بدء عودة الحياة إلى عفرين... وبعض الشباب على جبهات القتال

«الشرق الأوسط» تجول في المدينة بعد سيطرة فصائل سورية تدعمها أنقرة

سوق للخضراوات في عفرين («الشرق الأوسط»)
سوق للخضراوات في عفرين («الشرق الأوسط»)
TT

بدء عودة الحياة إلى عفرين... وبعض الشباب على جبهات القتال

سوق للخضراوات في عفرين («الشرق الأوسط»)
سوق للخضراوات في عفرين («الشرق الأوسط»)

تكشف جولة في عفرين، شمال سوريا، آثار رصاص على الجدران وكأن المدينة لم تجر فيها حرب وقصف عنيف. بعض الجدران المهدمة أيضاً تمت إزالة أنقاضها، ذلك أن أهالي المدينة يقولون إن «وحدات حماية الشعب» الكردية انسحبت من المدينة قبل وصول «الجيش السوري الحر» والجيش التركي إلى المدينة، وذلك خلال العملية التي انطلقت في 20 من يناير (كانون الثاني) الماضي، وانتهت برفع العلم التركي بجانب علم «الجيش الحر» فوق المدينة، ضمن عملية «غصن الزيتون» التي أعلنتها أنقرة.
الحركة عادت إلى المدينة والأسواق فتحت على الرغم من قلة الحركة، لكنها تشير إلى وجود مَنْ رفض المغادرة وهناك أيضاً من عاد. ولا يمكن إغفال بعض الانتهاكات التي قامت بها عناصر «الجيش السوري الحر» من عمليات سرقة.
أبو شيراز مواطن كردي سبعيني يقطن في عفرين منذ ولادته وأبى مغادرتها، طالب غيره ممن غادر المدينة بالعودة إليها، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن كل شيء عاد إلى المدينة من خدمات، واقترح العودة على من غادر. ومع عودة الأسواق تدريجياً إلى العمل، عادت كذلك الأفران وقد بدأت بإنتاج الخبز.
تقول أم يشار، وهي عائدة من مركز التوزيع إلى منزلها تحمل ربطتي خبز، إن الأسواق عادت للعمل، لكن الأسعار غالية الثمن: «حصلنا على معونة لكننا نتمنى أن يكون الوضع أكثر أمناً. خصوصاً في الليل». وتضيف وهي تتكلم العربية، بلسان ثقيل، «أنها تتمنى من بقية الأهالي العودة وعدم الخوف».
يقف عشرات النساء والأطفال والشيوخ في طابور أمام مركز توزيع الخبز في أحد أحياء المدينة، ما يشير إلى أن نسبة الفارين الأكبر من الشباب والرجال خوفاً من الاعتقال أو الانتساب إلى «وحدات الحماية».
معاناة العائدين لا تقتصر على سيرهم مسافات طويلة تحت الشمس الحارقة، ووعورة الطريق من جبال ووديان. وهي تهون أمام معظمهم تجاه معاناتهم لمعرفة مصير منازلهم وأرزاقهم. وتقول السيدة السبعينية: «تمتلك عفرين أراضي زراعية خصبة تنتج محاصيل وافرة من الزيتون والرمان العفريني المشهور على مستوى سوريا والتفاح والكرز، إضافة إلى القمح والخضار وغير ذلك من محاصيل تؤمن السلة الغذائية للعفرينيين، إضافة إلى كونها مورد رزق لهم عبر تصدير منتوجاتهم الغنية إلى باقي المحافظات السورية».
على طرف شارع آخر، تقف سيارة تحمل براميل معبئة بالوقود اتخذت من زاوية الشارع مقراً لها، بالقرب منها تقف دورية من عناصر «الجيش الحر». ويضع صاحب سيارة الوقود قائمة بأسعار البنزين والمازوت. ويوضح أن المحروقات جاءت من طريق إعزاز إلى عفرين. ويضيف بائع المحروقات قاسم أن الحركة خفيفة في السوق، لأن المدينة شبه خالية من السكان، وهناك عائلات كثيرة ما زالت نازحة في منطقتي تل رفعت ومحيط نبل والزهراء شمال حلب، ونصحهم بالعودة «لأن (الجيش السوري الحر) لم يعاملهم بسوء، وقام بمعاقبة من سرق محتويات المنازل».
وتابع قاسم أن «الجيش الحر» قام بتفتيش كل منازل المدينة، وبعضها كانت فيه ألغام انفجر أحدها بهم، وقام بتفتيش المنازل بعد عودة بعض المواطنين إليها، إلا أنه لم يعتقل أو يضايق أحداً.
بعض المطاعم فتحت أيضاً، لكنها عددها قليل، وتختص بالدجاج المشوي فقط وبعض المأكولات كالحمص والفلافل والفول، ويبدو الإقبال عليها جيداً نسبياً، وفق ما أكده صاحب مطعم، مشيراً إلى أن الحياة بدأت بالعودة، «الزبائن ليسوا كثراً، كما في السابق، ولكنّ القليل من العائلات عادت إلى المدينة». ويضيف أن معظم المدنيين نزحوا خوفاً من القصف، ولم يتجرأوا على العودة و«من ذهب إلى القامشلي والحسكة هم عائلات (وحدات حماية الشعب)، أما البقية فهم مواطنون لا ذنب لهم، بقوا خائفين في مناطق ومراكز إيواء بالقرب من نبل والزهراء، والنظام لم يسمح لهم بالدخول إلى حلب».
الخضار والفواكه والمواد الغذائية معظمها جاء من منطقة إعزاز، بحسب قيادي في «الجيش الحر». ويضيف أنه قبل دخول سيارات التجار إلى عفرين تم توزيع عدة دفعات من المواد الغذائية على القرى والمدينة في منطقة عفرين من قبل المنظمات العاملة هناك. ويقول إن «المدينة مثلها مثل أي مدينة أخرى في سوريا تعرضت لحرب وقتال، وتحتاج لوقت كي تعود إليها الحياة»، لكنه توقع سرعة حدوث ذلك في عفرين بسبب عدم تعرضها للدمار، وإن كانت الألغام أحد عوائق تحرك المدنيين وعناصر «الجيش الحر».
وتقول الشابة جيهان إن الدفاع المدني السوري دخل إلى مدينة عفرين، وبدأ نشاطاته فيها من جديد بعد أربعة أعوام من إغلاق «وحدات حماية الشعب» لمركزه في المدينة، وبدأ بعملية تنظيف الشوارع في المدينة وفي القرى القريبة منها، فضلاً عن القيام بمهامه الأخرى. وتوضح: «دخلت فرق الدفاع المدني إلى مدينة عفرين مصطحبة عدداً من الآليات الخاصة بالتجريف والحفر ورافعات لصيانة المناطق المرتفعة، وبدأت العمل على إعادة تفعيل المراكز القديمة التي أغلقتها (وحدات حماية الشعب)، وفتح أخرى جديدة حتى يصل العدد إلى أربعة مراكز بهدف تغطية أكبر مساحة ممكنة من المدينة ومحيطها». وقال آخر إن «(الدفاع) جاهز للعمل من أجل السوريين على مختلف أشكالهم وألوانهم، وفي أي منطقة كانت، ولو أن (وحدات حماية الشعب) لم تغلق مراكزهم في السابق لما تركوا عفرين، فهي جزء من سوريا وشعبها وأهلها سوريون».
في المقابل، ذكر الناشط الكردي آزاد المقرب من «الجيش الحر» أن «حواجز (الوحدات الكردية) بالقرب من بلدتي نبل والزهراء منعت الأهالي من العودة إلى عفرين». ويضيف أن «الوحدات» نصبت حواجز عند قرية تنب في ريف حلب الشمالي لمنع أهالي عفرين من العودة لمنازلهم، كما أن عناصرها يتهمون كلَّ من يريد العودة إلى عفرين بالعمالة والخيانة.
أما «المجلس المحلي» الذي تشكل مؤخراً في مدينة عفرين من قبل نشطاء أكراد، فدعا، في بيان أصدره، إلى ضرورة عودة الأهالي إلى مدنهم وقراهم. وبحسب البيان الصادر عن المجلس المتمخض عن مؤتمر «إنقاذ عفرين» في تركيا، فإنه «منذ لحظة انتخابنا في مؤتمر (إنقاذ عفرين) اعتبرنا أن شرعيتنا كمجلس أنتم تضفونها علينا، وموافقة العمل أنتم توفرونها لنا، ونحن بعدها نتابع إجراءات إدارية من الحكومة التركية أو الحكومة المؤقتة أو الائتلاف المعارض».
وأكد البيان أن اللجان التي تشكلت في إطار المجلس المدعوم من تركيا، باشرت عملها، وأن أولى الأولويات هي عودة الأهالي إلى بيوتهم في قراهم وبلداتهم، وإلى عفرين، لأن «التغيير الديمغرافي إن كان قد خطط له، فإنه سيحبط بعودتكم، ونكون كمجتمع عفرين كرداً وعرباً في الجانب الآمن لذلك».
بدورها، تقول الطبيبة ريهام إن «عفرين تعيش أياماً كارثية. ومنذ ما يقارب الشهر ونحن نعمل جميعاً دون كلل أو ملل، وكل غايتنا هو إنقاذ شعبنا في عفرين وقراها من هذه الكارثة بأقل الخسائر الممكنة».
المهندس خليل يروي لـ«الشرق الأوسط» أن «موارد كثيرة تتميز بها منطقة عفرين. فهي على الجانب السياحي تعتبر من أهم المناطق السياحية في ريف حلب نتيجة طبيعتها الجبلية والمناظر الطبيعية ما جعلها مقصداً لسكان الشمال السوري قبل عام 2011، وبالتحديد سكان حلب وإدلب، إضافة إلى وجود المعالم الأثرية فيها التي كانت مقصد المهتمين من داخل سوريا وخارجها».
وهناك عشرات المواقع الأثرية في المنطقة، منها قلعة سمعان الواقعة جنوب مدينة عفرين على بعد 20 كيلومتراً في القسم الجنوبي الشرقي، وتضم موقع مار سمعان، إضافة إلى مناطق جبل شيخ بركات وجبل بارسه خاتون (برصايا) ومدينة عين دارا الأثرية الواقعة جنوب عفرين، وتتكون من آثار ومعبد يضم تماثيل مختلفة. هذه الآثار جعلت المنطقة مقصداً للزوار والمجموعات البحثية الأجنبية، خصوصاً مع اقترانها بتنوع تضاريسها بين الجبال والسهول.
وإلى جانب ذلك تعتبر منطقة عفرين من المناطق المعروفة بجودة زراعتها، وهي المصدر الرئيسي لدخل معظم سكانها، إذ تحتل الزراعة المقام الأول لدى الأهالي، وتسهم في تكوين الناتج المحلي بنسبة 70 في المائة من إجمالي إيراداتها.
ويعتبر نهر عفرين مصدراً مهماً للمياه في المنطقة، ويبلغ طوله نحو 149 كيلومتراً، إضافة إلى وجود عدد من الجداول والينابيع. وتشتهر المنطقة بأشجار مثمرة، وتغطي شجر الزيتون معظم المساحات الزراعية، إذ تحتل هذه الزراعة المرتبة الأولى في المنطقة من حيث المساحة والإنتاج، وتحولها إلى مصدر رئيسي للأهالي. ويبلغ عدد أشجار الزيتون نحو 18 مليون شجرة، وتصل كمية إنتاج الزيت إلى 270 ألف طن في الأعوام المثمرة، ويحتل الزيتون العفريني مكانة مميزة في الأسواق المحلية والدول المجاورة. كما توجد في المنطقة 250 معصرة زيت زيتون ومعامل وورشات إنتاج صابون الغار ومعمل كونسروة ومعمل تعبئة مياه ونحو 20 مقلعاً للأحجار.



«نسور الحضارة»... دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين مصر والصين

جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
TT

«نسور الحضارة»... دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين مصر والصين

جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)
جانب من فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)

تدخل العلاقات العسكرية المصرية الصينية مرحلة جديدة من التعاون، مع انطلاق فعاليات التدريب الجوي المشترك «نسور الحضارة 2026»، وسط توترات تشهدها المنطقة.

وتلك المناورة الثانية من نوعها خلال عامين بين مصر والصين، وتعد بمثابة دفعة جديدة للعلاقات العسكرية بين البلدين، وفق ما يرى خبير عسكري واستراتيجي مصري، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، معتقداً أنها قد تمتد إلى تعاون عسكري أوسع لاحقاً في إطار تنويع مصر مصادر التصنيع العسكري.

ومساء السبت، أعلن الجيش المصري، في بيان، انطلاق فعاليات التدريب الجوي المصري الصيني المشترك «نسور الحضارة 2026»، بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من طرازات مختلفة، لافتاً إلى أن التدريبات تُنفذ على مدار عدة أيام في عدد من القواعد الجوية داخل مصر، ضمن النسخة الثانية من المناورات بين البلدين.

فعاليات تدريب نسور الحضارة 2025 (المتحدث العسكري)

وتشمل المراحل الأولى من التدريب مجموعة من المحاضرات النظرية والعملية، بهدف توحيد المفاهيم القتالية بين الجانبين، إلى جانب تنفيذ طلعات جوية مشتركة والتدريب على أعمال التخطيط وإدارة العمليات الجوية المشتركة.

وتستهدف التدريبات تبادل الخبرات وتطوير مهارات القوات المشاركة، ضمن خطة التدريبات المشتركة التي تنفذها القوات المسلحة المصرية مع نظيراتها من الدول الشقيقة والصديقة، بهدف دعم وتعزيز علاقات التعاون في مختلف المجالات العسكرية، حسب البيان المصري.

وفي 14 أغسطس (آب) الحالي، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الوطني الصينية، تشن شي، في مؤتمر صحافي، إن تلك المناورات ستختتم أوائل سبتمبر (أيلول) المقبل، لافتاً إلى أنها ثاني تدريب مشترك بين القوات الجوية في البلدين.

وحسب المتحدث الصيني، ستركز المناورات على تكتيكات القتال الجوي، وعمليات التفوق الجوي، وعمليات البحث والإنقاذ القتالية، فضلاً عن تدريبات على توظيف القوات، مؤكداً أن التدريب المشترك سيواصل تعزيز الثقة المتبادلة والصداقة التقليدية، ويعمق التعاون العملي بين الجيشين، ويسهم في تحقيق السلام والاستقرار على الصعيد الإقليمي.

وكانت النسخة الأولى في أبريل (نيسان) 2025، تحت اسم «نسور الحضارة 2025»، وقد أجريت في إحدى القواعد الجوية المصرية بمشاركة عدد من الطائرات المقاتلة متعددة المهام من طرازات مختلفة.

دفعة للعلاقات العسكرية

ويرى الخبير العسكري والاستراتيجي، اللواء سمير فرج، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن هذا التدريب يسهم بشكل مباشر في تعزيز العلاقات العسكرية بين البلدين، مؤكداً أن استمرار انعقاد نسخ «نسور الحضارة» يعكس نجاح التدريب الأول، خصوصاً أن وصول طائرات صينية إلى مصر لإجراء تدريب مشترك دليل على أن بكين تحقق استفادة كبيرة جداً من هذا التعاون.

وشدد فرج على ضرورة وضع هذا التعاون في إطاره الطبيعي، باعتباره ضمن سياق العلاقات العسكرية المصرية مع مختلف دول العالم، قائلاً: «يجب ألا نحمّل هذا التدريب أكثر من حجمه، فمصر معروفة بتنوع علاقاتها، وهي أكثر دولة في العالم تجري تدريبات مشتركة، حيث نستفيد نحن وتستفيد الدول الأخرى أيضاً».

تعاون يتسع

وسبق أن كان التعاون العسكري الصيني المصري مسار قلق إسرائيلي، وفي فبراير (شباط) 2025، تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن مخاوف حادة لدى الأجهزة الأمنية في إسرائيل من حصول مصر على مقاتلات صينية من طراز J-10C مزودة بصواريخ جو- جو بعيدة المدى.

وقالت المصادر العبرية وقتها، إن ما يقلق إسرائيل ليس الطائرة المقاتلة الصينية، بل الصاروخ الصيني جو-جو بعيد المدى، وهو سلاح لم تمتلكه القوات الجوية المصرية من قبل، حيث ستسمح هذه الصواريخ للقوات الجوية المصرية بمحاولة ضرب الطائرات الإسرائيلية حتى دون أن تكون في مجال رؤيتها.

تلا ذلك حديث مجلة ناشونال إنترست الأميركية، في ديسمبر (كانون الأول)، عن أن مصر لجأت إلى الصين لصُنع أسطول متطوّر من الطائرات المسيّرة، في خطوة تهدف إلى مواجهة تصرفات إسرائيل العدوانية على حدودها الشرقية.

وحول ما يثار عن ارتباط هذه المناورات بصفقات تسليح معينة، أشار فرج إلى أن الحديث عن شراء طائرات من طراز جي 10 أو غيرها أمر يقع خارج نطاق المناورة الحالية، مؤكداً أن «المناورة ليست لها علاقة بهذا الأمر».

ولفت إلى أن العلاقات العسكرية المصرية الصينية تتجه نحو مزيد من الشراكة الأكبر، لا سيما في ظل التعاون القائم في مجال الطائرات المسيرة التي يتم تصنيعها محلياً في مصر، مؤكداً أن هناك مزيداً من التعاون العسكري في مجال التدريب المشترك، وفي مجال التصنيع الحربي المشترك.

وعلاقات مصر والصين لها تاريخ قديم، وفي مايو (أيار) الماضي، احتفلت مصر والصين بالذكرى السبعين لتأسيس علاقاتهما الدبلوماسية، التي انطلقت في 30 مايو 1956، حين بادرت مصر إلى أن تكون أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع الصين.

وأعلن الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني شي جينبينغ، في بكين، في مايو 2024 تدشين عام «الشراكة المصرية – الصينية» بمناسبة مرور 10 سنوات على إطلاق «الشراكة الاستراتيجية الشاملة».


«انشقاقات» عسكرية تضرب «أرض الصومال» وتهدد نفوذه

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
TT

«انشقاقات» عسكرية تضرب «أرض الصومال» وتهدد نفوذه

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة «أرض الصومال» وأكبر مدنها (أ.ف.ب)

وسط مساعٍ حثيثة لنزع اعتراف دولي، مبني على اعتراف إسرائيلي «مستهجن إقليمياً»، يواجه إقليم «أرض الصومال» الانفصالي «انشقاقات» عسكرية متصاعدة باتت تهدد استقرار قواته، لصالح الجيش الفيدرالي الصومالي.

وقال العقيد علي أحمد إسماعيل، المعروف بـ«أشكاتو»، والمنشق مؤخراً، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن قوات الإقليم الانفصالي «لم يعد لديها أي تمثيل عسكري محلي من أبناء مناطق سول وسناغ وتوغدير»، المتنازع عليها مع ولاية «الشمال الشرقي».

العقيد أشكاتو مع جنوده (مقطع من فيديو يتحدث فيه إلى قواته)

وتشكلت «ولاية شمال شرقي الصومال»، قبل نحو عام فقط، وتطالب ببعض المناطق الشرقية من «أرض الصومال».

ووفق أشكاتو، فإن «الوحدة العسكرية التي كان يقودها كانت آخر قوة من أبناء تلك المناطق داخل قوات الإقليم قبل انتقالها إلى صفوف الجيش الفيدرالي الصومالي».

وأوضح أشكاتو أن «الانشقاق لم يكن مجرد انتقال محدود لعدد من الجنود، بل جاء نتيجة اختيارهم الوقوف إلى جانب سكان مناطقهم وعائلاتهم»، مضيفاً: «كنا آخر فصيل متبقياً لدى أرض الصومال من محافظات المنطقة الشمالية الشرقية... واخترنا أن نوحد صفوفنا مع عائلاتنا وأهلنا في منطقتنا، وننضم إلى الشمال الشرقي».

من رأى ليس كمن سمع!

وفي ردّه على تقارير قلّلت من حجم القوات المنشقة، قال إن «أهمية الخطوة لا تقاس بعدد الأفراد المنشقين». وأضاف قائلاً: «ليس الخبر كالمعاينة، ومن رأى ليس كمن سمع!».

وكشف النقاب عن أن أفراد وحدته أنهوا إجراءات التسجيل والدمج ضمن قوات الجيش الصومالي، قائلاً إنهم «سُجلوا في تعداد الجيش، ومررنا جميعاً للتنظيم، وانضممنا إلى الجيش الفيدرالي كوحدة نظامية»، لافتاً إلى أن «الجزء المتبقي سيجري تسجيله لاحقاً».

وأضاف: «لم يتبقَ في أرض الصومال أي تمثيل عسكري أو وجود عسكري لمناطقنا، كنت آخر وحدة موجودة معهم، واخترت الشمال الشرقي».

وميّز بين وجود قوات «أرض الصومال» في مناطقها التقليدية وبين قدرتها على تمثيل أو السيطرة على المناطق التي ينتمي إليها.

امتداد المجتمعات المحلية

وتعود جذور التوتر في محافظات سول وسناغ وأجزاء من توغدير (منطقة عَين)، حيث يدعى «إقليم أرض الصومال» سيطرته على هذه المناطق، ضمن حدود محمية الصومال البريطانية السابقة التي أعلنت استقلالها عام 1991. أما ولاية شمال شرقي الصومال، التي تطورت محلياً واعترفت بها الحكومة الفيدرالية العام الماضي، فتراها امتداداً لمجتمعاتها المحلية، خاصة عشيرة الدولباهانتي.

وبعد قتال عنيف عام 2023، انسحبت قوات الإقليم من لاسعانود ومناطق واسعة من سول، وبقيت خطوط التماس متوترة في سناغ ومحيط بوهودلي، حيث شهدت المنطقة منذ ذلك الحين انشقاقات متبادلة على المستويين السياسي والعسكري.

ونفى أشكاتو أي علاقة مباشرة بين قرار انشقاقه والتطبيع مع إسرائيل، موضحاً: «ليست هناك علاقة مباشرة بين قراري والتطبيع مع إسرائيل». وأضاف: «لكن لن يكون هناك تطبيع في شمال شرقي الصومال مع أي جهة لا نريدها».

إسرائيل... وزيارة واشنطن

وفي ديسمبر (كانون الأول) الماضي، أعلنت إسرائيل اعترافها باستقلال الإقليم، لتصبح بذلك أول دولة عضو في الأمم المتحدة تقدم على هذه الخطوة، حيث تم تبادل السفراء وفتح سفارة لأرض الصومال في القدس، وزيارة رسمية لرئيس الإقليم إلى إسرائيل في يونيو (حزيران) الماضي.

ورغم أن الاعتراف الإسرائيلي شكّل اختراقاً دبلوماسياً مهماً للإقليم، فإنه لم يسفر حتى الآن عن موجة اعترافات دولية.

وبحسب تقارير محلية، فإنه من المزمع أن يتوجه رئيس أرض الصومال، عبد الرحمن محمد عبد الله (عرو)، إلى العاصمة الأميركية واشنطن الشهر المقبل، ضمن وفد كبير يهدف إلى تعزيز فرص الاعتراف الأميركي بالإقليم.

وحاول العقيد أشكاتو تقديم انشقاقه باعتباره قراراً سياسياً واجتماعياً مرتبطاً بالانتماء إلى سكان المنطقة، قائلاً إن «أبناء مناطق سول وسناغ اختاروا بناء كيانهم السياسي الخاص»، داعياً أي شخصيات أو أفراد ما زالوا يتلقون رواتب من هياكل تابعة لأرض الصومال إلى الانضمام إلى ولاية شمال شرقي الصومال.

وبينما رحّبت ولاية شمال شرقي الصومال بالخطوة، لم يصدر عن سلطات أرض الصومال أي موقف رسمي حتى الآن. وبحسب رواية أشكاتو، فإن «الانشقاق قد يمثل أكثر من مجرد خسارة عسكرية محدودة، وقد يكون مؤشراً على مشكلة أعمق تواجه أرض الصومال في الشرق، ومدى قدرتها على الاحتفاظ بنفوذها في مناطق متنازع عليها من دون قاعدة محلية عسكرية وسياسية تستطيع الاعتماد عليها».


للأسبوع الرابع... الجيش اليمني يتصدّى لموجة التصعيد الحوثي

صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
TT

للأسبوع الرابع... الجيش اليمني يتصدّى لموجة التصعيد الحوثي

صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)
صورة دعائية وضعها الحوثيون خلفية على منصة في صنعاء تُظهر إطلاق مجموعة من الصواريخ (رويترز)

دخلت أحدث موجة من التصعيد الحوثي العسكري أسبوعها الرابع، مع اتساع نطاق العمليات على امتداد خطوط التماس، بالتزامن مع استهداف مناطق سكنية ومواقع للنازحين، في وقت كثفت فيه القوات الحكومية ردها على هجمات الجماعة المدعومة من إيران، ونفذت، وفق ما أعلنت، أكثر من 400 عملية خلال موجة التصعيد الحالية، شملت استخدام الطائرات المسيّرة والمدفعية واستهداف مواقع وتحركات وتعزيزات حوثية، إلى جانب إحباط محاولات التسلل.

وشهدت التطورات الميدانية خلال الساعات الـ24 الأخيرة نمطاً أقل نشاطاً؛ إذ اقتصر الأمر على تبادل القصف وعمليات الرصد والاستهداف على أكثر من جبهة؛ من مأرب والجوف شرقاً، إلى الحديدة وباب المندب والساحل الغربي، وسط مؤشرات على استمرار الجماعة في تهديدها العسكري ورفع مستوى المخاطر على المدنيين والممرات البحرية.

وفي شمال غربي وجنوب مأرب، استهدفت مدفعية القوات المسلحة اليمنية مواقع وثكنات تابعة للحوثيين، في إطار الرد على تحركات الجماعة وتصعيدها على خطوط التماس. وفي جبهة البرح بالساحل الغربي، أعلنت القوات الحكومية إحباط محاولة تسلل نفذتها عناصر حوثية، في وقت تواصل فيه الجماعة تحريك عناصرها ووسائلها القتالية في المناطق القريبة من خطوط المواجهة.

مدفعية تابعة للقوات الحكومية اليمنية في الساحل الغربي تقصف مواقع للحوثيين (إعلام عسكري)

وفي شرق الجوف اليمنية، استهدفت الجماعة بصاروخ باليستي محيط مناطق تضم مخيمات للنازحين والبدو الرحل؛ مما يضيف تهديداً جديداً على السكان المدنيين الذين يعيشون أصلاً في ظروف هشة. وفق ما نقله الإعلام العسكري.

وبالتوازي مع العمليات البرية، كثفت القوات الحكومية عمليات الرصد والاستطلاع والاستهداف، ونشرت مشاهد قالت إنها توثق ملاحقة قيادات حوثيين وتحركاتهم، إلى جانب استهداف تعزيزات ومواقع وتحصينات تابعة للجماعة في عدد من الجبهات.

تعقب القيادات

أظهرت المشاهد التي بثتها القوات المسلحة اليمنية عمليات تعقب بواسطة طائرات مسيّرة لقيادات حوثيين، قالت إنها تمكنت من استهدافهم، إضافة إلى عمليات استهداف لعربات عسكرية وتحركات وتعزيزات، في نمط يعكس توسع الاعتماد على الطائرات المسيّرة في مراقبة ساحة المعركة وتحديد الأهداف، على نحو بات أوسع حضوراً في هذه الموجة من التصعيد.

كما بث الإعلام العسكري اليمني مشاهد لعمليات استهداف تحصينات ومواقع وآليات عسكرية تابعة للحوثيين، في إطار ما تصفه القوات الحكومية بأنه رد متواصل على التصعيد الذي بدأ قبل نحو 20 يوماً، ولم يعد مقتصراً على جبهة واحدة.

جانب من استعراض القوات المسلحة اليمنية طيرانها المسيّر (إكس)

وتقول القوات الحكومية إن حصيلة عملياتها خلال هذه الفترة تجاوزت 400 عملية في عموم مناطق التماس، مستخدمة الطائرات المسيّرة والمدفعية ووسائل الاستطلاع، بالتوازي مع التصدي لمحاولات التسلل والهجمات الحوثية على مواقعها.

ويبرز الساحل الغربي اليمني بوصفه أحد أكبر مسارح التصعيد تأثراً، خصوصاً مع استمرار القصف الحوثي على المناطق السكنية وتحركات الجماعة البحرية في محيط باب المندب.

في الأثناء، أعلنت قوات المقاومة الوطنية الحكومية العثور على لغم بحري تابع للحوثيين في باب المندب، بالتزامن مع تدمير زورق مفخخ، في تطور يسلط الضوء مجدداً على المخاطر التي تمثلها الأنشطة الحوثية في أحد أهم الممرات البحرية الدولية.

وعلى اليابسة، قالت مصادر محلية إن مدنيين اثنين أصيبا بشظايا قذائف «هاون» أطلقتها الجماعة على منطقة الحيمة الساحلية في مديرية التحيتا جنوب الحديدة، في أحدث مثال على امتداد القصف إلى المناطق المأهولة بالسكان.

أثر أوسع

في ظل هذه التطورات الميدانية كان الأثر الأوسع للتصعيد يظهر في موجات النزوح المتواصلة من القرى الواقعة قرب خطوط التماس، خصوصاً في الساحل الغربي.

ففي منطقة دُباس شمال مديرية حيس (جنوب الحديدة)، أجبرت الهجمات الحوثية أكثر من 100 أسرة على مغادرة منازلها، بعد تصاعد القصف المدفعي والصاروخي واستهداف المناطق السكنية، بالتزامن مع زراعة الألغام والعبوات في محيط القرى.

يمني داخل مستشفى يحمل طفلة مصابة في هجوم حوثي (أ.ف.ب)

وقال مسؤول الوحدة التنفيذية لإدارة مخيمات النازحين في حيس، إبراهيم ناصر مشهور، إن التصعيد الحوثي المتواصل شمال المديرية تسبب في نزوح 104 أسر منذ مطلع يوليو (تموز) الماضي، داعياً الحكومة والمنظمات المحلية والدولية إلى الإسراع في توفير المأوى والغذاء والدواء، خصوصاً للأطفال.

واضطرت الأسر النازحة، وفق المصادر المحلية، إلى الاحتماء في مناطق جبلية وعرة وتحت الصخور الكبيرة، بعد أن فقدت منازلها ومصادر رزقها؛ في حين تسبب القصف في نفوق عدد من المواشي التي تعتمد عليها الأسر في معيشتها.

ولا تقف تداعيات التصعيد عند حدود دُباس، إذ تحدث مسؤولون محليون عن وصول عشرات الأسر يومياً إلى حيس من مناطق في مديريتي الجراحي وجبل راس، بعد تعرضها لضغوط أمنية وعسكرية دفعتها إلى مغادرة منازلها.

وقال نائب مدير «مكتب حقوق الإنسان» في محافظة الحديدة، غالب القديمي، إن الحوثيين يمارسون تهجيراً قسرياً بحق سكان قرى جنوب الجراحي وجبل راس، ويجبرون السكان تحت تهديد السلاح على مغادرة منازلهم، التي يحولونها لاحقاً، وفق إفادته، مواقعَ وثكناتٍ عسكرية.