تونس بعد «زلزال» الانتخابات المحلية

مشهد سياسي جديد والآيديولوجيات تتراجع

تونس بعد «زلزال» الانتخابات المحلية
TT

تونس بعد «زلزال» الانتخابات المحلية

تونس بعد «زلزال» الانتخابات المحلية

أسفرت نتائج الانتخابات البلدية العامة الأولى في تاريخ تونس عن تغيير جذري في المشهد السياسي، ما سيؤثر جوهرياً على الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة العام المقبل.
ونزلت هذه النتائج كالصاعقة على زعماء عشرات الأحزاب الصغيرة التي فشلت في الفوز بحد أدنى من الأصوات والمقاعد، بينما فقد الحزبان الحاكمان الكبيران: «النداء» و«النهضة»، أكثر من نصف ناخبيهما في 2014.
كما كانت النتائج بمثابة الزلزال بالنسبة لقيادات الأحزاب المشاركة في حكومة الوحدة الوطنية التي يتزعمها يوسف الشاهد، بسبب مقاطعة ثلاثة أرباع الشباب وثلثي الناخبين لها، مقابل نسب مشاركة تجاوزت 70 في المائة في انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2011.
ولئن كرست هذه الانتخابات تصدر الحزبين الحاكمين الكبيرين للمشهد السياسي والحزبي، فإن فوز القوائم المستقلة بالمرتبة الأولى من حيث عدد الأصوات وارتفاع نسبة المستقلين إلى أكثر من 50 في المائة في القوائم الحزبية، أوحى بحاجة ساسة البلاد إلى تغيير جذري بعد أن تراجع اهتمام الشباب والناخبين بالآيديولوجيات والشعارات والزعامات الكاريزماتية.
السؤال الكبير اليوم في تونس: هل تفهم النخب والقيادات السياسية الرسائل التي وجهها إليها الشارع التونسي من خلال هذه الانتخابات فتبدأ مسار إصلاحات اجتماعية اقتصادية سياسية شاملا وفوريا؟ أم تواصل سياسة النعامة وتبرير إخفاقاتها بالعوامل الخارجية فتستفحل مظاهر الفوضى وتحركات النيل من هيبة الدولة والوحدة الوطنية؟
قُسمت نتائج الانتخابات التعددية البلدية الأولى من نوعها ساسة تونس إلى محورين متصارعين على خلفية تناقض مواقفهما من المحطات السياسية والاقتصادية المقبلة ومن التمديد لحكومة الوحدة الوطنية التي يرأسها يوسف الشاهد منذ سبتمبر (أيلول) 2016. ويحتل قياديون في حزبي «النداء» بزعامة الرئيس الباجي قائد السبسي و«النهضة» بزعامة راشد الغنوشي غالبية فيها.
- متفائلون ومتشائمون
وقد كشفت ردود أفعال الأطراف السياسية والحزبية والنقابية والأوساط الإعلامية على نتائج هذه الانتخابات تعمق الهوة بين المتشائمين والمتفائلين بمستقبل الاستقرار الحكومي وآفاق إنقاذ البلاد ومسار الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي الذي نوه به أخيراً 7 من سفراء الاتحاد الأوروبي والسفير الأميركي بتونس بعد لقاء جمعهم برئيس الحكومة وبعض مستشاريه.
وإذ رحب سفراء العواصم الغربية والرئيس التونسي الزعيم المؤسس لحزب «النداء» وشريكه في الحكم زعيم «النهضة» بنتائج الانتخابات، ونوهوا بشفافيتها ونزاهتها، فإن غالبية السياسيين في تونس انتقدوا هذه العملية الانتخابية وحذروا من دلالات فوز حزب له مرجعيات دينية بالمرتبة الأولى فيها.
ومن الناحية الاقتصادية الاجتماعية، نوّه الرئيس التونسي بالانعكاسات الإيجابية المرتقبة لهذه الانتخابات على مناخ المال والأعمال. واعتبر أن التونسيين أصبحوا مخيرين بين دعم المؤسسات المنتخبة ودولتهم في مخططات الإصلاح، أو مواجهة الفوضى.
ونوّه وزير الخارجية الأسبق رفيق عبد السلام بما وصفه بـ«التفاؤل الكبير» الذي يسود المستثمرين التونسيين والعرب والأجانب بعد إنجاز هذه الانتخابات التي ستؤدي إلى ملء فراغ كبير في الإدارة التونسية تسبب فيه حل كل المجالس البلدية فور إسقاط حكم زين العابدين بن علي في يناير (كانون الثاني) 2011.
- تخوفات... وحيرة
لكن بعض رموز المعارضة من قيادات حزب «مشروع تونس» وحلفائه، مثل المحامية وطفة بلعيد أصدروا بعد إعلان النتائج تقييمات متخوفة جداً على مستقبل البلاد وتجربتها الديمقراطية، لأسباب عدة بينها مقاطعة ملايين الشباب والنساء للاقتراع العام بسبب إخفاقات الحكومات المعاقبة منذ انتخابات 2014 في تحقيق ما وعدت به من تنمية وتشغيل وفتح آفاق.
ولفت الوزير مدير الديوان الرئاسي السابق رضا بالحاج إلى أن «نداء تونس» الذي فاز بأغلبية مريحة في انتخابات 2014 خسر نحو ثلثي ناخبيه بسبب غلطاته السياسية في الحكم وتحالفاته السياسية المثيرة للجدل.
التخوفات نفسها تبرز بين المراقبين المستقلين، مثل محافظ البنك المركزي السابق مصطفى كمال النابلي ووزير المالية السابق حكيم حمودة اللذين قدما تعليقات تعرب عن تخوفات كبيرة على مستقبل البلاد بعد هذه الانتخابات التي فاز فيها المستقلون بالمرتبة الأولى. لكن المعارضة فشلت فيها في بناء قطب سياسي يحفظ ماء الوجه، ويكون قادراً على منافسة الحزبين الحاكمين الكبيرين.
الخبير الاقتصادي المستقل رضا الشكندالي حذر بدوره من تعميق الأزمات الاجتماعية والاقتصادية بعد هذه الانتخابات بسبب تراكم عجز موازنة الدولة وارتفاع نسب التضخم المالي والبطالة والمديونية والعجز التجاري وانهيار قيمة العملة الوطنية. كما يتهم الشكندالي وزراء الحكومة الحالية بالفشل، ما تسبب حسب نظره في عجز الأحزاب التي تقف وراءها عن الفوز بنتيجة تحفظ ماء الوجه. أي أن ثلاثة أرباع الناخبين الافتراضيين قاطعوا الاقتراع العام أو صوتوا ضد مرشحي الأحزاب الحاكمة تعبيراً عن معارضة لسياساتها وعن خوف من تدهور الأوضاع في البلاد اجتماعياً وأمنياً واقتصاديا نحو الفوضى الشاملة.
- ثورة جديدة؟
في مثل هذا المناخ من الحيرة والتخوفات على مستقبل البلاد المتضررة من اضطراب الأوضاع الأمنية والاقتصادية في مناخها الإقليمي، خصوصاً في جارتها الشرقية ليبيا، عاد زعماء من اليسار الاشتراكي ونقابات العمال والطلاب، مثل البرلمانيين الجيلاني الهمامي وعمار عمروسية، إلى الدعوة لما يصفونه بإشعال فتيل ثورة شبابية ثانية لمحاربة الرشوة والفساد وزعماء الآيديولوجيات الذين «ركبوا على انتفاضة الشباب» عام 2011 وبنوا نظاماً سياسيا زاد من معاناة الطبقات الشعبية الفقيرة والوسطى.
واعتبر زعيم «التيار الشعبي» الفائز بنحو 5 في المائة من المقاعد في هذه الانتخابات محمد عبو المعروف بانتقاداته اللاذعة للأحزاب الحاكمة الحالية، أن ملايين الناخبين الذين قاطعوا الاقتراع العام أرادوا معاقبة الفريق الحكومي الحالي وزعاماته السياسية. ودعا إلى «الخروج من السلبية وشن ثورة شبابية ثانية».
ويلتقي قادة اليسار النقابي والطلابي وزعماء «الجبهة الشعبية» بزعامة حمة الهمامي مع دعاة تصعيد «الاحتجاجات على مظاهر الرشوة والفساد». كما يعتبرون أن من بين أولويات المرحلة تغيير الحكومة الحالية بحكومة خبراء مستقلين.
- إنجاز تاريخي
في المقابل يعتبر المتفائلون بنتائج هذه الانتخابات ما حصل بمثابة الثورة السلمية الجديدة في تاريخ تونس. في هذا السياق، نوه المدير السياسي لحزب «النداء» برهان بسيس بتكريس هذه الانتخابات «للاستقرار السياسي» من خلال تصويت نحو نصف الناخبين لمرشحي الحزبين الحاكمين ونحو 500 مستشار ينتمون إليهما ترشحوا في قوائم مستقلة.
واعتبر الوزير السابق القيادي في «النداء» خالد شوكات أن غلطات الحكومة الحالية كانت وراء عزوف الشباب عن الانتخابات. لذلك أعلن أن حزبه يطالب بتغييرها بشخصيات سياسية من داخل الحزب حتى يكسب ثقة ملايين التونسيين الغاضبين.
وتحت قبة البرلمان، نوه الوزير السابق نور الدين البحيري بما وصفه بـ«الإنجاز التاريخي» الذي تحقق للمرة الأولى في تونس خلال 60 عاماً باختيار المواطنين مباشرة لممثليهم في 350 بلدية وآلاف القرى والأحياء الشعبية.
واعتبر البرلماني ماهر مذيوب أن من بين نقاط القوة في تونس اليوم بعد الانتخابات «بروز مشهد سياسي جديد قاعدته الواسعة 7200 مستشار من ألوان سياسية مختلفة»، بعد أن كان التنافس يجري حول منصب رئيس الدولة و220 عضواً في البرلمان.
- «تونس الجديدة»
وأعرب عدد من الخبراء المستقلين الفائزين في الانتخابات مثل عميد كلية الحقوق السابق الفاضل موسى عن تفاؤلهم بـ«تونس الجديدة». ودعوا آلاف المستقلين والمعارضين الفائزين بمقاعد في المجالس البلدية الجديدة إلى الاستعداد للعب دور أكبر خلال الانتخابات البرلمانية والرئاسية المقررة لعام 2019.
ودعا الأمين العام لـ«حزب التيار» المعارض غازي الشواشي الفائزين ضمن قوائم مستقلة بأكثر من ثلث المقاعد إلى التحالف مع أنصار المعارضة للحكومة الحالية وللحزبين الكبيرين، من أجل تغيير المشهد السياسي قبل بدء ماراثون انتخابات العام المقبل.
في السياق نفسه أيضاً، رجح الوزير السابق زعيم حزب «مشروع تونس» المعارض محسن مرزوق أن تستفز نتائج الانتخابات الحالية مزيداً من السياسيين والشباب وتدفعهم نحو التحالف مع المستقلين لإبلاغ أصوات مئات الآلاف من ناخبيهم ممن يعارضون تغول الأحزاب التقليدية وهيمنتها على الحياة السياسية.
- مفاجأة المستقلين
في هذه الأثناء، تختلف التقييمات لدور المستقلين وفهم سر فوزهم بالمرتبة الأولى في الانتخابات أمام أحزاب حاكمة ومعارضة لديها عشرات الآلاف من المنخرطين وأهدرت أموالاً طائلة في الدعاية لمرشحيها وبرامجها.
بعض المراقبين مثل الإعلامي محمد بوغلاب فسر مفاجأة فوز المرشحين المستقلين بالمرتبة الأولى بتعمق الهوة بين السياسيين التقليديين والشباب المهمش، سواء كان عاطلاً عن العمل أو من بين أبناء الأحياء الشعبية والفقيرة.
واعتبر المحلل السياسي زياد كريشان أن الشباب أراد أن يعاقب في الوقت نفسه الأحزاب الحاكمة والمعارضة لأنها انشغلت عن مشاكله الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والمهنية بصراعات سياسية وأيديولوجية فوقية لا تهمه.
لكن حسن زرقوني، وهو مدير مؤسسة خاصة لاستطلاع الآراء، يلفت الانتباه إلى كون تيار عريض من الشباب قاطع أغلب الانتخابات التي نظمت في تونس بعد الثورة، لأنه أدرك مبكراً أن التنافس يجري أساساً بين السياسيين الكهول والشيوخ.
ويلتقي زرقوني مع مراكز استطلاعات الرأي عربية وغربية توقعت قبل أشهر أن تكون نسبة مقاطعة هذه الانتخابات مرتفعة، خصوصاً في صفوف الشباب والفقراء، بسبب خيبات الأمل من زعماء الأحزاب والحركات السياسية الذين يتهمهم شباب المواقع الاجتماعية بالضلوع في أنواع جديدة من الرشوة والفساد والاستبداد.
لكن الزعيم النقابي اليساري مصطفى بن أحمد يحذر من مخاطر المبالغة في الرهان على المستقلين والقوائم المستقلة «لأن أوراق اللعبة تتحكم فيها دوماً الهيئات المنظمة والأحزاب والجمعيات الكبرى، وليس الأفراد الذين يمكن أن يجمعهم هدف مؤقت مثل التصويت لقائمة مستقلة أو معارضة في مدينة صغيرة أو حارة شعبية».
- معضلة أم فرصة؟
وإذ يقر الجميع بكون إحدى مفاجآت الانتخابات صعود قوة سياسية ثالثة ترمز لها فسيفساء القوائم المستقلة، فإن السؤال الكبير الذي يناقش في صالونات أحزاب الحكم والمعارضة هو: هل التفاف مزيد من الشباب والناخبين حول المستقلين معضلة أم فرصة ثمينة لتغيير المشهد السياسي الوطني والتحرر من هيمنة اللوبيات المالية والسياسية والآيديولوجية القديمة؟
اللافت للنظر أن زعامات كثير من الأحزاب والنقابات راهنت مبكراً على التجديد. وكان على رأس دعاة الانفتاح على الشباب قادة حزبي «النداء» و«النهضة»، وزعماء الأحزاب والكتل اليسارية المعادية لهما مثل «مشروع تونس» و«الاتحاد المدني» و«الجبهة الشعبية». وكانت النتيجة تعيين محجبات ضمن قوائم اليساريين والعلمانيين ويهودي وفتيات من دون حجاب في قوائم «النهضة».
وكشف الناطق باسم «حركة النهضة» البرلماني عماد الخميري أن 53 في المائة من مرشحي حركته مستقلون وليسوا منخرطين فيها، بينهم يهودي ومئات الفتيات والنساء غير المحجبات وأطباء ومحامون ورجال تعليم.
وجرى جدل كبير في وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي قبل الانتخابات ثم بعد الإعلان عن النتائج بسبب ملابس طبيبة أسنان غير محجبة من بين مرشحات «حركة النهضة» في العاصمة. واعتبر زعماء الحركة هذا مؤشراً على حرصهم على بناء «حركة النهضة الجديدة» أو «حزب النهضة الوطني الجديد»، مع الانفتاح على منخرطين جدد من دون شروط آيديولوجية وسلوكية.
وصدرت تصريحات مماثلة عن زعماء «نداء تونس» مثل الوزير السابق سمير العبيدي الذي دعا إلى تأسيس «حزب النداء الجديد» مع الانفتاح على الشخصيات المستقلة والكفاءات الوطنية التي التحقت به وبقوائمه الانتخابية جهوياً ووطنياً.
- عين على قرطاج وعين على الحكومة
ورغم انتقادات سياسيين بارزين مثل الوزير السابق والسياسي المخضرم الأزهر العكرمي لنتائج هذه الانتخابات ودعواتهم إلى استبدال قيادات الأحزاب الحاكمة الحالية بأخرى، فإن بيانات زعماء هذه الأحزاب تعتبرها منتصرة في العملية الحالية.
ومع اقتراب موعد انطلاق حملة الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقررة لعام 2019. كشفت تعليقات السفراء الغربيين في تونس عن رهانهم مجدداً على تجربة التوافق السياسي بين العلمانيين الليبراليين والإسلاميين المعتدلين.
وإذا كانت عين عدد من ساسة تونس بعد هذه الانتخابات على قصر الرئاسة في قرطاج، فإن عين أغلبهم على البرلمان المقبل الذي ستكون له الكلمة الأخيرة في اختيار الحكومة ورئيسها ورسم أولويات البلاد.
ولئن يختلف الساسة في ردود أفعالهم على فوز المستقلين بأكثر من ثلث مقاعد المجالس البلدية الجديدة، فإن أغلبهم يراهن على دوره هذا العام في إنقاذ البلاد من الاستقطاب السياسي والحزبي ولعبة المحاور الإقليمية، عشية انتخابات رئاسية وتشريعية تسيل لعاب لوبيات كثيرة وطنياً وإقليمياً ودولياً رغم صغر حجم تونس الجغرافي.
وفي كل الحالات يبدو أن الآيديولوجيات والأحزاب التقليدية تتراجع لصالح البراغماتية والواقعية وأنصار بناء مشهد سياسي جديد يتزعمه من يعطون الأولوية لرفع التحديات الاقتصادية والأمنية.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended