مرثية للقرية المصرية في زمن التشوه

محمد البرغوثي في روايته «داير الناحية»

حقل مخصص لزراعة الأرز في دلتا مصر (إ.ب.أ)
حقل مخصص لزراعة الأرز في دلتا مصر (إ.ب.أ)
TT

مرثية للقرية المصرية في زمن التشوه

حقل مخصص لزراعة الأرز في دلتا مصر (إ.ب.أ)
حقل مخصص لزراعة الأرز في دلتا مصر (إ.ب.أ)

شكلت القرية المصرية بأجوائها وخرافتها الشعبية وأحلامها وناسها الكادحين البسطاء شغفا أصيلا في منظومة السرد القصصي والروائي لدى الكثير من الكتاب المصريين، فاهتموا برصد التحولات الاجتماعية والتغيرات التي تطرأ على الريف المصري، باعتبارها صدى لما يحدث في مرآة الوطن. فمن توفيق الحكيم في «يوميات نائب في الأرياف» إلى يوسف إدريس في «الحرام» مروراً بكتابات مؤثرة ومهمة لأجيال الستينات والسبعينات لكتاب مثل محمد البساطي وخيري شلبي وصولا للتسعينات وصولا للوقت الحاضر، كما في رواية «داير الناحية» للكاتب والصحافي المصري، محمد البرغوثي، الصادرة حديثا عن دار سما للنشر. تدور أحداث الرواية في عامي 2015 و2016. لكن ظلالها تمتد خلال سبعينات القرن المنصرم؛ حيث الشاعر والمثقف اليساري، الشخصية التي طالما كانت بطلاً أساسيا في تاريخ السرد المصري، بعودته الحالمة المثقلة بأتعاب المدينة لقريته الكائنة في محافظة الدقهلية بدلتا مصر، لكنه بدل أن ينعم براحة الريف وجماله وعذوبته التي طالما تغنى بها الشعراء تقابله التشوهات الرهيبة التي أفقدته ملامحه، وحولته مسخاً شائهاً من المدينة بعشوائيتها.
تضعنا الرواية إذن، أمام مرثية جديدة للقرية المصرية، مرثية حزينة ترصد بأسى وخوف ما آلت إليه الأمور وما ستؤول إليه بعد أن أصبحت الحقول تروى بمياه الصرف الصحي التي تلوث بها النيل وفروعه، كما نزعت ثورة التكنولوجيا الرقمية والاتصالات من الريف فطريته وبداهته، وأصبح مجرد كتلة لاهثة في الفضاء الافتراضي.
يتتبع البرغوثي أثر كل ذلك نفسيا على ساكني هذه القرى خلال الـ35 عاماً الأخيرة التي أحدثت تغيرات محورية في القرية المصرية، تكاد تكون هي الأصعب في تاريخ مصر.
تجسد الرواية ذلك في واقعة انتحار محبوبة بطلها «دولت» بتناول سم الفئران بعد تعرضها للقهر والاغتصاب من ابن عمها رمز السلطة الفاسدة، ما يؤشر على تاريخ بداية عصر الانهيار، فمن يومها «أصبح كل شيء مختلفاً. الشوارع والبشر والمناخ تغيرت، وتصاعدت غابات الإسمنت واجتاحت الغيطان والجناين، واختفت من كل السطوح أكوام حطب القطن والقش وصوامع الغلال وبلاليص المش والعسل وأبراج الحمام وحظائر الدواجن، وحلت بدلاً منها آلاف الأطباق اللاقطة وخزانات المياه المصنوعة من الصاج، وتحولت أفران الخبيز المبنية بالطوب والطمي إلى أفران حديدية موصولة بالغاز».
ويواصل الكاتب على مدى راويته رصد التشوه الذي أصاب القرية بتأثيرات وإهمال السلطة لها، حتى تحول الواقع فيها لواقع عبثي، على النقيض تماماً من وصفه الحالم لما كان عليه الريف المصري في صباه وشبابه فـ«الغيطان كانت تترامى على مد البصر براحاً شاسعاً يفيض خضرة ونضارة. والفضاء الأزرق خيمة ربانية مرقطة بتجمعات من قطع السحاب الشاهق البياض... وأسراب من العصافير والحمام والسمان تقطع الأفق من كل الاتجاهات. وعلى ضفتي فروع النيل».
تتكثف وتيرة هذه التحولات، خاصة بعد الطوفان الذي جاء في أعقاب ثورة 25 يناير، وبعد اختفاء «نظام سياسي مترهل وفاسد»، هذا الطوفان «راح يقتلع الأشجار ويسحق الغيطان ويسد الآفاق بالعمارات وبالمباني هائلة الحجم». كما أنه «محا مساحات شاسعة من أخصب غيطان الدلتا وحوّلها إلى كتل إسمنتية وكافيتريات وصالات أفراح» و«راحت الكتل الإسمنتية تزحف بوحشية وتردم قنوات الري ومدارات السواقي وتحولها إلى شوارع ضيقة». وبدل الخضرة والأشجار انتشرت «أكياس القمامة المنزلية الملقاة على حواف الجسور بما تحمل من الروائح الكريهة الناتجة من الصرف الصحي الذي تصرفه البيوت في قنوات ومساقي وترع الري». و«حلت ماكينة الري الصغيرة (الكليسكار) محل الساقية المصرية المعروفة، ولم يعد أحد يهتم بتطهير المصارف التي انسدت بالحشائش. وباتت الحقول تورى بماء الصرف»، بعد أن مضى زمن عم فرحات صانع السواقي العتيق.
هذا التشوه الذي أصاب القرية، أصاب سكانها، الفلاحين المصريين الذين طالما ارتبطوا بالأرض والزراعة، فها هم يترك آباؤهم الفلاحة بعدما ضاقت الأرض، وانحسرت المساحات المزروعة تحت زحف البنيان، وترك «نصف البلد أعمالهم الأصلية وتحولوا إلى تجار عملات أجنبية وترامادول وبانجو»، وضرب الفقر الناس، وانتشرت مقاهي المخدرات، وغابت أغاني أم كلثوم وعبد الحليم حافظ ومحمد رشدي وانتشرت الكاسيتات بالغناء الهستيري. وأصبحت التجارة المحرمة منتشرة في الدلتا، وبالأخص في حبوب الترامادول والسلع المهربة. كما زحف التطرف الديني، على القرية، وأصبح الشباب العاطل نهباً لهذه الجماعات التي تستغل حاجتهم في تسفيرهم لـ«الجهاد المزعوم» في سوريا. وأصبح المتطرفون هم سادة البلد وكبار ملاكه متحالفين مع العناصر الفاسدة من السلطة.
ولكن في مقابل كل هذا الموات، يبزغ صوت الفتاة «عفت» ابنة شقيق المحبوبة «دولت» التي انتحرت، كطائر فينيق وبارقة أمل، مستعيدة سيرة عمتها حبيبة الشاعر ضحية اغتصاب ابن عمها رمز السلطة المتسلط الذي يعمل في أحد الأجهزة الأمنية، ويستغل سلطاته في السطو على ما ليس من حقه. لكن هذا الطائر سرعان ما يسقط ضحية لتحالف السلطة مع الجماعات المتطرفة، إذ يختارها أحد مشايخ هذه الجماعات «المرابي السلفي» والمتاجر في «الأدوية المدعمة» زوجة لابنه «القعقاع» الشاب السلفي الذي كان يتجهز للسفر للجهاد المزعوم في سوريا، إلا أن سقوط نظام الحكم الإخواني يؤجل ذلك، حتى يتم القبض عليه بعد أحداث رابعة العدوية، ويحكم عليه بالسجن 15 عاماً، لتبقى الفتاة «عفت» مرتبطة به بعقد زواج عرفي، وتلجأ لخالد سرحان بطل الرواية ليخلصها من هذه الورطة.
لكن خالد «المكبل بحياته» والغارق في ذنب حبيبته «دولت» المنتحرة لا يزال يدور حول ديارها في شارع «داير الناحية» الذي كانت تقطنه، وشهد سنوات الغرام الأولى، لتظهر له الفتاة العشرينية «عفت» ويسقط هو الآخر في غرامها المشبوب والمتأجج بالشبه وبذات الصفات التي تحملها «عفت» من عمتها «دولت».
ولكن الدنيا تغيرت، والزمن اختلف، والرسائل الورقية واللقاءات الحذرة والمختلسة التي كانت بين «خالد» والمغدورة «دولت» ولى زمنها من 35 عاما، وحضرت رسائل الـ«واتسآب» وصفحات «فيسبوك» واللقاءات المنفردة الكاملة والمكالمات الطويلة والصور المتبادلة، والتجاوب السريع لتكون هي الوسيط للغرام الذي أسقطت فيه الفتاة عفت ابنة عصر الـ«سوشيال ميديا»، الشاعر المحطم «الخائف والمذعور» من مجيئها حرة وعفية، لتضعه أمام سؤال «وماذا بعد؟»، هل يستمر في العدو خلف «دولت» أينما حلت، هل يبقي هذه العلاقة «الخفية» بين الرجل الخمسيني وفتاة الطب، ويظل طول الوقت مشتتاً، هل هي دولت أم عفت، أم إن روح دولت سكنت ابنة أخيها؟ لكنها أياً كانت الحال أتته في الزمن والظرف الخطأ.
هكذا وعلى طول صفحات الرواية المائتين واثنتين وسبعين، يشكل محمد البرغوثي مرثيته الخاصة للقرية المصرية وأهلها وزمانها المغدور، بلغة سردية سلسة، وفي سياق رؤية مهمومة بقيم الجمال والعدل والحرية.



هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط
TT

هل البشر أعداء ما يعلمون؟

تمثال لسقراط
تمثال لسقراط

هناك سلوكٌ ثقافي نسقي يشير إلى أن عقول البشر تسكن، وتطمئن حين تجهل، وتتوتر حين تعرف. وأكرر هنا تعبير «ألاّ تعرف فأنت آمن»، وقد استخدمته من قبل في توريقةٍ سابقة مع نظرة مختلفة. وهذه حالٌ تتكشف مع ردود الفعل على ما يستجد من نظريات ومن مخترعات.

وفي سيرة المعرفة يقع أي جديد معرفي في ردود فعلٍ تدخله في مواجهات حية. ومن أهم وأقوى أسباب حياة النظرية هي في المواقف ضدها، بينما تموت أي نظرية إن هي مرت بسلامٍ وقبول، وبقدر ما يكون الرفض تكون النظرية أصلب، وهذا يعني أول ما يعني أنها جديدةٌ ومختلفةٌ. ومن شرط أي نظرية جديدة أن تعطي تفسيراً مختلفاً لظاهرة ما أو لنصوص ما، سواء كانت نظرية علمية أو فلسفية أو نقدية. وأبرز علامات الاختلاف عما استقرّ هو ظهور الخلاف على ما استجد. وكلما زادت درجات الخلاف تقوت درجات الاختلاف أكثر وأكثر. وعادة يتناسل الخلاف في تداعي أصحاب المهنة ضد المستجد وكأنهم يتآمرون عليه، والحقيقة المخفية هي أنهم يشعرون بأن الجديد هو المتآمر عليهم وعلى مقامهم. ذلك لأنهم يخافون من فقدان ما استقرت عليه معارفهم، وكل تغير معرفي هو تحول من الراحة إلى الشك، ولا يقف التغيّر عند تحول النظر والمفاهيم فحسب بل هو أيضاً تغيرٌ في السلوك الذهني وفي نظام الخطاب.

وهنا تتكشف حالات الاستجابة من صاحب النظرية، وكيف يتعامل مع ردود الفعل هذه. وهي لحظة ميلاد المعارك الكبرى في تواريخ الثقافات، وأولها وأقساها تاريخياً رد الفعل على مقولات سقراط الذي انتهى بالحكم عليه بالإعدام حين صدقت الجماهير تهم الخصوم وبلغت بهم حد السخط المطلق وانتهت بعقد محكمة خضعت لضغط الشارع. ثم توالت سير ردود الفعل ولم تسلم منه أي نظرية قوية في تحولها وطرحها، وفي ثقافتنا القريبة من ذاكرتنا حدثت المعارك الأدبية الكبرى، وهي التي اختصت بوصفها بالأدبية لأنها وقعت بين أدباء ولم يسلم أديب في عقود منتصف القرن العشرين من معارك وقعت ما بين هجومٍ ومنافحة، ونتج عن ذلك أدبيات كثيرة بمثل ما نتج عنها من عدوات واستقطابات، وتطورت هذه الظاهرة مع انفتاح وسائل التواصل، حيث أصبح التعارك ملمحاً ثقافياً بارزاً في كل أمر العلاقات الثقافية بكافة صيغها السياسية والشعبوية والشخصية، فتغريدة واحدة قد تفجر براكين الغضب الذي يخرج كل مخازن الذواكر في امتحان جماهيري بين أخلاقيات اللغة وأخلاقيات السلوك اللساني، وإذا سكنت الحروب دخلت في النسيان لتخلي الفضاء لمعارك تنتظر دورها للانبثاق ثم لتحفيز الذواكر للانفجار.

وكل هذا شرط معرفي بمثل ما هو من صفات السلوك الثقافي، وهي مزودة أصلاً برصيد وافر من العتاد اللفظي والصيغ الماكرة ومن الاستعداد البشري للصراع اللغوي كما الصراعات الحربية، ولن يكون الإنسان كائناً حياً ما لم يدخل في تصارع مع غيره كما هي صفة كل كائن حي حيواناً كان أو إنساناً.

على أن المعرفة والرأي والفتوى كلها صيغٌ لغوية، ودوماً ما يكون سبب المعارك نابعاً من حالات الأسلوب ذاته، والطريقة التي قيل فيها الرأي أو بنيت عليه المقولة، وهنا ندرك أن اللغة سلاحٌ ليس ذا وجهين فحسب، بل ذو وجوه لا تقف عند حصر. ولا تتكشف وجوه اللغة بكاملها إلا للمشاهد المحايد الذي يقرأ دون حس بالتوتر أو الشخصانية. وقد يجد المحايد أن الأمر لا يستحق ذلك الضجيج، لكن الحقيقة هي أن كل شأن لغوي هو حالة رد فعل ابتداءً واستمراراً. فالطفل الوليد يصرخ لحظة خروجه من الرحم الذي كان يحميه ويطعمه ويعتني به، وإذا خرج أحس أنه تعرض لعنفٍ خارجي أخرجه من مأمنه إلى عالم يجهله ويجهل شروط العيش فيه. ويظل عمره كله يتعلم كيف يعيش خارج رحمه الأول الذي فقده فيصرخ محتجاً على إخراجه منه لكنه لن يعود ولذا يظل في توجس مستمر لن يلين إلا حين يدخل في رحم ختامي ويغادر الحياة لحياة لن يعرفها إلا إذا دخل فيها. وهنا تحضر كلمة حمزة شحاتة «لا يعطي تفسيراً تاماً للحياة إلا الموت»، وأول أسرار الموت أن الثقافة علمتنا أن نتذكر محاسن موتانا، لأننا في حياتهم نمعن فقط في تذكر سيئاتهم، وهذا سر المعرفة التي تتأبى التحقق دون ولادات قيصرية وصرخات احتجاجية.

أخيراً فإن البشر يجمعون بين رغبتين متناقضتين، فالجهل راحةٌ واطمئنان، وأن تكشف غطاء المحجوب عنك شقاءٌ وصرخة ميلاد، ولكننا لسنا بخيارٍ بينهما. ونحن نتطلب الكشوفات المعرفية ولكن راحتنا في البقاء على ما عهدنا، غير أنها راحةٌ مشاغبة، إذ ما يلبث الفضول أن يتحرك لكشف المخفي ليظل على قلق كأن الريح تحته (حسب كلمة المتنبي).

* كاتب وناقد سعودي


«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة
TT

«بوكر العربية» تعلن عن قائمتها القصيرة

أغلفة الروايات المرشحة
أغلفة الروايات المرشحة

أعلنت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية)، عن قائمتها القصيرة للدورة التاسعة عشرة، وتضم 6 روايات. وجاء الإعلان في مؤتمر صحافي عُقد بهيئة البحرين للثقافة والآثار، في المنامة.

وضمّت القائمة القصيرة ست روايات هي: «غيبة مَي» للبنانية نجوى بركات، و«أصل الأنواع» للمصري أحمد عبد اللطيف، و«منام القيلولة» للجزائري أمين الزاوي، و«فوق رأسي سحابة» للمصرية دعاء إبراهيم، و«أغالب مجرى النهر» للجزائري سعيد خطيبي، و«الرائي» للعراقي ضياء جبيلي.

ترأس لجنة تحكيم دورة هذا العام الناقد والباحث التونسي محمد القاضي، وضمّت في عضويتها الكاتب والمترجم العراقي شاكر نوري، والأكاديمية والناقدة البحرينية ضياء الكعبي، والكاتبة والمترجمة الفلسطينية مايا أبو الحيات، إضافة إلى ليلى هي وون بيك، وهي أكاديمية من كوريا الجنوبية.

وجاء في بيان اللجنة: «تتوفر القائمة القصيرة على نصوص روائية متنوّعة تجمع بين الحفر العميق في أعماق النفس البشرية، وسبر الواقع العربي الراهن بمختلف التيارات الفكرية التي تعصف به، والسفر عبر الزمن إلى العصور الماضية التي يُعاد استحضارها وقراءتها، لتكشف للقارئ عن جوانب خفية من هويتنا المتحوّلة».

وأضاف البيان: «تمثل هذه الروايات المستوى الرفيع الذي بلغته الرواية العربية، ومدى نزوعها إلى الانفتاح على قضايا العصر وإلى تنويع الأساليب التي تنأى بها عن المباشرة والتعليم، وتجعلها خطاباً يتوجه إلى ذائقة متحولة لقارئ يطمح إلى أن يكون شريكاً في عملية الإبداع لا مجرد مستهلك للنصوص».

من جانبه، قال ياسر سليمان، رئيس مجلس الأمناء: «تطوّرت الرواية العربية تطوّراً لافتاً خلال العقود القليلة الماضية، متقدّمة بخطى واثقة اعتماداً على ديناميتها الذاتية، من دون أن تغفل ارتباطها بالأدب العالمي من حيث الشكل والقضايا التي تنشغل بها. وتلتقط الروايات المرشّحة في هذه الدورة عالماً من التقاطعات المتعدّدة، فتربط أحياناً بين الحاضر والعالم القديم، أو بين المألوف ثقافياً وعوالم غير مألوفة، بما يكشف في الحالتين عن الاستمرارية أكثر مما يكشف عن القطيعة.

وتستدعي الأصوات الداخلية القارئ بوصفه شريكاً فاعلاً في إنتاج المعنى، من دون أن تُثقله بسرد كابح. كما أنّ تنوّع الموضوعات واتّساعها، واختلاف الرؤى السردية في هذه الروايات، من شأنه أن يلقى صدى لدى طيف واسع من القرّاء، سواء قُرئت الأعمال بلغتها العربية الأصلية أم في ترجماتها إلى لغات أخرى».


«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة
TT

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

«ربيع الصحارى الكبرى»... تاريخ ليبيا من الاستعمار إلى الثورة

في روايته «ربيع الصحارى الكبرى»، دار «بتانة» للنشر (القاهرة)، يمزج الروائي الليبي أحمد الفيتوري، المتخيل بالواقعي، والسرد الروائي بسرد السيرة الذاتية، ففي بنية النص تمتزج حكاية البطلة المروي عنها، وهي صحافية فرنسية تزور ليبيا أثناء الثورة على الزعيم الليبي السابق معمر القذافي، بحكاية الراوي والسارد، وهو المؤلف نفسه، إذ يحضر الفيتوري بتاريخه وسيرته ومحطات حياته منذ كان طفلاً. وفي الرواية أيضاً مراوحة واضحة بين الماضي البعيد في بدايات القرن العشرين، حيث الاحتلال الإيطالي والفرنسي، ومعاناة الليبيين مع الاستعمار والحروب العالمية، والماضي القريب في مطلع القرن الحالي، ومعاناتهم في الثورة من اللجان الثورية، والقتال الذي انتشر في طول البلاد وعرضها بين الثوار وأعوان النظام السابق، وصولاً إلى الضربات التي وجهتها قوى دولية لمعسكرات النظام، مستهدفة أسلحته لتقليم أظافره، ومنعه من العسف بشعبه.

يرسم الكاتب خريطة ليبيا، عبر رحلة الفتاة الفرنسية، التي قيل إنها اختطفت. يرتحل السرد معها، متجولاً في صحارى ليبيا ومدنها، من شرقها لغربها، من مخابئ الثوار إلى سجون النظام، وبين الطبيعة الغناء الفسيحة الغنية، وغرف الفنادق التي تتحول إلى سجن، تقبع فيه الفتاة قسرياً، بأوامر من رجال أمن النظام، بعد أن أطلقوا سراحها من سجن «بوسليم»، ليفرضوا عليها إقامة جبرية في غرفة الفندق، لتغرق في كوابيسها، من فرط رعبها كلما سمعت صوت انفجار القنابل، فتستدعي تحولات مسخ «كافكا»، وتخشى أن تتحول إلى «صرصار» كما حدث مع بطل رواية «المسخ». وطوال الوقت، وفي المقابل، تستدعي الفتاة حكايات جدها، الذي سبق ووقع في غرام ليبيا، وفتنته صحاريها، لتكون هذه الحكايات زاداً لها ودافعاً للبقاء واستكشاف هذه الصحارى، والوصول إلى مكمن السحر المختبئ تحت طبقات الكثبان الرملية.

تبدأ الرواية بخبر صحافي عن اختطاف فتاة فرنسية في ليبيا، وتتعدد الروايات حول ملابسات اختطافها أو اختفائها، واجتهادات الصحف والمواقع الإلكترونية والقنوات التلفزيونية في تفسير الخبر وما آل إليه مصير الفتاة، وتتبع خط سيرها، بما يمنح الرواية فاتحة شبه بوليسية، تجعل هذه الفتاة بؤرة مركزية للحدث. وبعيداً عن اجتهادات الصحافة، يروي السارد مسيرة الفتاة قبل هذا الاختفاء، وخلاله، وبعده، بدءاً من مرافقتها للثوار، ثم وقوعها في يد قوات أمن القذافي ولجانه الثورية، مروراً بسجنها، ورؤيتها لما يعانيه الليبيون من عذاب وعسف على يد رجال القذافي. فهذا المفتتح البوليسي يعطي السرد قدراً من التشويق في تتبع مصير الفتاة الغامض، الذي يظل غامضاً مع نهاية الرواية أيضاً، في حالة من اللا حسم، فسرديتها تنتهي بسرد الكوابيس التي تراها في منامها داخل غرفة الفندق.

في مقابل حكاية الفتاة وسرديتها، تبرز سردية الراوي، أو للدقة سردية المؤلف أحمد الفيتوري نفسه، الذي ينتقل من سرد حكاية الفتاة إلى سرد جوانب من سيرته، منذ أن كان طفلاً، لنرى الواقع والتاريخ والجغرافية الليبية بعيون محلية، عيون ابن المكان والمنتمي له، والمنغمس في تاريخه ووقائعه منذ مطلع السبعينات، حتى لا تكون الحكاية بعيون الفتاة وحدها؛ عيون السائحة المنبهرة أو المصدومة فقط. هكذا يضع الروائي سرديتها في ضفيرة مع سرديته لا لتنقضها أو تفككها، وإنما لتكملها، وتتضافر معها، لتكون السرديتان معاً بنهاية المطاف رؤيةً بانوراميةً تجمع بين العين الغربية والعين الليبية، وبين الخيالي والسيري، بين حكايات جدها الفرنسي وحكايات جدته التي «ولدت وعاشت في العهد الإيطالي، ثم واكبت مرحلة الإدارة الإنجليزية، فالعهد الملكي، فالانقلاب العسكري»، بما يجعل من هذه الجدة تجسيداً حياً للتاريخ الليبي في العصر الحديث.

يعمد الفيتوري في كثير من مواضع الرواية، سواء في الجزء المتخيل أو في الجزء الذي يمتح من السيرة الذاتية، إلى توثيق تواريخ وأحداث شتى، متكئاً على كثير من الاقتباسات، سواء من خطابات رسمية أو من كتب، فيقول مثلاً: «في يناير من سنة 1707م، كتب شارل لامار، القنصل الفرنسي، إلى وزيره، حول هذه المدينة الحجرية...»، ثم يورد جزءاً من نص الخطاب. كما يورد في مقطع آخر جانباً توثيقياً مختلفاً، يقول فيه: «قام القذافي خلال الخطاب الذي ألقاه في 23 سبتمبر (أيلول) 2009، في مقر الأمم المتحدة، بتمزيق ميثاق الأم المتحدة، ورماه وراء ظهره، متعللاً بعدم احترام المجتمع الدولي للميثاق، وعدم صلاحيته، لأن عهده ولى مع نهاية الحرب العالمية الثانية، على حد تعبيره». هذه الاقتباسات تجعل من النص الروائي، فضلاً عن طابعه الجمالي، مدخلاً للولوج إلى التاريخ بشكل موثق، أقرب إلى تيار الواقعية التوثيقية، وهو ما يتكرر كثيراً في ذكر تفاصيل صراع الثوار مع قوات النظام، بما يجعل أحد أهداف النص الروائي التوثيق لأحداث الثورة الليبية، جنباً إلى جنب مع توثيق السيرة الذاتية للفيتوري، لتندغم سيرة الوطن وثورته بسيرة الإنسان الفرد في لحمة واحدة، لا يمكن فيها فصل إحدى السيرتين عن الأخرى.

يقسم الكاتب الجزء السيري إلى مقاطع سردية، يحمل كل منها عنواناً دالاً على الأحداث التي سيحكيها فيها، ليكون العنوان هو مركز التبئر داخل المقطع، مثلما يعنون أحد هذه المقاطع بعنوان «أبي»، وآخر بعنوان «جدتي»، وثالث «مدرسة الصابري»، ورابع «الصحافة»، وخامس «السجن»، وهكذا... ليكون كل مقطع مخصصاً للحكي حول ما جاء في العنوان، دون أن يكون هذا حداً فاصلاً، فحكايات الأب مثلاً تنسرب في غيره من الفصول والمقاطع كثيراً، وكذا حكاية الجدة، أما حكاية الصحافة فتكاد تكون ممتدة على مدار الرواية كلها، وكذا حكايات السجون التي تفرض حضورها في كل صفحات الرواية، إذ تبدو ليبيا في عهد الاستبداد بمثابة سجن كبير للجميع، مواطنين وأجانب.

وفي أحد هذه المقاطع يروي علاقته بمصر، وهروبه إليها منذ كان مراهقاً، حين سافر دون علم والده.

كما يحكي كثيراً من كواليس العمل الصحافي في ليبيا، وكواليس سجنه طوال عشر سنوات، أثناء حقبة السبعينات، والحياة داخل سجن «بوسليم»، السجن نفسه الذي قبعت فيه الفتاة الفرنسية المروي عنها بعد ذلك، لنرى معاناة الراوي والمروي عنها في السجن نفسه، وعلى يد القذافي نفسه، الذي التقى الكاتب واستقبله مع مجموعة من المفكرين عقب الإفراج عنهم وقتها، فتقترب العدسة الروائية من هذا الشبح الذي سجن كل أبطال الرواية وعسف بهم، فتقدمه كشخصية آدمية من لحم ودم، وليس مجرد طيف مخيف، كاشفة عن جوانب من طبيعة شخصيته.

جانب آخر تعتمد عليه الرواية جمالياً، وهو تضمين السرد جوانب من فنون أخرى، خصوصاً الشعر، إذ يورد الكاتب قصائد كاملة لأبي نواس والمتنبي، كما نرى حضوراً لرواية فرانز كافكا «المسخ»، كما يقتبس مقاطع مطولة من «صلاة تشيرنوبل» للكاتبة الحاصلة على نوبل، سفيتلانا أليكساندروفنا أليكسيفيتش، لتكون الرواية خريطة لتاريخ من الجمال الأدبي، تماماً كما هي خريطة للحياة في ليبيا، ولصحاريها، وللتاريخ المضني الذي عاشه الليبيون، وخريطة لتاريخ الجنون والعسف والقتل، سواء على يد زعيم وطني، أو على يد الاستعمار.