولذلك تنشرها الجماعة في مختلف المدارس والمساجد حتى تكون في متناول الجميع، لكن الأطفال فيها يتعلمون «قسم الولاية» وترديد «الصرخة» وطاعة قائد الجماعة.

ولا تُستثنى الفتيات من هذه الأنشطة، بل إن هناك مراكز مخصصة للنساء، تتولى إدارتها «الهيئة النسائية الثقافية العامة» وتعمل على تصميم البرامج وتنفيذها، واستقطاب الطالبات عبر شبكات ميدانية، والإشراف على الكادر النسائي وتدريبه، وإعداد مواد إرشادية موحّدة.

وتُقدَّم هذه المراكز كمساحات تعليمية وترفيهية، لكنها تضم بدورها برامج دينية مكثفة ومحاضرات ذات طابع تعبوي وأنشطة جماعية تعزز الانضباط والانتماء.

تلامذة وأساتذة في باحة مدرسة تابعة للحوثيين في صعدة (الشرق الأوسط)

تكريس «نظرية المؤامرة»

تُكرّس الجماعة في خطابها فكرة أن المراكز الصيفية تمثل حصناً في مواجهة «المؤامرات» التي تستهدف الدين والوطن، وتقدم بوصفها وسيلة لغرس ما تسميه «الثقافة القرآنية» في نفوس النشء، وبناء جيل مسلح بالعلم والوعي.

كذلك تشدد في خطابها على أن «المعركة مع العدو» لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تمتد إلى «استهداف الوعي»، حيث تُقدَّم هذه المراكز كمحصّن ضد ما يُوصف بـ«الحرب الناعمة» و«الغزو الثقافي»، وتُصوَّر كجزء من صراع فكري طويل يُراد من خلاله إعداد جيل قادر على المواجهة.

وإلى جانب هذا الخطاب، تشير مصادر تربوية إلى اعتماد القائمين على هذه المراكز على مجموعة من الحوافز المادية والمعنوية، مثل توفير وجبات الطعام وبعض الاحتياجات وتنظيم الرحلات الاستكشافية والأنشطة، بهدف استقطاب أكبر عدد ممكن من الطلاب كل عام.

وبحسب ما يرد في إحدى ملازم مؤسس الجماعة حسين بدر الدين الحوثي، بعنوان «دروس في معرفة الله»، وهي محاضرة ألقاها في منتدى «الشباب المؤمن» بصعدة، فإن الهدف العام من هذه الدروس يتمثل في «تنمية معرفة الطلاب بالله، وترسيخ العقيدة في نفوسهم وضمائرهم، بما يدفعهم للانطلاق من خلالها إلى القتال ومواجهة الأعداء».

مناهج وكتب «تعليمية» للحوثيين بطباعة ملوّنة وجودة عالية مقارنة بالمناهج المدرسية الرسمية (الشرق الأوسط)

دروس خارج المنهج الرسمي

في موسم هذا العام، الذي انطلق في 28 مارس (آذار) الماضي، وزّعت جماعة الحوثي مناهجها الخاصة بالمراكز الصيفية بطباعة فاخرة وهوية بصرية واضحة، في دلالة على حجم الموارد المخصصة لهذه البرامج مقارنة بالتعليم النظامي الذي يعاني من تراجع مستمر في الإمكانات والدعم، بحيث يضطر الطالب إلى شراء منهجه الدراسي من السوق السوداء، فيما المعلم يكابد للحصول على راتبه، علماً بأنه في كل عام، ومع بدء التحضيرات للمراكز الصيفية، يطل زعيم الجماعة عبد الملك الحوثي في خطاب سنوي مخصص للدعوة إلى الالتحاق بهذه الدورات، وهي دعوة شهدت بدورها تطوراً ملحوظاً.

وبالعودة إلى تلك الكتب، فأول ما يلفت النظر هو أنها لا تحمل أي إشارة إلى الجمهورية اليمنية أو وزارة التربية والتعليم، بل تصدر تحت عنوان «المسيرة القرآنية - الإدارة العامة للدورات الصيفية».

ينسحب ذلك أيضاً على تسمية المراكز، حيث لا تُنسب إلى المدارس التي تُقام فيها الأنشطة بل تُطلق عليها أسماء ذات دلالات رمزية مثل «الهادي»، و«الحسين»، و«فاطمة»، و«الشهيد طه المداني»، و«الشهيد صالح الصماد».

نشاطات لا صفية بعنوان «مهنتي مستقبلي» في أحد المعسكرات الصيفية التابعة للحوثيين (الشرق الأوسط)

هيكلية إدارية بطابع وزاري

تُظهر الهيكلية الإدارية للدورات والأنشطة الصيفية في مناطق سيطرة الحوثيين منظومة إدارية متعددة المستويات، وفي مقدمتها وزارتا التربية والشباب والرياضة، إلى جانب هيئة التعبئة العامة التي تضطلع بدور مركزي في إدارة جانب التعبئة والتوجيه، ووزارة الأوقاف والإرشاد المسؤولة عن المحتوى الديني والخطاب الوعظي.

وعلى المستوى التنفيذي والفني، تتولى السلطات المحلية في المحافظات الخاضعة لسيطرة الحوثيين الإشراف الميداني وتنسيق العمل داخل المديريات والمراكز، وذلك عبر مكاتب التربية واللجان الإشرافية، حيث تُدار الأنشطة اليومية وتُوزع الكوادر وتُتابع عملية تنفيذ البرامج، بما يعكس امتداد المنظومة من المستوى المركزي إلى الأحياء.

مدرّسة تختار كتباً للحصص الصيفية من مناهج الحوثيين (الشرق الأوسط)

في المقابل، تشارك وزارات أخرى بوصفها شركاء فنيين في تنفيذ البرامج القطاعية؛ إذ تتولى وزارة الداخلية برنامج «شباب واعٍ... مجتمع آمن»، وتشرف وزارة الزراعة على «الجيش الأخضر»، فيما تدير وزارة الصحة برنامج «سفراء الصحة»، ويشرف قطاع الاتصالات على «الوعي في عصر الاتصالات»، ووزارة التعليم الفني والتدريب المهني تشرف على نشاط «مهنتي مستقبلي»، ضمن توزيع وظيفي يغطي مجالات الأمن والصحة والزراعة والإعلام الرقمي والمهن التطبيقية.

كما تلعب وزارة الإعلام دوراً داعماً ومستمراً، من خلال تنسيقات سنوية تسبق إطلاق الدورات، يُقرّ خلالها إطار التغطية الإعلامية، بما يشمل الترويج للمراكز ومواكبة أنشطتها ميدانياً، ضمن خطة تهدف إلى تعزيز حضورها داخل المجتمع.

وتدار هذه المراكز عبر «اللجنة العليا للدورات والأنشطة الصيفية»، التي يرأسها رئيس الوزراء في حكومة الحوثي، وتضم في عضويتها كلاً من وزير التربية ووزير الشباب والرياضة، وممثل عن هيئة الأوقاف والإرشاد، وممثلين عن الجانب التعبوي والثقافي في الجماعة.

أما رئاسة اللجان الفرعية فيتولاها محافظو المحافظات، وينوبهم مسؤولو التعبئة العامة، وتضم في عضويتها مديري مكاتب التربية والتعليم، والشباب والرياضة، والأوقاف والإرشاد.

التحية الصباحية في باحة إحدى المدارس الحوثية وبدا علم فلسطين وشعارات مناهضة لأميركا وإسرائيل (الشرق الأوسط)

انعطافة عام 2026

إذا كان التوسع في المراكز الصيفية قد تم تدريجياً خلال السنوات الماضية، فإن عام 2026 يمثل لحظة فاصلة، وتحولاً نوعياً في كون المدارس الصيفية لم تعد اختيارية بل انتقلت الجماعة إلى خطوة جديدة تجعل من الالتحاق بها فرضاً وإجباراً.

وبحسب شهادات طلاب وأولياء أمور ومعلمين، فإن شبكة من الضغوط المباشرة وغير المباشرة تمارس عليهم بشكل صارخ يصل أحياناً إلى التهديد، لتجد بعض الأسر نفسها أمام معادلة صعبة: إما الامتثال، وإما المخاطرة بمستقبل الأبناء.

وصحيح أن هذا التحول لم يُعلن رسمياً، لكنه أصبح واقعاً يمارَس يومياً؛ إذ تؤكد مصادر متقاطعة أنه مع بدء التحضيرات لتدشين المراكز الصيفية لهذا العام، عمدت الجماعة إلى ممارسات متصاعدة تربط الإجراءات المدرسية بالمراكز الصيفية. فعلى سبيل المثال، تربط نتائج الطلاب وقبولهم للعام الدراسي الجديد، بمشاركتهم في تلك الأنشطة، إلى جانب ضغوط تُمارس على إدارات المدارس لدفع تلامذتها إلى الالتحاق بـالمخيمات تحت طائلة العقوبات.

وإذا أراد طالب أن يخلو سجله الدراسي من النقاط السود التي يمكن أن تؤثر على مستقبله ولاحقاً قبوله الجامعي، فعليه أن يبادر إلى التسجيل في تلك المراكز.

استغلال المساعدات لإجبار العائلات على إرسال أبنائها إلى مراكز الحوثيين (إعلام محلي)

في بعض المدارس، ارتبط تسليم النتائج أو قبول الطلاب في العام التالي بشهادة حضور من المركز الصيفي. وفي رسائل متداولة عبر مجموعات التواصل، ظهرت تحذيرات مبطنة تؤكد أن الغياب قد ينعكس سلباً على المسار الدراسي.

وتظهر رسالة موجهة من وكيلة مدرسة إلى أمهات الطالبات في مجموعة تواصلية في «واتساب» عن تهديد مبطن لكل طالبة لا تلتحق بالمراكز الصيفية بحرمانها من التسجيل في العام المقبل. وتقول الرسالة: «الأمهات القديرات نحيطكن علماً بأنه لن يتم قبول التسجيل إلا بشهادة من المركز الصيفي، فنرجو تسجيل الطالبات اللاتي لم يسجلن بعد وإلحاقهن بالمركز للاستفادة».

وفي مجموعة أخرى على «واتساب»، تهيب إحدى المعلمات بالطلاب قائلة: «تعالوا بكرة بدري، اللي مسجلين واللي ما سجلوا يسلجوا. الإدارة ما تقبلهم ببداية العام الدراسي إلا بشهادة المركز الصيفي».

كذلك كشفت رسالة منسوبة لمدير مدرسة شمالي مدينة إب، عن اشتراط حضور الطلاب والطالبات المراكز الصيفية مقابل تسليمهم نتائج الاختبارات السنوية، في حين يتم إغراء الطلاب الراسبين بعلامات إضافية حال انخراطهم في الدورات الصيفية.

اتهامات للحوثيين بإعداد الأطفال ذهنياً للقتال من خلال تحريف المناهج (أ.ف.ب)

عزوف وتجريم

بحسب المصادر، فإن هذه الإجراءات التي لجأت إليها الجماعة تأتي خشية أن تشهد المراكز الصيفية عزوفاً من قبل الطلاب وذويهم لمعرفتهم المسبقة بنتائجها.

ويؤكد المعلم ع. عبد الكريم، أحد المدرسين في هذه المراكز، أنه على الرغم من كل الإجراءات التي اتخذتها الجماعة في سبيل حشد أكبر عدد ممكن من الطلاب للالتحاق بالمراكز الصيفية، فإن الإقبال بدأ يتراجع أخيراً.

ويقول عبد الكريم لـ«الشرق الأوسط» إن المشاركة أصبحت ضعيفة جداً، لافتاً إلى أن جهود استقطاب الطلاب تتطلب وقتاً طويلاً وإقناعاً مستمراً ومالاً.

نقابة المعلمين اليمنيين بدورها حذرت من خطورة المراكز الصيفية التي تنظمها الجماعة في مناطق سيطرتها، مؤكدة أنها تحولت إلى أدوات منظمة للتعبئة الفكرية ذات الطابع الطائفي واستقطاب الأطفال والشباب، في سياق استهداف ممنهج للهوية الوطنية والعملية التعليمية في اليمن. وقالت النقابة، في بيان لها بتاريخ الأحد 12 أبريل (نيسان) 2026، إن الجماعة وسّعت منذ سيطرتها على صنعاء من إنشاء هذه المراكز بهدف استقطاب أكبر عدد من الطلاب، وتوظيفها في غرس أفكار عقائدية تقوم على مفاهيم الاصطفاء السلالي، بما يتعارض مع القيم الوطنية والدينية، ويخدم مشروعاً سياسياً يهدد أمن اليمن واستقراره.

طفل يمني يزور مقبرة لقتلى الحوثيين في صنعاء (إ.ب.أ)

مدارس مهملة ومراكز مزدهرة

في خطابها، تصف جماعة الحوثي المراكز الصيفية بأنها «رافد تربوي» لتعويض النقص التعليمي الناتج عن الحرب، لكن بحسب آراء كثير من المعلمين ممن تحدثت إليهم «الشرق الأوسط»، فذلك ليس «سوى عذر أقبح من ذنب»؛ فالمدارس نفسها يمكن أن تكون فضاءً للتعويض لو أرادت الجماعة فعلاً إصلاح التعليم، مشيرين إلى أن إصرار الجماعة على المراكز الصيفية يكشف عن أن الهدف ليس التعليم، بل صناعة جيل مهيأ للتجنيد المبكر والتعبئة العقائدية.

ويطرح المعلمون سؤالاً مفاده: «ما دامت جماعة الحوثيين تمتلك سلطة كاملة على التعليم الرسمي، وقد نجحت في إدخال أفكارها وآيديولوجيتها إلى المناهج الدراسية، فلماذا تتعمد إهمال المدارس وتتركها في حالة موت سريري، بلا معلمين ولا رواتب ولا مقومات تعليمية؟».

هذا التناقض بين ركود المدارس خلال العام الدراسي وازدهارها المفاجئ في الصيف يثير تساؤلات حقيقية.

فبينما تُظهر اهتماماً بالغاً بالمراكز الصيفية التي تتحول فجأة إلى ساحات صاخبة، تُغدق عليها الأموال والجهود، تجعل من التعليم الرسمي في حالة ركود تام ونقص شديد في الموارد والمعلمين، حيث تفتقر آلاف المدارس إلى أبسط مقومات العملية التعليمية.


العصابات المسلحة في غزة... من سرقة المساعدات إلى «بديل» لـ «حماس»

ياسر أبو شباب (متداولة)
ياسر أبو شباب (متداولة)
TT

العصابات المسلحة في غزة... من سرقة المساعدات إلى «بديل» لـ «حماس»

ياسر أبو شباب (متداولة)
ياسر أبو شباب (متداولة)

لم تكن لحركة «حماس» أو أي فلسطيني أن يتخيل للحظة واحدة، أن تفرز الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، التي بدأت بهجوم الحركة في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، هيكلاً مسلحاً يمكن أن يشكل تحدياً وهوساً أمنياً بالنسبة لسكان القطاع بشكل عام، وللأجنحة المسلحة التابعة للفصائل التي تنشط في غزة بشكل خاص.

هذا الهيكل المسلح تمثل في ظهور ما بات يعرف بـ«العصابات المسلحة»، التي تطلق على نفسها مسميات عديدة، منها «الجيش الشعبي» أو «قوات مكافحة الإرهاب»، وغيرها من الأسماء التي تبنتها من خلال توسع حضورها ووجودها ميدانياً، في وقت تسعى حركة «حماس» وفصائل مسلحة للعمل على محاربتها بطرق مختلفة.

ياسر أبو شباب (وسائل التواصل)

النشأة وصعود «أبو شباب»

كان أول ظهور لتلك العصابات المسلحة، ما بين يونيو (حزيران)، ويوليو (تموز) 2024، ببدء سرقة بعض المساعدات من قبل أشخاص وصفوا حينها بـ«المجهولين»، وذلك في المناطق الواقعة بين شرق مدينتي خان يونس ورفح جنوب قطاع غزة، وتحديداً قرب معبر كرم أبو سالم.

ومع تكرار الحدث عدة مرات، بدأ بعد أسابيع يبرز اسم ياسر أبو شباب قائداً لمجموعة من عشرات الأشخاص يقدمون على تلك السرقات.

لم تمض أيام كثيرة حتى لمع اسم أبو شباب، وباتت تظهر لقطات مصورة عبر شبكات التواصل الاجتماعي أن بعضهم يحمل سلاحاً رغم أن القوات الإسرائيلية لا تبعد سوى مئات الأمتار عن مواقع تمركزهم في مناطق خطرة شرق خان يونس ورفح، وكانت الأخيرة تتعرض في ذلك الوقت لعملية برية إسرائيلية.

ومع حاجة السكان للمساعدات وكثرة سرقتها بتوقيف الشاحنات والاستيلاء على محتوياتها، وبيعها في السوق السوداء من قبل عصابة أبو شباب، حاولت «حماس» توجيه ضربة أمنية له ولعناصر عصابته، تحديداً في 19 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، فهاجمت المنطقة التي كانوا يوجدون فيها، ما أدى لمقتل وإصابة نحو 20 منهم، فيما أطلق صاروخ مضاد باتجاه مركبة كان يعتقد أن أبو شباب على متنها، ليتبين أن شقيقه من كان فيها ما أدى لمقتله.

كان ذلك الهجوم نقطة تحول في تاريخ ياسر أبو شباب، الذي كان معتقلاً لدى أجهزة أمن «حماس» على خلفية قضايا جنائية قبل أن يفرج عنه بداية الحرب، ليصبح شخصاً ذا صيت ويشكل فعلياً أول عصابة مسلحة بعد تلك الحادثة التي فر منها إلى مناطق سيطرة الجيش الإسرائيلي.

مسلحون من الفصائل الفلسطينية يسيّرون قوافل مساعدات في غزة يوم 17 يناير 2024 (رويترز)

دعم إسرائيلي وتعاون

يقول مصدر ميداني تحدث لـ«الشرق الأوسط»، إنه بعد أسابيع قليلة، زود الجيش الإسرائيلي أبو شباب ومن كانوا معه وعددهم نحو 30 أو أكثر قليلاً، بأسلحة استولى عليها من داخل قطاع غزة، وهي عبارة عن كلاشنيكوف، مشيراً إلى أنه في فترة قصيرة لاحقة بدأ أبو شباب وعصابته في استقطاب مزيد من الشبان لتجنيدهم حتى بلغ عددهم لفترة ما نحو 100 مسلح.

وأشار المصدر إلى أنه لم تكن هناك أي عصابات مسلحة أخرى سوى أبو شباب، الذي تحول لاحقاً إلى تنفيذ عمليات أمنية لصالح الجيش الإسرائيلي بالسيطرة على طرق دخول المساعدات وتفتيشها وأحياناً السيطرة على بعضها.

وكان أبو شباب والعناصر المرافقة له يظهرون وهم يرتدون زياً عسكرياً عليه علم فلسطين، ويؤدون التحية العسكرية لكل موكب من الوفود التي تمر عن طريقهم.

وخلال تلك الفترة، تحديداً بين مارس (آذار) ومايو (أيار) 2025، كان كثيراً ما يظهر أبو شباب وعناصره وهم ينظمون دخول الشاحنات ومرور المركبات التي تقل وفوداً أجنبية تدخل إلى عمق مناطق القطاع، وظهر بجانبه في تلك المقاطع التي بثت عبر شبكات التواصل الاجتماعي، غسان الدهيني، الذي عرف حينها أنه نائبه، إلى جانب آخرين من قبيلة الترابين التي تعد عائلة أبو شباب جزءاً منها، وكانت أعلنت بدورها تبرؤها منه بداية سرقته المساعدات.

فلسطينيون يتسلّقون شاحنة مساعدات للحصول على حصص غذائية (إ.ب.أ)

قتال «حماس» - أبو شباب

تقول مصادر عدة منها من «حماس» وأخرى من قبيلة الترابين يعرفون أبو شباب شخصياً، إنه لم يكن يعرف الكتابة جيداً، ومن كان يدير صفحاته على شبكات التواصل الاجتماعي أشخاص آخرون، وقد يكون طاقماً إعلاميّاً من خارج القطاع هو من يديرها، وهو ما أقر به لاحقاً أبو شباب في منشور نشره في تلك الفترة على صفحته الشخصية، التي كان يستغلها باستمرار لمهاجمة «حماس» التي اتهمها حينها بأنها تعمل على «تشويه صورة رموز الشرعية»، وفق وصفه، في إشارة لنفسه، داعياً الشبان في غزة للانضمام لقواته، وهو أمر استغلته «حماس» لقتل العديد منهم أثناء محاولتهم الوصول إلى مناطق سيطرته.

ووفقاً لبعض المصادر، فإن أبو شباب لم تكن تربطه بإسرائيل أي ارتباطات رسمية مثل العمل كمتخابر، لكنه يعمل وفق أجندة ومصالح إسرائيلية وبحماية منها، وهو ما ظهر من خلال ما كان يجري على واقع الأرض، فيما «حماس» كانت باستمرار تتهمه بـ«العمالة» و«الخيانة» لصالح إسرائيل، وأنها تستخدمه بهدف تشجيع الفلتان الأمني وسرقة المساعدات.

أطفال نازحون في غزّة ينتظرون توزيع المساعدات ووجبات غذائية من إحدى الجمعيات قرب مخيم النصيرات في أبريل 2026 (أ.ف.ب)

وظهر عناصر أبو شباب أكثر من مرة وهم يعملون تحت حماية الجيش الإسرائيلي داخل رفح وغيرها لتطهير المناطق من العبوات الناسفة وكشف الأنفاق، ما أدى لمقتل وإصابة بعضهم في حوادث وقعت خلال كمائن نصبت في تلك الأنفاق أو أماكن أخرى، كما أنهم شاركوا في ملاحقة عناصر «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، بعد خروجهم من أنفاق رفح خلال الأشهر الأخيرة، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

في سبتمبر (أيلول) 2025، وبعد أقل من شهر على ظهور عصابة جديدة يقودها ضابط الأمن الفلسطيني السابق حسام الأسطل، تحديداً في مناطق جنوب خان يونس، خرج أبو شباب ببيان ينفي علاقته بالأخير، أو أن يكون بينهم تواصل، في خطوة وصفت حينها بأنها أول خلافات تعصف بعناصر مسلحة مناوئة لـ«حماس».

وفي الرابع من ديسمبر (كانون الأول) 2025، أعلن بشكل مفاجئ عن مقتل ياسر أبو شباب في ظروف كانت بدايتها غامضة، ليتبين لاحقاً أنه قتل على يد شخصين كانا على خلاف عائلي وحاول هو التدخل لفضه، فقتل برصاص برفقة اثنين من عناصره، بالإضافة إلى أولئك الشخصين. فأعلن عن تولي غسان الدهيني، نائبه السابق، زعامة أول عصابة مسلحة في القطاع.

انتشار العصابات... والاغتيالات

تدريجياً، بدأت تظهر عدة عصابات داخل قطاع غزة، بعضها قبل مقتل أبو شباب، كما عصابة الأسطل في جنوب خان يونس، وعصابة رامي حلس شرق مدينة غزة، فيما ظهرت أخرى مثل عصابة شوقي أبو نصيرة شرق المنطقة الوسطى وشمال خان يونس، إلى جانب عصابة أشرف المنسي في جباليا وبيت لاهيا شمال قطاع غزة.

وعلى رغم «حداثة» بعضها، لكنها أثبتت قدرتها على أن تشكل تحدياً أكبر بالنسبة لحركة «حماس»، خاصةً بعد نجاحها في تنفيذ مهام أمنية خطيرة مثل عمليات الاغتيال. وكان النصيب الأكبر لعصابة شوقي أبو نصيرة، وهو ضابط أمن فلسطيني سابق، وأطلق على عصابته مسمى «قوات الوطن الحر»، التي نفذت عملية اغتيال واحدة ناجحة طالت الضابط في جهاز الأمن الداخلي لحكومة «حماس»، أحمد زمزم، في مخيم المغازي، وسط قطاع غزة، وذلك في منتصف ديسمبر 2025، ثم تبعه تنفيذ مهام أمنية أخرى لمحاولة اغتيال ضباط ونشطاء من حكومة «حماس» و «القسام»، أدت بعضها لإصابة العناصر المستهدفة وأخرى فشلت وتم اعتقال الذين حاولوا تنفيذها.

الفلسطيني ياسر أبو شباب الذي قاد ميليشيا مسلحة في غزة تناوئ «حماس» (صورة نشرتها «يديعوت أحرونوت»)

واغتالت عصابة الأسطل في يناير 2026، محمود الأسطل مدير جهاز المباحث في شرطة حكومة «حماس» بخان يونس، وأحد القادة الميدانيين في «كتائب القسام»، لتكون ثاني عملية في غضون شهر، الأمر الذي دق جرس إنذار جديداً لدى الفصائل الفلسطينية والحكومة التي تدير جزءاً من القطاع في وقت تحتل فيه إسرائيل أكثر من 53 في المائة منه.

وقال مصدر أمني من حكومة «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، إن الأسطل وأبو نصيرة، باعتبارهما ضابطين سابقين في السلطة الفلسطينية، هما على علاقة ببعضهما البعض، وكان أبو نصيرة يعمل مع الأسطل لفترة قصيرة قبل أن يشكل مجموعات لوحده بدعم من الأخير.

وأشار إلى أن الأسطل كان فعلياً من العناصر التي عملت لفترة أيضاً مع مجموعة أبو شباب، لافتاً إلى أن هناك تواصلاً اعتياديّاً لكنه غير منظم بين جميع العصابات، كما أن هناك حالة من التنافس بينها، إذ يسعى كل زعيم إلى إظهار ولاء أكبر لإسرائيل.

وفعلياً تراجع دور عصابة أبو شباب، ولم تعد ذات تأثير فعلي أو كبير، خصوصاً بعد اغتياله، ولم تكن لها نشاطات جديدة أو مناوشات كما فعلت سابقاً، خصوصاً بعد وقف إطلاق النار. وبقي دور عصابتي حلس والمنسي شرق مدينة غزة، وشمال القطاع على التوالي، محدوداً نسبياً على رغم تورط عصابة حلس بقتل العديد من الغزيين واختطاف آخرين وإجبار سكان على النزوح من بعض المناطق الواقعة غرب الخط الأصفر. لكن تلك العمليات لم تكن ذات تأثير حقيقي ولم تستهدف نشطاء «حماس» مباشرة كما هو الحال من قبل عصابتي الأسطل وأبو نصيرة.

فقد نجحت عصابة أبو نصيرة، أحدث عصابات القطاع، في استدراج عناصر من «كتائب القسام» إلى مدرسة في مخيم المغازي، في السادس من أبريل (نيسان) الحالي، لمحاولة اختطافهم وذلك عبر عميل مزدوج. إلا أن يقظة عناصر «القسام» منعت اختطافهم ودارت اشتباكات تدخلت فيها القوات الإسرائيلية التي أطلقت مسيراتها عدة صواريخ وسط قصف مدفعي لحماية أفراد العصابة، فقتل 8 من عناصر «القسام» ومدنيون آخرون، بينما ظهر أبو نصيرة برفقة عناصر عصابته وبحوزتهم أسلحة استولوا عليها في الاشتباكات.

وفي العشرين من الشهر الحالي، عملت العصابات المسلحة جميعها على تنسيق خطوة تتعلق بوصولها لمناطق تقع على أطراف سيطرة «حماس»، فيما تقدم بعضها فعلياً إلى جزء بسيط من تلك المناطق، وقامت بتوزيع الدخان وأموال ودواجن وغيرها على السكان، الأمر الذي أدى في خان يونس لوقوع عصابة الأسطل في كمين وإطلاق صاروخ مضاد على مركبة تتبع لهم وتعرضهم لإطلاق نار مباشر ما أظهر مقتل وإصابة بعضهم كما تبين في مقاطع فيديو.

مسلّحون من حركتَي «حماس» و«الجهاد» ينتشرون في غزة (أرشيفية - أ.ف.ب)

«حماس» بالمرصاد

خلال تلك الفترات، لم تتوقف حركة «حماس» وأجهزتها الأمنية الحكومية أو العسكرية التابعة لـ«كتائب القسام»، وبمشاركة فصائل فلسطينية أخرى، عن توجيه ضربات للعصابات من خلال ملاحقة عناصرها وتنفيذ كمائن لهم وحتى توجيه مجموعات لمهاجمة أماكن يتمركزون فيها على أطراف الخط الأصفر أو لداخله في بعض الأحيان.

وكشفت مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، أخيراً، أن تلك العصابات تمتلك أسلحة مزودة بكواتم صوت، وصواريخ مضادة، وأسلحة قنص إلى جانب أنهم يتلقون تدريبات على استخدام الطائرات المسيرة الصغيرة المسماة «كواد كابتر» بهدف استهداف نشطاء الفصائل.

وقال مصدر أمني من «حماس»، إن سلسلة عمليات نفذت أخيراً أدت لقتل وإصابة واعتقال العديد من عناصر العصابات، وكشف المصدر عن عمليات جرت داخل عمق سيطرة الحركة من خلال نصب كمائن لعناصر حاولوا زيارة أهاليهم وتم اعتقالهم، كما تم العثور في شقق سكنية على أسلحة وأجهزة تجسس إسرائيلية تعود لعناصر آخرين.

وأكد المصدر أن جميع الأسلحة إسرائيلية المصدر، أو أن إسرائيل زودتهم بها بعد استيلائها عليها خلال عملياتها داخل القطاع، فيما بعضها الآخر تم تجميعه من عمليات العصابات في القطاع.

ولفت المصدر إلى أنه تم إحباط سلسلة عمليات خطرة، منها محاولة لإحراق خيام النازحين في مستشفى «شهداء الأقصى» وبعض أقسامه، لكن تم ضبط بعض المتعاونين أثناء قيامهم بمهام تجسسية من خلال تصوير المرضى والجرحى والطواقم الطبية.

فتى فلسطيني يفحص موقع غارة إسرائيلية استهدفت عناصر من جهاز الشرطة التابع لحركة «حماس» وسط غزة مارس الماضي (رويترز)

إغراءات التجنيد

تعمد العصابات على تجنيد فئات معينة من الشبان داخل قطاع غزة، ومن بينهم بعض من يرون أن «حماس» اضطهدتهم بالاعتقال والتعذيب، فيما تشير الوقائع إلى أن غالبيتهم لا تملك فرص عمل ولا مستقبلاً واضحاً، ومنهم من يذهب بهدف الحصول على الدخان أو الحبوب المخدرة والسلع.

وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط»، إن تلك العصابات تستغل الحاجة المادية والظروف الاقتصادية الصعبة لبعض الشبان لإغرائهم بالمال والدخان وغيره، مشيرةً إلى أن بعضهم كان يرزح تحت وطأة ديون طائلة في مناطق معينة، فهربوا إلى مناطق العصابات وتجندوا فيها تهرباً من الإيفاء بالأموال للمدنيين.

وإذ تحارب حركة «حماس» تلك العصابات وأفرادها، فإنها أيضاً نجحت مؤخراً بالتنسيق مع عشائر وعوائل بعض الشبان الذين قرروا ترك العصابات والعودة إلى ذويهم، في استقبالهم والتحقيق معهم ثم تركهم ومحاولة دمجهم في المجتمع من جديد.

بديل عن «حماس»؟

في ظل التحديات الأمنية، وتمكن تلك العصابات المسلحة من إدخال مؤن وسلع إلى قطاع غزة، بدأت تروّج لنفسها على أنها بديل لحكم حركة «حماس». ولا يتردد قادتها في الحديث باستمرار خلال مقابلات مع وسائل إعلام إسرائيلية وأجنبية، وحتى في مقاطع فيديو تبث عبر صفحاتهم على شبكات التواصل الاجتماعي بالتأكيد على أنهم البديل الفعلي لها.

وتحاول إسرائيل من خلال السماح لوسائل إعلامها بإجراء مقابلات مع زعماء تلك العصابات المسلحة، تلميع صورتهم، والترويج على أنهم عملياً بديل لـ«حماس» والسلطة الفلسطينية معاً، التي يصر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على أنه لن يسمح لها بحكم القطاع.

نساء فلسطينيات يخبزن في فرن على الحطب بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

لكن رغم حالة الضعف التراكمي التي خلقتها الحرب لحركة «حماس»، وفقدان الكثير من قياداتها، فإنها ما زالت متماسكة إلى حد بعيد.

وخلال المفاوضات الأخيرة في القاهرة، أُدرج تفكيك العصابات شرطاً أساسيّاً، لكن إسرائيل ردت بأن هذا شأن فلسطيني داخلي ولا علاقة لها بها، كما كشفت حينه «الشرق الأوسط» عبر عدة مصادر.

ولكن فعلياً كانت إسرائيل وحتى نتنياهو، يؤكد أنه يتم تقديم دعم لمجموعات مسلحة بغزة مناهضة لحركة «حماس»، وهو أول اعتراف علني ظهر في يونيو (حزيران) الماضي، مشيراً إلى أن الهدف من ذلك إيجاد بدائل لإدارة قطاع غزة في المستقبل. فحكومة نتنياهو تحاول استخدام ورقة إعادة الإعمار في مناطق سيطرة العصابات لنقل سكان القطاع اليها ووضعهم تحت سلطتها. لكن الأمور لن تكون بهذه البساطة المرجوة إسرائيلياً، خصوصاً أن من يقود تلك العصابات ليسوا أشخاصاً مؤهلين سياسياً وأمنياً، وغالبية سكان القطاع ينبذونهم، كما وقد يتحولون لمشكلة أمنية بالنسبة لإسرائيل نفسها.


واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
TT

واشنطن تشدد شروطها على الجيش اللبناني: انتهى زمن الإنقاذ غير المشروط

عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)
عابرون قرب مبنى الكونغرس (رويترز)

بالتزامن مع مسار المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل في واشنطن برعاية أميركية، شهد الكونغرس تحركاً مختلفاً من نوعه؛ إذ صعّد من الضغوطات على الجيش اللبناني لتنفيذ وعوده بنزع سلاح «حزب الله» تحت طائلة تجميد المساعدات الأميركية المقدمة للجيش، والتي يوافق عليها المجلس التشريعي سنوياً.

وعلمت «الشرق الأوسط» من مصادر خاصة رفيعة المستوى داخل الكونغرس، أن الحزب الجمهوري «سئم من سماع وعود صادرة عن الجيش اللبناني بنزع سلاح (حزب الله) من دون القيام بالمجهود لتحقيق ذلك».

وتابعت المصادر، التي رفضت الكشف عن اسمها لعدم التأثير على المداولات الداخلية الجارية في الكونغرس، بالقول: «حان الوقت الآن للقيام بعملٍ جاد. وعلى الجيش اللبناني أن يبرهن على جديته».

وذكّرت المصادر بأن تمويل الجيش الذي يقره الكونغرس يصرف من أموال دافع الضرائب الأميركي، مؤكدة أنه وفي ظل تزايد التدقيق في كيفية إنفاق أموال دافعي الضرائب الأميركيين في عهد ترمب، يريد المشرعون التأكد من أن «كل دولار يُصرف يجب أن يخصص لغايةٍ مجدية».

ترمب خلال خطاب «حالة الاتحاد» في الكونغرس يوم 24 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

ضغوطات متزايدة على الجيش

جاء ذلك بعدما كانت مواقف مشابهة صدرت على لسان شخصيتين نافدتين في مجلس الشيوخ، هما رئيس لجنة القوات المسلحة، الجمهوري روجر ويكر، الذي قال في منشور على منصة (إكس): «على الكونغرس ألا يدعم الجيش اللبناني ما لم يتحرّك لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل وعلى الفور».

واعتبر ويكر أن «مقتل عنصرٍ فرنسي على يد (حزب الله) في جنوب لبنان بعد أيام من موافقة إسرائيل على وقف إطلاق النار، يشكل اختباراً حاسماً للجيش اللبناني»

وبعد يوم من تصريح ويكر، انضم إليه رئيس لجنة العلاقات الخارجية الجمهوري جيم ريش الذي قال: «لقد آن الأوان كي يتخذ الجيش اللبناني خطوات ملموسة لنزع سلاح (حزب الله) بالكامل». ولم يتوقف ريش عند هذا الحد بل تطرق إلى ملف الإصلاحات، مطالباً الحكومة اللبنانية بالإيفاء بوعودها «المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي». وختم بلهجة حاسمة: «لقد انتهى عهد التراخي وخطط الإنقاذ غير المشروط». كلمات واضحة وقاسية، تدل على نفاد صبر المشرعين من الوعود التي قطعتها الدولة اللبنانية بنزع سلاح «حزب الله» من جهة، وفرض إصلاحات اقتصادية من جهة أخرى.

قائد الجيش اللبناني العماد رودولف هيكل يتفقّد موقع تفجير منشأة لـ«حزب الله» في الجنوب (أرشيفية - مديرية التوجيه)

موقف قائد الجيش

إلى ذلك، تتزايد الشكوك في واشنطن حول أداء قائد الجيش رودولف هيكل في ملف نزع سلاح الحزب. وفيما تتحفظ غالبية المسؤولين الأميركيين عن الدعوة لإقالته علناً، حرصاً على عدم التدخل في الشؤون الداخلية، فإن السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام ليس من هؤلاء المتحفظين. فقد أعلنها بوضوح هذا الأسبوع في مقابلة مع «فوكس نيوز»؛ إذ قال: «لا أثق بالجيش اللبناني في نزع سلاح (حزب الله). يجب استبدال قائد الجيش الجنرال هيكل قبل أن تكون هناك خطة موثوقة لنزع سلاح الحزب».

وشدد غراهام على أن أي اتفاق سلام في لبنان لن يحصل «ما لم يكن هناك مسار موثوق لنزع سلاح الحزب». وكان هيكل أثار بلبلة في أروقة الكونغرس خلال زيارته الأخيرة إلى واشنطن في فبراير (شباط) الماضي، بعد إلغاء زيارته الأولى إثر تصريحات مثيرة للجدل عن إسرائيل، ولقائه بغراهام. حينها خرج السيناتور الجمهوري المقرب من ترمب غاضباً بسبب رفض هيكل، على حد قوله، الاعتراف بأن «حزب الله» منظمة إرهابية. وقال غراهام: «التقيتُ للتو بشكلٍ مقتضب جداً بقائد الجيش اللبناني، الجنرال رودولف هيكل. سألته بشكلٍ مباشر ما إذا كان يعتبر (حزب الله) منظمة إرهابية. فأجاب: لا، ليس في السياق اللبناني. وعلى إثر ذلك، أنهيتُ الاجتماع».

وتابع غراهام بلهجة غاضبة: «ما دام هذا الموقف قائماً لدى الجيش اللبناني، فلا أعتقد أننا نملك شريكاً موثوقاً به». كلام يتردد وراء أبواب مغلقة في الكونغرس، حيث علمت «الشرق الأوسط» من بعض المشرعين، أن «ما يهم الآن هو نزع سلاح (حزب الله)».

الرئيس جوزيف عون مجتمعاً مع قائد الجيش العماد رودولف هيكل (رئاسة الجمهورية)

المفاوضات المباشرة «إيجابية»

فيما يحذر البعض من هذه الضغوط والدعوات لغياب بدائل للجيش اللبناني، تقول المصادر في الكونغرس لـ«الشرق الأوسط»: «صحيح أنه لا يوجد بديل رائع. لكن هذا لا يعني أنه ينبغي علينا الاستمرار في تقديم المساعدات بشكل أعمى». وتشدد المصادر على ضرورة وضع شروط قاسية للإفراج عن المساعدات.

وبتزامن هذه التحركات التشريعية مع المفاوضات المباشرة بين لبنان وإسرائيل، يراقب الكونغرس هذا المسار الإيجابي، على حد تعبير المشرعين الذين أعرب عدد منهم عن تأييدهم الشديد لما يسعى البيت الأبيض لتحقيقه من خلال هذا المسار. ويعترف أعضاء الكونغرس بأن الملف اللبناني معقد، لكن مع التشديد على أن المسار الذي اعتمدته الإدارات السابقة لم ينجح في تحقيق أهدافه، ومن هنا ضرورة النظر في تغيير النهج المعتمد سابقاً.

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة افتتاح الجولة الأولى من المفاوضات بين لبنان وإسرائيل (غيتي)

دور للقيادة المركزية

ومما يسترعي الاهتمام، أن إعلان الرئيس الأميركي عن عودة لبنان إلى أجندة الاستراتيجيات الأميركية ونيته «جعل لبنان عظيماً مجدداً»، ترافق مع تكليف وزير الخارجية ماركو روبيو ونائبه جي دي فانس وقائد القيادة الوسطى دان كاين بالعمل مع إسرائيل ولبنان معاً على «تحقيق سلام مستدام». ولعلّ أهم نقطة في هذا التصريح هي تكليف كاين، فيما اعتبره البعض دليلاً على أن القيادة العسكرية الأميركية سوف تكون منخرطة بشكل مختلف هذه المرة في دعم الجيش اللبناني.

وهذا ما تحدث عنه السفير الأميركي السابق إلى لبنان دايفيد هايل الذي قال إن «أحد الدروس التي تعلمتها أميركا من العام الماضي هو أن دور القيادة المركزية الأميركية في مجموعة المراقبة كان محدوداً؛ إذ كانت القوات تراقب فقط».

وأضاف، في ندوة عقدها معهد الشرق الأوسط في واشنطن وحضرتها «الشرق الأوسط»: «نحن بحاجة إلى ما هو أكثر من المراقبة، وهذا لا يعني أننا سنقوم بفرض السيادة اللبنانية، فهذا تناقض بحد ذاته. يجب أن يكون الجيش اللبناني هو الجهة المنفذة، لكن يمكننا أن نكون أكثر انخراطاً، ليس فقط من خلال التجهيز وتقديم المساعدات، بل أيضاً عبر تقديم المشورة وتوفير المعلومات الاستخباراتية بشكل أكثر نشاطاً». وأعطى هايل مثالاً على ذلك فقال: «لو كان هناك ضابط أميركي برتبة رائد أو نقيب داخل المكاتب، فإن أصدقاء لبنان داخل الجيش الذين لا ينتمون إلى ما يُعرف بـ(الدولة العميقة) سيشعرون بالتمكين، وسيشعرون بأن لديهم دعماً حقيقياً؛ لأن العلاقة على مستوى الأفراد بين الجيش الأميركي والجيش اللبناني ممتازة. وهذا النوع من الحضور يمكن أن يمنح اللبنانيين الثقة والدافع للقيام بمهامهم».

إصلاحات وعقوبات

ليست مسألة الجيش اللبناني القضية الوحيدة على رادار المشرعين الأميركيين؛ فضرورة فرض الإصلاحات الاقتصادية تتصدر المطالب في واشنطن، وهذا ما أشار إليه السيناتور ريش بوضوح عندما دعا الدولة اللبنانية إلى الإيفاء بوعودها المؤجلة منذ سنوات بشأن الإصلاح الاقتصادي.

وعن ذلك فسرت المصادر خلفية التصريحات لـ«الشرق الأوسط»، فاعتبرت أن «فشل الدولة اللبنانية في إحراز تقدم فعلي في الإصلاحات المصرفية يخلق منفذاً كبيراً يسمح لـ(حزب الله) بالحفاظ على نفوذه»، وتشدد على ضرورة أن تمضي الدولة قدماً «في الإصلاحات التي لا يبدو أنهم مستعدون لتنفيذها». وتضيف: «نحن أمام حلقة مفرغة. وإذا كانت الطبقة السياسية اللبنانية غير مستعدة لتحمّل المسؤولية وترجمة أقوالها إلى أفعال، فلماذا نستمر في إنقاذها؟ أعتقد أنهم يعرفون تماماً ما المطلوب منهم، لكنهم ببساطة لا يبدون استعداداً للقيام به».

وعلمت «الشرق الأوسط» أن تركيز أعضاء الكونغرس البارزين ينصبّ على دور رئيس مجلس النواب نبيه بري، فهم يراقبون خطواته لمعرفة مدى تجاوبه مع المطالب الأميركية. وأكدت المصادر أن برّي «يدرك موقف الحكومة الأميركية»، مضيفة إن كان هناك الكثير من الحديث على مرّ السنوات عن فرض عقوبات على الذين يعرقلون الإصلاحات. لذلك، «لن نستغرب رؤية خطوات في هذا الاتجاه في حال عدم التجاوب».

جنود من الجيش اللبناني ينتشرون في موقع غارة جوية إسرائيلية في بيروت (أ.ب)

تمويل الجيش زمنياً

فيما تعمل لجان الكونغرس بشكل حثيث على تحديد أولويات التمويل في موازنات الدفاع، يعمل بعض المشرعين على تجسيد مواقفهم في تعديلات تتم إضافتها على مشاريع القوانين النهائية التي سيقرها المجلس التشريعي.

ومنذ عام 2006، قدّمت الولايات المتحدة أكثر من 2.5 مليار دولار من المساعدات العسكرية إلى الجيش اللبناني، بهدف تعزيز أمن الحدود، ومكافحة الإرهاب، ودعم الجيش بوصفه مؤسسة تابعة للدولة. وتشمل المساعدات في عهد ترمب الثاني أكثر من 117 مليون دولار أُعلن عنها في يناير (كانون الثاني) 2025، تهدف إلى دعم الجيش اللبناني في الحفاظ على وقف إطلاق النار مع إسرائيل وتنفيذ قرار مجلس الأمن 1701.

كذلك وافقت الإدارة في أكتوبر (تشرين الأول) 2025 على تقديم 230 مليون دولار لقوات الأمن اللبنانية، منها 190 مليون دولار للجيش اللبناني، و40 مليون دولار لقوى الأمن الداخلي. وذلك بعد حزمة أمنية منفصلة بقيمة 14.2 مليون دولار أعلنت عنها وزارة الحرب الأميركية في 10 سبتمبر (أيلول)، وشملت معدات تهدف إلى «تعزيز قدرات الجيش اللبناني على تفكيك مخازن الأسلحة والبنى التحتية العسكرية للجماعات غير الحكومية، بما في ذلك وكيل إيران الإرهابي (حزب الله)»، بحسب بيان صادر عن الوزارة.