يلهث الأوروبيون وراء «مخرج» من أزمة الاتفاق النووي الإيراني الذي يهدد الرئيس الأميركي بتمزيقه في الثاني عشر من هذا الشهر إذا لم تقدم إليه مقترحات جدية لتعديله في العمق وليس اقتراح «عملية تجميلية» شكلية. وما بين المطرقة الأميركية والسندان الإيراني، تتقلص المسافة الزمنية المتاحة أمام باريس وبرلين ولندن للاستجابة لمطالب دونالد ترمب في ظل قناعة تشير إليها المصادر الفرنسية بقولها إن الفترة الزمنية الفاصلة عن الاستحقاق الذي يحل يوم السبت المقبل «لم تعد كافية» للعثور على «كلمة السر» والالتفاف على قرار سيد البيت الأبيض المرجح بالخروج من الاتفاق ومع ما سيرافقه من ردود أفعال معلنة سلفاً.
وتعترف المصادر الفرنسية بأن «هامش المناورة» المفتوح أمام مساعي باريس بدعم من برلين ولندن «ليس واسعاً» بالنظر لما تتمسك به واشنطن وما ترفضه طهران. لكن الأوروبيين عازمون على الاستمرار ببذل الجهود الدبلوماسية.
والرئيس إيمانويل ماكرون الذي كان الوحيد حتى الآن الذي اقترح حلولاً بديلة «قوامها المحافظة على اتفاق 2015» و«استبدال» مفاوضات لاتفاق أوسع يشمل النشاطات النووية الإيرانية لما بعد عام 2025 به، واحتواء البرامج الصاروخية الباليستية لطهران وسياستها الإقليمية، لخص الموقف بمناسبة مؤتمر صحافي خلال زيارته لأستراليا كالتالي: «أريد أن أقول إنه مهما كان قرار ترمب، علينا التحضير لمثل تلك المفاوضات الموسعة والاتفاق الأشمل، لأنني أعتقد أن لا أحد يريد حرباً في المنطقة ولا أحد يريد تصعيداً للتوتر فيها».
انطلاقاً من هذا المعطى ومن الخوف من الوقوع في فراغ، وهو ما أشار إليه ماكرون أكثر من مرة، تعتبر باريس أنه يتعين الاستمرار في البحث عن «ضوء ما» في النفق المظلم. وإذا كان ماكرون قد نجح في انتزاع الضوء الأخضر من الرئيس ترمب بالسعي لاتفاق «أشمل» مع إيران ينص على الأعمدة الأربعة المشار إليها سابقاً، فإن مشكلته تكمن في «إقناع» إيران للسير في مفاوضات «جديدة» لن تقتصر، وفق التصور الفرنسي، على مجموعة 6 زائد 1، بل تضم «أطرافاً إقليمية» ما فتئت تندد ببرنامج طهران الباليستي وبسياستها المزعزعة للاستقرار في المنطقة.
والحال أن ردود الفعل الصادرة عن المسؤولين الإيرانيين؛ وآخرهم وزير الخارجية محمد جواد ظريف ومستشار المرشد الأعلى للشؤون الخارجية علي أكبر ولايتي تغلق الباب تماماً أمام الجهود الفرنسية. فالأول، أعرب عن رفض بلاده إعادة التفاوض بشأن اتفاق 2015 أو إضافة بنود إليه، والثاني رفض المس بالبرامج الصاروخية الباليستية باعتبارها تتعلق بالأمن الإيراني. وتندد طهران بـ«التنازلات» الأوروبية لإرضاء واشنطن وتهدد بالرد «على طريقتها» على الانسحاب الأميركي من الاتفاق وتؤكد أن «كل الاحتمالات» أخذت بعين الاعتبار.
رغم هذا التصعيد الأميركي - الإيراني الذي يضاف إليه التصعيد الإسرائيلي - الإيراني، فإن باريس، بدعم من برلين ولندن، مستمرة في مساعيها رغم توقعها أن يكون قرار ترمب الانسحاب.
ومن المفيد الإشارة إلى أن ماكرون أجرى مكالمة هاتفية مع الرئيس روحاني لمدة ساعة كاملة قبل أيام ليفهم منه ما الممكن وغير الممكن بالنسبة لإيران بعيداً عن «المناوشات» الكلامية. وإذا كان الطرف الإيراني ركز على أن «الاتفاق النووي ليس قابلاً لإعادة التفاوض بأي شكل من الأشكال»، فإن مصادر الإليزيه أشارت إلى أن نقاشاً «حقيقياً»، أي صريحاً، حصل بين الطرفين اللذين اتفقا على العمل معاً من أجل المحافظة على الاتفاق، وأنهما توافقا على البحث في الأوضاع في سوريا واليمن، وبالتالي فإن قناة الحوار ستبقى «مفتوحة» بين باريس وطهران. لكن أوساط الإليزيه، كما نقلت عنها صحيفة «لوموند» في عددها الصادر قبل يومين، نبهت إلى أن «التوصل إلى نتائج» قبل انقضاء المهلة التي حددها ترمب «مستبعد».
إذا صح هذا التوقع ولم يجد ترمب ما يرضيه ويوفر له الضمانات التي يريدها رغم مقترحات اللجنة المشتركة الأميركية - الأوروبية، فإن جملة من السيناريوهات، كما تتصورها باريس، ممكنة الحصول.
وجميع هذه السيناريوهات مرتبطة بعدد من «المتغيرات» التي أولها «نوعية» الخروج الأميركي من الاتفاق وما يستتبعه من إعادة فرض عقوبات على إيران سبق لترمب أن استمر بتعليق العمل بها منذ وصوله إلى البيت الأبيض.
ولذا، فإن الخروج يمكن أن يكون «كلياً أو جزئياً»، كما أن العقوبات يمكن أن تكون «شاملة» أو قطاعية. وهاتان المسألتان هما اللتان ستحددان طبيعة ردود الفعل الإيرانية. ويسعى الأوروبيون إلى إقناع طهران وموسكو بألا يكون الرد الإيراني «الفوري» الاقتداء بالقرار الأميركي وتمزيق الاتفاق أو أن يكون الرد العودة الفورية إلى تخصيب اليورانيوم بالدرجة الأعلى التي كانت الطاردات المركزية الإيرانية توصلت إليها، «أي نحو 20 في المائة» قبل إبرام اتفاق 2015.
وفي هذه الحال، تكون باريس ومعها برلين ولندن قد نجحت في «شراء» بعض الوقت لمواصلة المشاورات والاتصالات والعودة لطرح البحث عن اتفاق بديل. وإحدى الحجج الأوروبية أن 5 من الدول الست الموقعة عليه ما زالت «ملتزمة» به رغم القرار الأميركي. لكن هذا «الالتزام» خصوصاً في شقه الأوروبي لن يكون مقنعاً لطهران إذا عمدت واشنطن لفرض عقوبات جديدة وقرر الأوروبيون احترامها، وبالتالي وقف «التطبيع» الاقتصادي والتجاري والاستثماري والمالي مع طهران، ما سيعني أن طهران سوف تعتبر الاستمرار في الاتفاق عديم الجدوى.
في هذا السياق، تبرز أهمية التواصل الفرنسي - الإيراني والفرنسي - الروسي. ولا شك أن زيارة ماكرون لروسيا يومي 24 و25 الحالي ستكون مهمة بالنسبة للملف النووي.
إذا كان السيناريو الأسوأ ليس بالضرورة هو الذي سيتحقق، فإن سيناریوهات أقل سوداوية تبدو متداولة، وأولها أن يقبل ترمب بـ«إعطاء مهلة إضافية»، أي أن يمتنع عن الإعلان عن قراره يوم 12 مايو (أيار) الحالي. ولن تكون المرة الأولى التي يغير فيها مواقفه أو يجد حججاً لذلك. وإحدى الحجج المطروحة «إكرام» الرئيس ماكرون المعبأ من أجل إيجاد مخرج ما. وإذا تحقق هذا السيناريو، فإن ترمب يكون قد أعطى مهلة جديدة للباحثين عن مخرج. إلا أن التعقيدات لا تنتهي عند هذا الحد، إذ يبقى في الميزان العامل الإسرائيلي الذي يدفع باتجاه وأد الاتفاق، وعامل المحيط المباشر للرئيس الأميركي المحاط اليوم باثنين من الصقور: وزير الخارجية مایك بومبيو ومستشار الأمن القومي جون بولتون، وكلاهما يدفع ترمب لتمزيق الاتفاق، بل إلى العمل على تغيير النظام الإيراني وليس فقط تغيير السياسة الإيرانية.
ماكرون مستمر في مساعيه لإيجاد «مخرج» من أزمة {النووي الإيراني}
سيناريوهات 12 مايو وما بعدها وفق القراءة الفرنسية
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (أ.ف.ب)
ماكرون مستمر في مساعيه لإيجاد «مخرج» من أزمة {النووي الإيراني}
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل (أ.ف.ب)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة




