الانتخابات البرلمانية في مصر.. فرصة للتوافق أم خطوة للصراع؟

من غير المتوقع أن تشهد نسبة كبيرة من التحالفات

الانتخابات البرلمانية في مصر.. فرصة للتوافق أم خطوة للصراع؟
TT

الانتخابات البرلمانية في مصر.. فرصة للتوافق أم خطوة للصراع؟

الانتخابات البرلمانية في مصر.. فرصة للتوافق أم خطوة للصراع؟

في خضم الفوز الكاسح الذي حققه المشير عبد الفتاح السيسي في الانتخابات الرئاسية التي جرت في مايو(أيار) 2014 وحصوله على نحو 97 في المائة من نسبة الأصوات، استكملت الدولة المصرية الاستحقاق الثاني في خارطة (أيار) الطريق التي جرى التوافق عليها في الثالث من يوليو (تموز) 2013 عقب خلع الرئيس السابق محمد مرسي في أعقاب ثورة الثلاثين من يونيو والتي مثلت الموجة التصحيحية لثورة الخامس والعشرين من يناير 2011.

في الإطار ذاته، تنتظر مصر الخطوة الثالثة والأخيرة في خارطة الطريق، والتي تستهدف استكمال بناء مؤسسات الدولة بعد إقرار الدستور واختيار الرئيس، تأتي الانتخابات التشريعية لتشكيل البرلمان المصري الذي أصبح ذا غرفة واحدة بعد إلغاء الغرفة الثانية (مجلس الشورى) بمقتضى دستور 2014. وتعد هذه الخطوة من أهم الخطوات وأخطرها على مستقبل العملية السياسية في مصر، فصحيح أن الانتخابات الرئاسية ذات أهمية كبرى لاختيارها رأس الدولة، إلا أنه ومنذ ثورة الثلاثين من يونيو لم يكن هناك انقسام حاد في المجتمع المصري حول شخصية الرئيس عبد الفتاح السيسي بل برزت دعوات ومناشدات عقب بيان الثالث من يوليو تطالبه بخوض الانتخابات الرئاسية مما ترتب عليه تراجع عدد كبير من المرشحين عن خوض غمار هذه الانتخابات في ظل الشعبية الجارفة التي تمتع بها السيسي، وهو ما جعل نتائجها أشبه بالمحسومة رغم منافسة حمدين صباحي وإن ظلت في إطار محدود. وذلك على العكس مما ستشهده الانتخابات البرلمانية المقبلة التي تواجه حالة من الاستقطاب الحادة مع بدء إعداد الترتيبات الخاصة بإجرائها، ولعل الجدل الدائر في مصر اليوم حول قانون مجلس النواب ومباشرة الحقوق السياسية يعكس جزءا من المشهد السياسي القادم وإن اختلف في ملامحه عما كان سائدا قبل الثلاثين من يونيو، فصحيح أن حالة الاستقطاب والصراع المجتمعي كانت على أشدها بسبب سياسات النظام السابق بما جعل الرئاسة طرفا في الصراع، إلا أنه من غير المنتظر أن تكون الرئاسة في ظل عبد الفتاح السيسي جزءا من هذا الصراع، بل من المتوقع أن تمثل رئاسته رمانة الميزان وضابط الإيقاع في الحياة السياسية المصرية خلال الفترة المقبلة، خاصة في ظل ما يتمتع به من شعبية جارفة وتأييد مختلف الأطراف السياسية باستثناء جماعة الإخوان وحلفائها، وهو ما اتضح في عملية تنصيبه والترحيب المجتمعي الواسع والذي امتد إلى ترحيب إقليمي ودولي من المنتظر أن ينعكس كل ذلك إيجابا على دوره في استعادة الاستقرار إلى الفضاء السياسي وإن شهد بعض الصراعات بين القوى السياسية حول تركيبة البرلمان المقبل.
وفي محاولة لقراءة الواقع السياسي المصري في هذه المرحلة التي تشهد إجراء الانتخابات البرلمانية ومستقبل العملية السياسية، يمكن تناول المحاور التالية:
أولا- الإطار الدستوري الحاكم للعملية الانتخابية:
نظم الدستور المصري السلطة التشريعية وعملية انتخابها في عدد من مواده، فقد أفرد الدستور الفصل الأول من الباب الخامس المتعلق بنظام الحكم (مواد 101-138) لتنظيم تشكيل مجلس النواب وآلية عمله وعلاقته مع مؤسسات الدولة المختلفة، هذا فضلا عن تنظيم بعض المواد الأخرى للعملية الانتخابية وذلك على النحو التالي:
1- ميز الدستور بين الانتخابات المزمع إجراؤها ما بعد إقرار الدستور وبين الانتخابات والاستفتاءات التي ستجرى فيما بعد. ففي مادته (228) أسند مهمة إجراء هذه الانتخابات للجنة العليا للانتخابات القائمة، أوكل مهمة الانتخابات التالية والاستفتاءات اللاحقة للهيئة الوطنية للانتخابات المنصوص عليها في الدستور فور تشكيلها.
2- رغم أن الدستور لم يحدد أيهما تجرى أولا الانتخابات الرئاسية أم البرلمانية، تاركا الأمر للتشريع العادي، فإنه حدد التوقيت الزمني لإجراء كل منهما، ففي الوقت الذي أعطى للانتخابات الأولى (أعطيت الأولوية للانتخابات الرئاسية) مدة تتراوح ما بين ثلاثين يوما وتسعين يوما من تاريخ العمل بالدستور، فقد ألزم إجراء الانتخابات التالية (الانتخابات البرلمانية التي نحن بصددها) خلال مدة لا تجاوز ستة أشهر من تاريخ العمل بالدستور. وهو ما يعني أنه لا بد من إجراء الانتخابات البرلمانية المقبلة في موعد أقصاه منتصف يوليو المقبل، حتى لا يطعن بعدم دستوريتها إذا ما أجريت بعد هذا التاريخ (تاريخ الاستفتاء على الدستور).
3- أكد الدستور على ضمانة حقوق المواطنين كافة في المشاركة في الحياة العامة واعتبر ذلك واجبا وطنيا، ملزما الدولة بإدراج اسم كل مواطن بقاعدة بيانات الناخبين متى توافرت فيه شروط الناخب، كما ألزمها بكفالة سلامة الاستفتاءات والانتخابات وحيدتها ونزاهتها وعدم التأثير على مجرياتها.
4- لم يحسم الدستور شكل النظام الانتخابي بصورة قاطعة، بل سمح النص للمشرع العادي باختيار النظام الانتخابي الأكثر ملاءمة طبقا لمقتضيات الظروف والأحوال، فأصبح للمشرع حرية الاختيار بين النظام الفردي أو نظام القوائم أو الجمع بينهما بأي نسبة، شريطة أن يراعى التمثيل العادل للسكان والمحافظات والتمثيل المتكافئ للناخبين. من الواضح أن المشرع الدستوري حاول أن يتلافى العيوب التي وردت في الدساتير السابقة حول تحديد نظام انتخابي معين قد يحتاج المشرع العادي إلى تغييره في ضوء ما يستجد من تطورات وتحولات لا يتلاءم معها هذا النظام، بما يفتح المجال لتعديل مواد الدستور، وتفاديا لذلك – انطلاقا من المبدأ الذي يتبناه النظام الدستوري المصري بأن دستور مصر من الدساتير الجامدة بمعنى أن تعديله يحتاج إلى حزمة من الإجراءات المطولة - أراد المشرع الدستوري أن يجعل النص أكثر رحابة ليشمل كافة النظم الانتخابية مانحا المشرع العادي حرية الاختيار والتنقل بينها طبقا للمستجدات. كما حرص المشرع الدستوري أيضا على تفادي قصور التشريع القانوني الذي أجريت على أساسه انتخابات مجلس الشعب ما بعد الثورة وكان سببا في إبطاله حينما سمح للأحزاب الترشح على المقاعد الفردية وجاء حكم المحكمة الدستورية العليا ببطلان الانتخابات وترتب عليه حل مجلس الشعب، فقد أحال الأمر برمته إلى القانون.
5- في محاولة من المشرع أن يضمن تمثيل مختلف الفئات المجتمعية التي ربما يكون تمثيلها عن طريق الانتخاب المباشر صعبا وخاصة في المرحلة المقبلة، فانتهج مسارين: الأول، أعطى لرئيس الجمهورية الحق في تعيين عدد من الأعضاء في المجلس لا يزيد على خمسة في المائة، مع تقييده في ممارسة هذا الحق بأن تطلب من القانون تحديد كيفية ترشيحهم. أما المسار الثاني، فقد نص في مادتين هما (243- 244) على ضرورة ضمان تمثيل ملائم في الانتخابات المقبلة فقط لكل العمال والفلاحين، وكذلك للشباب والمسيحيين والأشخاص ذوي الإعاقة والمصريين المقيمين بالخارج. فضلا عن ذلك، ألزم الدستور في مادته (11) الدولة بأجهزتها المختلفة أن تضمن للمرأة المصرية تمثيلا مناسبا في المجالس النيابية بصفة مستمرة دون قصرها على الانتخابات المقبلة فحسب كما فعل مع الفئات الأخرى. والحقيقة أن فكرة الاستثناء ومبرراته غير مستساغة وغير منطقية من أكثر من جانب، فليس صحيحا أن فئتي العمال والفلاحين لن يستطيعا أن يكون لهما ممثلون تحت القبة، بل العكس صحيح فأغلبية الشعب المصري ينتمي إلى هاتين الفئتين وبالتالي فكتلتهما التصويتية تجعل منحهما استثناء أمرا مستغربا. إضافة إلى ذلك أن فكرة الاستثناء فكرة تتعارض مع المبادئ الدستورية العامة بل والنصوص الدستورية التي أكدت على المساواة بين الجميع وترسيخ مبادئ المواطنة وتكافؤ الفرص.
6- لم يتبن المشرع الدستوري النهج الذي سار عليه دستور (2012) حينما حاول استثناء القوانين المنظمة للعملية الانتخابية من شرط الرقابة اللاحقة للمحكمة الدستورية العليا، وإنما أعاد الأوضاع إلى طبيعتها في عمل المحكمة الرقابي على القوانين والتي تتبنى نهج الرقابة اللاحقة، وهو أمر يتفق وطبيعة النظام القضائي المصري منذ إنشاء المحاكم الدستورية سواء حينما كانت تحت اسم المحكمة العليا أو حينما أصبح اسمها المحكمة الدستورية العليا، حيث تبنى نظام الرقابة اللاحقة على دستورية القوانين، كما أن الرقابة السابقة تجعل من المحكمة المشرع الفعلي وليس البرلمان، بما يمكن معه القول إن تطبيق الرقابة السابقة تستوجب البحث عن آليات جديدة لا تتعارض مع طبيعة النظام القائم.
ثانيا- الإطار القانوني المنظم للعملية الانتخابية:
في ضوء ما حدده الدستور من ضوابط وما وضعه من إجراءات واشتراطات وما رسمه من إجراءات ناظمة للعملية الانتخابية. يأتي التشريع ليتولى عملية التنظيم وتحديد آليات العمل وكيفية التنفيذ التزاما بالإطار الحاكم الذي حدده الدستور، وذلك على النحو التالي:
1- نص قانون مباشرة الحقوق السياسية في مادته الأولى على حق كل مواطن مصري بلغ ثماني عشرة سنة أن يباشر حقوقه السياسية كواجب وطني، على أن يعفى من أداء هذا الواجب كل من ضباط وأفراد القوات المسلحة وهيئة الشرطة طوال مدة خدمتهم. كما عدد القانون عشر حالات للحرمان المؤقت من ممارسة هذا الحق.
2- وضع قانون مباشرة الحقوق السياسية آليات تنظيم العملية الانتخابية بدءا من القيد في الجدول، مرورا بتشكيل اللجنة العليا للانتخابات واختصاصاتها، وضوابط الدعاية الانتخابية والاستفتاءات، وصولا إلى تحديد أهم جرائم الانتخابات والعقوبات الواردة عليها.
3- وضع القانون تعريفات للصفات التي يجري الانتخاب على أساسها، وشملت قائمة التعريفات كلا من: العامل، الفلاح، الشاب، المواطن ذا الإعاقة، المصري المقيم في الخارج. وقد أثارت بعض هذه التعريفات لغطا كبيرا خاصة في تعريف العامل والفلاح بما يستوجب إعادة النظر فيها قبل إجراء الانتخابات.
4- تبنى قانون مجلس النواب النظام المختلط الذي يجمع بين القائمة والفردي، حيث وزع مقاعد البرلمان البالغة عددها (540 مقعدا) ما بين (420 مقعدا) للنظام الفردي بنسبة 80 في المائة، و(120 مقعدا) للنظام بالقائمة المغلقة المطلقة بنسبة 20 في المائة، على أن تقسم الجمهورية إلى عدد من الدوائر لكل منهما، مع تحديد عدد دوائر الانتخاب بنظام القوائم لتشمل أربع دوائر، على أن توزع المقاعد المخصصة لها على نوعين من القوائم: الأول، قائمتان ذات (15 مقعدا) على أن تتضمن قائمة المرشحين: ثلاثة على الأقل من المسيحيين، اثنين على الأقل من كل من العمال والفلاحين، الشباب، ومرشح واحد على الأقل من كل من الأشخاص ذوي الإعاقة، المصريين المقيمين بالخارج. كما اشترط أن يكون من بين أصحاب هذه الصفات أو غيرهم سبع نساء على الأقل أي ما يقارب نصف عدد مقاعد القائمة. أما النوع الثاني، قائمتان ذات (45 مقعدا) على أن تتضمن قائمة المرشحين: تسعة على الأقل من المسيحيين، ستة على الأقل من كل من العمال والفلاحين، الشباب، ثلاثة على الأقل من كل من الأشخاص ذوي الإعاقة والمصريين المقيمين في الخارج. كما اشترط أن يكون من بين أصحاب هذه الصفات أو غيرهم 21 من النساء على الأقل أي ما يقارب نصف عدد مقاعد القائمة. فضلا عن هذا اشترط القانون أن يتوفر في المترشحين الاحتياطيين ذات الأعداد والصفات.
5- سمح القانون للمستقلين أن يشكلوا قوائم للمنافسة على المقاعد المخصصة للقوائم سواء بأنفسهم أو من خلال مشاركة الأحزاب في قوائمها، كما سمح للأحزاب التقدم بمرشحيها على المقاعد الفردية، شريطة أن يظهر كل مترشح اسم الحزب الذي ينتمي إليه أو صفته المستقلة. لأنه في حالة إذا ما حدث أي تغيير في الصفات التي ينتخب عليها المترشح يترتب عليه إسقاط العضوية بقرار من المجلس بأغلبية ثلثي أعضائه. مستثنى من ذلك المرأة، حيث نص القانون على ألا تسقط عضويتها إلا إذا غيرت انتماءها الحزبي أو المستقل الذي انتخبت على أساسه دون النظر إلى الصفات الأخرى المطبقة في حالة الذكور، وهو ما يمثل إخلالا بمبادئ المساواة وتكافؤ الفرص المنصوص عليها في الدستور.
6- نظم القانون عملية الانتخاب بدءا من شروط الترشح وإجراءاته والدعاية الانتخابية وصولا إلى إعلان النتائج ورد مبالغ التأمين. كما وضع المشرع عددا من الضوابط الخاصة بالمعينين الذين يختارهم رئيس الجمهورية وإن كانت هذه الضوابط والمعايير فضفاضة وغير كافية.
7- تناول القانون تنظيم حقوق الأعضاء وواجباتهم بدءا من الحصانة البرلمانية وإن اقتصرت وفق نصوص القانون على الحصانة الجنائية دون حصانة الرأي تحت القبة، حيث أغفلها المشرع في حين نص عليها الدستور في مادته (112)، كما حدد القانون قيمة المكافآت الممنوحة للأعضاء حتى لا تتحول العضوية إلى وظيفة يتربح منها العضو. وفيما يتعلق بالواجبات فقد حدد القانون جملة من الضوابط والمحظورات التي يتعين على النائب أن يلتزم بها أمام المجلس كحظر تعامله مع الدولة وأجهزتها بيعا وشراء واستئجارا، كذلك الفصل بين الملكية والإدارة، تنظيم الأنشطة المهنية والأعمال الاستشارية، وأيضا تنظيم عملية القروض والتسهيلات الائتمانية، وذلك كله لتفادي تكرار الجرائم التي ارتكبها بعض النواب في المجالس السابقة وتمتعوا بالحصانة في الهروب من مقاضاتهم.
ثالثا- الانتخابات البرلمانية.. صراع مفتوح:
رغم ما قد يراه البعض من أنه في ظل الرئاسة الجديدة، لن تشهد الانتخابات البرلمانية المقبلة صراعات حادة على غرار ما جرى عقب ثورة الخامس والعشرين من يناير، خاصة في ظل مقاطعة بعض التيارات السياسية وتحديدا جماعة الإخوان وحلفاءها لاستحقاقات خارطة الطريق، فإن هذا الرأي يفتقد إلى الكثير من الصحة في ضوء عدة عوامل، منها:
1- إنه على غرار ما حدث في الانتخابات البرلمانية ما بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير من تكالب وصراع كبير من مختلف القوى السياسية للمشاركة فيها، فإنه من المنتظر أن يتكرر هذا المشهد، وهو أمر يتفق وطبيعة الأوضاع والظروف. ففي كل مراحل التحولات الديمقراطية تشهد المجتمعات التي تمر بها حجم مشاركة مجتمعية كبير بهدف المساهمة في بناء هذه المرحلة. يدلل على ذلك استمرار ارتفاع حجم المشاركة السياسية سواء في الاستفتاء على الدستور (2014) أو الانتخابات الرئاسية الأخيرة. صحيح أن حجم المشاركة انخفض قليلا بما كان عليه في الانتخابات السابقة (2012) إلا أن هذا الانخفاض مقبول ومفسر سواء في ضوء انخفاض عدد المرشحين فيها، ففي انتخابات (2012) شارك (13) مرشحا، في حين شارك مرشحان فقط في الانتخابات الأخيرة التي كانت أشبه بالمحسومة لصالح عبد الفتاح السيسي بما جعل بعض الناخبين يرون أن مشاركتهم لن تغير من الأمر شيئا. ولكن هذا الأمر لن يتكرر في الانتخابات البرلمانية المقبلة التي من المنتظر أن يتنافس فيها الآلاف من المرشحين، خاصة في ظل زيادة عدد مقاعد المجلس (540 مقعدا) يذهب 80 في المائة منها للمقاعد الفردية و20 في المائة للقائمة. ومن المعلوم أن التصويت في الانتخابات الفردية يكون أكثر حجما مقارنة بالانتخابات بنظام القائمة.
2- من المنتظر أن يؤدي إلغاء الغرفة الثانية للبرلمان (مجلس الشورى) إلى زيادة تكالب الأحزاب السياسية على المشاركة في الانتخابات المقبلة، وذلك لغياب متنفس آخر يمكن أن يسمح لها بالتمثيل. بمعنى أكثر وضوحا أدى غياب مجلس الشورى – رغم شكلية دوره سواء في العملية التشريعية أو الرقابية - إلى عدم وجود مكان آخر لتمثيل هذه الأحزاب التي تجاوز عددها اليوم 90 حزبا. بما يدفعها إلى المنافسة على المقاعد كافة بما فيها الفردية. أضف إلى ذلك زيادة المقاعد الفردية يعنى رفع نسبة المستقلين المشاركين في هذه الانتخابات، وخاصة في المناطق الريفية والصعيد والتي يغلب عليها العصبية والقبلية، بما من شأنه أن يزيد من حدة الصراع والاستقطاب في هذه الانتخابات.
3- من غير المنطقي أو الواقعي أن جماعة الإخوان سوف تقاطع هذه الانتخابات، بل من المتوقع أن يكون لها مشاركة واسعة فيها ترشيحا وتصويتا، وهو ما يجد تفسيره في أمرين: الأول، أن تاريخ الجماعة في علاقتها بالسلطة يؤكد أنها لم تفوت أي استحقاق انتخابي إلا وشاركت فيه سواء بشكل مباشر أو غير مباشر. أما الأمر الثاني، فهو أن الجماعة لم يعد أمامها طريق سوى العودة إلى قواعد اللعبة السياسية التي حاولت أن تخرج عنها بفرض إملاءاتها على المجتمع والدولة فاصطدمت بهما. وعلى هذا، فمن المؤكد أن الجماعة سوف تشارك في هذه الانتخابات عن طريق إما أن تدفع بأشخاص جدد غير معروفين لدى المجتمع بانتمائهم إلى الجماعة فكرا وتنظيما، وإما أن تدخل في تحالفات مع بعض الأحزاب السياسية مثال ذلك حزب مصر القوية (برئاسة الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح) وحزب الاستقلال.. إلخ، أو تدفع بمرشحين على قائمة حزبها (الحرية والعدالة) الذي ما زال موجودا على الأقل من الناحية القانونية وإن كان هذا الخيار الأخير مستبعدا، بما يعزز خيارها الأول في إبرام تحالفات مع أحزاب تتوافق معها وتتماهى مع رؤيتها للأحداث، دون أن يمنع ذلك الجماعة من التقدم بمرشحين على المقاعد الفردية أو دعم مرشحين لا ينتمون إليها على هذه المقاعد من خلال صفقات يجري إبرامها معهم، خاصة وأن فن الصفقات من الفنون التي تدربت عليها الجماعة على مدار تاريخها، بل ربما يكون أحد أهم أدواتها وسياستها في العمل السياسي، وكان له الفضل الأول في الحفاظ على وجودها حتى اليوم.
4- رغم أهمية الائتلافات والتحالفات في العملية الانتخابية كما نشهدها في الدول الديمقراطية، فإنه من غير المتوقع أن تشهد هذه الانتخابات نسبة كبيرة من التحالفات، فقد كشفت الممارسات السياسية على مدار الأعوام الثلاثة عن تزايد حجم المنافسة بين الأطراف السياسية المختلفة، وهو ما يمكن تفسيره في ضوء سيطرة الفرد على المؤسسة الحزبية. فغياب الفكر المؤسسي عن الأحزاب وارتباطها بأشخاص جعل من الصعوبة بمكان أن تدخل هذه الأحزاب في تحالفات أو ائتلافات انتخابية يمكن أن تبعث برسالة للمواطنين بأن نتائج الانتخابات محسومة لصالح تيار معين أو ائتلاف محدد، فيؤدي ذلك إلى تراجع نسبة المشاركة على غرار ما كان يحدث في ظل النظام الأسبق حينما كان يسيطر الحزب الوطني الديمقراطي على الحياة السياسية وتأتي بقية الأحزاب لتكمل الديكور الديمقراطي من دون أن يكون لها ممارسة حقيقية على الأرض. يعني ذلك أن تشرذم القوى السياسية وفشلها في بناء تحالفات واصطفافات يعزز من تزايد حجم المشاركة في الانتخابات المقبلة ليس فقط على مستوى المشاركة في التصويت بقدر ما تزداد نسبة المشاركة في الترشح، وهو ما من شأنه أن يزيد حدة الصراع والاستقطاب.
ملخص القول إن الانتخابات البرلمانية المقبلة ستشهد حالة واسعة من الاستقطاب والصراع بين مختلف التكوينات السياسية والاجتماعية في المجتمع المصري، بما ينذر بمؤشرات خطيرة تفرض على الدولة أن تأخذها في الحسبان خاصة في المناطق الريفية والصعيد بسبب غلبة العصبية والقبلية التي تلعب الدور الأكبر في اختيار المرشحين ونجاحهم. فضلا عن أهمية أن تلتزم أجهزة الدولة ومؤسساتها الحيدة والنزاهة في هذه الانتخابات. كما يجب على الأحزاب السياسية أن تعي أن العمل السياسي المنفرد خاصة في العملية الانتخابية وما بعدها يظل نقطة الضعف الأولى والمهمة في مسيرتها، فالخبرة السياسية في الدول الديمقراطية تكشف عن أن التحالفات والاصطفافات والائتلافات هي المسار الأكثر نجاحا في العمل الوطني. ولذا، فعلى الأحزاب ذات المرجعيات المتقاربة أن تشكل ائتلافات واحدة تخوض بها العملية الانتخابية وتضمن لها تمثيلا مريحا تحت قبة البرلمان يمنحها دورا في الأداء التشريعي والرقابي في تلك المرحلة الحرجة التي تمر بها مصر اليوم وإلا انتقلت الصراعات والاستقطابات من الشارع إلى البرلمان كما حدث في برلمان 2012 رغم سيطرة التيار الإسلامي وخاصة الإخواني على غالبية مقاعده إلا أنها لم تتمكن من بناء تحالفات حقيقية تتحمل معها المسؤولية في بناء مصر الجديدة. ولذا، فالاستفادة من الخبرات الدولية والخبرات السابقة تؤكد على أهمية أن تشهد هذه الانتخابات بداية حقيقية لتكريس العمل السياسي في إطار من التحالف بين أنصار المرجعيات والأفكار الواحدة مع الاحتفاظ بهامش الاختلافات والتباينات في حدها الأدنى.



حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
TT

حلم كردستان في لحظة اختبار: «غدر» قوى خارجية أم نهاية وهم؟

متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)
متظاهرة كردية متضامنة مع الأكراد السوريين خلال مظاهرة في مدينة فرانكفورت الألمانية (د.ب.إ)

عبارة «ليس للأكراد أصدقاء سوى الجبال» لا تأتي من فراغ، هي سردية المناطق الجبلية التي احتمى فيها الأكراد للبقاء على مدى قرون، منذ العصر العثماني إلى الدول القومية الحديثة (تركيا وإيران والعراق وسوريا). هو السيناريو الذي وجد فيه الأكراد أنفسهم مراراً وتكراراً؛ وعود بالحماية أو الحكم الذاتي قبل أن تتركهم القوى الخارجية عرضة للخطر عند تغير مصالحها الجيوسياسية.

مع سقوط مشروع «روجافا» في شمال شرقي سوريا، هل قضى النفوذ التركي المتجدد بدعم إقليمي على حلم كردستان؟

قراءة هذا التحوّل في سوريا انطلاقاً من الأحداث الأخيرة يحتاج إلى سياق تاريخي لتطورات اللحظة الآنية في هذا الشرق الأوسط المضطرب.

في شهر مارس (آذار) الماضي، التقى في مرات نادرة ممثلو الأقاليم الأربعة لكردستان في قاعة بلدية ديار بكر أو آمد، حيث تطرقت الكلمات إلى «القمع التاريخي في الذاكرة الجماعية، كما أحلام الدولة الكردية». كان عام 2025 مرحلة واعدة للحراك الكردي. منطقة جنوب كردستان (شمال العراق) ثابتة في حكمها الذاتي، ومنطقة شمال كردستان (جنوب شرقي تركيا) كانت تترقب مبادرة عبد الله أوجلان لإنهاء نزاع حزب العمال الكردستاني مع أنقرة كنقطة تحوّل للاعتراف بكامل حقوق أكراد تركيا، خطوة كان الأمل في أن يتسرّب تأثيرها على غرب كردستان (شمال سوريا) التي كانت تترقب فرصة سقوط نظام بشار الأسد لتكريس مشروعها، فيما منطقة شرق كردستان (شمال غربي إيران) بقيت وحدها من دون أفق في المدى المنظور.

مظاهرة للأكراد في جنوب شرق تركيا للمطالبة بإطلاق سراح رئيس حزب «العمال الكردستاني» عبد الله أوجلان عقب دعوته في 27 فبراير 2025 لحل الحزب (أ.ب)

الآمال الكبيرة التي طبعت أجواء من شارك في هذه النقاشات تغيرت مع خسارة منطقة الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا، وخطر حصر أكراد سوريا بين تهديد تركيا من جهة، وحليف أنقرة في دمشق من جهة أخرى.

أما المظاهرات المستمرة في إيران فتوفر فرصاً وتحديات في الوقت نفسه. القوى الكردية الإيرانية، مثل الحزب الديمقراطي الكردي الإيراني، تنتظر هذه اللحظة منذ عقود، بعد مواجهات مع شاه إيران ونظام الثورة الإسلامية. يلجأ المقاتلون الأكراد من إيران وتركيا إلى جبل قنديل على الحدود الإيرانية - العراقية، ضمن سلسلة جبال زاغروس، هذه المنطقة الوعرة التي تقصفها دورياً القوات الجوية التركية والمدفعية الإيرانية، كما بدأت مؤخراً المسيّرات الإيرانية فوق جبل قنديل.

تقاطع تركي- إيراني وتنافس كردي - كردي

هناك محاولة تركية لإيجاد تقاطع مصالح مع طهران، ليس حول إسرائيل والملف النووي فقط، بل حول الأكراد الذين تعتبرهم الحكومة التركية الخطر الأكبر على أمنها القومي. أشارت وكالة «رويترز» إلى أن الاستخبارات التركية حذّرت «الحرس الثوري» الإيراني من أن المقاتلين الأكراد يحاولون العبور من جبل قنديل إلى الداخل الإيراني لاستغلال فرصة الاضطرابات. وبالتالي مع قدرات قتالية محدودة وغياب أي دعم ذي مصداقية من القوى الخارجية، يتعامل المقاتلون الأكراد مع أولويتين؛ خطر في شمال سوريا لم ينتهِ بشكل كامل، وفرصة في شمال غربي إيران لم تتبلور بعد.

هذه الدينامية الجديدة تقلق الحراك الكردي الذي يلجأ تاريخياً إلى رصّ الصفوف عند الشعور بالخطر. خلال ذروة احتمالات المواجهة بين الحكومة السورية و«قسد»، قال قيادي كردي في تركيا لـ«الشرق الأوسط»: «نحن نمر بأوقات عصيبة»، فيما أكّد قيادي كردي في العراق: «بروز الوحدة الوطنية الكردية سيكون خلاصنا».

الزعيم الكردي مسعود بارزاني خلال استقباله سفير الولايات المتحدة لدى تركيا توماس برَّاك في مدينة بيرمام (مصيف صلاح الدين) بمحافظة أربيل السبت (الحزب الديمقراطي الكردستاني)

لا بد من قراءة تاريخية لوضع ما يحدث اليوم في سياق التاريخ الحديث للحراك الكردي. الدينامية الأهم التي ترخي بظلالها هي التنافس التاريخي بين عبد الله أوجلان ومسعود بارزاني، والتي تغيرت طبيعتها مع دخول رجب طيب إردوغان إلى صدارة المشهد الكردي عام 2003. على الرغم من المصالحة غير المباشرة بين القيادتين التاريخيتين للأكراد، التي وفّرتها ظروف مبادرة سلام أوجلان ودعوة ممثل برزاني من ديار بكر في مارس الماضي إلى إطلاق سراحه، فإن هذه العلاقة ليست مستقيمة بعد. قائد «قسد» مظلوم عبدي أثبت جدارته في التنظيم والميدان، لكنه لم يجد بعد حيثية كافية تعطيه شرعية ترقى إلى مستوى القيادات التاريخية للأكراد، وبالتالي حاول كل من برزاني وأوجلان استمالته أو بالأحرى التأثير على مجرى قراراته في لحظات تحوّل مفصلية لمصير «روجافا»، خصوصاً بعد سقوط نظام بشار الأسد نهاية العام الماضي.

المبعوث الأميركي إلى سوريا توم برَّاك وقائد «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) مظلوم عبدي (حساب مظلوم عبدي عبر منصة «إكس»)

فيما سعى أوجلان لربط مسار السلام بين حزب العمال الكردستاني والحكومة التركية عبر عرض تسهيل تسوية بين الحكومة السورية و«قسد»، دخل برزاني على الخط، حيث دعا مظلوم عبدي إلى أربيل في يناير (كانون الثاني) 2025 ونصحه بفتح قنوات مع دمشق، وتطمين تركيا على حدودها، وهذا ما حصل مع اتفاق 10 مارس بين الشرع وعبدي. أكراد تركيا ينظرون إلى برزاني على أنه تحت تأثير إردوغان، ولا سيما ذهابه عام 2013 إلى ديار بكر، ليساعده في الحصول على تأييد الأصوات الكردية في الانتخابات الرئاسية عام 2014. برزاني دعا مؤخراً إلى خروج مقاتلي حزب العمال الكردستاني من سوريا لتسهيل الحلّ، فيما يقول أوجلان إنه قادر على إقناع مظلوم عبدي بالاندماج في القوى النظامية السورية. حكومة إردوغان لعبت على هذا التباين عبر القول إن حزب العمال الكردستاني يعيق الاتفاق بين الشرع وعبدي. التململ بين أكراد سوريا حيال ربط قضيتهم بمصير أوجلان تصاعد مؤخراً، في وقت أصبح فيه برزاني محور مفاوضات الأميركيين مع «قسد». لكن رغم التهويل، احتمالات الحرب المفتوحة بين حكومة الشرع و«قسد» كانت محدودة بسبب مبادرة أوجلان للسلام، التي فتحت قنوات اتصال مباشرة وغير مسبوقة بين الاستخبارات التركية و«قسد»، ولأن كلاً من الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني يدركان تبعات هذه الحرب المفتوحة على الداخل التركي.

مظاهرة كردية في ديار بكر مناهضة لدخول القوات السورية إلى المناطق الكردية في الشمال الشرقي للبلاد (أ.ف.ب)

إيبرو غوناي، المتحدثة المشتركة للعلاقات الخارجية في حزب المساواة وديمقراطية الشعوب (DEM)، الذي يلعب دوراً رئيسياً في التفاوض بين أوجلان والحكومة التركية، استنكرت لـ«الشرق الأوسط» استهداف الأحياء الكردية في حلب نهاية العام الماضي، واصفة الأمر بأنه «بمثابة مؤامرة دولية» فور توقيع الاتفاق في باريس بين حكومة الشرع وإسرائيل. واعتبرت غوناي أن وزير الخارجية التركي هكان فيدان «كان يتصرف بأنه وزير داخلية دمشق»، وأنه تم نقل كميات كبيرة من المدرعات العسكرية التركية وبنادق المشاة إلى حكومة الشرع. وعن تأثير ما حصل في شمال شرقي سوريا على مسار السلام في تركيا، تقول غوناي إن ما حصل في سوريا تسبب «في حالة من عدم الثقة العميقة، وعزز التصور بأن هذه العملية ستنتهي بتجريد الكرد من وضعهم السياسي داخل تركيا أيضاً». لكنها أكدت في المقابل أن مبادرة أوجلان قائمة ومستمرة، كما جهود الحكومة التركية في هذا السياق، «لكن يجب أن نتحدث عن آلية عمل متعثرة أو بطيئة في البرلمان»، لأن «حلّ حزب العمال الكردستاني، وتهيئة ظروف السلام الدائم، لن يكونا ممكنين إلا من خلال ترتيبات قانونية حاسمة».

مسلّح كردي في مدينة الحسكة السورية لدى دخول القوات الحكومية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

تاريخ من الوعود والتخلي

بالفعل، الأحلام الكردية بالتحرر تتبلور، لكن لا تدوم طويلاً. 3 سنوات تحديداً فصلت بين معاهدة سيفر عام 1920، التي وعدت بكردستان مستقلة على أنقاض الإمبراطورية العثمانية، وبين معاهدة لوزان عام 1923، التي أغفلت فكرة حقّ الأكراد في تقرير مصيرهم، وعززت حدود تركيا الحديثة. جمهورية مهاباد الكردية، التي تأسست في شمال غربي إيران عام 1946، استمرت 11 شهراً فقط حتى حصول تسوية بين موسكو وطهران، أدّت إلى انسحاب الجيش السوفياتي من شمال غربي إيران تحت الضغوط الدولية. مصطفى البارزاني كان رئيس أركان الجيش في جمهورية مهاباد، التي ولد فيها ابنه مسعود في نفس يوم تأسيسها، قبل أن يذهب إلى العراق عام 1958 بعد سقوط مشروع الجمهورية.

بعدها توالت دوامة النضال والتخلي المتكرر. في ذروة الحرب الباردة، كانت اتفاقية الجزائر عام 1975 التي تخلى فيها الأميركيون والإسرائيليون والإيرانيون عن دعم الانتفاضة الكردية العراقية، مقابل اعتراف بغداد بوسط نهر شط العرب كحدود، ليسحب فجأة شاه إيران مساعدته لأكراد العراق، ويتركهم لقدرهم بوجه نظام صدام حسين.

رجل يمر أمام جدارية لأنصار «قسد» في القامشلي تُظهر علمها وصورة لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين في تركيا عبد الله أوجلان (أ.ف.ب)

أوجلان كان طالباً جامعياً بميول ماركسية، أسس حزب العمال الكردستاني عام 1978، قبل أن يلجأ إلى سوريا بعد انقلاب عام 1980 في تركيا، فيما ورث مسعود برزاني قيادة الحزب الديمقراطي الكردستاني عام 1979. بعد تشجيع واشنطن الأكراد للإطاحة بنظام صدام حسين في ربيع عام 1991، لم تتدخل القوات الأميركية الرابضة على الحدود العراقية لوقف القتل الجماعي للأكراد، الذي كان بداية عدم الثقة الكردية بواشنطن. بعدها كان استفتاء إقليم كردستان عام 2017، الذي أدّى إلى حملة عسكرية للحكومة المركزية في بغداد بدعم إيراني أنهت مفاعيل الاستفتاء، وأخرجت مسعود برزاني من الحكم. فيما خسر أوجلان قيمته الاستراتيجية بعد انتهاء الحرب الباردة، وضعف نظام حافظ الأسد اقتصادياً. بعد اتفاق أضنة بين أنقرة ودمشق عام 1998، قطعت الحكومة السورية العلاقة مع حزب العمال الكردستاني، وطردت أوجلان من سوريا بعد التهديد التركي بعمل عسكري. أغلقت كل العواصم الكبيرة أبوابها أمام لجوء أوجلان لتفادي مواجهة مع تركيا، فيما كانت واشنطن مشغولة بالعراق والبلقان، وبالتالي صمتها كان بمثابة تفويض سمح باعتقال أوجلان في كينيا عام 1999.

مقاتلان من «قسد» على مشارف الحسكة لدى دخول القوات السورية إليها في 2 فبراير 2026 (أ.ب)

انتهاء حلم «روجافا»

الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا دامت أكثر من 10 سنوات، مع اعتماد دستور مؤقت وفيدرالية، مقارنة مع 11 شهراً لجمهورية مهاباد. تعلّمت «قسد» من تجارب النضال الكردي؛ بنت مؤسسات، وحاربت «داعش»، وسعت لاكتساب الشرعية الدولية. ومع ذلك اصطدمت بالجدار نفسه. هذا ليس فشلاً، بل الواقع البنيوي في الشرق الأوسط، لا تستمر المشاريع المسلحة غير الحكومية إلا عندما تتوافق بشكل دائم مع المصالح الجوهرية للقوى العظمى، و«قسد» لم تصل إلى هذه المرحلة، لأن الاستقلال الذاتي من دون سيادة أمر مؤقت. هذا التحول كان بمثابة العودة إلى الواقعية بعيداً عن النزعة العسكرية الرومانسية، مع تركيز أكبر على الصمود السياسي بدل السيطرة الميدانية.

ما انتهى فعلياً هو الغموض الاستراتيجي لمشروع «قسد»، أي الحكم الذاتي والحماية الخارجية بحكم الأمر الواقع. انتهت فكرة حق تقرير المصير من دون تأمين حقوق غير قابلة للتراجع، ما عزّز ميزان القوى بشكل كبير لصالح حكومة الشرع. الاتفاق ينهي الكيان شبه الفيدرالي، ويخفض التطلعات إلى البقاء الثقافي والنفوذ المحلي، ويحوّل أفق «قسد» من معركة وجودية إلى خضوع مُدار. حصول الأكراد على الحقوق في مرسوم الرئيس الشرع كان لحظة تاريخية، لكنها تبدو موجهة لإرضاء الأميركيين أكثر مما هي خطوة تفتح صفحة تاريخية جديدة بين العرب والكرد في سوريا.

ما حدث مؤخراً ليس النكسة الأهم لمشروع «روجافا». أول اقتطاع للمشروع الكردي في سوريا كان عبر العملية العسكرية التركية عام 2018 في المنطقة ذات الأغلبية الكردية في عفرين الحدودية بموافقة ضمنية روسية. نقطة التحول الثانية كانت مع العملية العسكرية التركية عام 2019، التي سيطرت فيها على مدن حدودية، مثل تل أبيض ورأس العين، ما أدّى إلى قطع الأراضي المتصلة سابقاً للإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا على طول الحدود، وأعطت القوات الأميركية الضوء الأخضر غير المباشر عبر الانسحاب، كما توصلت أنقرة إلى ترتيبات أمنية مع موسكو ملأت الفراغ الأميركي.

أعضاء من «العمال الكردستاني» خلال مراسم لإحراق الأسلحة أقيمت في جبل قنديل في 11 يوليو 2025 استجابة لنداء أوجلان (أ.ف.ب)

الفصل الأخير

التحول الأخير كان الأكثر توقعاً. دور «قسد» كان مضخماً من ناحية الديموغرافية والسيطرة الجغرافية في دير الزور والرقة، وانتهى مع تغيير العشائر لولاءاتها، وبالتالي التخلي الأميركي لم يكن دراماتيكياً، كما يمكن أن يكون في الحسكة، خط المواجهة الأخير. بعد قرار ترمب الانسحاب المفاجئ من سوريا في مايو (أيار) الماضي 2018، ذهبت «قسد» إلى موسكو قبل أن يتراجع البيروقراطيون في واشنطن عن قرار الانسحاب، وأبلغ البنتاغون «قسد» بأن تقاربها مع موسكو يعني التخلي الأميركي عن دعمها. لم يكن حينها قد نضجت فكرة تخلي واشنطن عن «قسد»، لكن سقوط الأسد سرّع وتيرة الأحداث.

غزو العراق وصعود «داعش» عزّزا فرص الحكم الذاتي لأكراد العراق، لكن الصمت الأميركي حيال استفتاء كردستان عام 2017 أعطى الضوء الأخضر لإنهاء فرص نجاحه من دون التخلي عن الدور الأميركي في العراق، ومكتسبات الأكراد منذ سقوط نظام صدام حسين. التجربة السورية كانت مغايرة، لأنه ليس هناك اهتمام أميركي بلعب دور في سوريا. استخدم الأميركيون الأكراد لمحاربة «داعش» ومنع موسكو من السيطرة على سوريا، وبعد انتهاء خطر «داعش» وانسحاب روسيا، انتهى دورهم بالنسبة لواشنطن.

أعطى الأميركيون الضوء الأخضر، شرط عدم اندلاع العنف وعدم الاقتراب من الحسكة، موسكو أخلت القاعدة الروسية في القامشلي بشكل نهائي. فهم مظلوم عبدي الرسالة. التطمينات من البنتاغون التي كانت تصل إلى «قسد» بعدم فرض أي اتفاق أو التدخل بين حكومة الشرع و«قسد» تبددت.

يقول قيادي كردي في سوريا لـ«الشرق الأوسط» إن بداية التحوّل في الموقف الأميركي خلال الاتصالات معهم كانت خلال معركة حي الشيخ مقصود حين حسم البيت الأبيض القرار. بمجرد أن تسحب الدولة الخارجية الحماية، ولا سيما الغطاء الجوي الأميركي، يصبح الأكراد عرضة للخطر. تاريخياً، تتأرجح الحركات الكردية بين لحظات ثورية عند انهيار أنظمة ولحظات بقاء عند استعادة الدول سلطتها، هذا الاتفاق في سوريا يشير إلى الانتقال إلى مرحلة البقاء، الطموحات لا تختفي، بل تدخل في ثبات.


مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
TT

مظهر «مار آ لاغو»... سياسات ترمب ترسم معايير الجمال في دوائر السلطة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع زوجته ميلانيا خلال العرض الأول للوثائقي الخاص بها بعنوان «ميلانيا» (رويترز)

في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لم تكن سوزان لامبرت، وهي كوميدية وصانعة محتوى على «تيك توك» تتوقع أن يدخل مصطلح «وجه مار آ لاغو» (Mar a Lago Face) قاموس المصطلحات الحديثة. كان هدفها مجرد التندّر على مظهر كثير من مؤيدي الرئيس دونالد ترمب، الذين لاحظت أنهم يلتزمون بأسلوب محدد في الشكل، وقررت أن تجرِّبه بنفسها في فيديو ساخر. انتشر الفيديو وأصبح المصطلح معتمداً على الإنترنت بوصفه رمزاً بصرياً للانتماء السياسي والولاء لحركة «اجعل أميركا عظيمة مجدداً» (MAGA). الاسم له دلالاته لأنه مشتق من «Mar a Lago»، النادي الخاص لدونالد ترمب في بالم بيتش بولاية فلوريدا، وأصبح مقراً لاستضافة مناسباته الرسمية والاجتماعية، وارتبط أخيراً بـ«وثائق أبستين» التي كشف عنها.

ويتميّز مظهر (مار آ لاغو) بماكياج كثيف، وبشرة برونزية وحواجب محددة، وشفاه لامعة وممتلئة وخدود بارزة وشعر مصفف بشكل مصقول، بحسبما تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو خطّار، وهي طبيبة تجميل متقدمة ومؤسسة عيادة ألتاديرما، لـ«الشرق الأوسط». وتضيف: «رغم فخامته الظاهرية، فإن هذا الأسلوب يعكس فلسفة تقليدية في التجميل، لكنه هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن الهوية السياسية والمكانة الاجتماعية».

كيمبرلي غيلفويل الخطيبة السابقة لدونالد جونيور والمذيعة السابقة في شبكة فوكس نيوز وأحد أبرز وجوه النخبة المحيطة بترمب (أ.ب)

نادي «النخبة الترمبية»

في نوفمبر 2025، وبعد شهر تقريباً من اغتيال الناشط السياسي المحافظ تشارلي كيرك، ظهرت أرملته إيريكا كيرك، أمام الملأ لتُعلن أن مهمته لم تمُت معه، وأنها «أقوى وأكثر جُرأة». كانت رسالتها واضحة. اختلط فيها الشخصي بالسياسي؛ ملامح مرتبة بعناية: شفاه مرسومة بشكل تبدو أكثر امتلاء واكتنازاً، ورموش كثيفة وشعر عسلي لا تتزحزح فيه شعرة واحدة من مكانها. لم تكن هذه مجرد صورة لامرأة تريد أن تبدو متماسكة بعد رحيل زوجها؛ بل هو مظهر لامرأة تريد أن تجد لنفسها مكاناً في نادي ترمب النخبوي، الذي بات يفرض صورة محددة تُميّز بوضوح بين الأنوثة والذكورة، وتعيد تعريف الأدوار الجندرية كما يراها ترمب نفسه.

هذا التمايز السياسي بين الأحزاب وانعكاسه على المظهر، النسائي تحديداً، ليس جديداً. كان دائماً يُرصد في تفاصيل بسيطة مثل لون ربطة العنق أو قصة الشعر، إلا أنه في عهد ترمب، يُجسد سياساته الخاصة ورؤيته الشخصية للنجاح سيما وأنه لا يخفي إعجابه بالجمال والمظهر الحسن، الذي يعتبره سمة نجاح ويمتدح به حتى رؤساء الدول.

ومنذ اليوم الأول من ولايته الثانية، وقَّع ترمب أمراً تنفيذياً بعنوان «الدفاع عن المرأة من التطرف الآيديولوجي بين الجنسين، وإعادة الحقيقة البيولوجية إلى الحكومة الأميركية الفيدرالية». بموجب هذا القرار، أصبحت الحكومة الفيدرالية تعترف فقط بجنسين بيولوجيين: الذكر والأنثى وتستبعد الاعتراف بهويات جندرية أخرى كانت بدأت تحجز لنفسها مكاناً في الفضاء العام والقوانين. كان قراراً يُعبر عن رغبة في تثبيت الفروقات وتوضيحها أكثر، وهو المنطق نفسه الذي يستجيب له مظهر «مار آ لاغو»، الذي يُعزز الأنوثة في أقصى حالاتها الحسية، وسمات الرجولة المتمثلة في فك عريض وذقن بارز.

وجه «وجه مار آ لاغو» لا يقتصر على السيدات... هنا مات غيتز الذي رشّحه ترمب لمنصب المدعي العام للولايات المتحدة (أ.ب)

لا أحد يولد بوجه «ماغا»

بحسب إيما غولدينغ وهي جراحة تجميل في بريطانيا، فإن أحداً لا يولد بـ«وجه مار آ لاغو»؛ فهذه ليست وجوهاً طبيعية بقدر ما هي «أقنعة فاخرة»، على ما تقول الطبيبة. وتضيف في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «عندما يتكرر الأسلوب نفسه لدى مجموعة ما، كما هي الحال في واشنطن، فإنه يشير إلى الانتماء الاجتماعي أكثر من التفضيل الشخصي، وبالتالي يصبح الجمال بمثابة زي رسمي، يفقد فيه الفرد خصوصيته، لا سيما عندما يلجأ البعض إلى إجراءات لا تناسب وجهه».

لحسن حظ (ربما)، تمتلك هذه المجموعة من الأشخاص إمكانات تخولهم الاستعانة بأمهر جراحي التجميل، للحصول على «المظهر الحسن» بالمفهوم «الترمبي»، بحسب غولدينغ.

إلا أن نظرة ترمب للمرأة لم تتغير في أي مرحلة من مراحل حياته؛ ففي عام 2003، مثلاً وحتى قبل أن يدخل المجال السياسي، صرح في لقاء صحافي قائلاً: «أحب النساء الجميلات، والنساء الجميلات يحببنني». هذه الآراء لا تزال تثير حفيظة الناشطات النسويات ومجموعة كبيرة من نساء العالم، ومع ذلك لم يُغير قناعته بأن الجمال جزء من حضور الشخص وقيمته الاجتماعية، بل يمكن أن يُعزز النجاح ويؤدي إليه. وهكذا أصبح الجمال الخارجي في محيط ترمب بمثابة «استراتيجية سياسية».

ترمب جونيور وخطيبته السابقة كيمبرلي غويلفويل (أ.ب)

بطاقة لمراكز النفوذ

جيسيكا ديفيون، وهي محررة جمال أكدت في مقال، أنه لم يعُد يخفى أن الإقبال الجماعي على هذا المظهر هو آلية لتحسين فرص الوصول إلى مراكز النفوذ داخل هرم السلطة الحالي. واستشهدت بمجموعة من الحالات؛ مثل ملكة الجمال السابقة وحاكمة داكوتا الجنوبية، كريستي نويم، التي تم تعيينها وزيرة للأمن الداخلي، والتي أشارت بعض وسائل الإعلام، إلى أنها خضعت لعملية تقويم أسنان، إضافة إلى إجراءات أخرى من أجل تحسين فرصها للحصول على المنصب.

شخصيات أخرى في محيط الرئيس ترمب، مثل كارولين ليفيت، المتحدثة الصحافية للبيت الأبيض، ولارا ترمب، من بين من لا يمكن أن تجد لهن صورة واحدة بملامح لم تخضع لجلسات ماكياج ثقيل، إن لم يكنّ قد خضعن لمشرط أو حقن جراح. وقد يكون لافتاً أن اللجوء لهذه العمليات هو لتعزيز الشباب وإطالة عمر نضارته في الوجوه، لكن نموذج «المرأة الترمبية» يسعى لأن تبدو أكبر من عمرها الحقيقي، بعقد أحياناً، كما لو أنها والمنصب الذي تشغله، يستمدان المصداقية والنفوذ أو «الوقار» من التقدم النسبي في السن، فيكفي أن نتذكر أن ليفيت نفسها لم تبلغ الثلاثين من عمرها بعد.

كارولاين ليفيت المتحدثة باسم البيت الأبيض (أ.ف.ب)

لكن ما يحسب لهذه الشريحة أن هذا الاهتمام، وإن كان مبالغاً فيه، يشير إلى شخصية تتميز بالانضباط والصبر والطموح الجارف، لما تتطلبه من وقت وجهد والتزام بمظهر و«ماكياج الفتاة المحافظة»، كما اصطلح على تسميته.

ارتباط هذا المظهر بالرئيس ترمب لا يُلغي مسؤولية جهات أخرى في نشره والترويج له. وسائل التواصل الاجتماعي كان لها دور مهم في ذلك، لا سيما منصة «تيك توك»، وذلك من خلال دروس عن كيفية وضع ماكياج يخفي كل العيوب ويرسم ملامح الوجه بـ«الكونتورينغ» بشكل جديد تماماً، تكتسب فيه الشفاه اكتنازاً والخدود بروزاً والجفون ارتفاعاً، وما شابه.

قبل «تيك توك» ومنذ ما يقارب العقد تقريباً، كان لـ«إنستغرام» دور مماثل في الموضة. بات يفرض أسلوباً خاصاً وألواناً متوهجة ونقشات متضاربة حتى تكتسب الصورة المنشورة جاذبية أكبر ويرتفع التفاعل، الأمر الذي جعل المصممين ينصاعون لهذه المتطلبات رغم أنوفهم.

شركات مثل «ميتا» و«أمازون» وغيرهما، تعمل بدورها على دعم محتويات ترتكز على كل ما هو واضح ومباشر في هذا المجال، بغض النظر عن مصداقيته ما دام سيرفع التفاعل ويشعل النقاشات.

بين نيويورك وواشنطن

في خضم هذه الحرب التنافسية على ما تتطلبه بيئة ترمب في واشنطن من ذكاء سياسي ومهارة في المناورات الإعلامية واستغلال الصورة للتألق، تدخل راما دواجي، سيدة نيويورك الأولى، لتقدم خياراً راقياً مبطناً بالهدوء، في مشهد يقوم على التصالح مع الذات شكلاً ومضموناً. فراما فنانة من أصول سورية، أكدت أنه يمكنها معانقة العالم بكل ثقافاته، من دون أن تذوب فيه أو تخضع لما هو متوقع منها فقط، لتنال الرضا ويتم تقبّلها. منذ أول ظهور لها، استمدت قوتها من حضور طبيعي وقناعة داخلية، لم تحتَجْ فيهما إلى رفع الخدود وملء الشفاه وإطالة الشعر. أسلوبها المتماسك والمتوازن أثلج صدور الناشطات النسويات والمرأة المستقلة، وقالت ببلاغة صامتة، إن المرأة ليست مضطرة لأن تذوب في عالم الرجل، أو أن تتسلح بالأنوثة الطاغية لكي تنجح. جمالها الطبيعي وهي تقف إلى جانب زوجها زهران ممداني، عمدة نيويورك، بقصة شعرها القصيرة، وأزيائها التي تعكس هويتها وطموحاتها الفنية والإنسانية أكثر مما تُبرز أنوثتها، كانت السلاح القوي له في حملته الانتخابية وبعد فوزه.

هذا لا يعني أن راما دواجي بدأت أسلوباً جديداً. كل ما في الأمر أنها أعادت الأمور إلى نصابها بأن ذكّرتنا بقيم إنسانية قديمة ناضلت بنات جنسها من أجلها، وأسهمت في نجاحها في تبوؤ مناصب عالية كانت حكراً على الرجل. حضورها في المشهد الحالي يعيد الاعتبار لامرأة تؤمن بأن قيمتها تكمن في عقلها أولاً وشكلها ثانياً، على أنهما وجهان لعملة واحدة؛ فرغم اعتمادها على بساطة المظهر، لا يمكن إنكار أن جمالها الطبيعي يمثل عملة ذهبية وورقة رابحة أكسبتها جماهيرية.

راما دواجي وزهران ممداني في حفل تنصيبه عمدة نيويورك (أ.ب)

«هوليوود» تعود لطبيعتها

قبل ظهور راما، ظهرت في عالم الأناقة موجة ترفع شعار الفخامة الهادئة. أي أناقة بعيدة كل البعد عن استعراض الجاه. تبدو الأزياء في ظاهرها عادية وبسيطة، لكنها باهظة الثمن لجودة خاماتها وحرفيتها العالية. شملت هذه الموجة تخلي نجمات في «هوليوود» عن «الفيلرز» والإجراءات التقليدية.

تشرح الدكتورة ماريا أنجيلو: «عدد كبير من الناس يدرك الآن أن العلاجات المبالغ فيها قد تؤثر سلباً على توازن ملامح الوجه وصفاء البشرة مع مرور الوقت. والاتجاه المستقبلي للصناعة حالياً ليس الإعلان عن العلاج، بل أن يعطي نتائج هادئة تحمي الوجه على المدى الطويل».

اللافت في هذا التحول أن الصورة التي يعتمدها كثير من النجمات في مناسبات السجاد الأحمر حالياً، تتجنب مبالغات من شأنها أن تُسقطهن في خانة «اليمين المتطرف»، رغم أن بعض هذه الاختيارات تبدو متطرفة من زاوية أخرى. أبرز مثال على هذا ظهور نجمة الإغراء السابقة باميلا أندرسون، في عدة مناسبات ومحافل بوجه خالٍ من الماكياج تماماً. ربما يكون هذا مبالغاً فيه، إلا أنه أكسبها كثيراً من الإعجاب. وربما يكون له الفضل في إعادتها إلى الواجهة بعد سنوات من الغياب. نجمات أخريات عبّرن عن تفضيلهن لأساليب تجميلية أقل تدخلاً، واعترفن بتذويب «الفيلر» وندمهن على ما قمن به سابقاً من إجراءات تقليدية.

هذه الحركة المعاكسة، التي تميل إلى كل ما هو طبيعي يهمس بالجاه والذوق، سواء في مجال الأزياء أو الجمال، رفعت رايتها مجموعة من النجمات، نذكر منهن غوينيث بالترو.

في عام 2023، حضرت محاكمتها في قضية حادث تزلج، رفعها عليها رجل يتهمها بالتسبب في إصابته في حادث تزلج قبل 7 سنوات. لم تفُز بالترو بالبراءة فحسب؛ بل أيضاً بأناقتها. طوال جلسات المحكمة، وتحت أنظار وسائل الإعلام العالمية، كانت تحضر بأزياء بسيطة في ظاهرها، من حيث التصاميم والألوان ووجه شبه خالٍ من الماكياج. لكن كان واضحاً أن كل إطلالة كانت بتوقيع علامة راقية مثل «ذي رو» و«سيلين» و«لورو بيانا»، وغيرها من العلامات التي تخاطب الأثرياء والذواقة، من دون الحاجة لاستعمال شعارات صاخبة.

وليست غوينيث بالترو وحدها من تتبنى هذا الاتجاه، فهناك شريحة كبيرة من النجمات وسيدات المجتمع والطبقات الأرستقراطية، تفضل الثراء الصامت، باعتباره نقيضاً لاستعراض الثروة، وهو ما يُنظر إليه غالباً بوصفه سمة من سمات حديثي النعمة.

الممثلة سيدني سويني، التي كانت في بدايتها لا تميل إلى استعمال الماكياج، وصرحت كثيراً بأنها لم تكن تعرف أي شيء عن كيفية وضعه، تداولت وسائل التواصل حديثاً صورها على السجادة الحمراء بأحمر شفاه قوي، وقصة شعر أنثوية.

اشتعلت المواقع بالجدل واحتدمت التعليقات بأنها تُعبّر عن ميول يمينية محافظة، ليتحول مرة أخرى ذوق خاص ورغبة في التألق في مناسبة مهمة، إلى إشكالية ثقافية وسياسية تعكس ثقافة عامة تقوم على إلقاء الأحكام من دون تحري الدقة.

وزيرة الأمن الداخلي الأميركية كريستي نويم في مؤتمر صحافي في لاس فيغاس (أ.ب)

ماذا بعد ترمب؟

السؤال الذي قد يطرحه البعض ما إذا كان وجه «مار آ لاغو» سيستمر بعد نهاية عهد دونالد ترمب، أم أنه سيضعف بعد خروجه من الساحة.

الجواب مفتوح لكل الاحتمالات، كونه غُرس في بيئات أخرى وليس فقط ضمن التيار السياسي. لورين سانشيز زوجة الملياردير جيف بيزوس مؤسس «أمازون»، واحدة من زوجات مليارديرات، يتعمدن ترسيخ صورة الأنثى بالمفهوم الحسي المثير لتربطها بالسلطة والثراء والقوة في العصر الحديث.

تُعلّق الدكتورة ماريا أنجيلو على الأمر، بقولها إن «المظهر الخارجي يعكس عموماً الرغبة في الحصول على الثقة والسيطرة وفرض الذات، وفي أوقات عدم اليقين أو الشعور بعدم الثقة، يمنح أيضاً شعوراً بالأمان والطمأنينة». وتتابع: «المظهر هنا يميل أكثر إلى توجيه رسالة عن المكانة الاجتماعية، لهذا ورغم أن هذا النوع من المظهر يعكس القوة وربما يمنح الطمأنينة، لا يمكن التوصية به بشكل عام، لأنه يعتمد على السياق بشكل كبير. فما يُعدّ ثقة في بيئة معينة أو زمن ما، قد يبدو مبالغاً فيه أو قديماً في آخر. لهذا يجب أن تخدم الخيارات الجمالية الفرد، وليس البيئة التي يوجد فيها، أو الزمن الذي يعيش فيه فقط».

في نهاية المطاف، يبقى السؤال الأبرز ليس أي من الاتجاهين سيفوز أو يدوم؛ بل ما إذا كان مظهر «مار آ لاغو» بعد اقترانه بالحزب الجمهوري وسياسات ترمب ونظرته للمرأة، قد خلق مسافة بصرية وسياسية تزيد من تحفظ الليبراليين والوسطيين والديمقراطيين تجاه أحزاب اليمين ونسائه.


عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
TT

عوامل ساعدت دمشق على حسم معركة «قسد»

مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)
مواكب سيارات تابعة للحكومة السورية تدخل مدينة الحسكة في الشمال الشرقي 2 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

شكَّلت المعركة التي أطلقها الحكومة السورية ضد «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)» تحوّلاً استراتيجياً أعاد رسم خريطة السيطرة في شمال وشرق سوريا خلال فترة قصيرة. فبخطوة مفاجئة، بدأت العمليات من غرب الفرات، حيث سيطرت القوات الحكومية على دير حافر ومسكنة، قبل أن تمتد شرقاً لتنتهي بالسيطرة الكاملة على مدينة الرقة، المدينة الاستراتيجية لـ«قسد».

وتزامن هذا التقدم مع انتفاضة عشائرية واسعة في مناطق سيطرة التنظيم، لا سيما في أرياف الرقة ودير الزور وأجزاء من ريف الحسكة، حيث طردت العشائر قوات «قسد» من مساحات واسعة، قبل أن تلتقي مع وحدات الجيش السوري. وجاءت هذه التطورات بعد أيام من إخراج مقاتلي «قسد» من حيي الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب، في مؤشر مبكر على انهيار منظومة نفوذ التنظيم عسكرياً.

وقال مستشار الرئاسة السورية لشؤون العشائر، جهاد عيسى الشيخ، لـ«الشرق الأوسط» أن حسم المعركة مع «قوات سوريا الديمقراطية» جاء نتيجة تضافر عدة عوامل، في مقدمتها العامل العسكري، موضحاً أن قوات الجيش السوري التي خاضت المعركة كانت مجهزة باحترافية عالية ومدرّبة بشكل مكثف على هذا النوع من الحروب، سواء على مستوى قيادة الأركان وإدارة العمليات أو على مستوى الأفراد الذين خاضوا عشرات المعارك المماثلة خلال سنوات الثورة.

وأشار الشيخ إلى أن «العامل الشعبي» شكّل عنصراً حاسماً أيضاً في مسار المعركة، لافتاً إلى وجود حالة رفض واسعة داخل مناطق سيطرة «قسد» لسياساته، بسبب ما وصفها بـ«الممارسات العنصرية وفرض التجنيد الإجباري على النساء والأطفال والشباب، إضافةً إلى عدم مراعاة التنظيم قيم وعادات المجتمع السوري وعدم احترامه لشيوخ ورموز القبائل». وأضاف أن «قسد» عمد إلى الاستئثار بخيرات المناطق التي تسيطر عليها من دون تقديم أي خدمات حقيقية، سواء على صعيد البنية التحتية أو التنمية وتطوير المناطق.

مجموعة من المعتقلين في مخيم «الهول» بعد سيطرة الحكومة السورية عليه عقب انسحاب «قسد» في الحسكة بسوريا (رويترز)

ورقة «مكافحة الإرهاب»

وأوضح المستشار أن العامل الثالث تمثَّل في تفكيك العوامل التي وضعت «قسد» في موقعه هذا وسحب غطاء «محاربة الإرهاب» من يده، مما أدى إلى تجريده من الدعم الدولي.

وفيما يتعلق بدور القبائل والعشائر، قال الشيخ إن العمل بدأ بإعادة تنظيم دور القبائل العربية ورسم موقعها الصحيح بوصفها مكوّناً مهماً من مكونات المجتمع السوري، ودورها الأساسي في حفظ المجتمع وضمان السلم الأهلي.

في السياق، رأى الباحث فراس فحام أن العامل الأساسي في كسب المعركة لصالح حكومة دمشق لم يكن عسكرياً فقط، بل كان سياسياً ودبلوماسياً أيضاً. وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الدبلوماسية السورية والتحالفات الإقليمية، خصوصاً مع دول المنطقة انعكست دعماً مباشراً لخطوة الحكومة في بسط سيطرتها على كامل الأراضي السورية.

وأشار فحام إلى أن تغير السياسة الأميركية في سوريا في عهد دونالد ترمب شكّل عاملاً حاسماً، لافتاً إلى أن التوجه الأميركي الجديد يدفع باتجاه الاستقرار في الشرق الأوسط، وأن هذا المسار يمر عبر تمكين الحكومة السورية وتعزيز قوتها داخلياً.

وأكد أن الولايات المتحدة باتت ترى في الحكومة السورية شريكاً ضرورياً لفرض الاستقرار ومنع عودة النفوذ الإيراني في المنطقة، معتبراً أن هذا التحول يفسر تراجع أهمية «قسد» لدى واشنطن. وأضاف أن «قسد» يشكَّل أساساً لتلبية حاجات أمنية أميركية، تتعلق بمكافحة الإرهاب وتأمين موطئ قدم للولايات المتحدة في سوريا ومواجهة النفوذ الروسي، مشيراً إلى أن هذه المصالح باتت اليوم متحققة عبر الحكومة السورية، مما أفقد التنظيم وظيفته بالنسبة إلى الأميركيين.

مظاهرة لأكراد سوريين في مدينة القامشلي للمطالبة بحقوقهم الدستورية 1 فبراير 2026 (رويترز)

إنهاء التنظيمات الـ«ما دون الدولة»

وأشار إلى وجود توجه دولي واضح لإنهاء ظاهرة التنظيمات المسلحة دون الدولة، والاعتماد على الحكومات المركزية، موضحاً أن «قسد» فشل في قراءة هذا التحول، لا سيما الموقف الأميركي، مما جعل تعاطيه مع آلية الاندماج غير مُرضٍ للأطراف الفاعلة في الملف السوري، ودفع نحو دعم بسط سيطرة دمشق على كامل البلاد.

في سياق متصل، أوضح فحام أن الحكومة السورية استفادت بشكل كبير من نقمة العشائر العربية على «قسد»، نتيجة ممارساته خلال السنوات العشر الماضية، وحرمان السكان المحليين من إدارة شؤونهم ومواردهم، والسيطرة على حقول النفط. ولفت إلى أن العشائر كانت سابقاً تفاضل بين «قسد» ونظام الأسد، وغالباً ما اختارت «قسد» بوصفه أقل ضرراً وخطراً، إلا أن سقوط النظام دفع العشائر إلى التطلع إلى الانخراط في الدولة، مشيراً إلى أن بوصلتها اتجهت مؤخراً نحو دمشق، بما في ذلك عشائر كانت تملك قوات عسكرية تقاتل إلى جانب «قسد»، مثل «قوات الصناديد» التابعة لقبيلة شمر، التي فتحت منذ أشهر قنوات تواصل مع الحكومة السورية.

في المقابل، حذَّر فحام من مخاطر محتملة لتشكل مقاومة كردية على غرار ما حدث في تركيا، مشيراً إلى أن أطرافاً إقليمية، قد تجد مصلحة في وجود تمرد كردي ضد حكومة دمشق، إضافةً إلى تيارات داخل «قسد» مرتبطة بحزب العمال الكردستاني، ترى في هذا السيناريو وسيلة للحفاظ على نفوذها. ورأى أن هذا الأمر قد يشكل تحدياً أمنياً خطيراً، حتى في حال التوصل إلى تفاهمات سياسية بين قيادة «قسد» ودمشق.