«إيتا»... المشهد الأخير في كابوس الإرهاب

المنظمة الباسكية حلّت نفسها وطلبت الغفران

«إيتا»... المشهد الأخير في كابوس الإرهاب
TT

«إيتا»... المشهد الأخير في كابوس الإرهاب

«إيتا»... المشهد الأخير في كابوس الإرهاب

بعد البيان الذي صدر عن منظمة «إيتا» الباسكية تعلن فيه حلّ نفسها، في الحادي والعشرين من الشهر الماضي، منهية خمسة عقود من الكفاح المسلّح ضد ديكتاتورية الجنرال فرانكو، ثم ضد الديمقراطية اليافعة والمترنحة لسنوات، ومئات عمليات الاختطاف والتفجيرات الإرهابية التي أوقعت 853 قتيلاً بين عسكري ومدني، وبعد كشفها عن مخابئ أسلحتها في الأراضي الفرنسية التي كانت ملاذها في وجه ملاحقات أجهزة الأمن الإسبانية، أُسدِل الستار أمس عن المشهد الأخير من الكابوس المديد الذي عاشته إسبانيا عندما أعلنت آخر المنظمات الإرهابية في أوروبا تخلّيها نهائياً عن أعمال العنف وقررت تسليم ترسانتها، وطلبت الغفران من ضحاياها.

المكان الذي اختارته «إيتا» للفصل الختامي في هذه المسرحية التي تسببت في وقوع مئات القتلى وآلاف الجرحى واليتامى والأرامل من غير أي حصيلة سياسية تُذكر، هو قصر من مطالع القرن الماضي يقع في ضاحية مدينة بايونا من أعمال بلاد الباسك الفرنسية. وقد جاء في البيان الذي صدر عن الناطق بلسان مجموعة الاتصال الدولية التي لعبت دوراً أساسياً في تيسير الوصول إلى هذه المرحلة: «نحن على يقين من أن الباسك، شعباً وأحزاباً سياسية، قد بذلوا جهداً كبيراً لتذليل الصعاب والتقدم نحو السلام العادل والدائم في ظروف كانت وما زالت صعبة».
اللقاء الذي اختارت له «إيتا» أن يكون في الجنوب الفرنسي الذي كان قاعدتها الخلفية وملاذها في وجه ملاحقات قوى الأمن الإسبانية، والذي هو كذلك جزء من «الوطن الباسكي» الذي تطالب باستقلاله، جاء تتويجاً للجهود التي بدأت في خريف عام 2011، عندما انعقد مؤتمر دولي للسلام في مدينة سان سيباستيان بمشاركة الأمين العام السابق للأمم المتحدة كوفي عنان، والزعيم السابق للذراع العسكرية للجيش الجمهوري الآيرلندي جيري آدامز، ورئيس الوزراء البريطاني الأسبق توني بلير، أعلنت «إيتا» في أعقابه تخلّيها عن العمل المسلح. وفي العام الماضي، سلّمت المنظمة الباسكية ثلاثة أطنان من المتفجرات وآلاف الصواعق وكميات كبيرة من الذخيرة كانت مخزّنة في مخابئ على جانبي الحدود الإسبانية - الفرنسية.
كان واضحاً منذ بداية الفصل الأول من هذه العملية حرص «إيتا» على أدقّ التفاصيل الاستعراضية واجتذاب أكبر قدر ممكن من التغطية الدولية لمشروعها الانسحابي استعداداً لمرحلة جديدة من النشاط السياسي، إثر الهزائم القاسية التي ألحقتها بها أجهزة الأمن الإسبانية، خصوصاً بعد التعاون الوثيق مع الأجهزة الأمنية الفرنسية في السنوات الأخيرة. وقد بلغت تلك التفاصيل الاستعراضية ذروة رمزيتها عندما وقع اختيار «إيتا» على واحدة من أبرز قادتها التاريخيين، سوليداد إيباراغيري، لتلاوة البيان النهائي الذي أعلنت فيه «ختام مسيرة الكفاح المسلح».
وفي سيرة إيباراغيرّي المولودة بُعيد ظهور «إيتا» أنها وُلِدت في كنف عائلة كرّست حياتها للمنظمة الباسكية، ولها ولد من أحد القياديين البارزين في الحركة، وهي متهمة بأربع عشرة عملية اغتيال.
وفي سياق تحضيرها لهذا اللقاء، كانت «إيتا» قد أصدرت بياناً منذ أسبوعين تطلب فيه «الغفران من المواطنين الذين لم تكن لهم مسؤولية في النزاع»، واعترفت بما ألحقته من «ضرر لا يعوّض خلال مرحلة الكفاح المسلح». كما جاء في البيان: «ندرك أننا خلال تلك الفترة تسببنا بألم كبير وخسائر فادحة. نريد أن نعرب عن احترامنا للموتى والجرحى والضحايا التي أوقعتها تلك العمليات». وأضافت: «في ذلك النزاع السياسي والتاريخي كان القهر سائداً قبل نشوء (إيتا) واستمرَّ بعد أن أوقفت اغتيالاتها». وكان لافتاً، ومستغرباً، ما جاء في البيان عن القصف الذي تعرّضت له مدينة غرنيكا (خلّدها بيكاسو في لوحته الشهيرة) الباسكية إبّان الحرب العالمية الثانية على يد الطيران النازي الذي قصفها بوحشية موصوفة، نزولاً على طلب الجنرال فرانكو، بحيث لم يعد فيها سوى شجرة ما زالت إلى اليوم رمزاً للصمود الباسكي: «إن الأجيال اللاحقة لقصف غرنيكا قد ورثت ذلك العنف وما خلّفه من عذاب، لكن من واجبنا اليوم أن نبني مستقبلاً أفضل لمن يأتي بعدنا».
وقد ألحقت «إيتا» بيانها بمذكرة تشرح فيها الأسباب التي حدت بها لطلب الغفران من ضحاياها، طالبة «كشف الحقائق والانتصاف لضحايا الباسك عن العنف الذي تعرضوا له ولم يعلن أحد مسؤوليته عنه». لكنها رفضت الكشف عن ملابسات مئات العمليات التي ما زالت طي الغموض «لأن الوشاية انتحار سياسي لا يمكن أن نقبل به».
وقد أثارت تلك المذكرة احتجاجات واسعة وانتقادات شديدة لما وُصف بأنه محاولات من «إيتا» لتبرير جرائمها «وإضفاء صورة كفاحية على أعمالها الإرهابية».
أبناء الضحايا وذويهم رفضوا في غالبيتهم بيان «إيتا» لأنه «يساوي بين الضحية والجلاد»، واعتبروه «مناورة لتلميع صورتها» واعتذاراً تكتيكياً للعودة إلى العمل السياسي من باب واسع بعد الهزيمة التي مُنِيَت بها، وفشلت في تحقيق أهدافها.
ورأى البعض أن الملاحقات القضائية يجب أن تستمر حتى كشف كل الحقائق ومحاسبة المسؤولين عن كل الجرائم، وأن «هذا الاعتذار الذي فرضه فشل (إيتا)، وانهيار بنيتها العسكرية وتلاشي التأييد الشعبي لمشروعها، لا يمكن أن يشكّل صفحاً عمّا ارتكبته».
والدة أحد رجال الحرس المدني الذي اغتالته «إيتا» في واحدة من آخر عملياتها عندما أطلق أحد أعضاء المنظمة النار عليه من الخلف، قالت: «حاولتُ، لكن لا قدرة لي على النسيان أو على الغفران... لقد دمرّوا حياتنا». أما المنسّق العام للقوى القومية والاستقلالية في بلاد الباسك، آرنالدو أوتيغي، فقد رأى في خطوة «إيتا» حدثاً تاريخياً «لا سابق له في تاريخ المنطقة»، ودعا الجميع إلى تحمل مسؤولياتهم.

- الحكومة الإسبانية: هزيمة عصابات الإرهاب
الحكومة الإسبانية، من جهتها، أعربت عن ارتياحها للبيان واعتبرت أن هذه الخطوة هي «ثمرة سيادة القانون وكرامة الضحايا التي ألحقت الهزيمة بالعصابة الإرهابية». أما الأمين العام للحزب الاشتراكي، بيدرو سانتشيث، فقد رأى في بيان «إيتا» اعترافاً بـ«أن الديمقراطية الإسبانية هي التي قضت على (إيتا)»، لكنه حذّر من «أن القتلة ليس من حقهم أن يعيدوا كتابة تاريخ بلاد الباسك بما يناسب أهدافهم ويغسل آثامهم».
وفي الوقت الذي أعلنت فيه المفوضية الأوروبية عن ارتياحها لهذه «الخطوة نحو السلام وسيادة القانون في إسبانيا وأوروبا»، كان لافتا البيان الذي صدر عن أساقفة المقاطعات الباسكية طالبين فيه المغفرة عن «حالات التواطؤ والغموض والإهمال» التي صدرت عن بعض أفراد الكنيسة خلال سنوات إرهاب «إيتا». وكانت العلاقات المتينة أساساً بين نظام الجنرال فرانكو والكنيسة الكاثوليكية قد شهدت توتراً شديداً عندما بدأت تظهر دلائل على التقارب بين الكنيسة الباسكية ومنظمة «إيتا»، حيث كانت الكنيسة تحجم باستمرار عن إدانة أعمالها الإرهابية، وغالباً ما تحاول تبريرها في المواعظ التي كان لها عميق الأثر في المجتمع الباسكي الذي كان شديد التعاطف مع «إيتا» طوال سنوات الديكتاتورية. كما ثبت غير مرة أن بعضاً من رجال الدين الباسك قد وفّروا الحماية والتغطية لعناصر من «إيتا» كانت تطاردهم السلطات الإسبانية.
لا شك في أن إعلان «إيتا» تخلّيها نهائياً عن أعمال العنف وطلبها الغفران عن أفعالها والاعتذار من الضحايا، رغم اقتصار الاعتذار على «الضحايا الذين لم تكن لهم مسؤولية مباشرة في النزاع»، هي أنباء سارة بالنسبة للمجتمع الإسباني الذي عاش سنوات من الرعب والانقسام الحاد في صفوفه. ولا بد من التذكير بأن إرهاب المنظمة الباسكية بلغ ذروته وأقصى عشوائيته خلال السنوات الأولى من النظام الديمقراطي بعد وفاة الجنرال فرانكو وإعلان الملكية الدستورية، مما جعل المجتمع الإسباني يحبس أنفاسه عند كل عملية إرهابية خوفاً من عودة الجيش إلى الإمساك بزمام السلطة متذرّعاً بضرورة الحفاظ على الأمن لينهي المشروع الديمقراطي الذي كان قد قبل به على مضض.
ولا يغيب عن أحد أن فصول مشهد تلاشي «إيتا» تتعاقب في عز احتدام أزمة انفصالية أخرى في إقليم كاتالونيا الذي كانت إسبانيا تعتبره «قدوة» بالنسبة إلى الأقاليم الأخرى، خصوصاً إقليم الباسك، من حيث نهجه المسالم وطبيعته التوافقية.
وقد حرصت الأحزاب السياسية ووسائل الإعلام الإسبانية منذ أسابيع على عدم المقارنة بين الحالتين الباسكية والكاتالونية، وأحجمت عن أي تلميح أو استخلاص للعِبر من المقاربتين اللتين تشكلان التحدي الأكبر للنظام السياسي الإسباني منذ عقود.

- الاعتراف بالفشل
العبرة الأساس من قرار «إيتا» هي الاعتراف بالفشل في تحقيق الأهداف السياسية عن طريق استخدام القوة. والرسالة، غير الموجهة، إلى الانفصاليين في كاتالونيا أنه لا مجال لتجاوز القانون من أجل الوصول إلى الغايات السياسية، علماً بأن الحركة الانفصالية الكاتالونية لم تلجأ قطّ إلى استخدام العنف في مطالبها.
ومن غير المتوقع أن يلمس المجتمع الإسباني أي تداعيات فورية لخطوة «إيتا». فهناك مئات الملفات القضائية التي لم تحسم بعد، والعمليات التي لم تنجلِ ملابساتها، فضلا عن الانقسام الحاد الذي ما زال متجذراً في المجتمع الباسكي، والذي لن يكون من السهل تجاوزه في القريب المنظور. ومن علامات هذا الانقسام المرشح للظهور والتفاقم في أي مناسبة، الاعتداء الذي تعرض له أحد أفراد الحرس المدني وزوجته أخيرا في إحدى المدن الباسكية، والاحتفالات التكريمية الحاشدة التي تُنظّم كلما خرج من السجن أحد أعضاء المنظمة بعد إنهاء مدة عقوبته.
أن تتخلى «إيتا» نهائياً عن أعمال العنف لا يعني أنها تخلت عن مشروعها السياسي، وهي قد قطعت الشك باليقين عندما جاء في بيانها الختامي أن «النضال من أجل استقلال بلاد الباسك لم يبدأ مع (إيتا)، ولن ينتهي مع نهايتها». ويتبدّى بوضوح من الخطوات المدروسة بدقة والتصريحات التي صدرت عنها في الفترة الأخيرة، أنها تمهّد لمرحلة جديدة من العمل السياسي يُرجّح أن تكون على أقصى يسار القوى والأحزاب الباسكية.
وقد بدأت تظهر بوادر تحديد المواقع من خلال التصريحات التي صدرت في الأيام الأخيرة عن القوى والأحزاب الباسكية.
رئيس الحكومة المحلية وزعيم الحزب القومي الباسكي، وهو أكبر الأحزاب في الإقليم، رأى أن «أخشى ما تخشاه (إيتا) هو اقتناع المجتمع الباسكي بأنها لم تنفع لشيء»، وحذّر من مغبّة التمييز بين ضحايا العنف الذي ارتكبته «لأن في ذلك بذور امتداد الانقسام واهتزاز التعايش في المجتمع الباسكي».
ملامح الانقسام تبدّت، داخل إقليم الباسك وخارجه، في مواقف الأحزاب والقوى السياسية من ملف سجناء «إيتا» الموزعين معظمهم في معتقلات خارج المقاطعات الباسكية ضمن سياسة الحكومة الإسبانية التي عمدت منذ سنوات إلى إبعادهم عن أماكن إقامتهم الأصلية مما كان له كبير الأثر في إضعاف المنظمة وأسهم في هزيمتها.
القوى القريبة من «إيتا» لمحت إلى أن قرار المنظمة حل نفسها يجب أن يقابَل بخطوة جريئة من الحكومة المركزية للعفو عن السجناء وطي صفحة الماضي بصورة نهائية. الأحزاب القومية المعتدلة دعت إلى إعادة النظر في سياسة الإبعاد لتقريب السجناء من الأمكنة التي تقيم فيها عائلاتهم، فيما اعتبرت القوى المحافظة أن «نظاماً ديمقراطياً راسخاً لا يمكن أن يجازي الذين ارتكبوا مئات الاغتيالات وعمليات الاختطاف بقانون يعفيهم من مسؤولياتهم أمام القانون». وقد سارع الأمين العام للحزب الاشتراكي المعارض إلى مناشدة جميع الأطراف التهدئة حول ملف السجناء خشية من «تضييع هذه الفرصة التاريخية لإرساء قواعد راسخة للتعايش السلمي بعد عقود من التضحيات والعذاب والخسائر».

- «إيتا»... التأسيس والاغتيالات و سياسة الابتزاز
تأسست منظمة «إيتا» عام 1959 في مدينة بيلباو على قاعدة ما كانت تُسمّى «الحركة الثورية الباسكية للتحرير الوطني». هدفها إعلان دولة مستقلة تضّم المقاطعات الباسكية في الشمال الغربي من إسبانيا والجنوب الغربي من فرنسا، ومناهضة نظام الجنرال فرانكو الذي نهج سياسة قمع أمني وثقافي شديدة في إقليم الباسك منذ تولّيه الحكم بعد انتصاره في الحرب الأهلية.
ارتكبت «إيتا» أولى عملياتها في عام 1968 عندما أقدمت على اغتيال أحد أفراد الحرس المدني، وكانت آخرها في فرنسا على بعد 50 كلم من باريس خلال مواجهة مع قوى الأمن الفرنسية التي كانت تطارد إحدى مجموعاتها التي سطت على مصرف، حيث قتلت جندياً فرنسياً.
وقد بلغ عدد القتلى، بين مدنيين وعسكريين، الذين ذهبوا ضحية أعمال «إيتا» 853، إضافة إلى نحو سبعة آلاف جريح.
العملية الأبرز في تاريخ «إيتا» كانت اغتيال رئيس وزراء الجنرال فرانكو وخليفته المرتقب وقتئذ الأميرال كارّيرو بلانكو بمدريد في 12 ديسمبر (كانون الأول) 1973، بعيد زيارة وزير الخارجية الأميركي السابق هنري كيسنجر إلى العاصمة الإسبانية. وقد شكّلت تلك العملية نقلة نوعية في سجل المنظمة، إذ وضعت عبوة ناسفة قوية تحت الطريق التي كان يسلكها كل يوم الأميرال بلانكو، انفجرت عند مرور سيارته التي ارتفعت عشرات الأمتار ورست على سطح أحد المباني. وكانت المجموعة التي نفذّت العملية قد حفرت نفقاً طويلاً علي مقربة من السفارة الأميركية أوصلت من خلاله العبوة إلى المكان المحدد. وقد أسهمت تلك العملية التي كانت ضربة قاسية لنظام فرانكو في تعزيز صورة «إيتا» كطرف بارز في مناهضة النظام الديكتاتوري.
وما زالت هناك 224 عملية من التي ارتكبتها «إيتا» لم تكشف ملابساتها بعد، ولم تُطوَ ملفاتها القضائية. ويبلغ عدد السجناء من المنظمة 297، منهم 53 يقضون عقوباتهم في السجون الفرنسية، وواحد في البرتغال، فيما البقية موزعون على السجون الإسبانية ومعظمهم خارج المقاطعات الباسكية.
وكانت «إيتا» تعتمد نظاماً تمويلياً يقوم على ابتزاز الشركات والأثرياء والسطو على المصارف وطلب فدية مالية للإفراج عن الرهائن المخطوفين. ويُقدّر أنها جمعت نحو 180 مليون دولار منذ تأسيسها، وأن ميزانيتها السنوية كانت تناهز 5 ملايين دولار.


مقالات ذات صلة

إسبانيا: السجن لأعضاء خلية «إرهابية» خططت لاستهداف مصالح روسية

العالم إسبانيا: السجن لأعضاء خلية «إرهابية» خططت لاستهداف مصالح روسية

إسبانيا: السجن لأعضاء خلية «إرهابية» خططت لاستهداف مصالح روسية

قضت محكمة إسبانية، الجمعة، بالسجن 10 سنوات على زعيم خلية «إرهابية» نشطت في برشلونة، و8 سنوات على 3 آخرين بتهمة التخطيط لهجمات ضد أهداف روسية في المدينة، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية». وذكرت «المحكمة الوطنية» في مدريد، في بيان، أنها أدانت «4 أعضاء في خلية إرهابية متطرفة مقرُّها برشلونة، حدّدوا أهدافاً روسية لتنفيذ هجمات ضدَّها في عاصمة كاتالونيا بشمال شرقي إسبانيا. وأضافت المحكمة، المسؤولة خصيصاً عن قضايا «الإرهاب»، أنها برّأت شخصين آخرين. وجاء، في البيان، أن زعيم الخلية «بدأ تحديد الأهداف المحتملة، ولا سيما المصالح الروسية في عاصمة كاتالونيا، وأنه كان في انتظار الحصول على موادّ حربية». وأوض

«الشرق الأوسط» (مدريد)
العالم اعتقال سوري بتهمة التخطيط لهجمات في ألمانيا

اعتقال سوري بتهمة التخطيط لهجمات في ألمانيا

أعلنت السلطات الألمانية، الثلاثاء، القبض على سوري، 28 عاماً، في هامبورغ للاشتباه في تخطيطه شن هجوم ارهابي. وأعلن المكتب الاتحادي للشرطة الجنائية، والمكتب الإقليمي للشرطة الجنائية في ولاية هامبورغ، ومكتب المدعي العام في الولاية أنه يُشتبه أيضاً في أن شقيق المتهم الذي يصغره بأربع سنوات، ويعيش في مدينة كمبتن ساعده في التخطيط. ووفق البيانات، فقد خطط الشقيقان لشن هجوم على أهداف مدنية بحزام ناسف قاما بصنعه.

«الشرق الأوسط» (هامبورغ)
العالم هولندا تُدين أربع نساء أعادتهن من سوريا بتهمة الإرهاب

هولندا تُدين أربع نساء أعادتهن من سوريا بتهمة الإرهاب

حكمت محكمة هولندية، اليوم (الخميس)، على أربع نساء، أعادتهنّ الحكومة العام الماضي من مخيّم للاجئين في سوريا، بالسجن لفترات تصل إلى ثلاث سنوات بعد إدانتهنّ بتهم تتعلق بالإرهاب. وفي فبراير (شباط) 2022 وصلت خمس نساء و11 طفلاً إلى هولندا، بعدما أعادتهنّ الحكومة من مخيّم «الروج» في شمال شرقي سوريا حيث تُحتجز عائلات مقاتلين. وبُعيد عودتهنّ، مثلت النساء الخمس أمام محكمة في روتردام، وفقاً لما أوردته وكالة الصحافة الفرنسية، حيث وجّهت إليهن تهمة الانضمام إلى مقاتلين في تنظيم «داعش» في ذروة الحرب في سوريا، والتخطيط لأعمال إرهابية. وقالت محكمة روتردام، في بيان اليوم (الخميس)، إنّ النساء الخمس «قصدن ساحات ل

«الشرق الأوسط» (لاهاي)
العالم قتيلان بإطلاق نار في هامبورغ

قتيلان بإطلاق نار في هامبورغ

أفادت صحيفة «بيلد» الألمانية بسقوط قتيلين عقب إطلاق نار بمدينة هامبورغ اليوم (الأحد). وأوضحت الصحيفة أنه تم استدعاء الشرطة قبيل منتصف الليل، وهرعت سياراتها إلى موقع الحادث. ولم ترد مزيد من التفاصيل عن هوية مطلق النار ودوافعه.

«الشرق الأوسط» (برلين)
العالم الادعاء الألماني يحرّك دعوى ضد شابين بتهمة التخطيط لشن هجوم باسم «داعش»

الادعاء الألماني يحرّك دعوى ضد شابين بتهمة التخطيط لشن هجوم باسم «داعش»

أعلن الادعاء العام الألماني في مدينة كارلسروه، اليوم (الخميس)، تحريك دعوى قضائية ضد شابين إسلاميين بتهمة الإعداد لشن هجوم في ألمانيا باسم تنظيم «داعش». وأوضح الادعاء أنه من المنتظر أن تجري وقائع المحاكمة في المحكمة العليا في هامبورغ وفقاً لقانون الأحداث. وتم القبض على المتهمَين بشكل منفصل في سبتمبر (أيلول) الماضي وأودعا منذ ذلك الحين الحبس الاحتياطي. ويُعْتَقَد أن أحد المتهمين، وهو كوسوفي - ألماني، كان ينوي القيام بهجوم بنفسه، وسأل لهذا الغرض عن سبل صنع عبوة ناسفة عن طريق عضو في فرع التنظيم بأفغانستان. وحسب المحققين، فإن المتهم تخوف بعد ذلك من احتمال إفشال خططه ومن ثم عزم بدلاً من ذلك على مهاج

«الشرق الأوسط» (كارلسروه)

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.