ارتباط اللغة بالمكان والهُوية في شعر محمود درويش

بصفته فعلاً مضاداً للمشروع الاستيطاني

محمود درويش
محمود درويش
TT

ارتباط اللغة بالمكان والهُوية في شعر محمود درويش

محمود درويش
محمود درويش

كثيرة هي الدراسات التي تناولت شعر محمود درويش منذ بداياته الأولى، مروراً بتحولاته اللاحقة، والتي جعلت من إنتاجه الشعري عنواناً جمالياً وفكرياً وروحياً للفلسطينيين، سواء في أماكن الشتات أو على أرض الوطن. ولكن نادراً ما يجمع الدارس لتجليات درويش الشعرية بين الرصد العلمي المنهجي الموثق من جانب، وروح المبدع المتأججة وراء الكتابة من جانب ثانٍ، تلك الروح تلتقط نبض الإبداع الحي، وترى ما لا يراه العقل الأكاديمي المحايد. الجمع بين القراءتين هو ما نجده في كتاب «تغريدة الشاعر - أثر المكان على الهُوية في أعمال محمود درويش» تأليف الروائية الفلسطينية ليانة بدر.
الكتاب مأخوذ عن رسالة ماجستير قدمتها ليانة بدر لقسم الدراسات العربية المعاصرة في «جامعة بيرزيت» عام 2012، أي أنها تصدر في قراءة المكان من موقعها الفلسطيني، وصداقتها للشاعر - كما يظهر في إهداء الكتاب - مضافاً إلى ذلك خلفيتها الإبداعية، وحسها النقدي المرهف، وانضباطها العلمي.
يتناول الجانب النظري في الكتاب العلاقة بين المكان والهُوية، ويُبرز أهمية التركيز على دراسة علاقة الهُوية في تفاعلاتها مع المكان المفقود - المستحضر في شعر محمود درويش، وتتبع إمكانية الوصول إلى صياغات معرفية حول الهُوية والمكان في نتاجات الشاعر، بما يجاوز النظرة السائدة التي فرضتها معظم الدراسات التي عالجت الشعر الفلسطيني على أنه شعر «سياسي» و«نضالي» في المقام الأول والأخير، والتي قامت بعرضه بالتالي عبر سياق سياسي وتاريخي مباشر، منقطع عن أرضياته الجمالية والفكرية. لهذا السبب تولي الباحثة أهمية كبرى لمسألة الجانبين الجمالي والمعرفي في ظل النظر إلى تغييرات الأمكنة عبر حقب متعددة من حياة درويش، وحياة الفلسطينيين في أشعاره. كذلك تهتم بدر برصد سمات الهُوية في تغيراتها، بالنظر إلى علاقتها بمفهوم المكان عبر نتاجات الشاعر التي رسمت أشكالاً متعددة للهُوية الفلسطينية، بأبعادها الجمالية والتعددية، بعيداً عن القراءات السياسية المتعجلة، ذات البعد الواحد.
إن تتبع شعر محمود درويش من خلال رحلة الشاعر مع المكان (داخل الوطن - خارج الوطن - الرجوع - داخل الوطن وخارجه) سيكشف تعريفاً للمكان- الأمكنة من وجهة نظر أهله وأصحابه تعبر عن معاناة الفلسطينيين وإصرارهم على صياغة ذاكرتهم وصونها؛ وهو ما أدى بدوره إلى صياغة هُوية متعددة الأبعاد، تمثلها درويش وعبّر عنها باقتدار في أشعاره، خصوصاً في قصائده الأخيرة، وصولاً إلى الهُوية الكونية الأعم والأشمل. وفي هذه المرحلة استطاع درويش الوصول إلى محاورة تجربتي الوجود والعدم الإنسانيتين على المستوى الشخصي، لكي يصل إلى الانفتاح الدلالي الأشمل بمعناه الكوني.
وفي فصل بعنوان «تحولات الهُوية بالتوازي مع المكان عند الشاعر داخل الوطن» تُبرز الكاتبة ارتباط اللغة بالمكان والهُوية، فقد عمل درويش على بناء المكان الفلسطيني داخل النص عن طريق الاحتفاء باللغة العربية التي أراد الاحتلال محوها؛ لأنها تمثل قلب الهُوية النابض.
لقد شحذ هذا الشاعر طاقته الإبداعية كلها من أجل امتلاك المكان باللغة، وذلك بصفته فعلاً مضاداً للمشروع الاستيطاني، حتى تصبح الذات الشاعرة مقيمة في اللغة، وداخل جغرافيا المدن المسلوبة في آن معاً. لهذا السبب تمثل قصائد درويش الأولى جزءاً من الذاكرة الجماعية، وتقترن بالمكان الأول الذي توحد به في دواوينه المبكرة مثل: «أوراق الزيتون»، «عاشق من فلسطين»، «آخر الليل»، «العصافير تموت في الجليل»، «حبيبتي تنهض من نومها»، «محاولة رقم 7»، ففي هذه الأعمال لا نكاد نبصر الفرق بين الشاعر والمكان؛ إذ يلجأ الشاعر إلى المكان ويتوحد به لبناء ما تهدم من أشكال الحياة الفلسطينية الأولى.
وقد مثلت المرحلة البيروتية - حتى عام 1982 وما بعده بقليل - استمراراً للتركيز على الهُوية البطولية للفدائي على نحو ما يظهر في قصيدة «مديح الظل العالي» وغيرها، بينما تَبرز أيضاً الهُوية الفلسطينية المتحدية التي لا تذعن للجوء، وإنما تحاور الأمكنة الغائبة وتفاصيلها، وهي تفيض حياة في حضورها الشعري. ويَعتبر بعض النقاد أن بيروت مكان ثانٍ لولادة القصيدة الدرويشية، فقد كانت بيروت - في تلك الآونة - عاصمة للثقافة العربية التي حملت الثورة مع نشيد الحداثة، وتفاعل معها الشاعر، فأنجب حينها بعضاً من أعظم الملاحم في تاريخ الشعر العربي خلال سنوات السبعينات ومطالع الثمانينات من القرن الماضي، مثل: «أحمد الزعتر»، «قصيدة الأرض»، «قصيدة بيروت»، «مديح الظل العالي».
كما تُعتبر مرحلة الإقامة في باريس مكاناً ثالثاً لتطور القصيدة الدرويشية؛ فقد ساعد تفرد المدينة الحضاري – بصفتها عاصمةً للكتابة والأدب والفنون - على الاندماج في سوية الحياة الموجودة هناك، بما أعطى أشعاره خلال تلك المرحلة عبقاً وجمالية وتميزاً له خصوصيته، بينما واصل فيها ملحمته الغنائية التي وظّف فيها أفقاً عريضاً لاستكشاف تجارب إنسانية متعددة، بدءاً من تكثيف استخدام رموز الأساطير اليونانية التي استخدمها سابقاً أو التركيز على الرموز المتعلقة بالتاريخ العربي أو مزجها معاً كما شاء، وكما شاءت له موهبته اللامعة.
أما الإقامة بين رام الله وعمان، فتمثل مكان القصيدة الرابع، غير أن درويش لم يكن ينتظر عودة منقوصة إلى الوطن؛ إذ رفضت السلطات الإسرائيلية إقامته في فلسطين 1948، لذلك أصبح كأنه عاد ولم يعد. وذلك بالإضافة إلى إدراكه أن كل لاجئ يكتشف بقلبه أنه من المستحيل أن يعود، وحتى لو استطاع العودة جسدياً؛ فهو قد تغيّر بعمق خلال منفاه.
وتشير أشعار درويش التي كتبت في المنفى بعد الخروج من بيروت إلى ذائقة جمالية مغايرة، حافلة بالتفاصيل الدقيقة التي تُظهر أن المنفى أثّر في تأسيس هوية مختلفة لأصحابه، تبعدهم عن تقشف الموضوع النضالي الخالص. ويظهر هذا بوضوح في أعماله الصادرة بين الخروج من بيروت وإلى ما قبل العودة إلى فلسطين. أما في أعماله الأخيرة، إثر عودته إلى فلسطين، فقد سجلت تغيُّر صورة المقاتل الفدائي الذي عاد إلى وطنه ليصير إنساناً عادياً، يتحكم القدر في مصيره، فهو ليس سوى «لاعب النرد» مثله في ذلك مثل الآخرين. كذلك برزت في قصائده خلال تلك المرحلة خيارات السيرة التي هي جزء من الجدل المعقد بين خيارات ثقافية وفكرية وجمالية كبرى، لم تنفصل عن بداياتها، بل أعادته إلى أغوار أعمق من تاريخه الشخصي، وتاريخ فلسطين المكان والعناصر، لكي يضيف إليها قدرات أكبر على النفاذ إلى الواقع الفلسطيني في تجلياته العربية والعالمية. هكذا اقترن سؤال الهُوية بالسيرة الذاتية، وظل في تغيّر دائم بعد ما خرج من المكان الأول.
ويعبّر الشاعر بشكل دقيق عن سؤال الهُوية المتغيرة خلال مقابلة أجريت معه حول كتاباته الشعرية بقوله:
«هذه فعلاً رحلة بحث عن الأنا المنقسمة والموزعة. البحث عن المكان أسهل؛ لأن المكان تغيّر بوضوح، وليس هناك سؤال فلسفي كبير عند البحث عن مكان مفقود أو لدى التغيّر في شكل المكان، هناك صورة بصرّية (على الأقل) لا تحتاج إلى استقراء استشرافي، ولا إلى بصيرة، فالمكان تغيّر عياناً. الصعب هو علاقة تغيُّر المكان بتغيُّر الأنا أو تغيُّر الأنا وعلاقتها بتغيُّر المكان. من الذي غيَّر الآخر؟ هذا إشكال لم أجد له حلاً».
ويبدو هذا السؤال نفسه حاضراً في قصائد درويش، ولا سيما في آخر أشعاره في ديوانه الأخير «لا أريد لهذه القصيدة أن تنتهي» (2009) خصوصاً في قصيدة بعنوان «على محطة قطار سقط عن الخريطة». والجواب عند الشاعر يتكرر في إعادة للسؤال الوجودي عن كيفية تشكيل المكان الضائع، ومعناه، وانعكاسه على هُوية الإنسان. فالوقوف على المحطة لا يرتبط بانتظار القادم، ولا البحث عن جماليات ما، بل هو محاولة لإدراك موضع الذات في الكون، ومحاولة لتقصي أسباب النفي والإبعاد:
«وقفت على المحطة... لا لأنتظر القطار- ولا عواطفي الخبيثة في جماليات شيء ما بعيد- بل لأعرف كيف جُنّ البحر وانكسر المكان- كجرة خزفية، ومتى ولدت وأين عشت...».
يتمركز السؤال الحيوي في القصيدة حول فعل الولادة، أي الوجود، مترافقاً مع فعل تموضع الإنسان في حياة المكان، أي تحديد المكان الشخصي داخل المكان العام من أجل قراءة الهُوية. يحدد الشاعر علاقته بالمكان مجيباً عن سؤاله الأول في القصيدة نفسها بإعادة اكتشاف انتمائه إلى تفاصيل أرضه الأولى، محافظاً على علاقته الجسدية، وعلى أسمائه المتعددة التي تحيلنا إلى هويات متعددة، لا تكف عن التواجد في المكان الأصلي؛ ذلك أن الوجود الإنساني لأصحاب الأرض داخل المكان لا ينمحي، وهو وجود عضوي لا بديل له:
«أرى مكاني كله حولي - أراني في المكان بكل أعضائي وأسمائي».
تلك هي الهُوية- الهُويات المتعددة التي لم يتوقف عن تأكيدها في أشعاره كلها، حيث لا يمكن للاحتلال أن ينتزع منه علاقته بالأرض الأولى، حتى لو تشظت الأمكنة وانبثقت منها الهُويات المتحولة التي تجعله لاجئاً طريداً.
وفي هذا السياق، يُثْنِي درويش على إدوارد سعيد، لأنه ظل مخلصاً لصوته الأساسي بوصفه ضحيةً تقاوم الاستعمار الاستيطاني بحيث توحي قصيدته «طباق»- المهداة لسعيد - وكأنه يحاور توأمه الروحي حول أسئلة البقاء والوجود، هو الأليف الذي لا يألف المنفى، ويمتلك الحنين إلى حياة عادية مستقبلية، لها بساطة الاعتيادي، على الرغم من الرؤية المركبة. يقول درويش في هذه القصيدة:
«والهوية؟ قلتُ- فقال: دفاع عن الذات...- إن الهوية بنتُ الولادة، لكنها- في النهاية إبداعُ صاحبها، لا- وراثة ماضٍ. أنا المتعدّد. في- داخلي خارجي المتجدّدُ... لكنني- أنتمي لسؤال الضحيّة».
لقد نجح درويش في بناء منظومة جمالية كاملة، وامتلك القدرة المعرفية والموهبة الشعرية على فرض نماذج من اللغة والرؤيا والخيال على الساحة الشعرية العربية، والعالمية أيضاً من خلال الترجمة. وباختصار، ابتكر منظومة من القيم هي في وقت واحد جمالية وأخلاقية وضرورية، مثّلت برهة تاريخية وأدبية استثنائية، عاشها درويش، وهو يعلم أنه مكلف بمهمة كبرى، تمثلت في التقاط الوجدان الجمعي للأمة، وتحويل الشعر إلى قوة وطنية وثقافية، روحية ومادية، جمالية ومعرفية. وقد فعل.
* كاتبة وناقدة مصرية



الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر
TT

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

الذكاء الاصطناعي... جرس إنذار لصناعة النشر

في خريف العام الماضي، أنهى أنطونيو بريسيو، استشاري هندسي مقيم في غوادالاخارا بالمكسيك، مسودة روايته الأولى ـ رواية خيال علمي مثيرة، تدور حول مؤامرة حكومية لطمس تاريخ أول اتصال للبشرية مع لاجئين فضائيين.

وبعد مراسلة عشرين وكيلاً أدبياً وتلقيه سلسلة من الرفض، أمضى عدة أشهر في مراجعة روايته، بجهدٍ كبير، على أمل أن يقع على ناشر يوماً ما.

اليوم، يساور القلق بريسيو من أن عملية الحصول على عقد نشر، وهي عملية شاقة بطبيعتها لمؤلف مبتدئ ـ قد ازدادت صعوبة. ويخشى أن يتجنب الوكلاء والناشرون مخاطرة التعامل مع مؤلفين غير معروفين، خشية أن يكونوا قد استعانوا بالذكاء الاصطناعي في كتابة روايتهم.

اللافت أن حالة الذعر والريبة حيال الكتب المولدة بواسطة الذكاء الاصطناعي، تفاقمت الشهر الماضي، عندما قررت دار نشر كبرى، «هاشيت»، إلغاء إصدار رواية الرعب «فتاة خجولة» للكاتبة ميا بالارد في الولايات المتحدة، بسبب أدلة تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي أسهم في كتابتها. كما سحبت دار «هاشيت» الرواية من المملكة المتحدة، بعد أن أطلقتها بالأسواق، العام الماضي، بعد إقدام بالارد على نشرها بنفسها، بادئ الأمر.

من جهته، لدى علم بريسيو، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بقرار عدم قبول روايته، انتابه شعور مؤلم بخيبة الأمل. وأكد أنه لا يستعين بالذكاء الاصطناعي في الكتابة، إلا لترجمة كلمة أو عبارة عابرة من لغته الأم الإسبانية إلى الإنجليزية، التي يتقنها كذلك، باستخدام برنامج الترجمة بالذكاء الاصطناعي «ديبل» (Deepl). غير أنه تساءل عما سيقوله نظام كشف الذكاء الاصطناعي عن عمله.

وعليه، اشترك في موقع Originality.ai وحمل فصلاً من روايته. وكانت المفاجأة أن أكد النظام بثقة تبلغ 100 في المائة أنه اعتمد على الذكاء الاصطناعي بطريقة ما.

وبالفعل، بحث بريسيو عن العبارات التي توقف عندها النظام، وحذف بعض الجمل، ثم أعاد تشغيله. هذه المرة، أكد البرنامج بنسبة 100 في المائة أن كاتباً بشرياً يقف خلف هذا النص. في نهاية المطاف، أجرى بريسيو محادثةً عبر الدردشة مع أحد ممثلي خدمة العملاء، الذي أخبره أنه إذا تلقى نتائج تُصنّف عمله خطأً باعتباره مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، فقد يحتاج إلى نسخة مختلفة من البرنامج.

ولم تُسفر هذه المراسلات إلا عن مزيد من القلق لدى بريسيو؛ خاصة وأن تقارير موقع Originality.ai حول مسودته، التي شاركها مع صحيفة «التايمز»، كشفت أن إضافة أو حذف بضع جمل فقط يفضي إلى نتائج مختلفة تماماً.

وعن ذلك، علق بريسيو: «ماذا لو بدأ الناشرون أو الوكلاء الأدبيون بتشغيل أدوات الذكاء الاصطناعي هذه على الجميع؟ سيتعامل الجميع بحذر شديد من الآن فصاعداً».

وفي الوقت الذي يُصارع قطاع النشر، مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في كل جانب من جوانب العمل تقريباً، يبدو أن هناك إجماعاً ضئيلاً حول ما يمكن أو ينبغي للناشرين فعله لتنظيم كيفية استخدام الكُتّاب لهذه التكنولوجيا. ومع ذلك، فإن ما يتفق الكثيرون حوله اليوم أن الوضع الراهن غير قابل للاستمرار.

اليوم، يواجه عدد متزايد من الكُتّاب شكوكاً لا أساس لها حول استخدامهم للذكاء الاصطناعي، بينما يستخدمه آخرون دون الإفصاح عنه. في الوقت ذاته، يشعر الكثير من القراء بالحيرة والحذر، لعدم معرفتهم ما إذا كانت الكتب، التي يقرأونها من تأليف إنسان أم آلة.

في سياق متصل، جابه عدد من المؤلفين، الذين ينشرون أعمالهم بأنفسهم، انتقادات لاذعة من القراء وأقرانهم الكتاب على حد سواء، لاستعانتهم الواضحة بالذكاء الاصطناعي. غير أن الجدل الدائر حول رواية «الفتاة الخجولة» قد يُشكّل نقطة تحوّل على صعيد صناعة النشر بأكملها.

في أعقاب إلغاء نشر الرواية، تساءل الكثير من القراء والكُتّاب عن كيفية فشل دار نشر كبرى، في رصد دلائل على استخدام الذكاء الاصطناعي في الكتابة. وقد اشتكى مُعلّقون عبر منصتي «غود ريدز» و«ريديت» على مدار شهور، ممَّا وصفوه بأنه دليل واضح على استخدام لغة برامج الدردشة الآلية. ودفعت هذه الفضيحة بعض القراء إلى التساؤل عن مدى تدقيق دور النشر للأعمال التي تستحوذ عليها.

في هذا الصدد، صرَّحت أندريا بارتز، كاتبة روايات الإثارة، التي كانت المدعية الرئيسة في الدعوى الجماعية، التي رفعها مؤلفون ضد دار نشر «أنثروبيك»، بأنه: «ندخل الآن عصر انعدام الثقة، حيث لا توجد طريقة سهلة لإثبات صدق كتاباتك». جدير بالذكر أن الدعوى انتهت بالاتفاق على تسوية بقيمة 1.5 مليار دولار.

حديثاً، أدخلت بارتز بعض كتاباتها في برنامج «إيس» لرصد الذكاء الاصطناعي، وفوجئت عندما صنَّف البرنامج عملها باعتباره مُولَّد بواسطة الذكاء الاصطناعي بنسبة 82 في المائة. وبعد ذلك، اقترح عليها البرنامج حلّاً: «هل ترغبين في إضفاء طابع إنساني على نصك؟».

وعندما كتبت بارتز عن تجربتها على منصة «سبستاك»، شاركها عشرات الكتّاب. وعلّقت الروائية رينيه دينفيلد قائلةً: «أعتقد أن هذا ما يحدث عندما تتعرض كتبك للسرقة، بغية برمجة الذكاء الاصطناعي»، مشيرةً إلى أن برنامجاً لكشف الذكاء الاصطناعي، قد صنَّف كذلك بعض كتاباتها بشكل خاطئ، باعتبارها مُولَّدة بواسطة الذكاء الاصطناعي.

في الإطار ذاته، قالت جين فريدمان، استشارية بمجال النشر: «يجب أن يكون هذا بمثابة جرس إنذار لصناعة النشر».

اللافت أن معظم دور النشر الكبرى لا تملك قواعد واضحة بخصوص استخدام الذكاء الاصطناعي للمؤلفين، وإنما تكتفي بالاعتماد على الثقة وتوقع الشفافية من الكتّاب. غير أنه مع تغلغل الذكاء الاصطناعي في صناعة الكتب بطرقٍ عديدة، من البحث إلى التحرير إلى صياغة الجمل، يسود الارتباك حول أشكال استخدامه التي تتجاوز الحدود، ويتزايد الخوف من أن الكتابة المدعومة بالذكاء الاصطناعي قد تتجاوز، بل وستتجاوز، حدود المحررين المحترفين.

من ناحيتها، عندما سمعت راشيل لويز أتكين، التي تتولى مراجعة الكتب على مواقع «غود ريدز» و«إنستغرام» و«تيك توك» لآلاف المتابعين، لأول مرة عن رواية «فتاة خجولة» عبر وسائل التواصل الاجتماعي، بدت لها الرواية وكأنها ستنال إعجابها - قصة رعب نسوية آسرة وملتوية. وبالفعل، التهمت الرواية في يوم واحد وأوصت بها على نطاق واسع. وقالت إنها صُدمت عندما علمت بسحبها، بسبب أدلة تشير إلى الاستعانة بالذكاء الاصطناعي.

تكتب ألكسندرا ألتر عن الكتب والنشر وعالم الأدب لصحيفة التايمز.

* خدمة «نيويورك تايمز»وعلقت على الأمر بقولها: «لو كنت متأكدة من أن شيئاً ما كُتب باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنت تجنبته. أعتقد أنه يجب أن نكون قادرين على اتخاذ القرار بشأن ما إذا كنا نريد قراءة شيء كُتب باستخدام الذكاء الاصطناعي».

أما المؤثرة في عالم الكتب، ستايسي سميث، فقد وقعت على رواية «فتاة خجولة» على موقع «نيت غالي» ـ موقع يتيح للقراء الاطلاع على الكتب ومراجعتها قبل نشرها ـ ومنحتها تقييم خمس نجوم على موقع «غود ريدز». وقد شعرت هي الأخرى بالاستياء لدى علمها بالاتهامات الموجهة للرواية.

وقالت: «لا أمانع مطالعة الكتب المكتوبة باستخدام الذكاء الاصطناعي، لكنني أرغب في معرفة أنها كُتبت بواسطة الذكاء الاصطناعي. إن الخداع هو ما يؤلمني هنا».

من جهتهم، يضيف بعض الكتّاب شعاراً إلى كتبهم ومواقعهم الإلكترونية، يُشير إلى أن «المؤلف بشري». هذه الشهادة، التي تُقدمها «نقابة الكتاب»، تُمكّن المؤلفين من الإقرار بأنهم ألفوا كتبهم دون استخدام الذكاء الاصطناعي، في توليد النصوص أو صياغتها بشكل جوهري. ورغم أن النقابة لا تتحقق بشكل مستقل من ادعاءات المؤلفين، فإن الكتّاب قد يتعرضون لدعاوى انتهاك حقوق الملكية الفكرية، إذا انتهكوا شروط استخدام الشعار.

يذكر أنه جرى توجيه اتهامات لسارينا بوين، كاتبة نشرت بعض كتبها بنفسها، وأصدرت أخرى بالتعاون مع دور نشر كبرى، باستخدام الذكاء الاصطناعي لتصميم غلاف إحدى رواياتها. وقد نفت الكاتبة هذه الاتهامات بسهولة؛ إذ نُشرت الرواية قبل سنوات من انتشار استخدام الذكاء الاصطناعي التوليدي على نطاق واسع. ومع ذلك، يساورها القلق اليوم بخصوص أغلفة الكتب التي يجري الحصول عليها من الإنترنت ـ ممارسة شائعة بين المؤلفين، الذين ينشرون أعمالهم بأنفسهم ـ وما إذا كان فنان ما قد استخدم هذه التكنولوجيا لإنتاجها.

وعن هذا، قالت: «لا أعرف إلى أين سيقودنا هذا، لكن لحظة اتهامي باستخدام الذكاء الاصطناعي في تصميم الغلاف، كانت محبطة للغاية. كل من ينشر الكتب يغرق في هذا العالم، الذي لا يمكن فيه التأكد من مصدر محتوانا».

وقالت لورا تايلور نيمي، روائية: «إذا كان هناك من سينفق ماله على كتاب، فإنه يرغب في أن يكون نابعاً من عقل وقلب المؤلف، لا من جهاز كمبيوتر سلب عقل الكاتب. وأنا أؤيد ذلك».

يتردد عدد متزايد من الكُتّاب في استخدام الذكاء الاصطناعي بينما يستخدمه آخرون من دون الإفصاح عن ذلك


بودلير... الطفولة الجريحة المدمرة

 بودلير
بودلير
TT

بودلير... الطفولة الجريحة المدمرة

 بودلير
بودلير

لقد سقط بودلير وهو في عز الشباب (46 سنة فقط). وأصيب بالشلل في أواخر حياته، ويقال إنه جنّ. ومع ذلك فقد خلَّف وراءه أكبر ثورة شعرية في تاريخ العصور الحديثة. لولا بودلير لما كان رامبو. لقد انفجر بودلير بالشعر انفجاراً وعاش من أجله، وله، ولم يكن له هدفٌ آخر في الحياة. أليس هو القائل: لقد عجنت الطين (أو الوحل) وصنعت منه الذهب؟ بمعنى آخر: من كلمات عادية جداً خلقت مجازات إبداعية مبتكرة وصوراً خارقة تدوخ العقول. وهنا تكمن معجزة الشعر، سر الشعر. جوهر الشعر. إنه السهل الممتنع إلا على عباقرة العباقرة. ولكن سارتر في كتابه الرائع عن بودلير يضيف قائلاً: «لم يكن هذا الرجل بلا نقيصة ولا خالياً من التناقضات والعيوب. فهذا المنحرف الضال تبنى أكثر الأخلاق امتثالية وشيوعاً في عصره. وهذا الشخص المترف الناعم كان يتردد على المومسات العواهر. وحبه للبؤس والانحطاط والانهيارات السيكولوجية هو الذي جعله يتعلق بتلك الزنجية البشعة حنة دوفال التي كانت عشيقته لسنوات طويلة. وهذا المتوحد كان يخشى الوحدة كثيراً ولا يخرج إلا مع رفاقه إلى مقاهي باريس وحاناتها. وكان يتمنى بناء حياة عائلية وعش منزلي دافئ ولكنه فشل في تحقيق ذلك فشلاً ذريعاً، فعاش متسكعاً، مشرداً، هامشياً. وكان يثني على الجهد والعمل، ولكنه كان عاجزاً عن أن يكمل أي عمل ينخرط فيه. وكان يحمس الناس للسفر إلى الأصقاع البعيدة واكتشاف العوالم القصية، ولكنه بقي متردداً طيلة ستة أشهر قبل أن يحسم أمره ويقرر أخيراً زيارة أمه في مدينة هونفلير التي لا تبعد عن باريس أكثر من مائتي كيلومتر... باختصار شديد فقد كان شخصاً مليئاً بالتناقضات».

في الواقع إن مشكلة بودلير الأساسية هي زواج أمه بعد وفاة والده. هنا يكمن جرحه الأنطولوجي إذا جاز التعبير. هنا يكمن الجرح العميق الذي دمره من الداخل تدميراً، وفجره تفجيراً. ولم يقم من تلك الضربة القاصمة طيلة حياته كلها. بودلير كان متعلقاً بأمه إلى أقصى الحدود. وعندما مات أبوه وعمره ست سنوات فقط لم يحزن عليه كثيراً بل ربما سعد بذلك. فقد اعتقد أن أمه سوف تكون له وحده منذ الآن فصاعداً... وبالفعل فقد قضى معها فترة رائعة لمدة سنتين تقريباً قبل أن يضرب القدر ضربته ويحصل ما لا تحمد عقباه. فقد أبلغته في صبيحة أحد الأيام أنها سوف تتزوج من الجنرال جاك أوبيك الذي أصبح الحاكم العسكري لمنطقة باريس لاحقاً بل والسفير الفرنسي في إسطنبول. عندما سمع بودلير بالخبر جن جنونه. شعر وكأن السماء انطبقت على الأرض. شعر وكأنه سقط من الجنة. لقد انتهت «جنة الطفولة» بالنسبة لشارل بودلير. عندئذ تعرف لأول مرة على تجربة الشر في العالم. حتى ذلك الوقت كان هذا الطفل المدلل ساذجاً كبقية الأطفال. كان يعتقد أن العالم كله خير، وبركة، وسعادة، وطمأنينة. وفجأة يكتشف شيئاً جديداً لم يكن في الحسبان. فجأة يكتشف أن الشر موجود في قلب العالم بل وينخر فيه كما تنخر الدودة في الثمرة. منذ ذلك الوقت حصل صَدْع في الأعماق النفسية لشارل بودلير. ومنذ ذلك الوقت أصبح الشعر ممكناً.

يقول عنه أحد النقاد: كان بودلير ذا روح رقيقة وحساسة جداً وحنونة أيضاً. وقد انكسرت من أول صدمة من صدمات الحياة. لم يتحمل بودلير أبداً زواج أمه. أمه لم تعد له وحده، بل لم تعد له بالمرة. أصبحت لرجل آخر يختلي بها في الغرفة المجاورة مغلقاً الباب في وجهه. لقد خانته أمه وتركته وحيداً على قارعة الطريق. أبداً لن ينسى هذه الإهانة. أبداً لن يغفر لها فعلتها تلك. ولذلك راح يصرخ في وجهها قائلاً: «من كان لها ابن مثلي لا تتزوج»! كيف يمكنه أن يثق بالحياة بعد الآن؟ لقد انتهى عهد الطمأنينة والشفافية واختل نظام الأشياء. وهذا ما حصل لسارتر أيضاً. فقد تزوجت أمه بعد وفاة والده. لهذا السبب حقد عليها وعلى زوجها تماماً مثلما فعل بودلير. كان يكره زوج أمه كره النجوس. كان يكرهه إلى درجة أنه رفض أن يدفن في المقبرة ذاتها. حتى بعد الموت كان شبحه يلاحقه. وربما لهذا السبب نجح كتابه عن بودلير نجاحاً باهراً. لقد عاش التجربة المرة الساحقة الماحقة ذاتها. لا تكاد تشبع من قراءته: نثر فلسفي متفجر أين منه الشعر... (بين قوسين: لن أغفر للغة الفرنسية ما حييت أنها تدعو زوجة الأب «بالأم الجميلة». ما هذه الحماقة؟ ما هذه الفضيحة؟ الأم الجميلة هي وحدها الأم الحقيقية).

ماذا نستنتج من كل ذلك؟ نستنتج أن مرحلة الطفولة الأولى هي التي تصنعنا وتجبلنا وتصوغ شخصيتنا إلى الأبد. لا نستطيع منها فكاكاً. مستحيل. مؤخراً سمعت مطرباً فرنسياً شهيراً يقول بعد أن تجاوز الثمانين: والله حتى الآن لم أستطع أن أتجاوز طفولتي. والله حتى الآن لم أستطع أن أتصالح معها. ثم يضيف: من يستطيع أن ينجو من طفولته، من يستطيع أن يُشفى من طفولته؟ وهذا شخص شعبي، ناجح، تباع أشرطته بالملايين. فما بالك بالتعساء من أمثالنا؟ كيف يمكن أن تتصالح مع طفولة أصولية غياهبية، أو كارثية فجائعية؟

الآن دعونا نطرح هذا السؤال: كيف كانت شخصية بودلير في الحياة؟ لنستمع إلى مكسيم دوكامب، صديق فلوبير الشهير، يصوره لنا: «كان متوسط القامة، صلب الجسم، قوي العضلات، أو قل يُوحي بالقوة لمن يراه لأول وهلة. ولكن إذا ما تمعنَّا فيه عن كثب وجدناه مسحوقاً من الداخل أو حتى مدمَّراً تماماً. كانت تلوح عليه علائم التهالك والضعف والهُجران...».

كان بودلير ملاحقاً بالإحساس بالخطيئة والذنب دون أي ذنب. كان يشعر بأنه مدان أبدياً سرمدياً، ولا خلاص. طيلة حياته كلها لم يعرف القرار ولا الاستقرار النفسي السيكولوجي. يا جماعة اسمعوا وعوا: بودلير ما كان بحاجة إلى أعداء لكي يضربوه أو يجلدوه. كان هو يجلد نفسه بنفسه يومياً عشر مرات على الأقل. كان هو العدو اللدود لنفسه. أليس هو القائل:

أنا الطعنة والسكين

أنا الضحية والجلاد

أنا لقلبي مصاص الدم

وهو القائل أيضاً هذه الكلمات المعبرة:

«من يستطيع أن يقضي على الندم القديم، الطويل، ذلك الندم الذي يحيا، يختلج، يتلوى، يتغذى من أحشائنا كما تتغذى الدودة من جسد الميت، أو الأسروع من شجر السنديان؟

من يستطيع أن يقضي على الندم العنيد؟».

لقد عضت الحياة شارل بودلير أكثر مما ينبغي. لكن هل كان سيصبح شاعراً لولا ذلك؟ لولا زواج أمه إبان طفولته الأولى، لولا تلك الصدمة القاتلة، هل كان سيصبح أكبر شاعر في تاريخ فرنسا؟ كان بودلير يفكر على النحو التالي: بما أن الشر إجباري في هذا العالم، بما أنه سيد العالم، فلماذا لا نقبل يديه ورجليه وننحني أمامه؟ لماذا لا نجامله بل ونتغزل بأزهاره وجماله؟ آه أيها الشيطان يا أخي يا صديقي.. ولكن الخير ينتصر في نهاية المطاف على الشر، والله على الشيطان، وإلا فعلى الدنيا السلام... هذا ما يعتقده بودلير في قرارة نفسه. وهذا ما عبر عنه في قصائده مرات ومرات عندما كان يحلم بالشفافية ويحلق إلى أعلى السماوات. لكنه ظل يخشى ضربات الشر وغدرات الزمان. كيف يمكن أن تتحاشاها؟ هذا من جهة. وأما من جهة أخرى فلو أن بودلير عنون ديوانه «أزهار الخير» لما سمع به أحد بل ولربما فشل فشلاً ذريعاً. وذلك لأن «الشعر نكد بابه الشر فإذا دخل في باب الخير ضعف» كما يقول الأصمعي. أخيراً ينبغي العلم أن بودلير قد يتحول أحياناً إلى شخص آخر مختلف تماماً. قد يتحول من تراجيدي إلى كوميدي. والدليل على ذلك هذه القصيدة الفكاهية المرحة:

زوجتي ماتت أنا حر

أستطيع أن أشرب على كيفي

عندما كنت أعود بلا فلس في جيبي

كانت زعقاتها تمزق أعصابي

أنا سعيد كملك متوج

أنا ملك الملوك

يا إلهي ما أرحب البيت بعد رحيلها

أعيش أجمل لحظات حياتي

أغني على كيفي

الهواء نقي والسماء ساطعة

عشنا صيفاً مشابهاً

عندما كنت مغرماً بها

إلخ...


لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21
TT

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الـ 21

صدر أخيراً عن «منشورات الربيع» في القاهرة، رواية «بيت الخلد: الحياة السرية لفريدة المفتي»، للروائية والناقدة المصرية الدكتورة هويدا صالح.

تقع الرواية في نحو 300 صفحة من القطع المتوسط، وتدور أحداثها في الفترة من أواخر القرن التاسع عشر وحتى منتصف القرن العشرين، وتعاين كثيراً من التحولات السياسية العالمية في تلك الفترات، بخاصة قضايا الاستعمار، واستعباد الأوروبيين لأبناء أفريقيا السوداء، وخطفهم من بلدانهم وقراهم في أفريقيا، وبيعهم في أوروبا؛ حيث يجري استعبادهم.

الرواية أقرب إلى نقد الفكر الاستعماري، فضلاً عن نقد الفكر الذكوري، ومن هنا تأتي مركزية المرأة ودورها في مجابهة هذا الاستعمار، وكيف تكون ضحية له في كثير من الأحايين، بوصفها الحلقة الأضعف، ومراوحتها بين مقاومة هذا الطابع الاستعماري، والخضوع والاستسلام له حيناً آخر، وفي الوقت ذاته مقاومة الاستبداد الذكوري الواقع عليها من بني جلدتها أحياناً.

تدور الرواية مكانياً في عدة فضاءات مترامية، بدءاً من مركز الأحداث في العاصمة المصرية، القاهرة، ومحافظة أسيوط في صعيد مصر، ثم إيطاليا؛ حيث ولد «بولدوين» الإيطالي الثري الذي وقع في عشق مصر والشرق عموماً، وحيث ولدت أيضاً عبدته «سورما». أما المكان الثالث فهو إثيوبيا، الموطن الأصلي لجدة «سورما» وأمها، اللتين اختطفتا وبيعتا في سوق العبيد بإيطاليا، واشتراهما جد «بولدوين».

الرواية تتمحور -حسب العنوان- حول شخصية «فريدة المفتي» التي تنحدر من مدينة قفط بمحافظة قنا، وتنتقل إلى القاهرة، وتؤسس وكالة تجارية كبيرة، على عكس الأعراف السائدة وقتها بأن التجارة والعمل للرجال فقط. ولا تكتفي بذلك؛ بل تؤسس بيتاً غريباً، وتسميه «بيت الخلد»، أقرب إلى بيت للمتعة، ولكنه يختلف عن بيوت البغاء التي كانت موجودة آنذاك ومعترفاً بها قانوناً؛ إذ وضعت قانوناً بأن تكون السيدات في هذا البيت لسن بغايا؛ بل سيدات فضليات، ولكنهن لا يشعرن بالحب تجاه أزواجهن، وأن كل امرأة في هذا البيت هي التي ستختار الرجل الذي تريده، وليس العكس كالمعتاد في هذه النوعية من البيوت، للحصول على متعتها، دون تقاضٍ لأي أموال، حتى تمنح كل امرأة حرية التصرف في جسدها.

في مقابل هذه الحرية التي تنطلق من الجسد، كانت شخصية «إستر»، الصعيدية ابنة أسيوط، خريجة الجامعة الأميركية، ترى هذا نوعاً من العبودية، وتؤمن بأن حرية المرأة تبدأ من امتلاك عقلها وليس الجسد، وانخرطت في حركات مقاومة الاستعمار، وكانت ضمن الطليعة الوفدية، وتزوجت «بولدوين» الإيطالي، المحب لمصر والكاره للميول الاستعمارية، والذي أطلق سراح جاريته «سورما» ومنحها حريتها، منذ أن جاءت معه إلى مصر.

ترصد الرواية حياة كل هؤلاء الشخوص، بجذورهم المختلفة، وخلفياتهم المعرفية المتباينة، وعلاقاتهم المركبة بعضهم ببعض، صانعةً خيوطاً درامية أشبه بضفيرة مركبة، تحضر فيها السياسة في الخلفية، وتقدم لوحة بصرية لمصر في بدايات القرن الماضي، مصورة الحياة الفنية الثرية آنذاك، فهناك حضور قوي لشخصيات فنية شهيرة، مثل: نجيب الريحاني، ويوسف وهبي، ومنيرة المهدية، وأم كلثوم، ومحمد عبد الوهاب.